أبحاث المشروع

التربية الإيمانية والفكرية في النظرية التربوية الإسلامية

التربية الإيمانية والفكرية

في النظرية التربوية الإسلامية

بحث مقدم لصالح مشروع إحياء نظام تربوي أصيل

إعداد

أ.د عبد المجيد النجار

أنجز في:

ذي الحجة  1330/ ديسمبر 2009

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمشروع

ومسجلة رسميـًا ومحمية بموجب القانون

خطة البحث

ـ توطئة

إنّ فعالية الإنسان في الحياة رهينة إلى حد كبير لنوع التربية التي يتلقاها من قِبل من يقومون بتربيته، فبقدر ما تُحسن تلك التربية تكون الفعالية، والعكس صحيح؛ ولذلك فإذا وجدت خللا في فاعلية فرد، أو عطالة حضارية في عطاء مجتمع، فابحث عن أسباب ذلك في النظام التربوي الذي يتخرج به ذلك الفرد، أو الذي يسود في ذلك المجتمع، فإنك ستجد خللا في هذا الجانب أو ذلك من جوانب ذلك النظام.

وإذ نرى الأمة الإسلامية تحاول النهوض من تخلفها منذ ما يزيد على قرنين، ولكنها لم توفّق بعد في هذا النهوض لتنطلق في إقلاع حضاري كما أقلعت أمم أخرى كانت في زمن ما في مستواها من التخلف أو في مستوى أدنى منه، فإن ذلك من شأنه أن يدعونا إلى النظر العميق والمراجعة الشاملة لنظمها التربوية التي تخرّج عليها شبابها في المعاهد والجامعات وسائر المؤسسات التربوية، وحينئذ فإننا سنجد شطرا كبيرا من الأسباب متمثلا في خلل ينخر تلك النظم فيعوقها عن أن تخرج المجتمع الفاعل الذي يصنع الإقلاع الحضاري.

وربما يكون هذا الخلل  المعطل للإقلاع الحضاري يصيب جوانب متعددة من النظام التربوي، غير أننا نقدّر أنّ ركنين من أركان هذا النظام يداخلهما من الخلل في الأنظمة التربوية الإسلامية ما يسهم بقدر كبير في قصورها عن أن تخرّج الأمّة القادرة على النهضة من كبوتها الحضارية، وهو ما يستلزم فيما نحسب مراجعة جادّة فيهما من أجل إصلاح ما اختلّ منهما، وهما التربية الإيمانية العقدية، والتربية الفكرية.

أما التربية الإيمانية العقدية فالمقصود بها ما يُنشّأ عليه المسلم من تصوّر لحقيقة الإيمان الذي يكون به مسلما كما هو مطلوب منه، والذي يكون له دافعا يدفعه ليقوم بما هو مطلوب منه من التعمير في الأرض بالمعنى الشامل للتعمير إنجازا للمهمة التي من أجلها خُلق، وهي مهمة الخلافة في الأرض. وأما التربية الفكرية فالمقصود بها ما يُنشّأ عليه المسلم من صفات في كيفية استعمال العقل ( أي في التفكير ) من أجل أن تمكنه تلك الصفات من أن يكون على القدر الأكبر من السداد في البحث عن الحق نظريا تقديرا للصواب وعمليا في حل المشاكل المعترضة، ويمكن أن نقول في التربية الفكرية على وجه الاختصار أنها هي التنشئة على التفكير الصحيح بأكبر أقدار ممكنة.

ومن المعلوم أنّ انطلاق الإنسان في الأرض ليقيم حياته عليها بإعمارها يكون محكوما على سبيل التوجيه إلى حدّ كبير بما يؤمن به من تصور لحقيقة الوجود والكون والحياة، فالنمط الذي يكون عليه ذلك التصور هو في الغالب الذي يحكم السعي الإنساني في الأرض بالإعمار، بحيث تثرى نتيجةُ ذلك السعي بناء حضاريا بقدر ما يكون عليه ذلك التصور من مطابقة للحقّ، وتفقر بقدر ما يكون عليه من مفارقة له، وهذه الحقائق هي ما نطلق عليه في ديننا اسم العقيدة أو الإيمان، فيكون إذن ما يحمله المسلم من تصور للحقائق الإيمانية العقدية على وجه التصديق العامل الأكبر من العوامل المحددة لنجاحه أو فشله في البناء الحضاري في وجهيه المادي والمعنوي.

ومن المعلوم أيضا أنّ الطريقة التي يتحرّك بها العقل للبحث عن الحقائق النظرية والعملية والتي يطلق عليها اسم عملية التفكير يتوقّف عليها إلى حدّ كبير إدراك الإنسان للحقائق، ويتوقّف عليها تبعا لذلك إلى حدّ كبير استثمار تلك الحقائق في بناء الحياة انتفاعا بمقدّرات الطبيعة، وترقّيا في بناء الذات الفردية، وإحكاما للنظم الاجتماعية، وتلك هي مجمل وجوه البناء الحضاري، فشتّان على سبيل المثال بين ما تفضي إليه في هذا الشأن طريقة التفكير الخرافية الأسطورية وما تفضي إليه طريقة التفكير الواقعية العلمية المنطقية فيما تثمره هذه وتلك من النتائج.

2 ـ إشكالية البحث

 بناء على ما تقدم فإنّ المهتمّ بشأن النهضة الإسلامية يستشعر إشكالا تربويا هاما يعوق انطلاق هذه النهضة، وهو الإشكال المتمثل أولا في التصور العقدي الدافع للنهوض، وفي منهجية التفكير التي بها يكون البحث عن الحقيقة ومعالجة المشاكل واتخاذ المواقف، ففي كل من هذين العنصرين في مجال التربية إشكال ينبغي معالجته، وخلل يستدعي الإصلاح.

أما فيما يتعلق بالتربية العقدية فالمشكلة هي كيف يمكن تنشئة المسلم على إيمان يدفع إلى التعمير في الدنيا بجميع وجوهه المادية والمعنوية، ليكون ذلك التعمير هو أحد معاقد النجاة في الآخرة وفقا لما هو مقرر في الدين من أنّ ” الدنيا هي مزرعة الآخرة” دون أن يبقى ذلك الإيمان مقتصرا على إيمان بغيبيات مقطوعة الصلة بالتعمير الدنيوي كما هو شأن التربية العقدية الشائعة اليوم.

وأما فيما يتعلق بالتربية الفكرية، فالمشكلة هي كيف يمكن أن نخرج الناشئة المسلمة على منهجية في التفكير مستجيبة للتوجيه القرآني في هذا الشأن، تنطلق من الواقع المادي والإنساني، وتنضبط بأصول الدين الثابتة، وتتصف بالشمولية في النظر والنقدية والمقارنة فيه، حتى إذا ما انطلقت في معالجة الابتلاءات النظرية والعملية كانت أقرب ما يمكن إلى إصابة الحقيقة، وإلى الحلول الموفقة للمشاكل، بعيدا عن المثالية المجردة المتعالية عن الواقع، وعن الخطية والأحادية في النظر، وعن الاعتباطية في لأحكام كما هو شأن كثير من تصرفات المسلمين اليوم.

3 ـ الفكرة المحورية للبحث

إن الفكرة المحورية للبحث هي الجواب على الإشكالية المعروضة آنفا في كل من شقيها: التربية الإيمانية العقدية التي تخرّج الناشئة المسلمة على الدافع التعميري في الأرض، وتوجه فلسفيا المسيرة النظرية والعملية للتعمير، والتربية الفكرية التي تكسب تلك الناشئة النظر الصحيج والعمل الفاعل الرشيد في سبيل تحقيق الهدف الحضاري الذي يقتضيه ذلك الدافع الإيماني. وفيما يلي تفصيل لهذه الفكرة المحورية:   

 أ ـ التربية الإيمانية: الواقع والمراجعة

إنّ التربية الإيمانية العقدية السائدة في المجتمعات الإسلامية من خلال المؤسسات التربوية على مختلف درجاتها وأنواعها نقدّر أنها تتعرّض لخلل بيّن يجعل هذه التربية لا يثمر فيها التصور الإيماني العقدي الحاصل بها الدافعية الكافية لإنجاز التعمير في جانبيه المادي والمعنوي الاجتماعي، وذلك لما هو منته إليه في واقعه من تفاوت بينه وبين الحقيقة الإيمانية العقدية كما جاءت بها نصوص القرآن والسنة، وكما تحمّلها الجيل الإسلامي الذي بنى الحضارة الإسلامية في عهودها الزاهرة.

إنّ الإيمان بالحقائق العقدية كما في أصول الدين هو الإيمان بما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يتعلق بحقيقة الوجود الغيبية ألوهية ونبوة وبعثا، ومما يتعلق بحقيقة الإنسان في بعده الفردي والاجتماعي من تكريم وحرية ووحدة وتكافل وتناصر وسعي للعلم وانطلاقا في التعمير وما في حكم هذه القيم، والإخلال بأيّ حقيقة من هذه الحقائق في نوعيها يكون قادحا في الإيمان قدح إبطال أو قدح إضعاف إلى أدنى الدرجات على الأقلّ كما تثبت ذلك كثير من الآيات والأحاديث.

ومن شأن هذا التصور الإيماني العقدي إذا ما أصبح معتقدا راسخا للمسلم أن يدفع به إلى البناء التعميري في الطبيعة وفي المجتمع يتضافر على ذلك ما هو غيبي وما هو مشهود، وذلك لما يقر في نفسه من أنّ التقاعس في كل من هذا وذاك من شأنه أن يقدح في إيمانه الذي هو معقد نجاته، فكما إذا داخله الشكّ بلهَ الإنكار على سبيل المثال في خصوص حقيقة البعث كان ذلك مسقطا لإيمانه تكون أيضا مداخلة الشكّ أو الاستهانة بلهَ الجحود لحقيقة حرية الإنسان وحقوقه، أو حقيقة التعلّم، أو حقيقة التكافل، أو حقيقة السعي التعميري مسقطة لإيمانه أو هاوية به إلى دركات من الضعف، وهو ما من شأنه أن يدفع المؤمن إلى التعمير في الأرض بأسبابه إذ ذلك أصبح أمرا له علاقة بالنجاة والخسران في يوم الحساب.

ولو تأملنا في وضع التربية الإيمانية العقدية في واقع النظام التربوي الإسلامي لوجدنا الأمر مختلفا عما كنا نشرح آنفا، إذ تُنشّأ الأجيال في الغالب على أنّ الإيمان بالحقائق العقدية الذي هو معقد النجاة يكاد يقتصر على الإيمان بالحقائق الغيبية، أما ما سواها من مثل تلك الأمثلة التي ذكرناها فإنها لا تدخل ضمن تلك الدائرة وإنما توضع في دائرة أخرى قد تُسمّى أحيانا بدائرة الشريعة في مقابل دائرة العقيدة، وهي دائرة أدنى منها، وفي الغالب الأعمّ لا يقع الربط بينها وبين حقيقة الإيمان في اكتماله بها فضلا عن تقوّمه بها، وحينئذ فإنّ المنشّأ على تربية هذه طريقتها لا يكون له من إيمانه دافع قويّ إلى التعمير وأسبابه من العلم والوحدة والتكافل وما في حكمها، فلا يكون إذن نهوض حضاري بهذه الطريقة التربوية.

أ ـ التربية الفكرية: الواقع والمراجعة

ولا يختلف الأمر كثيرا عن ذلك فيما يتعلق بالتربية الفكرية، فقد جاء الإسلام في مجال المنهجية الفكرية بثورة معرفية غير مسبوقة، وناهيك في ذلك على سبيل المثال بأنه وجّه العقول إلى أن تنظر في سعيها إلى معرفة الحقيقة إلى الواقع الطبيعي  ليكون منطلقا لتصوّر الحقائق الغيبية من جهة، ومعرفة الحقائق الكونية  وكيفيات استثمارها من جهة أخرى وقد كان النظام المعرفي في العالم يقوم على المنطق الصوري أو على التروحن ولا علاقة لكلّ منهما بالواقع الطبيعي.

لقد كوّن التعليم القرآني والهدي النبوي عقولا تتصف بخصال في التفكير النظري والعملي قوامها على سبيل المثال الحرية في النظر، والواقعية في المنطلق، والحوارية في التدافع، والتبيّن في الخبريات، والمقارنة والنقد في محاكمة الآراء غير ذلك من القواعد المنهجية التي شكّلت الثقافة الإسلامية قرونا، والتي توصّل بها المسلمون إلى تلك المدوّنة الواسعة النطاق من العلوم الطبيعية والشرعية القانونية، والإنسانية، عليها انبنت تلك الحضارة الإسلامية العظيمة، ولم تكن تلك الخصال الفكرية لتصبح ثقافة للأمة إلا بنظام تربوي تعليمي اشتُقّ من التوجيه القرآني والهدي النبوي، وسهر على تقريره وتطبيقه المربون والعلماء طيلة قرون.

ولو تأمّلنا الواقع التربوي الإسلامي اليوم من حيث هذه الزاوية التربوية الفكرية لوجدنا أنّ هذا الركن العظيم من أركان التربية لا يحظى إلا بالقدر اليسير من الاهتمام، وقد لا يحظى بأيّ قدر منه أصلا. إنّ المناهج التربوية السائدة في العالم الإسلامي تولي شطر اهتمامها بالتعليم لحشو العقول بالمعارف في أكبر قدر منها، ولكنها لا تهتمّ كثيرا بتربية العقول تربية مصنوعة مقصودة في منهاجها وفي نظامها وفي أدواتها على حسن التفكير ليكون العقل صائبا في أحكامه، متعاملا مع مادّة المعرفة بما يوصّل إلى الحقيقة فيها، ومتعاملا مع المواقف بما يوصّل إلى حسن التدبير في إدارتها، وذلك بتخريج العقل على مثل تلك الصفات التفكيرية التي ذكرنا بعضا منها آنفا.

ونتيجة لهذه المسالك التربوية فيما يتعلق بالتربية الفكرية يتخرج الكثير من أبناء الأمة إن لم يكن الأكثر على عقول تتشكّل على أحادية النظر وحرفيته وخطّيته، وعلى المثالية التي لا تهتمّ كثيرا بالواقع في بعده الطبيعي والتاريخي الإنساني، وعلى ضعف كبير في المقارنة والنقد لتبيّن الحقّ من الباطل والصحيح من الخاطئ، وعلى التقيّد التقليدي بآراء السابقين أو آراء المشائخ والأقطاب، وعلى الانغلاق دون الآخرين رفضا للحوار الذي تكون فيه المحاجّة لمحاكمة الآراء، ولا تخطئ العين الناقدة هذه الملاحظ أينما التفتت في مؤسسات البلاد الإسلامية شرقيها وغربيها إلا أن تكون استثناءات غير كثيرة. وأنّى لأمّة يتخرّج أبناؤها على هذا النحو من التفكير أن تكون لها ريادة أو ابتكار أو تميّز ترفعها لتنهض من واقع التخلّف.

وبناء على ذلك فإن الحاجة لتدعو إلى مراجعة التربية الفكرية في المؤسسات التربوية الإسلامية في اتجاه أن يولى الاهتمام بصفة جادّة ومصنوعة ومبرمجة بتشكيل العقل على كيفية من التفكير السديد، وربما يكون ذلك من خلال جملة من العناصر من أهمها ما يلي:

4 ـ محاور البحث

في سبيل تحرير هذه الفكرة المحورية في بعديها التربوي الإيماني والتربوي الفكري يقتضي الأمر البحث في المحاور التالية:

 مقدمة تمهيدية:

ـ  أهمية التصور العقدي والمنهج الفكري في الفعالية التعميرية للإنسان

ـ الأهمية الخاصة للتصور العقدي والمنهج الفكري في التربية الإسلامية في الأداء التعميري تأصيلا وتاريخا.

أولا ـ التربية الإيمانية

1 ـ مفهوم التربية والتربية الإيمانية

2 ـ المسار التاريخي للتربية الإيمانية

أ ـ التربية الإيمانية في نسختها الراشدة

ب ـ الخلل الطارئ على التربية الإيمانية وآثاره

3 ـ المضمون في التربية الإيمانية

أ ـ التربية على حقيقة الوجود والكون

ب ـ التربية على حقيقة الإنسان ودوره في الحياة

ج ـ التربية الإيمانية في المجال السلوكي

4 ـ المنهج في التربية الإيمانية

أ ـ المنهج العقلي في التربية الإيمانية

ب ـ المنهج العلمي في التربية الإيمانية

ج ـ المنهج النفعي في التربية الإيمانية

د ـ التفعيل الإرادي لإيمان

5 ـ خلاصة للتربية الإيمانية 

ثانيا ـ التربية الفكرية

1 ـ الفكر والتربية الفكرية

2 ـ المسار التاريخي للتربية الفكرية

أ ـ النسخة الراشدة في التربية الفكرية

ب ـ الخلل الطارئ على التربية الفكرية

4 ـ العناصر الأساسية للتربية الفكرية

  أ ـ الشمولية في النظر

  ب ـ الواقعية في منطلقات البحث عن الحق

  ج ـ الكلية والتوحيد

  د ـ التبين والتمحيص

  هـ ـ المقارنة والنقد

5 ـ منهجية التربية الفكرية

  أ ـ التربية الفكرية بالعلوم المنهجية

  ب ـ التربية الفكرية بالتعليم الحواري

  ج ـ التربية الفكرية بالتعلم الذاتي

ثالثا ـ   الخلاصة والنتائج  

5 ـ  المصطلحات والمفاهيم الأساسية للبحث

تتردد في هذا البحث جملة من المصطلحات والمفاهيم الأساسية، وهو ما يدعو إلى تحديد وضبط مدلولاتها حتى يكون المتكلم والسامع على صعيد واحد في تداول المعاني وفي مناقشتها، ومن أهم تلك المصطلحات والمفاهيم ما يلي:

ـ الإيمان ( العقيدة ): التصديق بما جاء به النبي ﷺمبلغا عن الله تعالى مما يتعلق بالغيب أو بالتكاليف السلوكية، وإذا كان الإيمان يطلق على كل ذلك بصفة عامة، فإنه يطلق بصفة خاصة على الكليات منه المعلومة من الدين بالضرورة.

ـ التربية الإيمانية: هي تنشئة المسلم على التصور الصحيح لمفردات الإيمان، وعلى التصديق بها على سبيل الجزم، وعلى أن تكون دافعة للعمل السلوكي موجهة للحياة في جميع مجالاتها.

ـ الفكر: هو منهجية العقل في حركته بحثا عن الحقيقة النظرية والعملية.

ـ التربية الفكرية: هي تنشئة المسلم على منهجية صحيحة في حركة العقل مشتقة من التوجيهات القرآنية، من أجل الوصول إلى الحقيقة النظرية، ومن أجل تدبير الحياة العملية على أساس تلك الحقيقة ترقية للذات الإنسانية فردا وجماعة، وتعميرا في الأرض بما ينفع الناس.

 ـ التعمير في الأرض: هي البناء الحضاري متمثلا في ترقية الإنسان لذاته الفردية والجماعية، وفي ارتفاق الطبيعية لما فيه خير الإنسان استثمارا  لمقدراتها  ورفقا بها أن يطالها الفساد.

 6 ـ الحاجة للبحث

حينما يكون مجال الاهتمام هو الإحياء التربوي على معنى أن تعالج الناشئة بتربية تثمر النهضة الحضارية فإن الأمر يصبح داعيا إلى البحث في التربية الإيمانية والفكرية؛ إذ أنّ إحياء التربية الإيمانية من خلال مراجعتها مفهوما ومنهجا من شأنه أن يكون المؤطر الفلسفي لمشروع الإحياء بأكمله باعتباره مشروعا إسلاميا يقتضي أن يرتكز على أساس إيماني بمعتقدات الدين الإسلامي.

وكذلك الأمر بالنسبة للتربية الفكرية، إذ النهضة المبتغاة بتوجيه إسلامي لا يمكن أن ينهض بها إلا عقل إسلامي مشكّل تشكّلا فكريا وثقافيا مشتقا من التوجيهات المنهجية القرآنية، دون أن يكون ذلك مانعا من الاستفادة من الكسب الإنساني في هذا الشأن، فيكون المشروع الإحيائي إذن محتاجا على وجه الابتداء إلى هذا البحث في التربية الإيمانية والفكرية.

7 ـ  علاقة البحث بالمشروع

إذا كان مشروع الإحياء التربوي يقوم على مراجعة التربية الإسلامية لتكون تربية تخرج الناشئة القادرة على البناء الحضاري، والخروج من وهدة التخلف التي رسفت فيها الأمة طويلا، فإنه فيما نقدر من أهمّ مجالات تلك المراجعة هي المراجعة في مجال التربية الإيمانية والفكرية؛ لأن التربية الإيمانية هي التي تكوّن الرؤية الحضارية في قسميها النظري العقدي والسلوكي العملي، وتنشئ في نفس المتخرج بهذه التربية العزم القاصد على الانطلاق في الإنجاز بمقتضى الإيمان الشامل بقيم الغيب والشهادة، كما تنشئ المتخرج على التفكير الصحيح الراشد وهو يندفع في الإنجاز، فيهتدي إلى الحلول بمنهجية ابتكارية رائدة، وإذن فإن مراجعة التربية الإيمانية والفكرية تندرج بوضوح ضمن الرؤية الكلية لمشروع الإحياء التربوي فيما نقدر.

ويتنزل هذا البحث ضمن المشروع في قسمه النظري التأصيلي المتعلق برسم الرؤية الفلسفية الموجهة للمشروع بأكمله وخاصة فيما يتعلق منه بالتربية الإيمانية، وكذلك فيما يتعلق بالتربية الفكرية إذ النهضة تحدث بفكرة دافعة هي المعتقد وبمنهجية في حركة العقل هي الفكر، وكل مشروع تربوي يروم إحداث نهضة ينبغي أن يبنى في وضوح على صياغة الفكرة الدافعة وعلى منهجية عقلية في كشف الحقائق وإدارة شؤون الحياة بفاعلية.

8 ـ منهجية إنجاز البحث

يتمّ إنجاز هذا البحث بمنهجية تعتمد على جملة من المعطيات، وتتبع جملة من الخطوات نجملها فيما يلي:

أما المعطيات، فأولها التجربة الإسلامية التربوية الرائدة في هذا المجال، وثانيها الكسب الإنساني في مجال التربية الفكرية على وجه الخصوص، وثالثها التجربة الشخصية في ممارسة عملية للتربية طيلة ما يقارب نصف قرن، والرابع الوضع التربوي الذي عليه واقع الأمة على سبيل المقارنة والاعتبار.

وأما الخطوات فهي التالية:

ـ استحضار المنطلق التأصيلي للبحث من نصوص قرآنية وحديثية  ذات صلة بالموضوع بصفة مباشرة أو غير مباشرة.

ـ استحضار ما له علاقة بالبحث من التراث التربوي الإسلامي سواء ما تمثل منه في آراء نظرية أو في تطبيقات عملية، وبالأخص ما دونه نظريا برهان الدين الزرنوجي في كتابه ” تعليم المتعلم طرق المتعلم ” وابن خلدون في ” المقدمة”.

ـ استحضار بعض الكتابات التربوية الحديثة مما له علاقة بالرؤية التي تطرحها الورقة، وهي كتابات قليلة في الجملة، ونذكر منها على سبيل المثال: بعض ما كتبه الدكتور محمد المبارك ضمن سلسلة الأنظمة الإسلامية، والدكتور يوسف القرضاوي في كتبه العقدية، والأستاذ سيد قطب في تفسيره الضلال.

وبعد استحضار هذه المدونات وما قد يسفر عنه البحث من غيرها يقع التأمل فيها للاستعانة بها على بناء البحث المبتغى بفكرته المطروحة آنفا اعتمادا في الأغلب على التأملات والاستنتاجات  لشح المراجع المباشرة في الموضوع، وبذلك فسيكون المنهج الغالب في إنجاز البحث هو المنهج التركيبي الاستنتاجي.

9 ـ الدراسات السابقة

إ ن الدراسات السابقة في هذا الموضوع بالأبعاد التي طرحناها لم تكن فيما نقدر آخذة حظها من الاهتمام بما يتلاءم مع خطورة الموضوع، وإذا كانت مصطلحات التربية الإيمانية أو التربية الفكرية رائجة في المدونات التربوية إلا أن الأبعاد التي تحملها في تلك المدونات هي أبعاد محدودة على المستوى التنظيري، وكذلك  الأمر بالنسبة للمسالك الإجرائية في المنظومات التربوية .

غير أن الباحث المنقب يضفر في الأدبيات التربوية قديمها وحديثها على أفكار وتحليلات وتوجهات بالغة الأهمية في شأن ما نحن بصدد الحديث عنه متعلقا بالتربية الإيمانية والفكرية، وهو ما يمكن الانطلاق منه  على سبيل الاستفادة  وبهدف الإثراء والتطوير.

ويمكن أن نشير في هذا الصدد في المدونات التربوية القديمة ما دونه برهان الدين الزرنزجي في كتابه ” تعليم المتعلم طريق التعلم” وهو كتاب ينطق عنوانه بأهمية محتواه في التربية الفكرية على وجه الخصوص، كما نشير أيضا إلى  ما جاء في مقدمة ابن خلدون من بيانات مهمة في شأن التربية الإيمانية والفكرية، وذلك بالإضافة إلى إشارات وتوجيهات هامة في المؤلفات التربوية من مثل مؤلفات محمد بن سحنون وأبي الحسن القابسي.

كما يمكن أن نشير في المدونات التربوية الحديثة إلى ما كتبه محمد المبارك في التربية العقدية فهو عظيم الفائدة بالرغم م صغر الحجم، وكذلك ما كتبه الشيخ يوسف القرضاوي فيما يتعلق بالتربية الإيمانية في شمولها لشؤون الحياة النظرية والعملية، ويتميز في هذا الصدد ما دون عماد الدين خليل في كتابه: نحو إعادة تشكيل العقل المسلم، فيما يتعلق بالتربية الفكرية.

وربما يسفر البحث بتطور مراحله عن مدونات تربوية أخرى ذات أهمية فيما نحن بصدد درسه، فيقع الاستفادة منها كمراجع تضاف إلى القائمة المثبتة أدناه.

10 ـ  الإضافة المنتظرة من البحث

إذا ما اكتمل البحث على الصورة التي وصف بها، والعناصر المشار إليها فإننا نحسب أنه سيكون فيه إضافة في التربية الإيمانية والفكرية للناشئة المسلمة من شأنها أن تجعل المسلم المتخرج منها يفكّر بالطرق الأصحّ من جهة، وينطلق من جهة أخرى في الإنجاز التعميري بدافع إيماني يرشّد إنجازه ويقويه، وهي الشروط الأساسية للنهضة من التخلف الذي عليه الأمة منذ زمن وهي تحاول التخلص منه فلا تستطيع لأسباب من أهمها غياب التربية السليمة القائمة على التفكير الصحيح والإرادة الإيمانية.

وإنما نحسب أنّ في هذا إضافة، وذلك بالنظر إلى الواقع التربوي الراهن في البلاد الإسلامية، فهو واقع لا يولي للتربية الفكرية الأهمية اللائقة بها، إذ تغلب عليه النزعة التلقينية، كما أنه لا ينضبط فيه الدافع الإيماني ليكون دافعا مؤطرا للمشروع التربوي بأكمله مما ينجر عنه ارتباك في المسيرة التربوية للناشئة المسلمة، وكل ذلك متحقق بأقدار معتبرة في كل من التنظير التربوي والإجراءات التربوية على حد سواء.

صلب البحث

مدخل تمهيدي

تعني التربية في مفهومها الأساس تنشئة الإنسان على هيئة من الفكر والسلوك تمكنه من تحقيق هدف له من حياته مرسوم، فالأنظمة التربوية بدائية كانت أو حضرية، تلقائية كانت أو مصنوعة، تحدد أول ما تحدد هدفا لحياة من تعالجهم بالتربية من الناشئة عظيما أو صغيرا، حقا أو باطلا، ثم تكون هذه المعالجة بالتربية إنما تعني أخذ أولئك الناشئة لتربيتهم على خصال في الشخصية الفردية والجماعية تجعلهم قادرين على المضي في الطريق الموصل إلى تحقيق ذلك الهدف المحدد.

وهذا المفهوم للتربية يستلزم أول ما يستلزم أن يُربّى من يراد تربيته على الإيمان بالهدف المبتغى من حياته، وعيا بحقيقته وتصديقا بها، وتحفزا من أجل المضي في سبيل تحقيقه، كما يستلزم أيضا التربية على نمط من التفكير ينخرط به المربَّى في معالجة لحياته النظرية والعملية بما يتلاءم مع المقتضيات التي تستجيب للهدف وتقرب من تحقيقه، فإذا هما إذن عنصران أساسيان لا يخلو منهما أي نظام تربوي: إيمان بهدف في الحياة، وتكوين فكري على ما يوصل إلى تحقيق ذلك الهدف.

والإسلام دين جاء يرسم للإنسان هدفا للحياة، وهو هدف أن يكون خليفة في الأرض على معنى أن يطبق أوامر الله تعالى ونواهيه فيها، مع ما يقتضيه ذلك من تصور إيماني تصديقي لحقيقة الوجود والكون والإنسان والحياة، فصار الإيمان بذلك الهدف ومقتضياته هو جوهر الدين وحقيقته، وهو معقد النجاة في الدنيا والآخرة، فهو إذن محور الحياة الإنسانية في أبعادها النظرية والسلوكية.

وإذا كان الوحي جاء يخبر الإنسان بهذه الحقيقة، ويدعوه إليها إيمانا وعملا، فإنه لم يتركه مرسلا في تحمّلها تصديقا، ولا في العمل بمقتضاها سلوكا، وإنما كما جاء الدين بهذا الهدي في المضمون جاء أيضا بهدي في المنهاج التربوي الذي يؤخذ به الإنسان ليتحمّل هذا المضمون بالتصوّر الواعي لحقيقته، والتصديق الإيماني بها، والتحفيز الإرادي للمضي في التطبيق العملي لمقتضياتها، ثم ليفكر التفكير السديد في كل تلك المراحل من أجل إصابة الحق فيها والإحسان في إنجازها ليتحقق الهدف المبتغى وهو الخلافة في الأرض على منهج العبادة، فهو إذن نظام تربوي متكامل يقوم على ذينك المحورين المشار إليهما آنفا: تربية على الإيمان بالهدف المرسوم، وتربية على التفكير السديد من أجل المضي في الطريق الموصل إليه.

إن المتأمّل في القرآن والسنة بعين تربوية يجد أنهما اشتملا على أصول في التربية تناولت التربية الإيمانية بما وجّهت إليه من منهج في فهم الحقائق العقدية الفهم السديد، والإيمان بها الإيمان الصحيح الذي يجعل الإنسان متمثّلا على وجه القطع لمهمته في الحياة مع كل مقتضياتها من التصورات، مندفعا للمضي في طريق الإنجاز الفعلي لتلك المهمة، وبما وجهت إليه أيضا من منهج في التفكير من شأنه أن يجعل المؤمن يوجّه عقله في الطريق المؤدي إلى الحقيقة النظرية والعملية بأضمن ما يمكن في الوصول إليها من أجل المضي في تحقيق الهدف حتى ليمكن القول إن القرآن والسنة جاءا بهدي تربوي متمثل في نظرية متكاملة للتربية إن لم تشتمل على التفاصيل والجزئيات فهي تشتمل على الأصول والكليات.

ولقد تشرّب المسلمون هذه النظرية التربوية من القرآن والسنة كما تشرّبوا مجمل الهدي فيهما في شتى مجالاته، فلما انطلقوا في الحياة يؤسسونها على ذلك الهدي العام كان النظام التربوي الذي أسسوه متقوما بما في القرآن والسنة من الأصول في هذا المجال، وجرى الأمر على ذلك أول الأمر فيما يشبه التلقائية، ثم لما نشأت العلوم وتطورت أصبحت التربية علما من بينها ألّف فيها المؤلفون، وقرروا فيها الأصول والقواعد، وأجروا عليها حركة العلم والتعليم في شتى أقطار الإسلام، مفرعين الفروع ومفصلين التفاصيل من تلك الأصول الكلية الواردة في القرآن والسنة، ومطبقين كل ذلك في نظام تعليمي تربوي بديع، فانضاف إذن الجانب العملي التطبيقي إلى الجانب النظري التأصيلي، وتكاملت بذلك النظرية التربوية الإسلامية التي أنتجت تلك الحضارة الإسلامية المشهودة قائمة على تلك المدونة الرائعة من العلوم التي هي فخر الإسلام والمسلمين إلى يوم الدين.

لقد ظلت الناشئة المسلمة طيلة قرون تتربى على هذه النظرية الإسلامية في التربية نظريا وعمليا، وذلك على الأخص فيما يتعلق بالتربية الإيمانية التي يُنشّأ فيها المسلم على التصور الصحيح لحقيقة الإيمان فيما ينبني عليه من غاية للحياة تدرج ضمنها كل الرؤى وكل الأعمال، كما ينشّأ فيها على منهج في التفكير يجعل بحثه عن الحق النظري والعملي ينتهي إلى العلم به، سواء تعلق ذلك الحق بتصور الوجود، أو بقوانين الكون، أو بطيعة الإنسان، فإذا هو يدرج ذلك الحق الذي يصل إليه ضمن مسيرته في تحقيق الهدف من حياته، ومن مجموع هذا وذاك يشارك ضمن المجتمع في البناء الحضاري في وجوهه المعنوية والمادية.

ولما بدأت مسيرة المسلمين في الانحدار أصاب ذلك أول ما أصاب نظامهم التربوي فتداعت له سائر وجوه الحياة بالسقوط، إذ قد ضعفت التربية الإيمانية بخلل في تصور حقيقة الإيمان المرتبطة بغاية الإنسان في الحياة، وبخلل في المنهجية التي تحصل بها تلك الحقيقة في الأذهان حصول اليقين الدافع إلى العمل، كما ضعفت التربية الفكرية بما أصابها من خلل في منهجية البحث عن الحقيقة انحرافا عن تلك الأصول التي قررها القرآن الكريم في النظر العقلي، وهكذا أصبح النظام التربوي الإسلامي عاجزا عن أن يخرّج الإنسان الخليفة في الأرض، المعمّر فيها، فتراجعت الحضارة الإسلامية ذلك التراجع المعلوم بأسباب من أهمها الخلل في النظام التربوي في محوريه الإيماني والفكري.

ولما اختلط المسلمون بحضارة الغرب، وتأثّرت حياتهم بوجوه تلك الحضارة في وجهها الثقافي على وجه الخصوص انضاف عامل آخر من عوامل الخلل التربوي إلى ما سبق ذكره، إذ قد هُجر النظام التربوي الإسلامي جملة، واقتبس النظام التربوي الغربي الذي تأسس على خلفية ثقافية وفلسفية غير ثقافة الإسلام وفلسفته، فإذا هو نظام تحمل عليه الناشئة المسلمة وهي مؤمنة بعقيدة الإسلام وقيمه مهما يكن من درجة إيمانها واستقامته، فرُكّب إذن هذا النظام على نقيضه، فولّد في نفوس المسلمين انفصاما سبّب فيها اضطرابا في الفكر وفي السلوك، فلم تستطع نتيجة ذلك أن تنهض بالأمة من كبوة التخلّف، وتدفع بها إلى طريق الشهود الحضاري، وذلك بالرغم من محاولاتها في ذلك منذ أكثر من قرنين من الزمن.

ومن هذا الوضع نشأت مشكلة حقيقية تتعلق بالنظام التربوي في البلاد العربية والإسلامية، وهي مشكلة اضطراب في التصوّر الإيماني، إذ قد انحرف هذا التصور ليكون متمحضا أو يكاد للإيمان بالغيبيات، مهملا الإيمان بما هو سلوكي عملي أن يكون من مدلولات الحقيقة الجوهرية للإيمان، وهو ما نشأ عنه تخلف للجوانب العملية في الحياة الفردية والجماعية، إذ أصبحت غير مدرجة في الوعي الديني ضمن منظومة الإيمان، كما أنها مشكلة اضطراب في التفكير الذي به يتمّ إدراك الحقائق وترشيد المواقف، حيث مال هذا التفكير إلى السطحية والأحادية والمثالية وعيوب أخرى، فلم يعد قادرا على أن يكون مبادرا رائدا مبتكرا، ولا تقوم النهضة إلا على مثل هذه الصفات في الفكر نتيجة تربيته على نحو مخصوص من التربية، كما لا تقوم إلا على التمثّل الصحيح للإيمان.

وإذا كان العديد من المربين يستشعرون هذه المشكلة، ويعبرون على هذا الشعور بالمقالات وربما ببعض البحوث والمؤلفات، فإن ذلك لم يرق إلى أن يتجمع في تيار تربوي عام يعبر عن نفسه في مشروع متكامل يعالج من بين ما يعالج هذا الخلل التربوي في بعده الإيماني والفكري؛ ولذلك فإن المناهج التربوية بصفة عامة والمناهج المعتمدة في المؤسسات التعليمية الدينية بصفة خاصة ما زالت تعتمد في شروحها للإيمان على ما ينحو به المنحى النظري الغيبي، وتكاد تحصره فيه، وأما المؤسسات التربوية العامة فإنها لا يتوفر فيها في كثير من الأحيان حتى هذا المنحى النظري على وجهه الصحيح، وما زالت في التربية الفكرية تكرس التلقين وأحادية النظر وتقييد الحرية والاستهانة بالتعلم الذاتي، فلا ينتج من ذلك إلا الفكر العاطل الذي لا يقدر على إحداث النهضة بما ينتج من رائدات الأفكار ومحركات السواكن من أجل البناء الحضاري.

إن الأمر ليدعو إذن إلى إحياء للنظرية التربوية الإسلامية، وبنائها من جديد، تأسيسا على تلك الأصول المقررة في القرآن والسنة، وتأصيلا على ذلك المخزون الثري من الآراء التربوية في التراث الإسلامي التي أنتجت التجربة الحضارية الإسلامية الثرية، واستفادة من الكسب الإنساني العام في مجال التربية ما يتعلق منها على وجه الخصوص بالتفاصيل الإجرائية، والتراتيب التنظيمية والإدارية، وذلك ما نحاول أن نقوم به تاليا فيما يتعلق بالتربية في جانبها الإيماني والفكري.

المبحث الأول ـ التربية الإيمانية

الإنسان كيان موحّد، تتعدد قواه ونوازعه ومشاربه، ولكنه يظلّ وحدة متفاعلة، تتفاعل فيه تلك القوى والنوازع، ويمتدّ بعضها إلى بعض بالتأثر والتأثير، ويتداعى بعضها لبعض بالاستجابة عند الطلب، حتى إنه ليمكن القول إن هذه التقاسيم في الكيان الإنساني إنما هي تقاسيم اعتبارية يكاد لا يكون لها وجود في واقع ذلك الكيان؛ ولذلك فإنه حينما تقسم التربية إلى أقسام مثل التربية الجسمية والأخلاقية والفكرية والإيمانية وغيرها، فإن الأمر ينبغي أن لا يؤخذ على أنه تقسيم قائم على الفواصل، وإنما هو لمجرد التقسيم الاعتباري للتعمق في الدرس، وإلا فإن التربية إذا لم تكن شاملة للإنسان كوحدة متكاملة فإنها قد لا تأتي بالثمرة المطلوبة منها، ومن ثمة فإن تناولنا في هذا السياق للتربية الإيمانية يندرج ضمن التعمق في درس هذا الجانب التربوي، وهو ما يستلزم بيان المقصود بالتربية الإيمانية قبل الخوض في سائر العناصر المندرجة ضمنها.

أولا ـ التربية والتربية الإيمانية

لا يخلو أن يكون الإنسان حاملا لتصورات عن الكون والحياة  يؤمن على نحو من الإيمان بأنها هي الحقيقة، وهي تصورات يكتسبها في الأغلب من بلاغ تربوي يتلقاه من غيره، مجتمعا أو معلما أو مؤسسة، سواء كان تلقائيا أو مصنوعا. وفيما نحن بصدده فإن هذه التصورات نقصد بها المعتقدات التي جاء الإسلام يكلّف الإنسان الإيمان بها، ونقصد بالبلاغ التربوي تنشئة المسلم على التصديق بتلك المعتقدات بتربية مصنوعة، فما هو مدلول هذه التربية، وما هو مدلول التربية الإيمانية؟

1 ـ التربية

لئن تعددت تعريفات التربية فلعل أقرب مفهوم لها فيما نحن بصدده أنها تعني إعداد الإنسان فكريا وسلوكيا وجسميا ليكون قادرا بأكبر قدر ممكن على إنجاز الغاية من حياته كما هي مطروحة عليه أو كما هو مقتنع بها. إن هذا المعنى العام للتربية لا يخلو منه أيّ نظام تربوي مهما كان بدائيا أو في أعلى درجاته من التطور، إذ أيما نظام تربوي مهما تكن بدائيته فإنه يجعل للإنسان المعالج بالتربية غاية في الحياة، ثم هو يعمل على أن يصوغ شخصيته بما يمكنه من تحقيق تلك الغاية.

وقد تكون التربية جارية مجرى البساطة فيما يشبه التلقائية، كأن تكون نقلا من السابقين أُسرا ومؤسسات اجتماعية للأجيال اللاحقة موروثهم الثقافي الذي يتضمن تصورا للغاية من الحياة مهما تكن بسيطة في ذاتها أو في مداها،كأن تكون مجرد الحصول على ما يحفظ الحياة من الغذاء والكساء، وذلك عبر طقوس وشعائر رمزية، أو عبر تدريب على مهارات جسمية أو نفسية، وذلك هو شأن المجتمعات البدائية التي لم تدخل طور التمدّن والحضارة.

وقد تنتهي التربية إلى أشكال متطورة في المجتمعات المتمدنة، فتصبح أنظمة متكاملة، تقام من أجلها المؤسسات الراعية من مدارس ومعاهد ومنظمات، وتؤلف من أجلها البرامج والمناهج المصنوعة في محتوياتها وفي طرقها وأساليبها، ويخصص لها مشرفون عليها من المعلمين والمديرين والنظار والقيمين، وذلك كله من أجل الإعداد الجماعي لجيل بأكمله كي يكون قادرا على أداء مهمّة في الحياة مرسومة له من قِبل المجتمع الذي توكل له مهمة التربية. وما نحن بصدده من مشروع تربوي ينتمي إلى هذا الشكل من التربية، وهو الشكل الذي بدأ يتأسّس منذ تأسّس المجتمع الإسلامي في المدينة، ثم تطور بعد ذلك أطوارا، فما نبتغيه هو التأسيس لطور من تلك الأطوار المندرجة ضمن السياق التربوي الإسلامي العام.

2 ـ التربية الإيمانية

في أقرب تعريف للتربية الإيمانية يمكن القول إنها تعني تربية الإنسان ليكون مؤمنا، أي إعداده عقليا ونفسيا وإراديا ليكون متحمّلا الإيمان بجميع مقتضياته تحمّلا عقليا ونفسيا وإراديا، والإيمان[1] المقصود في هذا الصدد هو الإيمان بما جاء به النبي ﷺ مبلّغا عن ربّه من حقائق تشرح الوجود على أنه ثنائية طرفاها خالق ومخلوق، وتشرح الكون على أنه صنعة إلهية يدبّر الله تعالى أمرها من السماء إلى الأرض، وتشرح الحياة الإنسانية على أنّ غايتها الخلافة في الأرض، وهي حياة دنيا يكون فيها العمل وفق تكاليف محددة تعقبها أخرى يكون فيها الحساب، مع كل ما يتضمنه ذلك من تفاصيل جاءت في القرآن والسنة.

وتشمل التربية الإيمانية كل الوسائل والطرق والمناهج التي يعالج بها المربَّى ليتحمّل هذا الإيمان بأركانه وعناصره تحمّلا عقليا على سبيل أن يحصل لديه الاقتناع الجازم بمضامينه صحيحة كما جاء بها الوحي، وتحمّلا نفسيا على معنى أن يكون راضيا به، ومطمئنا إليه، وتحمّلا إراديا على معنى أن يكون عاقدا العزم على تطبيقه والعمل بمقتضاه، وتحمّلا سلوكيا على معنى تنزيله عمليا في واقع حياته.

وبهذا المعنى فإن التربية الإيمانية تكون متضمنة لعنصرين أساسيين إذا اختلّ أحدهما اختلّت كلها، وهما: المضمون الإيماني المتمثل في تلك المنظومة من الحقائق التي يجب الإيمان بها، والتي أصبحت تسمّى اصطلاحا بالعقيدة. والثاني هو الطرق المنهجية التي يتوخّاها المربي ليكون مربّاه مؤمنا على النحو الذي وصفنا، فإذا كانت المنظومة مختلّة أو منحرفة تخرّج المربَّى مختلّ العقيدة، فلا تكون هذه التربية مؤدية لأغراضها بل قد تؤدي إلى نقيض تلك الأغراض، وإذا كان المنهج مختلا فإنه لا يؤدي إلى التحقق بالإيمان حتى وإن كانت المنظومة العقدية صحيحة في ذاتها، إذ هي لا تبلغ إلى العقول والنفوس فضلا عن أن تظهر في السلوك.

والتربية الإيمانية غايتها أن تجعل المسلم يتحمّل الإيمان ذلك التحمّل الشامل فتجعله قادرا على القيام بالمهمّة التي حددها ذلك الإيمان، وهي غاية حياته التي من أجلها خلق، متمثلة في الخلافة في الأرض على معنى التعمير فيها ماديا ومعنويا بمقتضى التكاليف المحددة في الشرع كما سنشرحه لاحقا، بل وتجعله مندفعا إلى تحقيق تلك الغاية بأقصى ما يمكن من الطاقة في صدق وإخلاص؛ ولذلك فإنه يمكن أن يقاس مدى نجاح التربية الإيمانية بمدى نجاحها في تحقيق هذه الغاية، فإذا كانت هذه التربية تخرّج الإنسان الفاعل المتقدم في البناء الحضاري ماديا ومعنويا وفق توجيهات الدين وتحديداته كان ذلك علامة على نجاحها، وإذا كانت تخرّج الإنسان الخامل الكلّ القاعد الذي لا يستثمر المقدّرات الكونية ولا يبني المجتمع الفاضل كان ذلك علامة على فشلها.

ثانيا ـ المسار التاريخي للتربية الإيمانية

كما كان الإسلام يمثل ثورة في القيم الكبرى التي جاء يبشر بها الإنسانية، فقد كان ثورة أيضا في المنهاج التربوي الإيماني الذي جاء يعالج به الناس لإعدادهم بما تقتضيه الغاية الجديدة التي شرعها للحياة، وهي تلك الثورة التي قلبت حياة جيل الصحابة من حال إلى حال، وجعلت منهم أمة يبنون حضارة عالمية بعدما كان طموحهم لو بقوا في الجاهلية لا يتجاوز أن يكون الظفر بموقع شيخ قبيلة بدوية تائهة في الصحراء لا تعمّر في الأرض إلا شيئا قليلا. وكما أخذ المسلمون من الدين مضامينه العقدية والتشريعية على سبيل الإيمان تصديقا وعملا، فإنهم أخذوا أيضا منهاجه التربوي وجعلوا منه نظاما لهم في تنشئة الأجيال يتوارثونه سالفا عن خالف، غير أنّ هذا النظام التربوي الإيماني أتى عليه ما أتى على مجمل الحضارة الإسلامية من ضعف بعد قوة، ومن انحدار بعد ازدهار، وفي كل من هذا وذاك عبرة ينبغي أن تكون ملحظا لنا فيما نحن بصدده من تنظير لنظام تربوي أصيل.

1 ـ التربية الإيمانية في عهد الازدهار

تربى الجيل الأول من المسلمين في مدرسة النبوة، فقد كان يتشرّب الإيمان بأبعاده المختلفة من الوحي مباشرة، وكانت اليد النبوية تبني شخصيات الصحابة بناء إيمانيا على مضمون العقيدة صافيا كما تنزل به الوحي، وبمنهجية معصومة من الخطإ في المعالجة الفكرية والنفسية والجسمية، وبتلك التربية تخرج الصحابة على ذلك النحو من الفاعلية الحضارية التي غيرت مسار التاريخ في سنوات محدودة.

وعلى نفس المنوال التربوي النبوي تواصلت السنة التربوية الإيمانية في الجيل الذي قام الصحابة على تربيته، ثم في الجيل الذي قام التابعون عليه، فقد كان أولئك وهؤلاء متأثرين عن قرب بالسنة النبوية في التربية، مضمونا ومنهجا، فكانت الأجيال تتخرج بأثر تربوي نبوي مهما يكن من تناقصه بمرور الزمن إلا أن فعله في شخصيات المتخرجين بقي بيّنا في السمت الذي كان عليه هؤلاء من الفاعلية والإخلاص، وقد تواصل الأمر قريبا من ذلك أجيالا أخرى بالرغم من تناقصه بالزمن شيئا فشيئا.

ولم يكن للتربية على هذه العهود أنظمة متطورة تقوم على مؤسسات ومناهج وترتيبات، ولكن كانت تربية أقرب إلى التلقائية والعفوية، إذ كانت هذه الأجيال تتخرج من مدرسة الوحي بصفة مباشرة، تتفاعل مع ما جاء في القرآن والسنة من مضامين إيمانية، فتنفعل بها العقول تصديقا، والنفوس رضى واطمئنانا، والجوارح طاعة في السلوك، إن المضامين الإيمانية المتمثلة في حقائق العقيدة كانت تؤخذ مباشرة من القرآن والسنة في صفائها وبساطتها وشموليتها، فتمتلئ بها النفوس يقينا، وتنطلق بها الجوارح عملا إنجازيا في واقع الحياة، عبادة شعائرية صلاة وصوما، أو عبادة حضارية بناء تعميريا في الأرض، وذلك ما وصفه أحد الصحابة حينما قال إنهم كانوا يحفظون الآيات من القرآن لا يتجاوزونها حتى يتقنوا العمل بها ثم يمرون إلى غيرها بالحفظ.

إن الأجيال التي تخرجت على هذا المنهج التربوي هي الأجيال التي أسست في القرون الأولى للحضارة الإسلامية بمظاهرها المختلفة مادية ومعنوية، وحتى حينما نشأت في أواخر هذه القرون المؤسسات التربوية المنتظمة متمثلة في الكتاتيب والمدارس وما في معناها فإن الروح التربوية المتأتية من مدرسة الوحي ظلت سارية في تلك الأنظمة والمؤسسات، وموجهة لها، وظلت بالتالي مثمرة في خريجيها بصفاء المعتقد، والإخلاص فيه، وبطمأنينة القلب وفاعلية في الإنجاز.

ولعل من أهمّ مميزات هذه المرحلة التربوية الإيمانية أنّ التربية الإيمانية فيها لم تكن تتمّ من خلال علم من العلوم محدد المسائل كما سينتهي إليه الأمر لاحقا، وإنما كانت تتمّ من خلال التشرّب المباشر للقرآن والسنة بما جاء فيهما من مفهوم شامل للإيمان يعمّ التصديق القلبي بالمعتقدات، والإقرار اللساني بها، والعمل السلوك بمقتضاها، وبما جاء فيهما من منهج يخاطب الكيان الإنساني بأكمله عقلا وروحا وعواطف وغرائز، فتنفعل كل تلك القوى فيه بذلك المفهوم الشامل للإيمان، وتتخرج من ذلك الشخصية التي تأخذ الأمر بجدّ وقوة، فيتألّف المجتمع الذي يندفع إلى البناء والتعمير. ولكن هذا الوضع التربوي الإيماني بدأ يتغير بعد زمن لما بدأت رحلة المجتمع الإسلامي في مسار الانحدار، بل ربما كان ذلك التغير هو أحد أهمّ الأسباب في ذلك الانحدار.

2 ـ التربية الإيمانية في عهد الانحدار

ليست المراحل فيما نحن بصدده من تحديد لأطوار التربية الإيمانية متصفة بالحدية والمفاصلة بحيث تنقضي مرحلة بصفة كلية وتحل محلها مرحلة أخرى، وإنما هي مراحل متداخلة تضعف السابقة شيئا فشيئا بصفة جملية وتبرز أخرى تقوى بقدر ما تضعف الأولى، وبناء على ذلك فإن مرحلة ازدهار التربية الإيمانية ظلت تضعف بعد أربعة أو خمسة قرون من قوتها، لتبدأ مرحلة الخلل والانحدار تشتدّ شيئا فشيئا، ولكن مع ذلك فإن بقايا من الازدهار التربوي ظلّت تتردّد هنا أو هناك وفي هذا الزمن أو ذاك دون أن يكون لذلك أثر على الصورة العامة التي آل إليها أمر الأمة في هذا الشأن.

لقد آل الأمر في عصور لاحقة إلى أنّ التربية الإيمانية لم تعد تمارس من خلال ما جاء به الوحي مباشرة، وإنما من خلال علم تأسس ليضبط المعتقدات الإسلامية ويحددها، وأصبحت تربية الناشئة على الإيمان بما جاء به الدين من معتقدات منحصرة أو تكاد في تعليم الناشئة هذا العلم الذي اشتهر بأسماء متعددة حسب العصور، فهو علم الكلام وعلم العقيدة وعلم التوحيد والفقه الأكبر، وانتهى الأمر بالأمة في غالب أحوالها إلى أن توكل التربية الإيمانية إلى هذا العلم، على اعتبار أنه يشتمل على ما ينبغي للمسلم أن يؤمن به، وما ينبغي أن يحترز منه من شبهات قد تخلّ بالإيمان المطلوب، وهذا الوضع هو الذي عليه حال التربية الإيمانية إلى يومنا هذا، على أنه قد يساند هذا العلم في مهمته التربوية شيء من علم الرقائق والتزكية، ولكن بصفة محدودة جدا لا أثر لها إلا في العدد القليل من الناس، كما قد يسانده علم التصوف، ولكن قد تحدث من ذلك أخلال أكثر مما يحصل من فوائد.

إن علم العقيدة علم جليل، وقد قام في تاريخ الفكر الإسلامي بدور عظيم في حراسة الدين من هجمات عاتية من قِبل أهل الأديان والفلسفات والمذاهب، وربما كان في القرون الأولى يقوم بدور تربوي إيماني يساند به ذلك الدور الذي كان يقوم به الوحي بصفة مباشرة لما كانت التربية الإيمانية تمارس من خلاله، ولكن بعد القرن الخامس والسادس لم يعد هذا العلم كما انتهى إليه عند اكتماله ودخوله طور الشروح والملخصات قادرا على الوفاء بدور تربوي إيماني، تنبيها إلى أنّ هذا القصور ليس سببه ذات العلم وطبيعته، وإنما سببه جمود المسلمين دون تطويره وإحيائه؛ ولذلك فهو من حيث طبيعته لو وقع تطويره فإنه يكون قادرا على القيام بهذا الدور التربوي، والأمر في ذلك يشبه علم الفقه في عصر جموده فإنه لم يعد قادرا على حل المشاكل الطارئة في حياة المسلمين لا لقصور ذاتي فيه بل لقصور أهله عن إحيائه وتجديده.

ولمزيد من شرح هذه المسألة الدقيقة التي قد يثير فيها رأينا هذا استغرابا بل استنكارا نقول:  لقد ووجهت العقيدة الإسلامية بتحديات دينية وفلسفية شديدة الوطأة من قٍِِِبل أقوام رأوا أنهم هزموا في وجه الإسلام على الصعيد السياسي والحضاري، فاستعملوا سلاح الفكر لمواجهة المحرك الأساسي لهذا الإسلام المنتصر، وهو المتمثل في العقيدة التي ينبني عليها، وحين ذاك نشأ في القرن الثاني علم خاص مهمته مواجهة هذا التحدي الذي استهدف أساس البناء الإسلامي، وهو علم العقيدة، وبحسب طبيعة النشأة لهذا العلم، وبحسب الغرض الذي من أجله نشأ برزت فيه قضايا من الدين دون أخرى، وذلك بسبب ما كانت تتعرض له تلك القضايا من تحدّيات من قبل أهل الأديان والثقافات القديمة، مثل التوحيد والبعث ونبوة محمد ﷺ، أو ما كانت تتعرض له من تحدّيات من قبل تفاعلات الحياة الاجتماعية مثل قضية الإيمان والقدر[2].ثم ظلت تلك القضايا يزداد عددها في هذا العلم بتزايد الطوارئ المتحدّية عبر الزمن حتى استقر علم العقيدة على المواضيع التي استقرّ عليها عندما كمل نضجه وتوقّف نموه في القرن الخامس للهجرة.

والمتأمل في المواضيع التي تناولها علم العقيدة بالبحث كما انتهت إليه في كبرى المدونات الجامعة لهذا العلم مثل كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي (ت 756 هـ) بشرح السيد الشريف الجرجاني (ت  816 هـ) يجد أنها لم تغطّ كل مساحة مدلول العقيدة، بل هي تناولت قضايا أساسية كبرى تتركز على وجود الله تعالى وصفاته، والنبوة والبعث، والقضاء والقدر وحقيقة الإيمان، وما يتعلق بها من مسائل فرعية، وما يمهّد لإثباتها من مقدّمات هي من خارج العقيدة أصلا مثل مسائل طبيعية وأخرى نظرية عقلية.

والسبب في اقتصار علم العقيدة على هذه القضايا دون غيرها أن هذا العلم نشأ علما ذا غاية دفاعية، إذ هو كما استقر عليه الأمر في تعريفه: « علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه »[3]، فهو إذن معنيّ بالمسائل العقدية التي يقتضي الحال الدفاع عنها إثباتا لها وردّا للشبه الموجّهة إليها، واندراج المسائل فيه إنما كان بناء على الحاجة إلى الدفاع عنها، إما بأسباب خارجية أو داخلية، وقد كان الأمر كذلك تاريخيا، فنشوء أبحاث في هذه المسائل كان متطاولا في الزمن بحسب حدوث الأسباب الداعية للدفاع [4]، والمسائل التي لم تدع حاجة إلى الدفاع عنها لم تدرج بصفة أساسية في علم العقيدة، فلم تصبح ضمن مسائله إلا أن تكون بصفة عارضة.

ولما توقّف الفكر الإسلامي عموما عن النمو والإبداع بعد القرن الخامس، ومن ضمنه الفكر العقدي، كَلّ هذا الفكر عن مهمّة الدفاع عن العقيدة بالتصدّي للتحدّيات المستجدة الموجّهة لمسائل دينية بعض منها قد لا يكون تعرّض إلى مثل تلك التحديات سابقا، فلم يقع إذن إدراجه ضمن دائرة علم العقيدة كما كانت تدرج من قبل تلك المسائل التي تدعو الحاجة إلى الدفاع عنها تباعا بمقتضى تعرضها للتحدّيات، وبذلك توقف هذا العلم في مسائله، وانغلق على مواضيعه السابقة، وأصبح العمل فيه لا يعدو أن يكون ترتيبا وتبويبا، أو شرحا وتوسيعا، أو اختصارا وتهذيبا.

وبمرور الزمن أصبح كثير من خالفي المسلمين يقع في نفوسهم الظنّ بأن مدلول العقيدة الإسلامية إنما هو محدود بحدود المسائل التي شملها علم العقيدة وانغلق عليها بحكم توقفه عن النمو قرونا طويلة، وأما ما عدا ذلك من مسائل الدين فهي مسائل شرعية وليست عقدية، فلم تدرج ضمن هذا المدلول، ولم يكن لها إذن منزلة من الرسوخ في النفس والتمكّن فيها ما كان لتلك المسائل الأخرى، ولم يكن لها بالتالي موقع التوجيه والدفع الذي يكون للمسائل المندرجة ضمن مدلول العقيدة، إذ تلك المسائل بمقتضى صفتها العقدية هي التي تشكل الموقف الإيماني العام للفرد المسلم كما للأمة عامة، وهي التي توجه الحياة كلها، إذ العقيدة هي الموجّهة للحياة.

ولو تأملنا أوضاع المسلمين من حيث مدلول العقيدة في أفهامهم، كما انتهى إليه الأمر منذ بعض الزمن، وكما هو الأمر اليوم عند عامة المسلمين، بل عند كثير من خاصّتهم المتعلمين وعند بعض من المختصّين في علوم الدين، لو تأملنا ذلك لوجدنا أن هذا المدلول يتركّز على القضايا الأساسية في العقيدة وهي الإيمان بالله والنبوة والوحي والملائكة والقدر، وما هو مندرج ضمنها، وأنه لا يتّسع لمسائل أخرى ذات معان عقدية أيضا، يُدخل التصديق بها إلى دائرة الإيمان، ويُخرج التكذيب بها إلى دائرة الكفر، ومن أمثلتها مسألة شمولية الدين لكل مجالات الحياة، والروح كجزء من حقيقة التركيب الإنساني، ومهمّة الخلافة في الأرض غايةً لحياة الإنسان، والعدالة الاجتماعية قاعدة في بناء المجتمع، وحقوق الإنسان التي يكون بها مكرما كما أراده الله تعالى، فهذه المسائل وأمثالها بالرغم ممّا لها من مدخل في تحقق الإيمان وعدمه، فإنها لا تدخل اليوم ضمن دائرة المدلول العقدي عند الكثير من المسلمين، وإنما هي عندهم مسائل شرعية لا ترقى إلى درجة الاعتقاد، ولا نراها تدرج في اهتماماتهم التعليمية والدعوية ضمن المؤلفات والبيانات العقدية.

وقد أدّى هذا الانحسار في مدلول العقيدة في الذهنية الإسلامية إلى نزوع هذا المدلول منزعا تجريديا ابتعد به عن وجوه الحياة العملية، حيث أصبحت الأذهان تنصرف في تحمّلها الإيماني إلى عالم الغيب دون وصل له بعالم الشهادة من واقع الحياة الجارية، إذ الاعتقاد أصبح يقتصر على الاعتقاد بالغيب المجرد دون مقتضياته العملية، وكان لذلك انعكاس سيئ على الحياة العملية للمسلمين، إذ تقاعست هذه الحياة عن الاندفاع نحو التعمير في الأرض باستثمار الكون، وبترقية الإنسان بالحرية والعدالة والسعي الدؤوب لتحقيق الخلافة، فهذه مسائل خارجة في دائرة الوعي عن أن تكون مسائل عقدية، وماذا يدفع إلى توجيه الحياة إليها إذا لم يكن الإيمان بأنها من صلب العقيدة الإسلامية؟ ويشيع اليوم في دوائر الكثير من الدعاة، والمؤسسات الدعوية والتعليمية الدينية فضلا عن دوائر العامة من المسلمين أنّ مسائل مثل الإيمان بالجن وبعذاب القبر هي على سبيل المثال من مفردات الاعتقاد الأساسية إذ هي من الغيبيات، بينما لا تدرج مسألة العدالة الاجتماعية أو مهمّة الخلافة في الأرض غايةً للحياة، أو تكريم الإنسان وحفظ حقوقه، ضمن الاهتمام العقدي، فكيف إذن يمكن أن تتّجه حياة المسلمين في اتّجاه الترقية الاجتماعية والتعمير في الأرض؟ وكيف لا تبقى العقول إلاّ مشدودة نحو المجرّد دون قدرة على الفعل في الواقع العملي من مجالات الحياة؟

ومن ذلك يتبين أن الضرورة تدعو كعامل من عوامل الدفع بالأمّة نحو الرقيّ المعنوي والمادّي أن تتمّ التربية الإيمانية لناشئتها على مدلول لإيمان يتنزّل في الأذهان على سبيل اليقين ليشمل دائرة من المسائل أفسح من هذه المسائل التي يشملها الآن، ولتكون صورته في النفوس كحقيقته في واقع الأمر كما جاء في القرآن والحديث، وكصورته التي كان عليها في أذهان أوائل المسلمين حينما كانوا يفهمون انطلاقهم في الآفاق لنشر الدعوة، وتحرير العباد من الاستبداد، والتعمير في الأرض على أن كل ذلك يندرج ضمن مدلول الإيمان ومقتضياته، فكان انطلاقهم فاعلا، وإنجازهم الحضاري مشهودا، وما كانوا في ذلك الفهم لمدلول العقيدة إلاّ صادرين عن روح القرآن والحديث في تعدية هذا المدلول إلى دائرة واسعة من تعاليم الدين ذات البعد العملي هي أوسع بكثير من تلك التعاليم ذات البعد النظري وإن تكن هي الأساس الأول للاعتقاد.

وكما كان علم العقيدة في أيلولته إلى الصورة التي وصفنا قاصرا في أداء الدور التربوي الإيماني فيما يتعلق بالمفردات الإيمانية التي يشتمل عليها، فإنه كان قاصرا أيضا على القيام بذلك الدور فيما يتعلق بالمنهحية التي يعرض بها تلك المفردات على الناشئة؛ ذلك لأن هذا العلم في نشأته وفي تطوره كان يواجه التحديات الواردة عليه مصوغة في غالبها صياغة منطقية فلسفية جرّاء ما كانت الفلسفة الهلينية وعلى رأسها المنطق الصوري مهيمنة على الفكر في المناطق التي امتدّ فيها الإسلام، فاضطرّ هذا العلم أيضا إلى مواجهة التحديات بنفس أسلحتها الفلسفية المنطقية وكان يحقق بذلك نجاحا كبيرا، وجرى الأمر على ذلك إلى هذا العهد في الكثير من الكتب والمؤلفات المقررة على الناشئة الإسلامية، والحال أنّ الثقافة السائدة اليوم ومنذ بعض الزمن لم تعد قائمة على العقلية الفلسفية المنطقية وإنما أصبحت متأسسة على العقلية العلمية النفعية، وهو ما يفسر لنا كيف أنّ الأغلب من الطلاب في العالم الإسلامي وهم يُراد لهم تربية إيمانية من خلال علم العقيدة يتجافون عن هذا العلم ولا يتفاعلون معه بما يربي فيهم الإيمان المطلوب.

إن الضرورة داعية إذن إلى أن تكون التربية الإيمانية للناشئة المسلمة تتمّ من خلال مدوّنة عقدية إيمانية تحمل في مضمونها أوسع مما تحمله المدونة العقدية المعهودة في هذا العلم، وتترتّب فيها المسائل والقضايا في الأهمية ترتيبا غير الترتيب المعهود الذي نشأ استجابة لظروف قديمة لم تعد اليوم قائمة بل حلّت محلها ظروف أخرى، كما يستلزم الأمر أيضا أن تتمّ هذه التربية على المفاهيم الإيمانية بمنهجية جديدة تخاطب العقول والنفوس في صياغتها الثقافية الراهنة لتجد مفاهيم الإيمان طريقها إلى النفوس على وضع من اليقين يدفع إلى العمل التعميري، فلا تبقى حبيسة الذهن المجرد، اغترافا في كل ذلك من معين الوحي قرآنا وسنة، واقتباسا من التراث الثري في هذا الشأن.

ثالثا ـ المضمون في التربية الإيمانية.

إنّ العنصر الأساسي في بناء شخصية الإنسان، وفي تحديد سلوكه ومواقفه وتصرفاته هو ما يؤمن به من أفكار يعتقد أنها الحق، فتلك الأفكار هي التي تملي عليه ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يترك، وهي التي تدفعه إلى سبل التعامل مع الآخرين من الناس ومع الطبيعة التي يعيش فيها، وتختصّ من بين الأفكار الموجّهة للسلوك تلك الأفكار الكبرى التي تشرح حقيقة الوجود والكون والحياة، وأشدّ ما تكون تلك الأفكار تأثيرا في الوجهة النفسية والعملية لحياة الإنسان إذا كانت معتقدات دينية يؤمن بها على أنها الحقّ المطلق، فهي حينئذ يكون لها السلطان الأكبر في صياغة الشخصية، وفي تكييف الحياة.

وبهذا المعنى يكون مضمون الأفكار التي يؤمن بها الإنسان عنصرا هاما في العملية التربوية إن لم يكن العنصر الأهمّ فيها، فإذا أردت أن تنشّئ إنسانا على هدف ما يسعى إلى تحقيقه، وعلى كيفية ما في حياته النفسية والعملية يمضي بها إلى ذلك الهدف، فعليك أن تجعله مؤمنا بمنظومة من الأفكار الكبرى التي تستجيب لذلك الهدف، ومن ضمنها تحديد ذلك الهدف نفسه، وتتناسب مع تلك الكيفية، وجعل الإنسان مؤمنا بتلك المنظومة الإيمان الفاعل يُعدّ جوهر العملية التربوية في هذا الشأن، وهي تشمل تحديدا لمنظومة الأفكار في ذاتها، وتحريرا لمفرداتها، وترتيبا لبنائها، كما تشمل الطرق والمناهج التي يتمّ بها التصوّر الإيماني بالمنظومة لتبلغ غايتها في واقع الحياة.

وفي حال ما نحن بصدده من تربية إيمانية إسلامية، فإنّ ما جاء به الوحي من معتقدات كُلّف الإنسان بأن يؤمن بها على أنها الحق تعتبر هي المضمون في عملية التربية الإيمانية، وتكون التربية الإيمانية في شقّها المضموني تعني تحديد المفردات الأساسية الكبرى التي تمثّل جوهر العقيدة الإسلامية، والتي يكون الإيمان بها هو المؤهّل للاتصاف بالصفة الإسلامية، وهو معقد النجاح في الدنيا، كما أنه معقد النجاة في الآخرة. وقد كنا شرحنا آنفا أنّ هذا المضمون الإيماني الذي هو جوهر التربية الإيمانية قد طرأ عليه في زمن الانحدار الحضاري للأمة خلل في البناء، ولا يمكن أن تكون لها نهضة إلا بتحرير جديد للمنظومة الإيمانية تتلافى ذلك الخلل الذي طرأ عليها. ويتناول هذا التحرير فيما نقدّر ثلاثة محاور أساسية هي التي نشرحها تاليا في ثلاثة من الحقائق الإيمانية الكبرى.

1 ـ حقيقة الوجود

ظلت الأديان وظلت الفلسفات منذ بدأ الإنسان يفكر فلسفيا تبحث عن جواب لسؤال عن حقيقة الوجود، ما هو؟ وما هي طبيعته؟ وهل له من بداية وكيف؟ وهل له من نهاية وكيف؟ وما هي العلاقة الرابطة بين مكوناته؟ ولما كان ذلك السؤال هو السؤال الأكبر الذي يواجه الإنسان، والذي يحدّد مسيرة حياته، فإن الوحي جاء يجيب عنه بوضوح وقطعية، وذلك في أول سورة قرآنية نزل بها الوحي، ثم جاءت التفاصيل بعد ذلك في مختلف الآيات والسور، وفي الشرح النبوي للقرآن الكريم، وكان هذا الجواب متمثلا في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾ ( العلق/1-3) إلى قوله تعالى: ¨﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾( العلق/8) ، ففي هذه الآيات تحديد لحقيقة الوجود كما ينبغي أن يتربى عليها المسلم، وهي حقيقة تقوم على ثلاث دعائم: الوجود الغيبي، والوجود المشهود، والعلاقة بينهما.

أ ـ عالم الغيب

 وهو عالم غير مدرك بالحواس، والحقيقة الأولى فيه، والأكبر على وجه الإطلاق هي وجود الله تعالى كما جاء بيانها في صدر الآية الأولى، والله هو المتصف بجميع صفات الكمال، والمنزه عن كل صفة من صفات النقص، وأعلى تلك الصفات هي صفة الوحدانية، التي تعود مجمل الصفات الأخرى إليها، والتي هي عمود الإيمان وأساسه المتين، وعليها ينبني كل الدين في تكاليفه الإيمانية، وفي تكاليفه السلوكية، وفي هذه الصفة بالأخص تقع انحرافات الأمم فيأتي الوحي بالتصحيح نبوة بعد نبوة حتى النبوة الخاتمة، وما زال المسلمون أنفسهم تتناوشهم بين الحين والآخر مظاهر من الخلل في الإيمان بهذه الصفة على وجهها الصحيح، وهو ما يجب الانتباه إليه والعمل على علاجه في البناء التربوي الأصيل.

إن وحدانية الله تعالى هي وحدانية ذات أبعاد خمسة لا يتمّ الإيمان الصحيح بها إلا باستجماع تلك الأبعاد الخمسة التي هي: وحدانية في الذات بحيث لا تتصف ذات أخرى بصفة الألوهية :﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾(البقرة/255) ووحدانية في الصفات، بحيث لا يستجمع صفات الكمال ويتنزه عن صفات النقص إلا الله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ (طه/8)، ووحدانية الأفعال بحيث لا يفعل في الكون شيء سوى الله تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾(السجدة/5) ووحدانية في المعبودية، بحيث لاينبغي أن يتجه الإنسان بالعبادة إلا إلى الله تعالى ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾(الأنبياء/92) ووحدانية في الحكم، بحيث لا شيء يحكم تصرفات الإنسان ويحددها سوى الأمر الإلهي ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾(يوسف/40).

لقد أصبح الكثير من المسلمين إن لم يكن الأكثر منهم في عهد الانحدار تغيب عن أذهانهم بعض هذه الأبعاد للوحدانية سوى وحدانية الذات؛ ولذلك فشا فيهم الاعتقاد بمن يفعل في الكون نفعا وضرا سوى الله من نجوم أو أولياء من الأموات أو أناس من أهل الجاه والسلطان، كما فشا فيهم ما يشبه العبودية لغير الله من مظاهر الشرك الذي تتجه فيه الجباه إلى غير الله من المخلوقات طلبا للنفع ودفعا للضرّ، واتجهت حياتهم في شؤونها العامة نحو الخضوع لأحكام وضعية مخالفة لأحكام الله تعالى فيما يعرف بمذهب العلمانية، وأصبح كل ذلك أو بعض منه يُربّى عليه النشء في خلل إيماني بيّن كانت له عواقبه الوخيمة على التربية الإيمانية، وعلى نتائجها في تخريج الشخصية القوية المتوازنة الفاعلة.

وفي عالم الغيب تحت وجود الله تعالى موجودات أخرى من جنّ وملائكة، ومن قضاء وقدر، ومن وحي يوحى إلى رسل مصطفين، وكل هذه الغيبيات لها آثار تربوية تترتب على الإيمان بها فإذا اختلّ ذلك الإيمان بها اختلّ الإيمان في جملته، واختلّ باختلاله الأداء العملي الفاعل للأفراد وللمجتمع عامّة، فليس لشيء من هذه المفردات الغيبية إلا وللإيمان به أثر تربوي في النفس والفكر على نحو ما للقدر المغيّب على سبيل المثال من أثر في طمأنينة النفس وتسكين الخواطر والصبر عند الشدائد، وهي خصال تسهم في تقوية الشخصية التي بها يكون حسن الأداء في سياق البناء.

ب ـ عالم الشهادة 

هو العالم المحسوس، المتمثل في الكون بكل ما فيه من موجودات، وهو واقع حقّ كما يبدو عليه في شهادة أدواتنا الإدراكية بكل تفاصيله، وليس وهما أو مجرد كتلة لا تفاصيل فيها سوى ما تتخيله الأذهان من أشكال وألوان وطعوم كما هو موقف بعض الفلسفات المثالية في تصورها للعالم المشهود. إنه وجود حقيقي قائم بذاته، مستقلّ عن إدراك المدركين وجدوا أو لم يوجدوا، وليس ظلالا أو صدى أو أخيلة لوجود آخر هو الوجود الحق بينما هذا الكون هو الوجود الزائف كما تصور ذلك أفلاطون ومن على نهجه.

إن هذا العالم المشهود هو عالم ذو بداية زمنية انطلق منها وجوده، وله نهاية سوف ينتهي إليها ذلك الوجود ﴿لُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾(الرحمن/26) وفيما بين تلك البداية وتلك النهاية يتقلب أطوارا في تغير دائم لا يستقر على حال سوى تلك القوانين الكبرى التي تمثّل نظاما يحكم مسيرته فإنها سنّة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، إلا إذا جاءت لحظة النهاية فإنّ ذلك النظام الكوني ينهار بأكمله فينهار معه العالم المشهود بأكمله.

ويقوم هذا العالم المشهود على توازن دقيق بين جميع مكوناته الأعظم منها والأصغر، فكل موجود من الموجودات الكونية له دور في منظومة الكائنات يقوم به، ويكون لذلك الدور قيمة في حفظ التوازن الكوني، سواء على مستوى الأجرام السماوية العظمى وعلاقاتها ببعضها، أو في مستوى الموجودات الأرضية من جماد وحيوان ونبات، فإذا ما اختلّ ذلك الدور أدى الأمر إلى اختلال في التوازن الكوني صغيرا كان ذلك الاختلال أو كبيرا، ملحوظا بصفة مباشرة كان أو غير ملحوظ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾(الحجر/19).

ج ـ الله تعالى والعالم

 وجود الله تعالى هو الوجود الحقّ المطلق القائم بذاته، وأما ما سواه من عالم مشهود أو غير مشهود فوجوده مضاف إلى الله ومتوقف عليه، فالله تعالى هو الذي خلق كل موجودات العالم مشهودة وغير مشهودة، وهو ما يدلّ عليه حذف مفعول فعل خَلَقَ في فاتحة سورة العلق، فحذف المفعول يدل على عموم الفعل، وهذا الخلق الإلهي هو خلق على سبيل الإبداع من لا شيء وليس على سبيل تطوير ما هو موجود من حال إلى حال، فقد كان الله ولم يكن معه شيء.

لقد خلق الله تعالى الكون وقدّر فيه الكفاية لموجوداته بحيث تستمر في الوجود إلى أجلها المحتوم، إنها كفاية في قدرة الكائنات على أن تحفظ التوازن في العلاقات بينها ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر/49)، وكفاية فيما يتوقف فيه بعضها على بعض في أسباب وجوده أو في أداء دوره ضمن المنظومة الكونية ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾( فصلت/10).

وكما كان الله تعالى خالقا للكون، وكان الكون راجعا إليه في النهاية، فإنه فيما بين البداية والنهاية هو الذي يدبّر أمره، فكل شيء يقع فيه من حركة أو سكون، ومن وجود أشياء وانعدام أخرى، ومن تغيّر من حال إلى حال إنما هو من فعل الله تعالى يقع وفق علمه القديم بكل ما يقع صغيرا كان أو كبيرا، كليا كان أو جزئيا  ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (السجدة/5).

وهذا التدبير الإلهي لشؤون الكون كلها بتمّ وفق نواميس أرادها الله قانونا تجري عليه تصاريف الموجودات الكونية كلها، وذلك هو قانون الأسباب الذي يجعل تلك التصاريف تتم على صفة منطقية منضبطة رحمة بالعباد أن يستطيعوا العيش بما يحصل لهم من علم بذلك القانون، وإلا فإن الله تعالى قادر على أن يصرّف الكون بدون أسباب فيقول للشيء كن فيكون، وقد أشير إلى هذا القانون السببي في فاتحة الوحي كما يتضمنه الإخبار بأن الإنسان خلق من علق، تقريرا لكون الأشياء والأحداث ينشأ بعضها من بعض وفق قانون، ولا ينشأ شيء منها اعتباطا على وجه الصدفة في غير انضباط.

وكما خلق الله تعالى الكون من عدم، وكما يدبّر أمره في كل تفاصيله، فإنه قدّره بكيفية يكون فيها صائرا إلى نهاية محتومة، هي نهاية الانهيار الكلي في يوم من الأيام ليحلّ محلّه نظام آخر هو نظام اليوم الآخر، وهو ما عبّر عنه قوله تعالى في سورة العلق﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ (العلق/8)، فهذا الكون في معرض أطواره النشيطة بالأحداث كما كان مخلوقا لله فهو راجع إليه بالفناء، فـ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾(الرحمن/26-27)، فعلاقة الكون المشهود بالله المتعالي عن الشهود هي أنه مخلوق له من عدم، ومدبَّر من قِبله بعلمه وقدرته، وراجع إليه بالانهيار في زمن موعود.

2 ـ الإنسان ومهمته في الحياة

الإنسان ينتمي في سلّم الوجود إلى عالم الشهادة، فهو أحد مفردات الكون، يجري عليه باعتبار ذلك ما يجري على كلّ الموجودات الكونية مما شرحناه آنفا، ولكنه من بين تلك الموجودات خُصّ بوضع مميّز، سواء من حيث حقيقة تكوينه، أو من حيث علاقته بالكون، أم من حيث الغاية من حياته، أو من حيث المصير الذي ينتهي إليه. وقد جاء في الوحي قرآنا وسنّة بيان شامل لكلّ تلك العناصر، مما يمكن أن يُعتبر تحديدا إيمانيا عقديا للإنسان كمحور أساسي ضمن المنظومة العقدية التي جاء بها الدين، وهو محور يشكّل أحد أهمّ الأركان التربوية، إذ الإنسان يكون تصوّره لنفسه وبالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها أحد أهمّ المكيّفات لحياته الفكرية والسلوكية، وخاصة إذا كان ذلك التصور يكتسي تصورا إيمانيا.

 ولكنّ هذا المحور لم يجد له حظا في البيان العقدي ضمن المدونة التراثية في علم العقيدة للأسباب التي شرحناها سابقا، فلا يوجد حسب علمنا ضمن تلك المدونة مبحث خاصّ بالإنسان من تلك الجهات التي ذكرناها، والحال أنّ كلّ تلك العناصر تعتبر من صلب العقيدة، بحيث لو أنكر منكر بعضا منها كأن ينكر عنصر الروح في حقيقة التكوين، أو تكريم الإنسان وحرمته وحقوقه، أو مهمّته في الحياة خليفة في الأرض لكان ذلك قادحا في إيمانه بما قد ينتهي إلى الخروج منه[5]، ولم تغن شيئا كثيرا في هذا الشأن ما ورد في المدونة العقدية من بيانات لبعض تلك المسائل منثورة هنا أو هناك من تلك المدونة الواسعة؛ ولذلك فإنه ينبغي فيما نقدر أن المشروع التربوي الأصيل يكون الإنسان كما جاء في بيانات الوحي أحد أهمّ المحاور التربوية فيه.

أ ـ مبدأ الإنسان

 يفيد التصوير القرآني لخلق الإنسان أنّ هذا الخلق كان حادثة طارئة في تاريخ الموجودات الكونية، ولم يكن عملية تطورية انقلب فيها هذا الكائن على تطاول من الزمن من حال إلى حال حتى أصبح إنسانا، فقد كانت الموجودات الكونية قائمة ومسماة بأسمائها، ثم في لحظة من الزمن محددة خلق الله تعالى الإنسان في صورته المكتملة، وبمكوناته الجسمية والعقلية التي هو عليها الآن، ذلك ما يفيده المشهد الذي أعلم فيه الله تعالى أنه سيخلق كائنا جديدا يكون خليفة في الأرض كما جاء في قوله تعالى: ﴿ذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة/30)، فهذا الكائن المخلوق من أجل أن يكون خليفة لا يمكن أن يضطلع بهذه المهمة إلا وهو مكتمل الخلق جسميا وروحيا وعقليا، وهو ما يدل على أنه خُلق في تلك اللحظة الزمنية المحددة على وجه الاكتمال، ولم يكن متطورا عن كائنات أدنى فلا تعرف له إذن بداية زمنية على وجه التحديد.

ولكن إذا كان الإنسان قد وجد في بداية زمنية محددة باعتبار تعيّنه الفردي متمثلا في آدم أبي الإنسانية، ثم في أفراد أبنائه من بعده، فإنه كان قائما في العلم الإلهي منذ القدم، ففي هذا العلم قضاء بأنّ كائنا بمواصفات محددة هي مواصفات الإنسان سيكون مخلوقا في زمن محدد هو زمن خلقه، وبحسب تلك المواصفات حدّدت له المهمة التي سيكلّف بها والغاية التي من أجلها خُلق، وإذن فإن الإنسان إذا كان وجوده العيني محددا ببداية زمنية هي لحظة خلقه، فإن ماهيته المحددة لحقيقته كان لها نوع سبق في الوجود عن وجوده العيني، وهي تلك الماهية القائمة في علم الله، والتي سيكون وجوده أفرادا عينية مندرجا ضمن  الماهية المشتركة السابقة في الوجود على أولئك الأفراد، خلافا للفلسفة الوجودية التي تنفي الماهية القبلية للإنسان، وتذهب إلى أنّ الوجود العيني سابق في الزمن على الماهية التي يصنعها الفرد بنفسه كما يريد بعد وجوده العيني[6].

ولم يكن وجود الإنسان في تلك البداية المحددة من تاريخ الكون إلا لحكمة أرادها الله تعالى، سواء من حيث نوع هذا المخلوق أو من حيث توقيت خلقه، وإذا كانت تلك الحكمة غير مصرّح بها على وجه التفصيل إلا أننا نعلمها على وجه كلي يقينا بما هو ثابت من صيانة أفعال الله تعالى عن العبث، كما يمكن أن نستخلصها من إشارات قرآنية ومن استنتاجات عقلية تدعمها، فالإنسان بجمعه بين عنصري المادة والروح يُعتبر تماما لمنظومة المخلوقات السابقة التي كانت متمحضة للروح كالملائكة أو متمحضة للمادة وهي سائر المخلوقات، فبه إذن اكتملت دائرة الموجودات الكونية، ليتجلى بذلك النسق البديع في المشهد الكوني إظهارا لقدرة الله تعالى، ولا يبعد عن هذا المعنى من معاني الحكم الإلهية أن يكون خلق الإنسان هو مظهر من التفضل الإلهي يظهر فيما ينعم به الله تعالى من نعم في الدنيا والآخرة كما أشار إليه القاضي عبد الجبار في قوله:« اعلم أن وجه الحكمة في خلق المكلف [ الإنسان ] أنه تعالى خلقه لينفعه بالتفضّل ويعرّضه للثواب»[7]، وبالجملة فإن وجود الإنسان لا مجال فيه حسب التصور الإسلامي للعبثية كما هو شأن فلسفات أخرى قديمة وحديثة، وإنما هو مبني على حكمة سواء من حيث ذاته أومن حيث مبدأه الزمني[8].

ب ـ قيمة الإنسان

لئن كان الإنسان في التصور الإيماني الإسلامي جزءا من الكون، يجري عليه ما يجري عليه من سنن مادية، إلا أنّه في سلّم القيمة  ينفرد بالدرجة العليا في ترتيب الموجودات الكونية، لا يدانيه في ذلك شيء منها فضلا عن أن يساويه، وهذه الدرجة القيمية العليا يحتلها الإنسان باعتبار مطلق إنسانيته مجردة عن كل اعتبار من الاعتبارات العارضة، وناهيك في ذلك بأنه عند خلقه جمع الله تعالى له الملائكة، وأمرهم بالسجود له، وهم المطهرون الذين لا يعصون الله فيما يؤمرون، فذلك دليل على ما لهذا القادم الجديد على موجودات الكون من قيمة جعلته يتصدّرها جميعا في سلّم المفاضلة بينها، وذلك ما قرّره الإمام الرازي معللا هذه الرتبة العالية للإنسان بين الموجودات في قوله: « أشرف الموجودات هو الله تعالى، وإذا كان كذلك فكلّ موجود كان قربه من الله تعالى أتمّ وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله هو الإنسان … فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان»[9]. وهذه الدرجة العليا التي بُوئها الإنسان شاء الله تعالى أن تكون مبنية على قيمة ذاتية خصّه الله تعالى بها في خلقه دون غيره، وعلى قيمة متأتية من العلاقة التي جعلها تربطه بالكون، والمنزلة التي بوّأه إياها فيه.

أما من حيث القيمة الذاتية، فإنها تتجلّى أول ما تتجلى في شرفية خلقه، إذ خصّه الله تعالى في ذلك بعناية فريدة به من بين سائر المخلوقات وهو ما جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (ص/75)، وفي قول الرسول ﷺ :«خلق الله آدم على صورته»[10]، فهذه الخصوصية في خلق الله تعالى آدم بيديه، وفي خلقه على صورته مهما كان للمعنى فيهما من مجازية تدلّ على شرفية نالها الإنسان دون غيره في حادثة خلقه، كما تتجلى هذه الشرفية أيضا في حسن التقويم الذي خلق عليه الإنسان، فهو قد جمع بين ما تفرّق في كلّ الكائنات الأخرى، إذ هي إما روح بلا مادة مثل الملائكة، أو مادّة بلا روح مثل سائر الموجودات الكونية الأخرى، وهو جمع بينهما فكان كيانه يشمل جسما مادّيا وروحا ذات قوى متعددة نفخها الله فهي وأعلاها قوة العقل، وبالإضافة إلى هذا التكوين المزدوج فإن الكيان الإنساني قُدّر على نحو من فعالية الأعضاء ومن جمالية المظهر ما أجمل تقريره في إيجاز بليغ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين/4)[11].

ومن مظاهر الرفعة الذاتية للإنسان أن جعله الله تعالى كائنا مكلّفا بحمل الأمانة بناء على ما كوّنه عليه من عقل يدرك الحقائق، ومن إرادة حرّة يكون بها الاختيار، فقال تعالى : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب/72)، فتحميل الإنسان هذه الأمانة أمانة التكليف دون غيره من الكائنات إنما هي لعلو مقامه، فالمهامّ العظيمة إنما يُختار لها ذوو الرفعة في المؤهلات التي تمكنهم من النهوض بها، ويلحق بهذه الرفعة جراء التكليف رفعة بما يترتب عليها من العبودية لله التي تحرّر من كل عبودية لغيره، كما أشار إليه قول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران/139)، فالمؤمن المخلص في عبوديته لله عن إرادة حرة يكتسب من عبوديته تلك علوا لا يكون لغيره حتى وإن كان خاضعا لله تعالى على سبيل الحتم مثل الملائكة وسائر الموجودات الأخرى.

وليس الإنسان في العقيدة الإسلامية هو ذلك الإنسان المنظور إليه كيانا فرديا، وإنما هو ذلك الإنسان كيانا فرديا وكيانا اجتماعيا معا؛ ولذلك فإن حقيقة الإنسانية فيه لا تكتمل إلا بتكامل البعدين معا، وهو ما يعبّر عنه الخطاب القرآني المستديم لجماعة الناس وليس للإنسان الفرد في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( البقرة/21)، كما يبدو أيضا في التكاليف الدينية هي في مجملها تكاليف جماعية بما فيها تلك المتعلقة بالعبادات صلاة وصياما وحجا وزكاة، فللإنسان مجتمَعا في الإسلام منزلة عليا في تحديد حقيقة الإنسان تكريما وتشريعا وتكليفا.

ج ـ الإنسان والبيئة الطبيعية

لعل من أهمّ ما ينبغي التفصيل فيه فيما يتعلق بحقيقة الإنسان وعلاقاته الوجودية تلك العلاقة التي رسمها القرآن الكريم والحديث الشريف بين الإنسان والبيئة الطبيعية التي يعيش فيها، وذلك بالنظر إلى ما شهدته هذه العلاقة في الفلسفة الغربية من توتر أدى إلى هذه الأزمة البيئية الخانقة التي يعيشها العالم، والتي تنذر بمصير مشؤوم للحياة كلها، فقد جاء الإسلام بمعتقد في هذا الشأن مخالف لما انبت عليه الفلسفة الغربية، وهو معتقد من شأنه أدخل في المنظومة التربوية ونُشّئت عليه الأجيال أن يكون علاجا لهذه الأزمة، إذ هي أزمة في حقيقتها ثقافية فلسفية، وليست أزمة تقنية فنية كما شرح ذلك شرحا وافيا آل قور في كتابه« الأرض في الميزان».

وتقوم علاقة الإنسان بالبيئة الطبيعية في المعتقد الإنساني على معنى الوحدة والأخوة بين الطرفين مهما كان للإنسان من علو مقام عليها، ومهما بُنيت عليه البيئة من كونها مسخرة للإنسان، فقد جاء البيان القرآني والنبوي مؤكدا في مواضع عديدة على هذه المعاني حتى أضحت ركنا أساسيا من الأركان التي تنبني عليها العلاقة بين الطرفين، مع ما ينشأ عن ذلك من آثار فكرية ونفسية وسلوكية في التصرفات الإنسانية إزاء الطبيعة. وذلك ما نقدّر أنه ينبغي أن يكون عنصرا بارزا في التربية الإيمانية مواجهة للأزمة البيئية الراهنة. وتتجلى الوحدة الوحدة التي تربط الإنسان بالبيئة حسب ما ورد في البيان الديني في مظاهر متعددة، منها ما هو مادي، ومنها ما هو روحي.

فالوحدة المادية تظهر في وحدة العناصر، إذ يقرر القرآن الكريم أنّ الإنسان يوجد من نفس العناصر التي تتكوّن منها الموجودات البيئيّة الجامدة والحيّة، فحينما يُقارن بما على الأرض من جمادات يتبيّن على ما يبدو  في الظّاهر من اختلاف بينه وبينها أنّ أصل تكوينه ليس إلاّ ممّا تتكوّن هي منه معَبَّرا عنه في القرآن الكريم بالتّراب الذي يرمز إلى عناصر المعادن التي تتكوّن منها كلّ مفردات البيئة على اختلافها كما في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ﴾  ( الحج/5). وحينما يُقارن الإنسان بما على الأرض من مظاهر الحياة يتبيّن أنّ وحدةً في التّكوين جامعة بينه وبينها من أهمّ عناصرها عنصر الماء كما عبّر عنه قوله تعالى:﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء/30)، وقوله تعالى:﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ (النور/45).

وكما تربط الإنسان بالبيئة وحدة مادّية في عناصر التّكوين، فإنّه تربطه معها وحدة مادّية في الكيفيّة التركيبيّة لتلك العناصر، فقد رُكّبت الموجودات البيئيّة كلّها بما فيها الإنسان بكيفيّة التّزاوج كما يثبته قوله تعالى:﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (الذاريات/49)، وكذلك قوله تعالى:﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾(يس/36). ويبلغ البيان القرآني أوجه في الدّلالة على الوحدة المادّية بين الإنسان والبيئة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (نوح/17)، فالتّعبير بالإنبات من الأرض هو تعبير يوحي بوحدة العنصر بين الإنسان وكلّ ما ينبت من الأرض متمثّلة في إنشاء الإنسان مثل جميعها من عناصر الأرض، ووحدة الكيفيّة بينها متمثّلة في نشوء بعضها من بعض وفق دورة تشملها جميعا «فالله تعالى أنبت الكلّ من الأرض لأنّه تعالى إنّما يخلقنا من النّطف وهي متولّدة من الأغذية المتولّدة من النّبات المتولّد من الأرض »[12].

وليست الوحدة التي يثبتها القرآن الكريم بين الإنسان والبيئة بمقتصرة على الوحدة المادّية، بل هو يتعدّى بها إلى وحدة بينهما ذات بعد روحي، وذلك بما يصوّر من رابطة للإنسان بالموجودات البيئيّة تجعله يشعر كأنّما هو من القرب منها وهي من القرب منه من الناحية الوجدانية بحيث تتكوّن منهما وحدة جامعة من الأخوّة والمحبّة والرّأفة والتّوافق النّفسي. فهذه المعاني كلّها يحرص القرآن الكريم على بثّها وإبرازها في صلة الإنسان بالبيئة بأساليب مختلفة وفي مقامات متعدّدة سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بحيث يستقرّ في الذّهن من مجملها صورة عن هذه الصّلة تتضمّن معنى من الوحدة الوجدانية الرّوحية تتجاوز تلك الوحدة المادّية الجافّة متمثّلة في وحدة العناصر ووحدة القانون.

ومن مظاهر تلك الوحدة وحدة الولاء لله إذ يصوّر القرآن الكريم كلاّ من الإنسان والبيئة الطّبيعيّة على أنّهما طرف موحّد في خضوعهما كليهما لنفس القدرة الخالقة لهما والحكمة المدبّرة لشأنهما، فكأنّ بينهما إذن أخوّة في هذا الشّأن، إذ ينتميان كالإخوة إلى نفس السّبب الموجد وإلى نفس السّبب الرّاعي، فهما إذن ينخرطان ضمن طرف واحد مخلوق مدبَّر إزاء موجود خالق مدبِّر لهما جميعا، وهما لذلك يدينان له سويّا بالولاء وإن اختلفت بينهما هيئة ذلك الولاء وطبيعته وتعابيره.

ومن مظاهر هذا الولاء لله تعالى الذي يتوحّد فيه الإنسان والبيئة ما يشملهما جميعا من وحدة المأتى وفق تقدير مسبق للكمّ والكيف والوظيفة، فالله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان/2)، ووحدة المصير الذي ينتهيان إليه بعد تحقّق الغاية من وجودهما وفق ذلك التّقدير، فـ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (المائدة/18)، وفيما بين ذلك المأتى وهذا المصير يخضعان جميعا للتّدبير الموحَّد من قِبل الله تعالى الذي يرعاهما برحمته ويسيّرهما بحكمته، فالله تعالى هو الذي ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾(السجدة/5). ومن هذه الوحدة في المأتى والمصير والتّدبير بين الإنسان والبيئة تنشأ وحدة بينهما في الخضوع المشترك لمن بيده الخلق والمصير والتّدبير، ووحدة في الولاء له، فكلّ منهما خاضع بالعبودية لله تعالى ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾(مريم/93)، فالإنسان كما سائر المكوّنات البيئيّة خاضعة لله تعالى، تجري عليها جميعا قوانينه وسننه التي لا تستطيع منها فكاكا، وهي جميعا تمارس هذه العبودية فعلا وتعترف بها قولا وحالا فـ﴿إِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء/44)، فالتّسبيح هو الاعتراف بالخضوع لله تعالى، وهو مسلك جميع الموجودات البيئيّة وإن اختلفت طريقة التّعبير عنه بين الإنسان وغيره.

ومن الوحدة الروحية وحدة الوجدان، إذ يصوّر القرآن الكريم والحديث الشّريف رابطة وجدانية بين الإنسان والبيئة، وهي وحدة تتمثّل في عواطف مشتركة  يتبادلانها بينهما، وتكوّن منطقة مشتركة يمتدّ فيها كلّ منهما إلى الآخر في حركة وجدانية تشبه تلك التي تكون بين بني البشر. وإذا كان هذا التّصوير للوحدة الوجدانية بين الإنسان من جهة والبيئة من جهة أخرى ينحو منحى الحقيقة الواقعية في جهة الإنسان، وينحو منحى الرّمزية في جهة الموجودات البيئيّة، فإنّه على أيّة حال يقصد منه تأكيد تلك الوحدة في التّصوّر الإسلامي كخطّ أساسي من الخطوط المكوّنة لعلاقة الإنسان بالبيئة عموما، وهو خطّ يترتّب عليه أثر تربوي عظيم في السّلوك البيئي.

ومن مظاهر هذه الوحدة الوجدانية كما صُوّرت في القرآن والحديث في طرفي الحقيقة والرّمز ما يربط بين الإنسان والبيئة من عاطفة المحبّة النّاشئة من وشائج القرابة بينهما وما يترتّب عليها من عواطف الرّأفة والرّحمة والاحترام، وقد جاء ذلك المعنى مطّردا في البيانات القرآنية والحديثيّة بصفة مباشرة وغير مباشرة، ممّا يتبيّن معه أنّ المقصود هو معنى مبدئي في صلة الإنسان بالبيئة وليس مجرّد معان عارضة.

ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم من تشبيه للأنواع البيئيّة المختلفة عامّة، ومن الأنواع الحيوانيّة خاصّة بالنّوع الإنساني في انتظامها جميعا أمما كما ينتظم نوع الإنسان أمما، وذلك في قوله تعالى:﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾(الأنعام/38)، فهذه المثليّة بين الإنسان والحيوان في الأممية تتّسع للعديد من العناصر[13] المشتركة بينهما التي تلتقي كلّها عند معنى القرابة بين الطّرفين، وهو ما يتيح مجالا من العاطفة الوجدانية تترتّب في العادة على ما بين الموجودات من القرابة.

ولعلّ من أبرز ما يمثّل تلك العاطفة الوجدانية بين الإنسان والكائنات االبيئيّة ما جاء في قوله  ﷺ في جبل أحد لمّا أشرف عليه وهو راجع إلى المدينة من سفر«هذا جبل نحبّه ويحبّنا»[14]، فهو تعبير عن عاطفة وجدانية  هي عاطفة المحبّة بين الإنسان وبين هذا الجبل، ويمكن أن تتعدّى  هذه العاطفة بالقياس إلى سائر مظاهر البيئة من المخلوقات، فإذا عاطفة من المحبّة والودّ تربط بين الإنسان وبين البيئة بأكملها.

ومن مظاهر هذه الوحدة الوجدانية أيضا في التّصوير القرآني والحديثي ما يتكرّر فيهما من ضرب التّشابيه والأمثلة بين الإنسان وبين موجودات ومشاهد بيئيّة في كلّ من طرفي الصّلاح والطّلاح، وذلك مثلما جاء في حديث ابن عمر من تشبيه الإنسان المسلم بشجرة النّخل في النّفع، حيث قال ﷺ: « إنّ من الشّجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنّها مثل المسلم، فحدّثوني ما هي، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فوقع النّاس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنّها النّخلة، فاستحييت، ثمّ قالوا: حدّثنا ما هي يا رسول الله، قال: «هي النّخلة» [15]، فتشبيه الإنسان بالشّجرة في البركة والخيريّة [16] لمن شأنه أن يوقع في النّفس إحساسا بالمحبّة والودّ نحو هذه الشّجرة التي ضُربت مثلا في العطاء، وهو إحساس يكوّن ضربا من الوحدة الوجدانية بين الإنسان والبيئة الأرضية.

لا شكّ أنّ هذا البيان الديني في علاقة الإنسان بالبيئة الطبيعية يؤسس لتربية تكون فيها هذه البيئة بكل مكوناتها المادية متصفة في ذاتها من حيث القيمة الذاتية بالرفعة وعلو المقام، لا كما استقرّ عند بعض الفلسفات القديمة والحديثة أن المادّة تتّصف بالدونية والخسة، وكفى في شأن البيئة رفعة وعلو قيمة أنها تعدّ مجلى لخلق الله تعالى، ومناطا لصفات كماله، بالتأمّل فيها يُعلم وجوده وصفاته، كما أنه مسرح لحياة الإنسان، وميدان للقيام بمهمة الخلافة كما كلّفه بذلك الله تعالى.

كما أنّ هذا البيان الديني يؤسّس لتربية يكون فيها للإنسان احترام للبيئة ورأفة ورحمة بها في تصرفه إزاءها، إذ هي ذات قيمة في ذاتها، وهي مرتبطة معه بوشائج القربى، فمطلوب منه أن يكون في استثماره لخيراتها رفيقا بها، غير مفسد فيها بإسراف يستنزف مقدَّراتها، أو بعبثية تخلّ بتوازنها، أو باستهتار يلوّث طبيعتها، وذلك لتبقى دوما قادرة على إعالة الحياة والوفاء بمطالب الإنسان. وهذا ما يقابله في ثقافة الغرب ذلك العداء بين الإنسان والطبيعة الذي أُشربته الفلسفة الغربية القديم منها والحديث، فصار تصرّفه إزاءها تصرّف الغزو والقهر والإخضاع كما هي العبارات الرائجة اليوم، وهذا ما ينتج عنه الفساد والإفساد، وهو ما أفرز الأزمة البيئية الراهنة.

وقد أصبح هذا التّعليم القرآني والحديثي المؤسّس لمعنى الوحدة بين الإنسان والبيئة في مظاهره المختلفة صورة واقعية في التّصوّر الثّقافي الإسلامي عليه انبنت الحضارة الإسلامية بأكملها، وعليه قامت العلوم والفنون وكافّة مظاهر العمران، فقد كان الإنسان في هذه الحضارة يعتبر كائنا بيئيّا، تُرسَم له الخطط في تصريف الحياة على ذلك الأساس، وليس على أساس أنّه كائن قادم من خارج البيئة فهو متّصف بالغربة عنها والتّضادّ معها.

ولعلّ من أوضح ما يدلّ على هذا المنحى الحضاري الإسلامي في الاعتناء بالوحدة بين الإنسان والبيئة ما كان مستقرّا في ذلك المنحى من معنى سائر  يمُثّل فيه الإنسان بأنّه العالم الأصغر، ويمثّل فيه العالم الطّبيعي بأنّه الإنسان الأكبر، تعبيرا عن الوشائج القويّة بينهما، بحيث يستجمع الإنسان الصّغير خصائص العالم الطّبيعيّ الكبير، وذلك ما كان يتردّد في الفكر الإسلامي باستفاضة، وعبّر عنه الرّاغب الأصبهاني بقوله: « جمع الله تعالى في الإنسان قوى بسائط العالم ومركّباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوّناته، فالإنسان من حيث إنّه بواسطة العالم حصل، وعن أركانه وقواه أوجد هو العالَم، ومن حيث إنّه صغُر شكله وجمع فيه قواه [هو] كالمختصر من العالم .. ولكون العالم والإنسان متشابهين إذا اعتُبرا قيل: الإنسان هو عالم صغير، والعالم إنسان كبير» [17] .

ولعلّ من التّجلّيات الحضارية لهذا المعنى من وحدة الإنسان والكون ما اتّجهت فيه العلوم الإسلامية قاطبة الإنسانيّ منها والطّبيعي من اتّجاه التّواصل فيما بينها أخذا وعطاء، بحيث يستفيد بعضها من بعض في المادّة والمنهج جميعا، وذلك بناء على ما بين الإنسان والبيئة الطّبيعيّة من وشائج الوحدة المقتضية للتّواصل العلمي، وذلك ما كان سببا من أسباب التّقدّم العلمي في كلّ من علوم الطّبيعة وعلوم الإنسان على حدّ سواء، فكثيرا ما كان اكتشاف حقائق في البيئة الطّبيعيّة ملهما لاكتشاف حقائق في كينونة الإنسان والعكس صحيح أيضا، وقد جاء في هذا المعنى وصف ذو دلالة معبّرة في كتاب الغزالي المترجم بـ « الحكمة من مخلوقات الله ».

 وإنه لحري بالنظام التربوي المنشود أن يجعل هذه العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية عنصرا أساسيا من عناصر التربية الإيمانية من أجل تخريج أجيال تشعر إزاء البيئة بقيمتها العليا مهما كان للإنسان من تفوّق عليها، كما تشعر إزاءها بوحدة المأتى والمصير وما بينهما من قوانين المسير، فتتعامل معها إذن بالمحبة والرفق واللطف، وتتصرّف فيها بما يحافظ عليها وينميها لا بما يفسدها ويدمرها، وبهذه التربية يمكن أن يقدم المسلمون للعالم مقترحا فلسفيا وعمليا يسهمون به في حلّ معضلة الأزمة البيئية.

د ـ غاية الحياة الإنسانية

تقرّر العقيدة الإسلامية أنّ الإنسان خلق لمهمة يقوم بها في حياته الدنيا ليُجازى عليها في حياته الآخرة، وقد جاء القرآن الكريم يؤكّد هذه الحقيقة على سبيل السلب والإيجاب. فعلى سبيل السلب جاء القرآن ينفي في قطعية لما قد يقع في بعض النفوس من أن وجود هذا الإنسان إنما هو وجود عبثي لا غاية له، وهو ما كان ديدن مذاهب فلسفية في القديم كالفلسفة الدهرية، وفي الحديث كالفلسفة الوجودية، وفي إبطال هذه النوازع ما كان منها وما قد يكون جاء القرآن الكريم يقول في قطعية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾(المؤمنون/115) كما جاء يقول في نفس السياق: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة/36)

وتعني الخلافة في الأرض أن يكون الإنسان مطبقا في وجوده على الأرض أوامر الله ونواهيه، فأحد معاني الخلافة في اللغة أن يكون المستخلَف قائما مقام من استخلفه في تنفيذ أوامره، وهو المعني الذي قرره ابن عاشور في قوله: «فالخليفة آدم، وخَلَفيته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض»[18]، وكان قبل ذلك قد قرّره الإمام الشاطبي إذ يقول في ذات المعنى: « فالمطلوب منه [أي الإنسان] أن يكون قائما مقام من استخلفه، يجري أحكامه ومقاصده مجاريها»[19]، وإذن فإنّ المهمّة التي من أجلها خلق الإنسان هي أن يكون ساعيا في الأرض بتنفيذ أوامر الله تعالى ونواهيه خلافة عنه، وهو ما يتطابق في المعنى مع ما جاء في قوله تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات/56)، وبالجمع بين المعنيين تكون الخلافة إذن هي السعي في الأرض بمنهج العبادة[20].

أما مضمون الخلافة التي هي مهمة الإنسان في الحياة فهو يقوم على معنيين أساسين: الأول، أن يكون الإنسان ساعيا في ترقية نفسه باعتباره فردا وباعتباره هيئة جماعية. فالترقّي الفردي يكون بتزكية النفس بالتقوى والفضيلة والسمو الروحي، وتزكية العقل بالعلم والحكمة والرشد، وتزكية جميع القوى التي يتوفر عليها التكوين الإنساني جسمية ومعنوية. والترقّي الجماعي يكون بالتآخي والتعاطف والتراحم بين بني الإنسان، والتكافل والتعاون بينهم، وكلّ هذا الترقّي إنما يكون ركنا من أركان الخلافة حينما يتمّ وفق تنفيذ أوامر الله تعالى ونواهيه، وهو لا يتحقق معناه المقصود في هذا السياق إلا بذلك.

والثاني أن يكون الإنسان ساعيا في الكون باستثمار مقدَّراته التي أودعها الله فيه مسخَّرة له، والتعمير في الأرض بتلك المقدّرات انتفاعا بها في مطالب الحياة المادية والمعنوية، ومن المعلوم أن ذلك يتطلب أول ما يتطلب السعي في البيئة الكونية لطلب العلم بحقائق تكوينها، ونواميسها التي تجري عليها، إذ لا إمكان لاستثمارها إلا من خلال ذلك العلم. وهذا التعمير في الأرض بأبعاده المختلفة لا يكون ركنا من أركان الخلافة إلا إذا تم وفق مراد الله تعالى، تصريفا لمقدرات البيئة فيما هو مشروع، ورفقا بها أن تُرهق بالإسراف، أو يُسعى فيها بالفساد، أو يختلّ توازنها بالاستهلاك العابث.

إنّ هذا السعي في الأرض لترقية الذات الإنسانية فردا وهيئة جماعية، ولاستثمار مقدّرات الطبيعة فيما فيه المصلحة هو مهمة الحياة التي من أجلها خُلق الإنسان، ولكنها ليست الغاية النهائية التي ليس بعدها غاية، وإنما هي غاية مرحلية يمكن أن تتمّ في الحياة الأولى وهي الحياة الأرضية، وأما الغاية النهائية التي تفضي إليها، ولا يكون الوصول إليها إلا من خلالها، فهي الفوز بالنعيم الدائم في الحياة الأخرى، والمثل في ذلك أن يجعل الإنسان مهمته لفترة من حياته الحرث والزرع، وهو يريد من ذلك غاية أعلى هي الحصاد، ولا يكون حصاد إلا بزرع؛ ولذلك قيل إن الدنيا هي مزرعة الآخرة[21].

3 ـ الفعل الإنساني

ليس الإيمان في الإسلام تصديقا نظريا بجملة من الأفكار والمفاهيم شأن بعض المذاهب الفلسفية وربما بعض الأديان الوضعية، وإنما الإيمان هو تصديق وعمل، فإذا ما حصل التصديق وتعطل العمل أدى ذلك إلى انتقاض الإيمان أصلا كما ذهبت إليه بعض الفرق الإسلامية كالمعتزلة والخوارج، وأدى إلى ضعف الإيمان إلى حدوده الدنيا فوصف من يرتكب ذلك بالمؤمن الفاسق كما هو عند فرق أخرى على رأسهم أهل السنة. وفي القرآن الكريم ربط دائم بين الإيمان وعمل الصالحات، إشارة إلى أنّ العمل بالأوامر والنواهي السلوكية مرتبط بمفهوم الإيمان ارتباطا عضويا غير قابل للانفصال إلا أن يكون ذلك قادحا في حقيقة الإيمان نفسه.

ولم تكن العلاقة بين التصديق بحقائق الدين وبين الفعل السلوكي بما تقتضيه الأوامر والنواهي مطروحة للبحث عند الجيل الأول من المسلمين، وإنما أُشرب هؤلاء مفهوم الإيمان من توجيهات الوحي قرآنا وسنة على أنه وحدة متكاملة غير مجزأة تتكون من التصديق القلبي ومن العمل بمقتضى ذلك التصديق، ولكن بعد حين طرأ البحث في مفهوم الإيمان هل هو التصديق أم هو التصديق والعمل لأسباب طرأت على المجتمع الإسلامي لا يسمح المجال لشرحها ولكنها تتمثل بصفة عامة في فتن استبيحت فيها الدماء بناء على أحكام بالتكفير مبنية على مفهوم الإيمان وكون العمل السلوكي جزءا منه ينتقض بانتقاضه[22].

انتهى الأمر بهذه التفرقة بين التصديق والفعل السلوكي إلى أن أصبح العمل السلوكي بأوامر الدين يحتل مرتبة ثانوية إزاء التصديق القلبي، حتى نشأت فرقة بأكملها هي فرقة المرجئة ترى أن التقصير في الأفعال لا يؤثر البتة في قيمة الإيمان، وقال هؤلاء قولتهم الشهيرة: « لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة «، وإذا كان عموم المسلمين بقوا على تقييم معتبر للفعل في حقيقة الإيمان إلا أنّ هذا الفعل انحطّت درجته عندهم بالنسبة لما كان عليه الأمر في جيل الصحابة والتابعين، حيث أصبح عصيان الأوامر في التنفيذ عند جمهور المسلمين وهم أهل السنة يقدح في الإيمان بالإضعاف ولا يقدح فيه بالنقض.

وفي طور لاحق تطور الأمر إلى ما هو أخطر، إذ بأسباب شرحناها سابقا تتعلق بالخلط بين العقيدة وعلم العقيدة أصبحت تعاليم الدين ذات الأبعاد السلوكية تأخذ في الوعي الإيماني عند الكثير من المسلمين وضعا تخرج به من دائرة الإيمان أصلا، فإذا هي من باب الشريعة أي المتعلقة بالأفعال السلوكية وليست من باب العقيدة، وإذا هي لا تتأخّر في السلّم الإيماني من حيث التنفيذ في الواقع، وإنما تتأخر أيضا من حيث التصديق القلبي بها أيضا، فكادت بذلك تخرج من دائرة الإيمان تنفيذا وتصديقا، ووضعت على هامش الدين وكأنما هي من النوافل أو المباحات التي لا تؤثر في ميزان الإيمان شيئا يذكر.

لم يطل هذا الخلل كل التكاليف السلوكية، بل إنّ جملة منها وهي في الغالب تلك المتعلقة بما اصطلح عليه بالعبادات بقيت على وضع مقدّر في تحديد حقيقة الإيمان، إذ إنكار وجوب الصلاة والزكاة والحج وحرمة الزنا والخمر مثلا من القادحات في الإيمان بالنقض، وإن كان تعطيلها في الفعل لا يتجاوز إضعاف درجته إلى نقضه. لقد أصبح الإيمان إذن يتقوم بصفة أساسية بالحقائق الغيبية تصديق بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل والقدر واليوم الآخر، يُلحق بها ما هو معلوم من الدين بالضرورة من العبادات والمحرمات، وأخرجت من ذلك كثبر من التكاليف السلوكية بالرغم من أنها هي أيضا من المعلوم من الدين بالضرورة. ويجدر التنبيه إلى أنّ هذا الخلل وإن لم يصبح مقرّرا عند علماء الدين فإنه سرى في الوعي الإيماني لشق كبير من المسلمين وأثّر في حياتهم تأثيرا بالغا، بل لقد أصبح مذهبا نظريا مقررا عند بعض المنتسبين إلى الإسلام فيما يعرف بالمذهب العلماني الذي يستبعد مجال العلاقات الاجتماعية بمعناها الواسع أن يكون لأوامر الدين سلطان عليها.

وبالرجوع إلى التحديد الديني لحقيقة الإيمان فإننا نجد الأمر على خلاف ما انتهى إليه الوضع الإيماني عند الكثير من المسلمين، ففي الحديث النبوي أن الإيمان « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»[23]، ونجد فيه أيضا أن« الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»[24]. والإيمان بالرسل أعلاه الإيمان بالرسول الخاتم، والإيمان به يتضمن الإيمان بما جاء به من التكاليف، وهذا يقتضي أن كلّ ما جاء به الرسول الكريم من أمر أو نهي تصديقيا كان أو عمليا فهو من الإيمان، وهو ما يؤكده الحديث الثاني الذي يجعل إماطة الأذى من الطريق من الإيمان غير أنّ ما جاء به النبي منه ما هو كلي قطعي معلوم من الدين بالضرورة الإيمان به أو عدمه يعدّ فيصلا في ثبوت الإيمان أو زواله تصديقيا كان أو عمليا، عبادات كان أو معاملات، ومنه ما هو جزئي ظني لا يعتبر كذلك.

ولو تأمّلنا في واقع المسلمين من حيث التحمّل الإيماني للعديد من التكاليف الفعلية لوجدنا هذه التكاليف لا تحتل الموقع المناسب لها في ذلك التحمّل، إذ بالرغم من أنها من القطعيات المعلومة من الدين بالضرورة فإنها تنزل في درجتها الإيمانية إلى ما يشبه النوافل أو المستحبات، لا من حيث إتيانها فعلا، بل من حيث الإيمان بها تصديقا أيضا،  ونذكر من ذلك على سبيل المثال التكافل الاجتماعي، وتكريم الإنسان وحقوقه وحرمة دمائه، وطلب العلم والتفقه في الدين، والسعي في الأرض بالعمل التعميري، ونصرة المظلومين والمستضعفين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك كثير.

تحتلّ هذه التكاليف الفعلية في الوعي الإيماني للكثير من المسلمين درجة ضعيفة والحال أننا لما نعود إلى ما ورد فيها من بيان ديني نجدها لا تقلّ درجة في القطعية عن أوامر العبادة والنواهي عن الكبائر، فقد جاء في التكافل الاجتماعي على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾  (الماعون/1ـ3)، وقولهﷺ:« ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره إلى جنبه جائع »[25]، وقولهﷺ:« أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله »[26]، ففي الآية جعل الخلل في كفالة الضعفاء قرينا لانتقاض الإيمان بالكفر وفي الحديثين جُعل الخلل في هذه الكفالة خللا في الإيمان، وعُقّب على ذلك بوعيد شديد. ومثل هذا يمكن أن يقال في كل ما ذكرناه على سبيل المثال من التكاليف العملية، ولكن أين المسلمون اليوم من التحمّل الإيماني لهذه الحقيقة والتكافل الاجتماعي مهدور على نحو واسع، ودماء المسلمين مستباحة بغير حق، وكرامة الإنسان منتهكة، وحقوقه منتهبة، والسعي في الأرض بالتعمير قاصر كسيح، ويتمّ ذلك كلّه في كثير من الأحيان من قِبل من ينتسبون إلى الإيمان، بل ومن قِبل من يعتبرون أنفسهم مخلصين فيه.

إنه خلل في الإيمان فيما يتعلق بالأعمال، يتمثل في تأخيرها عن منزلتها من التصديق التي وضعها الوحي فيها، والتي كانت عليها عند الجيل الأول من المسلمين بصفة تلقائية. وهذا الخلل في التصور أدى إلى خلل كبير في الأداء الحضاري للأمة، إذ الإنجاز في الأعمال إنما يكون دافعه الأكبر التصديق الإيماني في التصور، فإذا ما كان ذلك التصديق في القضايا التي ذكرناها وأمثالها غير قائم في النفوس على الوجه الصحيح، فنزلت في السلّم الإيماني بوعي أو بغير وعي إلى درجة النوافل والمستحبات فإن السلوك الفعلي سوف لن يكون جاريا بها في الواقع؛ ولذلك لا يكون غريبا أن تختفي الشورى وقد قرنت في القرآن بالصلاة، ويحل محلها الاستبداد، وأن تستباح الدماء بتأويلات لا مبرر لها، وأن تصادر الحريات على نطاق واسع، وأن يترك المستضعفون في المجتمع نهبا للأوجاع، فهذه الأعمال وأمثالها لم تعد متنزّلة في القلوب منزلة التصديق الإيماني، ففقدت الدافع الذي يدفع إلى تحقيقها في الواقع.

إن هذا الوضع يستدعي إصلاحا في التربية الإيمانية، وذلك بأن يقع العمل على أن تستعيد هذه التكاليف العملية موقعها الصحيح في السلّم الإيماني، وأن تدرج في التربية ضمن ذلك الموقع الذي تبلغ فيه من درجة الجزم الإيماني ما يجعلها دافعة النفوس إلى العمل الإنجازي، فيصير المسلم كما يشعر بأن تقاعسه عن الصلاة والزكاة والصوم يخلّ بإيمانه بما قد يخرجه منه أو يضعه على حافّة الخروج منه فإن تقاعسه عن كفالة المحرومين، ونصرة المستضعفين، وحقن الدماء، وتكريم الإنسان الذي كرمه الله تعالى، والسعي في الأرض بالتعمير قد يخرجه هو أيضا من إيمانه أو قد يضعه هو أيضا على حافة الخروج منه سواء بسواء، وحينئذ فإنه سوف يندفع في الأداء العملي لتلك التكاليف الفعلية، وستكون الثمرة فعالية في الإنجاز الحضاري للأمة، وتقدما في إنجاز مهمة الخلافة في الأرض.

 رابعا ـ المنهج في التربية الإيمانية

إنّ المضمون الإيماني كما شرحنا أصوله الكبرى له قيمة في ذاته باعتبار أنه هو الحقّ في المواضيع التي جاء بيانه فيها، ولكن له قيمة أيضا في ثمرته العملية التي ينعكس بها على الحياة فتكون متوجهة بوجهته محققة الخير للإنسان في دنياه، ومحققة له النجاة في أخراه، والإيمان إنما هذه هي غايته التي أرادها الله سعادة للإنسان في الدارين مظهرا من مظاهر رحمته فكان على أساسها التكليف، وإلا فإنه تعالى غني عن العالمين لا يلحقه بإيمان المؤمن ولا بكفر الكافر نفع ولا ضرّ، إذ هو مستغن عن المنافع، منزّه عن الحاجات.

ولكنّ هذا المضمون الإيماني لا يحصل في النفوس على الوجه المطلوب الذي يكون فيه صحيحا في ذاته حصولا تلقائيا بمجرّد السماع، وإذا حصل في الذهن على سبيل التصور الصحيح فإنه قد لا يبلغ درجة اليقين الجازم بصفة آلية مباشرة، وإذا بلغ درجة اليقين قد لا يصبح فاعلا مثمرا لآثاره العملية على وجه السببية القاطعة، فبالرغم من أنّ الكثير من مفردات ذلك المضمون وعلى رأسها معرفة الله تعالى والإيمان به مركوز في النفس البشرية بصفة فطرية إلا أنّ حجبا من أهواء النفوس أو من تأثيرات المجتمع تغشيه فيطاله الطمس أو الانحراف أو القصور عن الفاعلية العملية.

واعتبارا لذلك فإن المضمون الإيماني لكي يستقرّ في النفوس على الوجه المطلوب يحتاج إلى منهج في التبليغ يصل به إلى غايته؛ ولذلك فالتربية الإيمانية المنشودة كما ينبغي فيها مراجعة مفردات الإيمان لتوسّع دائرتها ويعاد ترتيبها على نحو ما وصفنا، فإنه ينبغي فيها أيضا مراجعة منهجية التبليغ ليكون المضمون الإيماني بالغا غايته في التأثير على النفس بما يسوقها في المسار الذي تتقدم به في إنجاز الهدف المنشود، وهو هدف الخلافة في الأرض. والمنهج المطلوب لا يكون فاعلا فيما نقدّر إلا إذا حُدّدت أسس بنائه أولا، ثم بنيت مفرداته على تلك الأسس بناء متينا يحقق المقصود.

1 ـ موجّهات المنهج الإيماني

المنهج إنما هو وسيلة وضعت لتبلّغ إلى غاية، فلكي يكون ناجحا في تحقيق غايته ينبغي فيما نقدّر أن يكون موجَّها بما تقتضيه موجِّهات ثلاثة أساسية: أولها، أن يُصاغ بما تقتضيه الغاية منه، فالوسيلة تصاغ دوما بما يتطلبه الهدف الذي من أجله وضعت؛ ولذلك فإن المنهج الإيماني ينبغي أن يتأسس على الهدف المنشود من تبليغ المضمون الإيماني إلى الناشئة فيما إذا كان على سبيل المثال مجرد معرفة عقلية بذلك المضمون، أو كان تكيّف النفس به على حدّ تعبير ابن خلدون، فتحديد الهدف سيكون موجِّها هامّا يتوجّه به المنهج وإلا فإنه سيكون غير مؤدّ للغرض منه.

 والثاني أن يُصاغ بحسب أحوال المخاطبين وأوضاعهم النفسية والعقلية والثقافية؛ وذلك حتى يمكن نفاذ المضمون الإيماني إلى النفوس والعقول بناء على تخوّل تلك الأحوال والأوضاع للتعامل معها بما يناسبها من الخطاب، وإذا لم يكن ذلك فإن الخطاب التربوي سوف يخطئ المنافذ التي ينفذ منها المضمون، لا من حيث مجرد المعرفة العلمية، ولا من حيث التصديق القلبي، بلهَ من حيث التكيّف النفسي.

 والثالث، أن يُصاغ على علم بما هو سائد في النظام التربوي الإيماني الراهن، وما في ذلك النظام من قصور منهجي في التبليغ، وكذلك بما قد يكون في ذلك النظام من مزايا منهجية تتعلق بما هو ثابت من أصول الخطاب لا تتغير بالزمن؛ وذلك لأنّ التجديد في المنهج لا يكون محكما إلا إذا بُني على علم بما هو قديم سائد، للتنبّه إلى ما فيه من صواب فيُستصحب، وما فيه من خلل فيقع تلافيه، فيُبنى إذن المنهج الجديد على العلم بكل تلك المعطيات التي إذا ما أهملت بتجاهلها والإعراض عنها فاتت العبرة منها، وانعكس ذلك خللا فيما يُبتغى من تجديد في البناء المنهجي للخطاب الإيماني.

أ ـ الموجّه الغائي

إنّ المطلوب في الإيمان بالمضمون الذي شرحناه ليس مجرد التصور المعرفي كما لو كان الأمر يتعلّق بدارس خارجي للأديان، إذ المطلوب هو الإيمان وليس مجرد المعرفة التي لا تغني في ميزان الدين شيئا إذا لم تكن مصحوبة بتصديق، ولا ذلك التصور الذي يكون على نحو من التصديق كذلك الذي يحصل بالوراثة أو بالتقليد، فهذا الإيمان لا يصمد طويلا في مواجهة ابتلاءات الحياة الفكرية والعملية إذ هو غير حاصل في النفس بالدليل، كما أنه لا يثمر دفعا إلى الأعمال على الوجه المطلوب؛ ولذلك فقد عدّه جمهور العلماء إيمانا منقوصا وإن حسبوه إيمانا، وعدّوا صاحبه عاصيا إذا كان قادرا على ترقيته في درجة اليقين بالاستدلال ولم يفعل، بل قد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يعتبر إيمانا أصلا[27]ا، ولا يغني شيئا في ميزان الدين، وما ذلك فيما نحسب إلا لقصوره عن أن يكيّف الحياة السلوكية وفق التكاليف العملية للدين.

إن الإيمان بهذا المضمون كما هو مطلوب هو ذلك الإيمان الذي يستحكم في النفوس، ويمتلك جميع قواها عقلا وإرادة وعواطف وجوارح، فتصبح تلك القوى متصرفة في الحياة بتوجيه منه، تأتمر بما يأمر به وتنتهي عما ينهى عنه، وهو ما وصفه ابن خلدون وصفا دقيقا حين تقريره لما هو مطلوب في توحيد الله تعالى منسحبا على كل ما هو مطلوب في المعتقدات إذ قال:« ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط الذي هو تصديق حكمي، فإن ذلك من حديث النفس، وإنما الكمال فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس «[28]، وقال في موضع آخر متحدثا عن مراتب الإيمان:» أعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح وتندرج في طاعنها جميع التصرفات حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني«[29]. والمقصود الجوهري في هذه البيانات هو أن يكون الإيمان متمكّنا في النفس بحيث يصبح فاعلا في السلوك الإنساني وليس مجرد تصور ساكن باهت، وإن يكن علما صحيحا، وإن يكن تصديقا بذلك العلم الصحيح.

وإذن فإن الكيفية التي ينبغي أن يستقرّ عليها الإيمان هي كيفية ثلاثية الأبعاد: معرفة صحيحة بحقائق العقيدة، وتصديق جازم بها، ودفع بمقتضاها إلى الفعل السلوكي، والمنهج المبتغى للوصول بالإيمان إلى هذا الوضع ينبغي أن يكون مؤسَّسا على كل هذه الأبعاد الثلاثة التي لئن كانت متكاملة فيما بينها إلا أنّ الوصول إلى أي واحد منها قد يستلزم من الأساليب والوسائل ضمن المنهج غير ما يستلزمه الآخر منها، فالتصور المعرفي يستلزم على سبيل المثال الشرح والبيان، والتصديق يستلزم الاستدلال والبرهان، فينبغي أن يكون المنهج إذن مستجمعا في أساليبه ما تقتضيه هذه الأبعاد على اختلافها.

ب ـ أحوال المخاطبين

إن هذه الدرجة المطلوبة في الإيمان لا يمكن أن تحصل إلا بمعالجة تربوية تتخذ منهجية مصنوعة تقوم على مراعاة لطبيعة الموضوع من جهة، ولطبيعة الوضع الذي عليه المتلقون للتربية ذهنيا ونفسيا  وثقافيا من جهة أخرى؛ ذلك لأن الخطاب التربوي في هذا المجال هدفه أن يوصّل المضمون الإيماني ليستقرّ في النفوس على صورته الصحيحة في ذاته، وبالكيفية التي يكون بها في أعلى درجة من اليقين، كما يكون بها في أعلى درجة من التأثير في السلوك، وهو ما عبّر عنه ابن خلدون بتكيّف النفس بالتوحيد.

إنّ المنهج التربوي هو الطريقة التي يُعالج بها المخاطبون من أجل تبليغ المضمون العقدي على النحو الذي وصفنا، وإذا كان الإنسان يتوفّر على منافذ يتلقّى من خلالها الخطاب فيبلغ هدفه فإنّ المخاطب ينبغي أن يكون عارفا معرفة دقيقة بتلك المنافذ في مخاطَبيه لكي يهيّئ خطابه بما يناسب تلك المنافذ وإلا فإن خطابه سوف يذهب سدى. ومنافذ الإنسان التي منها يبلغ إليه الخطاب منها ما هو ثابت دائم وقدر مشترك بين جميع الناس مثل التركيب المنطقي الذي ركّب الله تعالى عليه العقول، ومنها ما هو متغيّر من شخص إلى آخر ومن ظرف إلى آخر مثل التركيب الثقافي الذي يكتسبه الإنسان اكتسابا فيجعل بعضا يكون الخطاب إليه أنفذ من جهة عقليته المنطقية المجردة، وبعضا يكون إليه أنفذ من جهة عقليته النفعية، وثالثا يكون إليه أنفذ من جهة عواطفه ومشاعره.

 يجب إذن أن يكون الخطاب التربوي الإيماني آخذا بعين الاعتبار لكل هذه المعطيات المتعلقة بمنافذ المخاطبين التي منها يصل إليهم خطابه على الأنحاء الثلاثة التي ذكرناها آنفا، بحيث يكون هذا الخطاب مبيّنا للمضمون الإيماني على وجهه الصحيح، وحاملا العقول على التصديق بها، ومكيّفا للنفوس بحسبها، وذلك بمراعاة ما هو ثابت من تلك المنافذ يستوي فيه جميع المخاطَبين، وما هو متغير بحسب الأشخاص والثقافات والأحوال والظروف، وعلى ذلك الأساس يُبنى المنهج الذي يكون به الخطاب الإيماني، وتلك مهمة ليست من اليسر بما قد يظنه الكثير من المربين في هذا المجال.

ج ـ المنهج السائد في التربية الإيمانية

لقد أشرنا سابقا إلى أنّ الخطاب الإيماني الموروث متكفلا بالشطر الأكبر منه علم العقيدة كان في أغلبه مبنيا على العقلية المنطقية المجردة، توافقا مع ما كان عليه البناء الثقافي على العهد الذي نشأ فيه هذا العلم وتطور واكتمل، لما كانت عليه التحديات الواردة من صياغة منطقية متأثرة بالمنطق اليوناني وقد نشأ هذا العلم أصلا لمجابهتها فاستعمل نفس أسلوبها، وقد قام هذا الخطاب آنذاك بدور على غاية الأهمية لتحقيق هدفه، إلا أنّ  المخاطَبين بالتربية الإيمانية اليوم تغير وضعهم الثقافي فلم يعد ذلك المنهج قادرا على أن يبلّغ إليهم المضمون الإيماني على الوجه المطلوب، وهو ما يدعو إلى البحث عن منهج آخر يكون موجّها بالغاية التي يهدف إلى تحقيقها من عرضه للعقيدة، كما يكون موجَّها بالوضع الجديد الذي أصبحت عليه الأجيال الناشئة فيما طرأ عليها من تغيرات ثقافية، وفيما انخرطت فيه من تفاعلات عالمية مؤثرة. 

ويضاف إلى هذا الخلل المنهجي في الخطاب التربوي الإيماني خلل آخر يتمثل في انحسار هذا الخطاب ليقتصر أو يكاد في علم محدد هو علم العقيدة، والحال أنّ كلّ العلوم التي يتلقّاها المتعلّم هي علوم ذات بعد إيماني، إذ هي كما ينبغي أن تكون مؤسَّسة على أنها إما استكشاف لحقيقة شرعية للعلم بما جاء به الوحي، أو استكشاف لحقيقة كونية للعلم بما أودعه الله في الكون، وكل من هذا وذاك غايته مساعدة الإنسان على أن يقوم بمهمة الخلافة في الأرض التي كلّف بها على نحو ما شرحناه سابقا؛ ولذلك فإنها تعتبر على نحو من الأنحاء علوما إيمانية، وهو ما أشار إليه ابن تيمية حينما قال إن العلوم كلها شرعية؛ لأنها إما تبحث في الشريعة أو أنّ الشريعة أمرت بها[30]، وهذا ما يقتضي أن تكون التربية الإيمانية غير مقتصرة على علم العقيدة، بل ممتدّة إلى كلّ العلوم في تبليغها للمخاطبين لتكون مؤطّرة تأطيرا إيمانيا، سواء من حيث ذاتها أو من حيث طريقة تقديمها للمخاطبين.

ومن الخلل الذي هو واقع الآن في التربية الإيمانية أنّ هذه التربية تعمد في أكثر الأحيان إلى تبليغ مفردات الإيمان تبليغا عقليا منطقيا جافّا، قد ينتهي إلى أن يتلقاه العقل بالتصديق، ولكنه يبقى تصديقا تجريديا لا تنفعل به النفس ليحصل ذلك التكيّف الذي تنخرط به كل قوى التكوين الإنساني من عقل وإرادة وعواطف ومشاعر في تحمّل الإيمان بتلك المفردات العقدية حتى تبلغ مداها في توجيه الحياة الفكرية والسلوكية، وذلك ما يستلزم أن تتجه التربية الإيمانية بالإضافة إلى ما أشرنا إليه من تأطير فكري علمي إلى إحياء روحي يوسّع من دائرة المنافذ التي يتجه إليها الخطاب التربوي بالبلاغ، فلا تبقى مقتصرة على المنفذ العقلي وحده دون غيره.

2 ـ عناصر المنهج التربوي الإيماني

بتوجيه هذه الموجهات الثلاثة يمكن أن تُصاغ مفردات المنهج الإيماني صياغة جديدة، يكون بها هذا المنهج هو المنهج الذي يبنى عليه علم العقيدة باعتبار أنه الطريق المباشر للتربية الإيمانية لما اختصّ به هذا العلم من تمحّض لمفردات الإيمان، ولكنه لا يقتصر عليه طريقا وحيدا للتربية الإيمانية، وإنما يكون منهجا تربويا إيمانيا تنخرط فيه كل العلوم التي يتلقاها الناشئة مهما تكن عليه من انبناء على منهجيتها الخاصّة بها على حسب ما تقتضيه طبيعتها، وإذن فإن المنهج التربوي الإيماني الذي نبتغيه هو منهج لعلم العقيدة بالأصالة، ولكنه منهج لكل العلوم بصفة عامة بإفساح المجال لمنهجياتها الخاصة؛ ولذلك فإننا نقترح أن ندرج هذه المفردات المنهجية في معرض تعددها في عنصرين أساسيين يشتمل كل منهما على تفصيل: هما التأطير الإيماني الشامل، والتفعيل الإرادي لإيمان.

 أ – التأطير العقدي الشامل

أشرنا سابقا إلى أنّ المضمون الإيماني ليس مفاهيم تنحصر قيمتها في تمثّلها معرفيا والتصديق بها قلبيا باعتبارها الذاتي، وإنما ذلك هو جزء من قيمة الإيمان بها فحسب، باعتبار أن معرفة الحق والإيمان به فضيلة مطلوبة في ذاتها، والجزء الثاني من تلك القيمة هو ما يحدثه الإيمان بالعقيدة من أثر شامل في حياة الإنسان الفكرية والعلمية. وتلك نقطة فارقة بين العقيدة الإسلامية وبين سائر العقائد في المذاهب والأديان.

وفي نصوص القرآن والحديث تأكيد مستمر على هذه الحقيقة، وإرشاد دائم إليها، علما من الله تعالى بسرعة ما يقع للناس من الانحراف فيها بالفصل بين الاعتقاد وبين العمل الفكري والسلوكي، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (آل عمران/191) الذي يجعل التفكّر في خلق الله من مظاهر الكون بعدا من أبعاد الإيمان بالله، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور/55) الذي يقرن الإيمان بالعمل الصالح إقران تلازم يترتّب عليه الجزاء. فالإيمان بالعقيدة في الآيتين هو إيمان يمتدّ كي تكتمل قيمته إلى الفكر والسلوك معا.

أ – التأطير الإيماني للفكر

المقصود بالفكر في هذا السياق هو الطريقة التي يسلكها العقل في البحث عن الحقّ، والفكر بهذا المعنى يسبق العمل، وليس العمل إلا نتاجا له، إذ الفكر ينتهي إلى تصور ما ينبغي أن يُعمل، ثم يأتي بعد ذلك تنفيذه في الواقع فيكون العمل، ولا يكون الفكر الإسلامي رشيدا إلا إذا كان موصولا بالإيمان، صادرا عنه، ويتمّ ذلك بأن يكون المسلم في كل ما يفكر فيه لإنتاج الرؤى والتصوّرات والمخطّطات والمشاريع مستحضراً للعقيدة الإسلامية استحضارا تكون به تلك العقيدة حالا له لا مجرّد مفردات يحملها ذهنه. وبهذا الاستحضار الحالي يتكيف الفكر بمقتضيات العقيدة أولا في مستوى القصد والعزم، فيوضع إذن الفكر في سياق الاعتقاد ابتداءً، ويوطّد على نهجه ليتحرّك ضمنه. ثمّ يتكيّف بعد ذلك في حركة بنائه للأفكار والصور بمقتضيات الإيمان بأن يتّخذ من معانيها ومقاصدها ناظماً ينظم كل تلك الرؤى والصور، ويكوّن منها بناءً متكاملاً في كل ميدان أراد فيه بناء، حتى تكون العقيدة هي الروح السارية في كل فكرة بعينها، وفي كل بناء فكري مركّب على وجه الجملة.

وعلى سبيل التمثيل لذلك فإن الفكر الإسلامي إنما يكون رشيدا إذا ما تأطّر بالإيمان حينما يكون نظره في الكون لبناء صورة علمية عنه موجّها في كلّ حين بحقيقة وحدانية الله في أفعاله، تلك الوحدانية التي كان بها الكون موحَّد القانون، فتحصل إذن تلك الصورة العلمية متولّدة عن وحدانية الله، وحينما يكون نظره لإنتاج قوانين تنظّم المجتمع موجّهاً بوحدانية الله في حكمه، فتكون إذن تلك القوانين مصاغة بحسب وحدانية الله في الحكم، وحينما يكون نظره في النظام الاقتصادي موجّهاً بحقيقة أن الملكية الحقيقية إنما هي ملكية الله، وليس الإنسان إلاّ مستخلفا فيها، وحينما يكون تخطيطه لبرامج استثمار الكون موجّها بعقيدة الارتفاق انتفاعا ورفقاً في نفس الآن، وهكذا الأمر في كل منشط من مناشط الفكر.

وقد كانت المهمّة الأساسية للفكر الإسلامي هي أن يصوغ من الشرع أحكاماً توجّه الحياة، إما صياغة استنباط مباشر من النص، أو صياغة اجتهاد، وفي هذا المجال ظهرت أكبر تجلّياته متمثّلة في الفكر الشرعي المعبّر عنه بعلم الفقه بمعناه الواسع، سواء كان فقهاً تعبّديا أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً.وحينما نطبّق المبدأ الذي بيّناه آنفا في التأطير الإيماني للفكر على الصورة الحالية التي عليها الفكر الشرعي موروثة على عهد الانحطاط مفصولاً فيها الوجه العملي عن الوجه العقدي، حينذاك فإن الترشيد الإيماني يقتضي أن يصاغ الفكر الشرعي من جديد صياغة عقدية بحيث تبدو فيه روح الإيمان سارية في مفرداته، وفي هيكله العامّ، مؤطّرة له في كلّ مساراته. ويكون ذلك بأن يتمّ هذا التأطير بصورتين متكاملتين:

الصورة الأولى: أن يعمد الفكر الشرعي إلى كل محور من المحاور الأساسية للشريعة فيدرج بين يديه مبحثا عقديا يتعلّق به، ويكون ذلك المبحث كالسند لكافّة قضايا المحور، يوجّه بناءها وترتيبها والاجتهاد فيها عن قرب. فإذا محور العبادات على سبيل المثال يتقدّمه مبحث عقدي في العبادة في المفهوم الإسلامي وخصائصها وأبعادها الروحية والتربوية، ومحور المعاملات الاقتصادية يتقدّمه بحث في المال من الناحية العقدية من حيث حقيقة الملكية في المفهوم الإسلامي، ودورها في الخلافة في الأرض. ومحور الأنكحة يتقدّمه مبحث في الأسرة من حيث أهميتها في البناء الاجتماعي، ودورها في التعمير، وقداسة روابطها ومواثيقها. وهكذا يمكن أن تدرج في منظومة الأحكام الشرعية بحسب ما يناسب كل محور فيها مباحث عقدية أخرى مثل: قيمة الإنسان المبنية على التكريم، وغاية وجوده التي هي الخلافة في الأرض، وحقوق الإنسان في العدل والمساواة، وعلاقة الإنسان بالكون ومنزلته فيه، والعدالة الاجتماعية، والتكافل الاجتماعي، بحيث لا يخلو باب من أبواب الأحكام الشرعية إلا ويستند إلى مبحث تأصيلي من مباحث العقيدة.

الصورة الثانية: أن تقرن القضايا والأحكام الشرعية المندرجة في محاورها العامّة بمغازيها العقدية القريبة المندرجة في مباحثها الكلية المصدّرة بين يدي المحاور، بحيث لا يُقرّر حكم في النظر أو في التطبيق إلاّ وهو مرتبط بسند عقدي جزئي بالإضافة إلى استناده العام في نطاق محوره إلى السند العقدي العام للمحور كله، فإذا حُكم منع الاحتكار على سبيل المثال مرتبط عند تقريره بمغزى عقدي تربوي هو محاربة الأنانية والجشع والبغي، وذلك في نطاق ارتباطه ضمن محوره الاقتصادي بمبدإ عقدي عام هو أن الملكية الحقيقية للمال هي ملكية الله. وإذا حُكم الوجوب في بعض وجوه الإنفاق التي يلزم بها وليّ الأمر أثرياء الأمّة مستندا إلى مغزى عقدي هو حقّ كفالة المحتاج في المجتمع، وذلك في نطاق ارتباطه ضمن محوره الاجتماعي بمبدإ عقدي عام هو تكريم الإنسان وحفظه من الهوان، وهكذا الأمر في سائر أحكام الشريعة حينما يباشرها بالتقرير والصياغة والتطبيق.

وبالتكامل بين هاتين الصورتين يكون الفكر الشرعي وهو يعالج واقع الأمة بأحكام الشريعة موجّها بالعقيدة في كل حال، فإذا ثماره من الأحكام تنتظم في سياق عقدي انتظاما محكما، فما من حكم يتقرّر إلاّ وقد وجّه بمغزى عقدي جزئي في نطاق ذلك الكلّي، فتصبح الشريعة بذلك في توجيهها لكافة مناشط الحياة موصولة بالعقيدة لما وقع انتهاجه من التأطير العقدي الدائم للفكر الذي يقرّرها، فتسري إذن روح العقيدة في كل خاطرة فكر، وفي كل حكم شرعي.

ونحسب أن الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين كان له غرض في هذا المعنى من الوصل بين العقيدة والشريعة في نطاق غرضه الأعلى الذي هو الإحياء الروحي لعلوم الدين؛ ذلك أنه رأى أن علوم الشريعة انحرف بها أهلها إلى الفصل بين أحكامها كما تقررها أفهامهم، وبين روح العقيدة الإسلامية، فتبدّدت بذلك وتشتّتت، فألّف هذا الكتاب الذي بناه على صورة فقهية لأغراض من أهمّها « ترتيب ما بددوه، ونظم ما فرّقوه» [31]، وذلك بإعادة الربط بين العقيدة وبين أحكام الشريعة، فإذا هو يصدّر كتابه ذا الصورة الفقهية بمبحث عقدي عام شامل ترجم له بعنوان “قواعد العقائد”، ثم هو يتعهّد كل محور فقهي بعد ذلك، وأحيانا كل حكم شرعي بعينه بالوصل بينه وبين مغزاه العقدي ليكون الفكر المستنبط أو الفكر القارئ المتفهم مرتبطا دوما بمعاني العقيدة، مقاومة منه في ذلك لما رآه من « ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب، وانخداعهم بلامع السراب، واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب»[32]. إنها إذن حركة ترشيد عقدي قام بها الغزالي يريد بها تأطيرا عقديا للفكر كلّه، وهو ما عناه بإحياء علوم الدين، وهو ذاته ما نقصده في هذا السياق بالتأطير الإيماني للفكر كمنهج للتربية الإيمانية[33].

ويلحق بالفكر في هذا المجال كل ما هو شبيه به من ألوان المنازع الإنسانية في توليد الصور والتعبير عنها، مثل سائر الآداب والفنون شعرا وأناشيد ورسوماً وحركات جسمية وسواها، فإنها هي أيضاً ينبغي أن تكون موصولة بمعاني العقيدة صادرة بتوجيه منها، بحيث تكون واقعة في النفوس موقع الدفع إلى المتعة الجمالية بآيات الله في الكون، أو موقع الحثّ على العمل والتحفيز إليه، أو موقع الإثارة للدفاع عن النفس أو عن الإنسان المظلوم عامّة، أو الإثارة للحركة في سبيل نشر الخير والحقّ بين الناس لتحقيق معنى الشهادة عليهم، فإذا ما أصبحت هذه الآداب والفنون حالّة في نفوس المخاطَبين على هذا النحو كان ذلك مؤشرا على أنّ التربية الإيمانية انتهجت النهج الصحيح، وهو نهج التأطير الإيماني الشامل[34].

ب – التأطير الإيماني للعمل

إن الفكر وإن كان هو أصل العمل إلا إن تأطيره الإيماني على نحو ما وصفنا لا يُغني عن التأطير الإيماني للعمل أيضا؛ ذلك أن العمل إذا لم يكن موجّهاً توجيها إيمانيا مباشراً فإنه قد يطرأ عليه انقطاع عن مفاهيم العقيدة حتى وإن كان الفكر الذي هو أصل له مبنيا ً بناءً إيمانيا، فما أيسر ما ينحرف السلوك العملي عن الصورة الذهنية الحاصلة بالفكر حتى وإن كانت صورة موجّهة توجيها إيمانيا. ولعلّ هذا هو أحد معاني الحديث النبوي الذي فيه تعوّذ من علم لا ينفع[35]، فهو تعوّذ من صورة ذهنية قد تكون صحيحة في ذاتها مبنية على مقتضيات عقدية، ولكن العمل التطبيقي عند حاملها لا يجري على حسبها، بل يجري منحرفا عنها، مقطوع الصلة بموجّهها العقدي فلا يكون له نفع.

وربّما كان الخلل الأفدح الذي يصيب المسلمين منذ زمن هو انقطاع الأعمال عن موجهاتها الإيمانية، أكثر مما هو انقطاع أفكارهم عنها. ولو تأمّلت التقريرات الفكرية المحدّدة لنظام السياسة الشرعية على سبيل المثال لألفيتها جارية منذ بداية نشوئها قواعدَ علمية على أصل العقيدة: عدالة وشورى وتحكيما للشريعة، وتكافلا اجتماعيا، وهي تقريرات يقرّها الجميع حاكماً ومحكوماً، وتجري بها أفكارهم في إذعان، كما تنطق بها ألسنتهم وأقلامهم في تحمّل واعتراف، ولكن العمل الذي جرى عليه واقع الحكم بعد الخلافة الراشدة انقطع في الغالب عن الأصول العقدية، فخالف الصورة الفكرية المبنية على تلك الأحوال، فإذا هو الظلم والاستبداد على نحو ما هو معلوم. وتقاس على ذلك أوضاع كثيرة في حياة المسلمين.

ولا ينصلح هذا الخلل إلا بتعدية التوجيه الإيماني إلى العمل أيضا بعد تعديته إلى الفكر. وإنما تكون هذه التعدية بحضور المعاني العقدية حضورا دائما في ضمير المسلم حال مباشرته العمل، سواء كان عملا تعبّديا بالمعنى الخاص، أو عملا تعميريا عاماً، وأن يجعل من ذلك الحضور مادّة في إنجاز حركاته العملية الجزئية، وفي ترتيب تلك الحركات أعمالاً متكاملة، فإذا المصلّي بذلك يصوغ حركات صلاته وهيئته العامّة فيها من استحضار ربّه خضوعا ومذلّة وخوفاً ورجاء، وإذا بالمزارع يصدر في فلحه وبذره عن استحضاره لعقيدة الخلافة في الأرض والتعمير فيها كمهمّة خلقه الله من أجلها، وإذا المهندس وهو يقيم المدينة تخطيطا وبناءً، توجّه تخطيطه وبناءه عقيدة وحدانية الله تعالى في رعايته لجميع خلقه، وفي توجّه الجميع إليه بالخضوع والطاعة، فيضع المسجد الجامع في مركزها، ومساجد أخرى في كل حي من أحيائها. وهكذا يكون المسلم في كل عمل صادرا عن توجيه إيماني مباشر باستحضار دائم لحقائق العقيدة في النفس.

إن من عناصر التربية الإيمانية إذن العمل على أن تكون العقيدة التي يتحملها المسلمون خلفية مرجعية وحيدة وشاملة، منها يصدرون بدءاً ومعاداً في التفكير كله لتحصيل صور الرؤى والأفكار والحقائق، وفي التطبيق العملي السلوكي لتلك الصور والرؤى، وإيمان لا يكون له هذا الدور التوجيهي الشامل الملزم للفكر والعمل هو إيمان مختلّ، لا يأتي بثمار، ولا يحرّك إلى خير، ولو كان في ذاته جاريا على وجه الحقّ في مدلوله وفي مفرداته بحسب ما هو حاصل في التصور المجرد على الصورة التي بيناها سابقا.

ج ـ التفعيل الإرادي للإيمان

الاعتقاد هو التصديق بمفردات المضمون الإيماني تصديقاً يشمل حقّيتها في ذاتها كما يشمل صلاحها للإنسان وخيريتها المطلقة لحياته. وللاعتقاد في حلوله بالنفس درجات يقوم وسطها خط فاصل بين نوعين منها: نوع يبقى الاعتقاد فيه حبيس الذهن، ولا يكون له سلطان على إرادة الفعل، ويمكن أن نسميه بالاعتقاد الساكن، ونوع يقوى فيه الاعتقاد حتى يتعدّى إلى الإرادة فيكون له سلطان عليها يحركها به لتنطلق في إنجاز الأعمال، ويمكن أن نسميه بالاعتقاد الفاعل.

وقد كانت مذاهب اليونان الفلسفية تعتبر معرفة الحقّ فضيلة قائمة بذاتها، ولا تضفي على آثارها العملية قيمة تذكر، وذلك بما هي في عمومها مذاهب نازعة إلى التجريد، عازفة عن الأعمال، ولكن العقيدة الإسلامية جاءت بمفهوم آخر يكون فيه الإيمان محددة قيمته بآثاره العملية كما أشرنا إليه سابقا، فلا تكتمل تلك القيمة إلا إذا أصبح الإيمان مؤديا إلى الأعمال، وذلك هو مدلول ما أشار إليه ابن خلدون في قوله الذي أوردناه سابقا مقررا أنّ الكمال في الإيمان بالتوحيد هو حصول صفة منه تتكيف بها النفس، فما المقصود بهذه الصفة التي تتكيف بها النفس فيما نقدّر إلا ذلك السلطان الذي يكون للإيمان على الإرادة، فيوجّهها في طريق إنجاز الأعمال.

وقد كانت الأجيال الأولى من المسلمين تتنزّل العقيدة في نفوسهم تنزّلا مباشرا في الدرجة التي تدفع الإرادة إلى الأعمال، فما إن يتحمّل الواحد منهم الإيمان بهذه العقيدة حتى يندفع مباشرة في العمل بما تقتضيه في الواقع في شتى الوجوه: جهادا ونشراً للدعوة، أو إنشاء وتعميراً في الأرض، أو طلبا للعلم الديني والكوني، ولم يكن معهودا لدى تلك الأجيال ذلك الاعتقاد السكوني الذي يقصر عن تحريك الإرادة العاملة، فيجتمع الاعتقاد والقعود في الرجل الواحد في ذات الوقت، ومن خير ما يرمز للاعتقاد الذي يتنزّل في النفس تنزّلا مباشراً في موقع الدفع الإرادي للعمل القصّة المعبرة لذلك الصّحابي في غزوة أحد حينما سأل النبي ﷺ:« أرأيت إن قتلتُ أين أنا؟ قال: في الجنة، قال: فألقى تمرات في يده [ مستطولا ما يستغرقه أكلها من زمن ]، ثم قاتل حتى قتل»[36]، فذلك التنزيل المباشر للإيمان بالجنة لم يمهله ليصير عملاً حتى لأن يأكل تمرات كان بصدد أكلهن، وكذلك كان الأمر في حال ما بين الاعتقاد وسائر الأعمال عند تلك الأجيال من التأثير المباشر.

ولكن خلفت أجيال من المسلمين بعد ذلك اختلف عندها الأمر، فإذا العقيدة تقع في النفوس عند كثير منهم موقعاً باهتاً، لا يمتدّ أثره إلى الإرادة فيحرّكها لتدفع بالجوارح إلى العمل إلا قليلا وعلى تطاول في الأثر، ذلك أنها عند بعضهم انحدرت إليه تقليدا من الآباء، ولم يكابدوا فيها معاناة التأمّل لتكتسب به من القوة ما تتعدى به إلى التأثير في الإرادة، وعند بعض آخر جنحت بها مغالاة العقل في التقرير والتفصيل والمجادلة حتى حجبتها عن التمكّن من مجامع النفس لتؤثر في الإرادة، وظلت أقرب إلى الظاهرة العقلية المجرّدة منها إلى الفكرة المتفاعلة مع كيان الإنسان كله فتدفعه إلى إنجاز الأعمال. وسواء كان السبب هذا أو ذاك فقد آل أمر سواد المسلمين إلى واقعهم الراهن الذي تراهم فيه « يتسابقون في انضباط السلوك الظاهر، وفي حساب التعاويذ والأذكار، وطويتهم هواء لا تجيش بحواثّ الإيمان وعزائمه التي تحدث النهضة في واقع الحياة»[37].

وإذا كنا آنفا تحدثنا عن التأطير الإيماني للفكر والعمل كإصلاح منهجي للتربية الإيمانية، فإن ذلك وإن كان ضروريا فإنه ليس بكاف في مسار هذه التربية؛ ذلك لأن الخطاب التربوي المتعلق بهذه المسألة قد ينتهي إلى أن يكون الخرّيج منطلقا في تفكيره وفي نزوعه العملي من منطلق التوجيه الإيماني، مؤطَّرا بذلك الإطار، ولكن يبقى ذلك حبيس القناعة الذهنية التي لا تنتهي به إلى تحريك الإرادة نحو الشروع الفعلي للممارسة العملية، وها أنت ترى كثيرا من المسلمين حينما يحدثونك عن الإيمان تجدهم يجعلونه إطار موجها للفكر، وإطارا موجها للعمل، مع استماتة في الدفاع عن ذلك المفهوم، ولكن حينما تتفحص أعمالهم في الواقع تكاد لا تجد لذلك التوجيه النظري أثرا في الواقع، وهذا الوضع هو الذي أشار إليه ابن عاشور في تحليله لهذه الظاهرة إذ يقول:” فأصبحوا ٍِ[ أي المسلمون ] يأخذونها [ أي العقيدة] على ما هي عليه، تعمر بها قلوبهم، وتشهد عليها ألسنتهم، ولكنها لا تتجاوز القلوب والحناجر إلى الأعضاء والجوارح … إن الإرادة الاعتقادية البناءة هي التي خارت وضعفت، فأصبحت الأوضاع الاجتماعية والآثار المدنية تصدر على غير ما كانت تصدر عنه”[38]، إنه إذن خلل في الإرادة الدافعة للفعل قد يحصل حتى مع التوفر على التأطير الإيماني، وهو ما يستلزم إصلاحا منهجيا في التربية الإيمانية يقصد إلى التفعيل الإرادي للإيمان، وهو ما يمكن أن يتمّ بأمرين اثنين.

الأول – الجزم الاعتقادي

 إن الإرادة لا يحركها التحمل الإيماني نحو الفاعلية إلا إذا كان حاصلا في النفس على درجة من  العمق والقوة بحيث تتولّد من الإيمان بالحق حواثّ تحثّ الإرادة على دفع الجوارح إلى الفعل. وقوة الإيمان بالعقيدة لا تبلغ درجة الفعل في الإرادة إلا إذا كانت متأتية بالاقتناع الذاتي الحاصل بمعاناة التأمل والتدبّر في مفردات تلك العقيدة، أو في مبادئها الأساسية على الأقلّ، وأما إذا كان ذلك الإيمان حاصلاً من خارج الذات وراثة أو تقليداً فإنه لا يبلغ في النفس مبلغ التأثير الفعلي إلا على سبيل الندرة؛ ذلك أنه يظل أبدا يحمل في نفس المؤمن صفة الغيرية والغرابة، إذ هو متأت من خارجها فيكون فيها كالعارية بشعور أو بدون شعور، فلا تكون مهيّأة لأن تنفعل به الانفعال المحرك للإرادة في طريق الفعل. ولكن حينما يكون الإيمان بالعقيدة حاصلاً في النفس بعد معاناة السعي الذاتي بالتدبّر، فإنه حينئذ يحلّ فيها على صفة من القربى والانتماء تنفتح بهما للانفعال به، فيكون له أثر في تحريك الإرادة.

وقد جاء القرآن الكريم يشدّد النكير على التقليد الذي لا يستند على شيء سوى انحدار المعتقد من الآباء والأجداد، ويكون ذلك الانحدار هو السند الوحيد للحقيقة، فقد قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23) ۞ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (24)﴾ (الزخرف/23 – 24). ثم هو يوجه العقول بديلا من ذلك إلى النظر والتأمل والتدبر في النفوس والآفاق لتحصيل الإيمان بالاقتناع الذاتي الناشئ من الدليل بعد التأمل والتدبر كما في قوله تعالى:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)﴾ (العنكبوت/19-20).وقد جرى عند علماء العقيدة كما أشرنا إليه سابقا أن الإيمان بالعقيدة إنما يكون إيمانا معتبرا حينما يكون ناشئا عن النظر المفضي إلى الجزم، وأما إيمان المقلد فقد تراوح عندهم بين البطلان أصلاً كما روي عن بعضهم، وبين الضعف الذي يقصر به عن أن يكون هو المطلوب في الدين عند الأكثرين [39]. وأحسب أن من موازين هذه المعايرة للإيمان في درجتيه ميزان أيلولته إلى التأثير على الإرادة الفاعلة وعدمها، إذ إيمان التقليد لا يؤول إلى ذلك خلافا للإيمان الجازم.

والمتأمّل في أحوال الأمّة كما آل إليه أمرها اليوم يجد أن السواد منها يتحمل العقيدة تحمل تقليد لا تحمل نظر وتدبّر، سواء كان ذلك التقليد تسليماً بعقائد الآباء، ومحاكاة لما عليه الهيئة الاجتماعية العامّة، أو تعلّماً من معلّمي العقيدة تلقيناً مجردا ضمن العلوم الصورية التي تلقّن للمتعلمين، ولو بحثت في هذه الأمّة لوجدتهم قلّة أولئك الذين حصّلوا إيمانهم بمعاناة النظر والتدبّر، فجاسوا خلال الأنفس والآفاق لينتهوا إلى إيمان مكسوب من قِِِِِِبلهم، فيه من قوة الجزم ما يشتدّ به على النفس فتندفع إلى العمل، فكيف بأمّة سوادها يحمل إيمانه وراثة وتقليداً أن تكون لها عزمة تنهض بها من السبات؟ إن تلك العزمة لا تكون إلا بأن يحوّل موقع الإيمان في النفوس من درجة التقليد إلى درجة الإيقان الذاتي الحاصل بالنظر والتأمّل.

وليس المقصود بالنظر والتأمّل تلك القياسات المنطقية المعقّدة التي درج عليها المختصّون في علم الكلام، فإن  ذلك ليس في طاقة عامّة المسلمين، فضلا على أنه قد لا ينشئ في النفس الإيمان الجازم، وإنما المقصود به استنهاض الفطرة الاستدلالية الكامنة في كل نفس على قدر مشترك بينها، ثم على أقدار قد تتفاوت بين فرد وآخر ليُبسط محصول العقيدة الموروثة على تلك الفطرة بحسب أقدارها بسطاً تقلّب فيه تلك العقيدة على الآيات الكونية والاجتماعية تقليب بحث لا تقليب شكّ، وذلك على هيئة فعل إبراهيم الخليل في استعراضه لأحوال النجوم وانتهائه باليقين الجازم بألوهية الله الدائم القيوم. وإن هذا الاستنهاض للفطرة الاستدلالية في النفوس لهو اليوم موفور الدواعي والمقدّمات والآلات أكثر من أي وقت مضى، فإن كتاب الكون فتحت صفحات كثيرة منه، فباتت آيات الله فيه جليّة، وإنّ أديان الناس ومذاهبهم التي وضعتها عقولهم بان خسرانها جليا أيضاً، ومن هذه وتلك يمكن تأليف مادّة ذات فعالية شديدة لاستنهاض فطر المسلمين في منهج تربوي شامل لتحويل إيمانهم من موقع التقليد إلى موقع الجزم، ويمكن أن يتمّ ذلك بالطرق التالية:

 الطريقة الأولى ـ استنهاض الفطرة الكونية

إن كل نفس إنسانية تنطوي على ما يمكن أن نسميه بالفطرة الكونية، وهي متمثلة في نزوع طبيعي إلى البحث عن علل الموجودات الكونية وأسبابها، ولهذا ظلّ الإنسان يبحث عن هذه العلل منذ فجر تاريخه إلى اليوم، ولهذا أيضا وجّه القرآن الكريم العقول إلى النظر في الكون وآياته لاكتشاف أسبابه، والوصول إلى الحقّ في نواميسها التي رُكّبت عليها، ثم للوصول من خلال ذلك إلى الدلالات الإيمانية التي تدلّ عليها، فهذه الأوامر القرآنية المؤكّدة إنما هي من أجل استثمار هذه الفطرة الكونية في النفوس، وتوجيه لها نحو التحقق الطبيعي ليكون من ثمارها اليقين الإيماني.

واليوم وقد كشفت العلوم الطبيعية عن حقائق كثيرة من سنن الله في الكون، وأصبحت هذه الحقائق ميسورة التناول والفهم لسواد الناس بما تيسّر من وسائل التقديم والشرح، فإنه يمكن أن تستخدم وسيلة تربوية ناجحة في مخاطبة المتعلمين باستنهاض فطرتهم الكونية، فتبيّن لهم ما في هذا الكون من عظمة الصنع ودقّة النظام وغائية السيرورة، ولمّا يقفون على ذلك رأي العين، توجّه فطرتهم إلى سبب الأسباب في ذلك كلّه، فتنفعل النفوس إذن بذلك انفعالاً جديداً، ويحصل الاقتناع بعقيدة الألوهية وما يتبعها من العقائد حصولاً ثانياً، تنزّل فيه منزلة الجزم بعد ما كانت نازلة منزل التقليد.وقد رأينا في هذا الشأن برامج تلفزية ذات أبعاد تربوية تحدث في النفوس انقلاباً إيمانياً لا تحدثه وسائل الدعوة والتعليم النظرية الجافّة، وذلك لأنها خاطبت عن قرب الفطرة الكونية في المسلم فاستنهضتها لتحصيل الإيمان الجازم. ولا يخفى أن كثيراً من الملحدين الذين يمارسون البحث في العلوم الكونية تحوّلوا إلى الإيمان بما وقفوا عليه من أسرار الكون، وآيات دقته ونظامه[40].

هذا وقد بات من البيّن اليوم أن العقلية العلمية التجريبية التي تنفتح للفهم والاقتناع بما هو علمي تجريبي أصبحت عقلية سارية في قطاع كبير من المسلمين، تأثرا بالعقلية السائدة في التحضّر الغربي، ويمكن أن تستثمر هذه الخاصية بتوجيه العقول إلى حقائق العلم الكوني، ثم توجيهها إلى دلالات تلك الحقائق على ما وراءها من حقائق أخرى غيبية، فإنها حينئذ لا تملك إلا الإذعان الإيماني، ولكنه إذعان حصل بمعاناة النظر والتدبر، وهو إيمان الجزم القادر على تحريك إرادة الفعل، وذلك هو الإيمان الذي وجّه القرآن الكريم إلى تحصيله بالتدبّر في آيات الآفاق والأنفس، فما أحرى التربية الإيمانية اليوم بأن تجدد نفسها وفق هذا المنهج القرآني في تحصيل الإيمان المطلوب .

الطريقة الثانية ـ استنهاض الفطرة النفعية

إن في الإنسان نزوعا فطرياً إلى تحصيل المنفعة متمثلة في معان كلية من الأمن والطمأنينة والكفاية ورغد العيش، ومتفرعة إلى فروع وجزئيات كثيرة. وهذه الفطرة المشروعة كثيراً ما تدفع الإنسان إلى البحث عن الحقيقة من خلال ما تحقق له من النفع، وقد أصبح هذا الأمر اليوم فلسفة سائدة في الغرب متمثلة في المذهب النفعي، وقد أصاب شيء منها عالم المسلمين، وتسرّب إلى كثير من أهله. وإذا كان هذا المذهب انحرف بالفطرة الإنسانية عن حقيقتها، حيث انحصر النفع فيه إلى منافع الرجل الأبيض ولو كان ذلك على حساب شقاء الأمم والشعوب الأخرى كما شهدت بذلك الحركة الاستعمارية، إلاّ أن أصل الفطرة النفعية يمكن استثمارها فيما نحن بصدده من ترشيد الاعتقاد.

إن العالم اليوم تتوفّر فيه الشواهد الكثيرة على إفلاس المذاهب والأديان في تحقيق المنفعة للإنسان، ولا أدلّ على ذلك من أن هذه الحضارة الغربية العاتية في إنجازها المادي لم يتحقق لأهلها الأمن والطمأنينة والهناء، فضلا عن أن يتحقق ذلك لسائر الأمم والشعوب الأخرى، وقد أصبحت هذه المعاني تضجّ بها محافل الفكر الغربي نفسه فيما يشبه النذير بالمآل المظلم لهذه الحضارة[41].

وإذن فإنها تتوفّر فرصة ثمينة لأن يُعرض الإسلام في مبادئه العقدية على الناشئة المسلمة عرضاً تظهر به تلك المبادئ من حيث ما تحققه للناس من الخير والمنافع بموازينها الإنسانية العامّة، وذلك من خلال التجربة الحضارية الإسلامية التي قامت على تلك المبادئ، وحققت للإنسانية الخير العميم، ومن خلال اللازمة المنطقية بين حقائق الإيمان في ذاتها وبين آثارها في نفع الإنسان، وبالمقارنة مع فشل كل المذاهب والأديان في تحقيق هذا النفع من خلال معتقداتها. إن هذا العرض من شأنه أن يجعل المسلم يعيد تحصيل عقيدته بما استثار فيه من فطرة المنفعة، فترقى تلك العقيدة في نفسه إلى منزلة الجزم بعد النظر في آثارها، والاقتناع بأنها الحلّ الوحيد الذي يحقق للإنسان السعادة والخير[42].

إذا ما سلك المربّون مسلك استنهاض الفطرة الكونية والفطرة النفعية في نفوس المسلمين، فإن ذلك من شأنه أن يحرّك النفوس، وينفض عنها غبار التقليد، فتتحرّك لتحصّل عقيدتها بذاتها تحصيل الناظر في الآفاق وفي الآثار العملية، فتنخرط إذن هذه العقيدة في سياق التأثير على الإرادة، وتدفع بها إلى العمل التعميري الصالح بعدما كانت مستكنّة في النفوس وكأنما هي غريبة عنها لانحدارها إليها من خارجها. وليس هذا الأمر بعزيز على هذه الأمة في واقعها الراهن، فإن أقدارها من الفطرة ومن القابلية للنظر والفهم لا تقلّ عن أقدار أهل الجاهلية الذين تأملوا العقيدة الجديدة بسليم فطرتهم، فآمنوا بها إيمان الجزم، فانطلقت بهم الإرادة إلى الإنشاء الحضاري المشهود، إذن هو ترشيد لاعتقاد المسلمين ضروري لدفعهم في سبيل النهوض.

د – الإحياء الروحي للاعتقاد

 الإيمان بالعقيدة يتحمّله المسلم بالتصديق والإذعان، وقد كان المسلمون الأوائل يتمّ التصديق والإذعان عندهم بكافة الطاقات في ذواتهم عقليةً وروحيةً وعاطفية، فما أن ينبلج الإيمان في النفس حتى تتضافر على تحمله مدارك العقل مع أشواق الروح مع منازع العاطفة، فإذا الله تعالى في نفوس المؤمنين يسلّم العقل جازما بوجوده وصفاته، وتنزع العواطف إلى محبته وخوفه ورجائه، وتهفو الروح شوقا إلى لقائه، وهكذا الأمر في كل عقيدة. ومن هذا الوضع في تحمّل الإيمان تتكوّن شدّة له في النفوس فيأخذ بمجامعها، ويدفع بالإرادة دفعا قويا إلى العمل والإنجاز، وذلك سر من أسرار تلك القفزة الحضارية المشهودة التي أنجزها المسلمون في ذلك الزمن القصير.

ولكن بعد بعض الزمن تغيّر وضع هذا التحمّل الإيماني ليميل إلى التحمّل العقلي الصرف تسليماً بالعقيدة حسبما يقتضيه العقل في غير سند روحي وعاطفي يذكر. وقد عزّز من هذا الوضع الجديد نشوء علم العقيدة نشوءا عقلياً لردّ الهجوم العقلي على أصول الدين الإسلامي، ثم تطوّره على ذلك باطراد، حيث قام هذا العلم على المقايسة العقلية الصرف في شيء كثير من التجريد والجفاف. ولمّا آل أمر المسلمين إلى التخلّف العام، تعزّز هذا الوضع أيضا مرة أخرى، فأصبح الاعتقاد قواعد ورسوماً عقلية لا تكاد تتجاوز في نفس المؤمن التصديق العقلي الناشئ بالتقليد إلى أي ركن آخر من أركان الذات الفسيحة. وقد كان هذا الأمر داعياً للإمام الغزالي أن يؤلّف كتابه إحياء علوم الدين، وهو يقصد الإحياء الروحي في مواجهة الجفاف العقلي الذي آل إلى واقع من علوم الشكليات والرسوم.

وفي واقع المسلمين اليوم صورة من هذا المآل الذي آل إليه الاعتقاد، إذ ترى الإيمان بالله وبسائر العقائد الأخرى لا يتجاوز عند سواد الناس أن يكون مسلّمة عقلية تنحدر بالتقليد في الغالب دون أن تخالطها معاني الخوف والرجاء والحبّ والشوق إلى لقاء الله، فتعطّلت إذن دواع كثيرة من شأنها أن تجعل الإيمان فاعلا في الإرادة، دافعا إياها نحو العمل، ولا يخفى أن العواطف وأشواق الروح لها من التأثير في الاندفاع إلى العمل ما يوازي أو يفوق تأثير الإيمان العقلي إذا كان عن جزم، فكيف إذا كان عن وراثة وتقليد.

ولهذا الأمر فإن التفعيل العقدي للإرادة الذي يدفعها إلى الإنجاز يقتضي ترشيدا عقديا يتمثل في إحياء روحي للاعتقاد، بحيث يصبح تحمّل المسلم لعقيدته تحمّلا عقليا وروحيا معا، فإذا تصديقه العقلي الجازم بالله تعالى يسنده خوف منه ورجاء، ويجلّله حبّ وشوق إلى اللقاء، وإذا تصديقه بالنبي ﷺ يخالطه حبّ له وتأسّ به في أخلاقه وأفعاله، وإذا الإيمان التصديقي بالآخرة مضمّخ باستشعار دائم لمواقفها وما فيها من أهوال، وتحسّب دائم أيضا لمشاهد الجزاء فيها ثواباً وعقاباً، وهكذا الأمر في كل حقيقة من حقائق العقيدة.

ويمكن أن يتمّ هذا الترشيد بتخفيف الدعاة والمربيّن في خطابهم العقدي من غلواء العقل الصارم في تقرير العقيدة بأن يتّجه الخطاب أيضا إلى الفطرة العاطفية الروحية في الإنسان إلى جانب خطاب العقل، فتُستثار تلك الفطرة لتتحمّل هي أيضاً الإيمان بالعقيدة بما يناسب طبيعتها، وذلك بتقرير العقيدة وعرضها في أبعادها العقلية والروحية في نفس الآن، فيكون الدليل العقلي مقرونا بالدليل العاطفي على نحو ما إذا عرض وجود الله من خلال آثاره في الكون، فيعرض ما في مشاهد الكون من الدقّة والنظام لمخاطبة العقل، كما يعرض ما فيها أيضا من مظاهر العناية والرحمة واللطف لمخاطبة العاطفة، فينتهي العقل إلى التسليم المنطقي، وتنتهي العاطفة إلى حب الله الرحمن الرحيم والشوق إليه، حتى إذا استقرّت العقيدة في نفس المؤمن كانت منتشرة في جميع حناياها، ممتدّة إلى جميع زواياها، فتجيش إذن بالعزم الذي يدفع الجوارح إلى السعي العملي استجابة لاقتناع العقل من جهة، وتلبية لنداء العاطفة والشوق الروحي من جهة أخرى.

وقد كان القرآن الكريم يسلك ذلك المسلك المزدوج في الخطاب العقدي، فهو كما يوجّه الأنظار إلى آيات الله في صنعتها ونظامها ليستنهض العقول، يوجّه خطابه أيضا إلى العواطف ليستثيرها في اكتساب الإيمان كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾(إبراهيم/32-34) [43] .

يبدو إذن أن الوضع الاعتقادي للمسلمين كما هو حاله اليوم يقتضي مراجعة تتناول مدلول العقيدة نفسها في اتجاه توسيع هذا المدلول كما يحدّده حديث الإيمان، كما تتناول إعادة ترتيب للمفردات العقدية بحسب ما هي عليه من أصلية وفرعية، وما تقتضيه التحديات التي تجابهها في الوضع الراهن، وتتناول أيضا تفعيلا للعقيدة في النفوس بوصلها بالإرادة وصلاً تُستثار به تلك الإرادة لتندفع في سبيل الإنجاز السلوكي لمقتضيات الدين وأغراضه في الحياة العملية، ويلتقي في هذه المراجعة دفع الاعتقاد من وضع التقليد إلى وضع الجزم الناشئ من الاقتناع الذاتي، مع إحيائه إحياءً روحياً عاطفياً ليكون بهذا وذاك بعد مراجعة المدلول وترتيب المفردات عاملاً من عوامل دفع الأمة في سبيل النهوض.

المبحث الثاني ـ التربية الفكرية

حينما تحصل التربية الإيمانية على الوجه الذي شرحناه آنفا، فينشّأ المسلم على التصوّر العقدي الصحيح، وعلى التصديق به التصديق الجازم، وعلى النزوع الدافع للتنزيل الفعلي، فإن ذلك لا يكفي لكي يقوم الإنسان بمهمة الخلافة التي كلّف بها؛ ذلك لأن هذه المهمة سواء في وجهها التعميري، أو في وجهها الإنساني تتطلّب استعمال العقل استعمالا مستديما لأجل أن يشتقّ الإنسان من أحكام الدين المحدودة في نصوصها أحكاما أخرى يستخرجها من قواعد الدين الكلية ومقاصده العامة، ولأجل أن يسعى في الأرض سعيا استثماريا يستخرج به ما فيها من خير يقيم به الحياة وينميها، وذلك كله يستلزم ضربا آخر من التربية ينضاف إلى التربية الإيمانية، وهو ما سميناه في هذا القسم بالتربية الفكرية.

1 ـ الفكر والتربية الفكرية

في الإنسان قوى إدراكية متعددة، مثل قوة العقل وقوة البصر وقوة السمع، وتمثل كل قوة من هذه القوى آلة تحمل قابلية الإدراك، وبتلك القابلية تسلك مسلكا مشروطا بجملة من القواعد فيحصل بها الإدراك بالفعل، فتكون إذن عينا يتم بها إبصار المبصَرات، وأذنا يتم بها سماع المسموعات، وهكذا في كل القوى الإدراكية الأخرى، وإذا لم تتوفر شروط الإدراك التي تختلف من آلة إلى أخرى فإن الآلة ولو كانت سليمة في ذاتها لا تثمر إدراكا، ولا يتم فيها الانتقال من القوة إلى الفعل. والعقل هو أعلى القوى الإدراكية في الإنسان، وسعيه في تحصيل العلم هو الفكر.

أ ـ العقل والفكر

بقطع النظر عن التعاريف المتعددة التي عرّف بها العقل باعتباره جوهرا عند البعض، وباعتباره معنى غير جوهري عند بعض آخر، فإن المقصود به هو هذه القوة في الإنسان التي يتم بها إدراك المعاني غير المحسوسة، والتي تمكّن من الانتقال من المعلوم لمعرفة المجهول، كما تمكّن الإنسان من التمييز بين المتشابهات والمتناقضات وإصدار الأحكام القيمية عليها. وللعقل مسار يسلكه في حركته لإدراك العلم وفق قواعد وضوابط معينة، وذلك المسار هو الذي يسمى اصطلاحا بالفكر أو التفكير.

فمقصودنا بالفكر في هذا المقام وكما نريد أن يكون مصطلحا بيّنا يجري عليه هذا البحث هو المنهجية التي يجري عليها عقل الإنسان في سعيه لإدراك الحقيقة النظرية والعملية. ولهذا التحديد أصل في المدلول اللغوي، إذ جاء في معاجم اللغة أنّ الفكر هو إعمال الخاطر في الشيء[44]، إشارة إلى أنّه حركة العقل في موضوعات المعرفة.كما أنّ ذلك المدلول هو الذي استقرّت عليه الثقافة الإسلامية في استعمال هذا المصطلح، وهو ما ضبطه الجرجاني في تعريفاته، إذ يقول: « الفكر ترتيب أمور معلومة للتأدّي إلى مجهول » [45]. ومن البيّن أنّ هذا الترتيب ليس هو إلاّ حركة العقل في البحث عن الحقيقة.

وما هو شائع اليوم بين أهل النظر من إطلاق الفكر الذي هو منهج العقل في البحث عن الحقيقة على الأفكار التي يقع التوصّل إليها في ذلك البحث ليس إلاّ ناشئا من إطلاق الملزوم على اللازم كما هو من عادات اللسان العربي، ولكنّه إطلاق يحدث ارتباكا في تحديد معنى هذا المصطلح واستعمالاته، وهو ما آن الأوان للرجوع به إلى الأصل الذي استقرّت عليه الثقافة الإسلامية مقصودا به منهجية النظر العقلي لا حصيلة ذلك النظر من الأفكار كما سنعتمده في هذا المقام، وكما اعتمدناه في مجمل بحوثنا في هذا الشأن.

فالعقل إذن هو الآلة التي يقع بها التفكير، والفكر هو حركة تلك الآلة في سعيها الإدراكي، والأفكار هي حصيلة ما يصل إليه العقل من تصورات نتيجة التفكير، ولشدة الصلة بين هذه الأطراف الثلاثة فإنها قد يقع التبادل بينها في الدلالة، فيطلق لفظ الفكر على العقل، أو لفظ العقل على الفكر، أو لفظ الفكر على الأفكار، وكل ذلك يقع بسبب التلازم بين هذه الأطراف، والقرائن هي التي تحدد المدلول عند تناوب هذه الألفاظ.

ب ـ  التربية الفكرية

 إذا كانت التربية في أحد معانيها هي تنشئة من يراد تربيته على خصال معيّنة من أجل تحقيق هدف تساعد تلك الخصال على تحقيقه، فإنّ التربية الفكرية تعني صياغة المنهجية التي يعتمدها العقل في النظر ( وهي الفكر ) على أسس معيّنة من شأنها أن تجعل ذلك النظر نظرا سديدا يفضي إلى تحقيق المقصود، وهو إصابة الحقيقة بأكبر ما يمكن من الأقدار، فالعقل في نظره المعرفي مرشّح بحسب ما رُبّي عليه من الخصال المنهجية لأن يسلك مناحي متعدّدة مختلفة من مناحي النظر، وتلك الخصال هي التي تكون محدّدا أساسيا لما يصيب من الحقائق أو لما يخطئ منها[46].

ولكي يكون النظر العقلي الذي هو الفكر نظرا سديدا في مسعاه نحو الحقيقة ينبغي أن يؤخذ بتربية مقصودة يصبح بها مبنيا على أسس منهجية من شأنها أن تكون له دربا ينتقل به من مرحلة إلى أخرى من مراحل حركته بحيث يتأدّى من المعلوم إلى المجهول في منطقية تفضي به إلى إدراك الحقيقة.

 وإنّما يحتاج العقل إلى هذه التربية في حركته التي هي الفكر بالرغم من أنّه بُني في فطرته على مبادئ منطقية؛ لأنّ هذه المبادئ ذاتها قد يطالها الطمس لسبب أو لآخر من الأسباب، ولأنّها مبادئ لئن كانت كافية في إدراك ما هو من الحقائق بسيط في طبيعته قريب في مورده، فهي غير كافية في تحصيل ما هو منها معقّد بعيد، وإذن فإنّ الفكر يحتاج إلى أن يؤخذ بتربية يصبح بها مكتسبا من الصفات لما هو مبني على المبادئ الفطرية وما هو متطوّر عنها تناسبا في ذلك مع الحقائق في تعقيدها وبعد مواردها.

ولشدّة ما بين العقل والفكر من التلازم كما بيناه، فإن التربية الفكرية يمكن أن تتبادل المصطلح مع التربية العقلية؛ ذلك لأن العقل الذي هو آلة التفكير وإن كان متمثلا في جملة من العلوم الضرورية كما يذهب إليه الكثيرون في تعريفه[47]، فإن ذلك يبقى أقرب إلى أن يعتبر العقل بالقوة الذي يمكن أن يُنمّى بالاكتساب حفظا لتلك الضرورات من الطمس، ومرانا لها على الحركة التي تقوّي من حسن أدائها، فيكون إذن تقوية الملكة الإدراكية في ذاتها تربية عقلية، ويكون ترشيد منهجها في الإدراك وأدائها فيه تربية فكرية باعتبار أن التربية تنصبّ على الأداء هنا، وتنصبّ على الآلة نفسها هناك.

2 ـ التربية الفكرية بين التوجيه القرآني والمآل الواقعي

لئن جاء الدين يكلّف الإنسان بالإيمان وما يتبعه من عمل، فإنه جاء أيضا يكلّفه باستعمال العقل الاستعمال الرشيد، وتوجيهه في التفكير إلى المنهج الصحيح الذي يؤدي إلى معرفة الحقيقة، ولا غرو فإنّ الإيمان المطلوب في الدين هو ذلك الإيمان الذي يحصل لدى الإنسان بالتأمّل العقلي الذي يعقبه الاقتناع الذاتي، أما الإيمان الموروث فإنه إن كان مقبولا فهو في أدنى الدرجات، والتأمّل العقلي إذا لم يكن منتهجا النهج الصحيح فإنه لا يؤدّي إلى الإيمان، فالطريق إذن إلى الإيمان المعتدّ به هو الفكر الرشيد؛ ولذلك كان الاهتمام به في القرآن والسنة اهتماما كبيرا حتى جُعل السعي فيه واجبا دينيا ملزما، ليس من باب ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب فحسب، ولكن بالأوامر المباشرة بالنظر والتأمّل والتدبّر.

وإذا ما جئنا إلى القرآن الكريم وإلى الحديث الشريف نستجلي منهما الاهتمام بالفكر والتوجيه إلى المنهج الصحيح فيه فإننا نجد من ذلك نظاما متكاملا. وإذ سنفصّل لاحقا في هذا المنهج الذي نرى أنّ التربية الإسلامية ينبغي أن تقوم عليه، فإننا نضرب مثلا للاهتمام القرآني والحديثي بمنهج التفكير بمسألة هي مفتاح هذا المنهج بأكمله، وهي مسألة تحرير العقل من المعوقات التي تعوق دون أن ينطلق في ممارسة الفكر بموضوعية تفضي به إلى الحقيقة بأكبر أقدار ممكنة، فقد جاء في القرآن الكريم وكذلك في الحديث الشريف من الدعوة المؤكّدة إلى تحرير الفكر ما يرقى بهذا التحرير إلى أن يكون فريضة دينية يؤجر القائم بها، ويأثم المتخلي عنها، وسنبين لاحقا هذا المعنى بشيء من التفصيل.

وكما اهتمّ القرآن الكريم بتحرير العقول قاعدة منهجية للفكر، فإنه اهتمّ أيضا بقواعد أخرى عديدة سنتناولها بالشرح، ومن ذلك على سبيل المثال ما كان يوجّه به العقول توجيها دؤوبا إلى الانطلاق في النظر العقلي من الواقع المحسوس للتأدّي منه إلى العالم المعقول، سواء تمثّل ذلك الواقع في مظاهر الطبيعة أو في مشاهد الحياة، وذلك في مثل قوله تعالى:‹ (النمل/69). ومنها ما كان يوجّه به العقول نحو التبيّن فيما يُعرض عليها لتميييز الحق منها من الباطل، وذلك في مثل قوله تعالى:‹(الحجرات/6). وهكذا نجد القرآن الكريم يوجّه العقول دوما إلى المنهج الفكري الذي يوصلها إلى الحقّ ويبعدها عن الضلال.

وقد كان لهذا التوجيه القرآني أثره البالغ في الفكر الإسلامي، إذ قد انطبع هذا الفكر على جملة من الخصال المنهجية التي جاء القرآن يوجّه إليها من مثل الواقعية والتبيّن والتوحيد والشمولية في النظر بما قد أحدث في المعهود من الفكر ثورة منهجية معرفية تجعل من الواقع منطلقا للمعرفة بدل ما كان سائدا في الثقافة الهلينية من أنّ التعقّل المجرّد هو الطريق إلى المعرفة، وما كان سائدا عند الإشراقيين من أنّ التريّض الروحي هو السبيل إلى الحقّ[48]، وبهذا المنهج الفكري نشأت حركة العلوم الإسلامية كلها، ومنها كان البناء الحضاري الإسلامي في وجوهه المختلفة.

غير أنّ هذه الثورة المنهجية الفكرية التي أحدثها القرآن الكريم لم تلبث بعد زمن أن تشهد ارتدادا في الكثير من عناصرها، فإذا الفكر الإسلامي بدأ ينحسر نظره الواقعي في الطبيعة ومشاهد الحياة ليتّجه نحو المجرّدات ولينتهج نهج المنطق الصوري اليوناني، وشيئا فشيئا أصبحت العلوم الحسية متأخرة في الرتبة عن العلوم النظرية، كما أصبح يتجه نحو التأمّلات الروحية المتنكبة عن الواقع تأثّرا بمنازع صوفية مستجلبة من ثقافات شرقية قديمة.

وبتقدم الزمن وتسارع الانحدار الحضاري الإسلامي تفاقمت الأمراض المنهجية الفكرية، فكان التعصب الذي تنتفي فيه حرية الفكر ليكون الفكر موجّها بما استقرّ في المذاهب مقيّدا بما انتهى إليه السابقون فيها، وكانت أحادية النظر التي تضيّق من دائرة المادّة محلّ البحث لتقتصر على الرأي الواحد والوجهة الواحدة دون أن تتيسّر الفرصة للمقارنة والنقد، وكان النزوع إلى الانطلاق من الأحكام المسبقة والمرويات السالفة لتتّخذ مسلمات يقع الانطلاق منها للبحث دون تبيّن وفحص ناقد، وهكذا انحدر الفكر الإسلامي حائدا عن التوجيه القرآني في المنهج الفكري حتى انتهى الأمر إلى الانحطاط الحضاري للأمة بأكملها.

وقد كرّس هذا الوضع الفكري المرتدّ النظام التربوي الذي اعتمد عند المسلمين منذ بعض القرون، وذلك بما انتهى إليه هذا النظام من التلقين الذي تتقلّص فيه كثيرا مساحة الحوار الناقد، وبما انتهى إليه من استبعاد للعلوم العقلية والواقعية التي تكوّن العقول على التفكير المنطقي، وتدفع بها إلى التفكير الواقعي التجريبي، وبما انتهى إليه من نمطية راتبة ليس من شأنها أن تدفع بالعقول إلى التفكير الابتكاري الريادي الذي يستكشف الجديد ويضيف الطارف إلى التليد.

 وقد وصف الإمام ابن عاشور هذا الخلل التربوي التعليمي شارحا أسباب التخلف التربوي، فقال: « سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح في المرتبة العالية وما يقرب منها، وهذا خلل بالمقصد من التعليم وهو إيصال العقول إلى درجة الابتكار …[فقد] أصيب التعليم في عصور الانحطاط بشيء من سلب حرية النقد، وأصبحت متابعة كل ما يكتب فكرة سائدة في أهل العلم … حتى إذا وجدوا قولين متناقضين أمسكوا عن الترجيح وقالوا : هذا قال، وهذا قال . . « [49]

والكثير من هذه الأمراض المنهجية الفكرية ما زالت إلى حدّ الآن تعرقل الفكر الإسلامي عن الانطلاق في منهج النظر الصحيح، ولعلّ المدارس التقليدية تعانى منها أكثر من غيرها، غير أنّ المدارس الحديثة لئن استفادت من المناهج الفكرية الغربية في التربية التعليمية فقد أُصيبت هي أيضا بأمراض منهجية أخرى، منها بالأخص الازدواجية في النظر التي تشتت الفكر، ولا تبقي له الميزان الموحّد في الأحكام، وذلك جرّاء ازدواجية العلوم في النظام التربوي الحديث ازدواجية تحمل قدرا كبيرا من التناقض، فالعلوم القانونية تناقض العلوم الفقهية، والعلوم الطبيعية تناقض أحيانا العلوم العقدية، والعلوم السياسية تناقض العلوم الأخلاقية، وهلمّ جرا في علوم كثيرة.

لقد كانت نتيجة هذا المسلك اضطرابا في منهجية التفكير التي تتحرك بها عقول الناشئة المسلمة، فلا تقدر تلك العقول على الانتهاء إلى الريادة والابتكار، كما لا تستطيع العقول التي تربت في المدارس التقليدية على الاجتهاد المنتج. وهو الأمر الذي يدعو إلى مراجعة حقيقية جادة للمنهج الفكري في النظام التربوي الإسلامي استهداء بالتوجيه القرآني، واقتباسا من التجربة الحضارية الإسلامية، واستفادة من النظم التربوية الحديثة.

3 ـ العناصر الأساسية للتربية الفكرية

إن الله تعالى لئن خلق العقل الإنساني على ضرب من المنطقية الفطرية التي تجعله مستعدا للمضي في الطريق الصحيح المبلغ للحقيقة، إلا أنه شأن كل ما هو فطري في الإنسان يحتاج كي تبلغ تلك الفطرية المنطقية مداها إلى معالجة تربوية يؤخذ فيها العقل بالتمرين على خصال في حركته الفكرية من أجل البحث عن الحقيقة ترتقي بكفاءته في ذلك البحث بما يضمن له إصابة الحق بأكبر قدر ممكن، فإذا لم يُعالج العقل بتلك التربية أتت عليه عوامل الطمس للفطرة المنطقية فيه، فإذا هو الضلال التي أشار إليه قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، (الأعراف/179)، فالعقول التي لا تفقه إنما بسبب عوامل الطمس التي أصابت الفطرة فيها، حيث لم تعالج بالمران التربوي لتتجه في المسار الفكري الموصل إلى الحقيقة.

إن الخصال الفكرية التي يتربى عليها العقل هي خصال تتكوّن بالمران المتراكم عبر الزمن، وذلك من خلال تربية تتعلق بالكيفيات التي يتعامل فيها العقل مع المواضيع التي يروم الوصول إلى حقيقة فيها، كما تتكوّن بنوع العلوم والمعارف التي يتلقاها العقل، فيتشكل بها على حسب طبيعتها فيما إذا كانت على سبيل المثال علوما حجاجية أو علوما رياضية أو علوما منطقية، فمن هذا وذاك يتكيّف العقل بكيفية تجعله في طريقة النظر ـ وهو الفكر ـ ينتهج المنهج السديد الذي يتحرر فيه من المعوقات الخارجية والداخلية، لينطلق في التعامل مع موضوع بحثه تعاملا موضوعيا يسدّد خطاه في سيره للكشف عن الحقائق في المجالات التي هو قادر على الكشف فيها. وتلك العناصر المنهجية الفكرية التي يُربّى عليها العقل عناصر عديدة، لعلّ من أهمها ما يلي:

أ ـ حرية الفكر

لعلّ العنصر الأساسي الذي يقوم عليه المنهج الفكري الرشيد هو تحرير الفكر في مسيرة بحثه عن الحقّ، بحيث يكون العقل متحررا في التفكير من كل الموجهات المسبقة التي يمكن أن تحرّف مسيرة الفكر عن اتجاهها الصحيح لتنتهي إلى ما هو مرسوم مسبقا من النتائج على نهج فرعون في قوله :﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾(غافر/29)، فالفكر إذا فقد الحرية فإنه يقع في التقليد، ويفقد القدرة على الريادة والابتكار، ومن المعلوم أنه لا تكون نهضة ولا تقدّم إلا بالريادة الفكرية، وتاريخ الحضارات وحركات النهضة شاهد على ذلك في القديم والحديث.

 وينطلق التوجيه القرآني في هذا الصدد من أنّ الحرّية في الفكر من شأنها أن تنشّط حركة العقل، إذ بها يكون العقل منطلقا دون حدّ يحدّه أو عائق يعوقه، وحينئذ فإنّه ستقوده حركته إلى أبعاد يكتشف فيها أقدارا من الحقائق لا يكون قادرا عليها لو كان مقيّدا أو موجّها إلى أفق محدّد، فحرّية الفكر بهذا المعنى هي إذن من أسباب القوّة للعقل، إذ بها ترتفع كفاءته في أداء مهمّة الكشف عن الحقيقة وتوظيفها في صالح الإنسان؛ ولذلك فقد جاءت الشريعة بأحكام وتوجيهات تلزم بهذه الحرّية، وهو ما يندرج ضمن مقصد حفظ العقل. وتتوزّع هذه الأحكام بين أحكام تحرّر الفكر من أسباب تعطيل داخلية تتأسّس في ذات الفرد، وأحكام تحرّره من أسباب تعطيل تتسلّط عليه من خارجه.

 أمّا النوع الأوّل فمثاله ما جاء في القرآن الكريم من أمر بالتحرّر من قيود العادات والتقاليد الفاسدة التي يسلّطها المجتمع على أفراده، فتكون عائقة دون انطلاق فكره في حركة حرّة للتعامل مع موضوع النظر، إذ هي توجّه ذلك الفكر لينتهي عند النظر في القضايا المطروحة عليه إلى ما يواطئ تلك العادات والتقاليد، وهو ما جاء فيه نكير شديد ونهي غليظ، وذلك في مثل قوله تعالى:﴿ وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23) ۞ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (24)﴾(الزخرف/23ـ24)  فهذا الإنكار الشديد لفعل هؤلاء، وهذا العقاب الذي أصابهم، إنّما هو بسبب أنّهم لم يحرّروا عقولهم من سطوة ما عليه آباؤهم من معتقدات، فاتّجهت الحركة الفكرية لتلك العقول اتّجاها خاطئا حاد بهم عن الحقّ وأوقعهم في الضلال، فعلى الإنسان إذن بحكم الشرع أن يتحرّر من موروثات الآباء لينظر في المعروض عليه من الآراء بفكر حرّ يتّبع الحجّة، وينتهي إلى ما تنهيه إليه، وحينئذ فإنّ عقله يكون محفوظا بهذه الحرّية في الفكر.

ومثلما يوجب القرآن الكريم التحرّر من الموروثات المضلّة للآباء فإنه يوجب أيضا التحرّر من كلّ سطوة خارجية تعوق الفكر عن أن يتّجه الاتّجاه الصحيح، وذلك مثل سطوة السلطان السياسي، أو الكهنوت الديني، أو تأثيرات الشعوذة والعرافة والسحر، فعلى الإنسان أن يتحرّر من كلّ هذه المؤثّرات التي تقيّد عقله مهما كان نوعها لتكون حركته الفكرية خاضعة فقط لما تلزمها به القواعد المنهجية للنظر. وقد تصل قوّة الوجوب لتحرير العقل من هذه السطوة إلى وجوب الهجرة من الدائرة الجغرافية التي تكون ضاربة فيها، وذلك ما جاء في قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾(النساء/97)، فالآية كما ذكره الطبري نزلت في جماعة اعتذروا في عدم إيمانهم بقولهم:« كنا مستضعفين في الأرض، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوّتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله»[50]، فلم يقبل عذرهم، إذ كان عليهم أن يحرّروا عقولهم من سطوة قومهم المشركين بالهجرة منهم ليصلوا بنظرهم الحرّ إلى حقيقة الإيمان بالله وتوحيده.

وأمّا النوع الثاني الذي هو التوجيه القرآني بتحرير الفكر من المعوقات الداخلية الناشئة من ذات الإنسان فمثاله ما جاء من أمر بدفع الهوى النفسي على اختلاف أنواعه، ذلك الذي يتمكّن من النفس فيوجّه حركة العقل في البحث عن الحقائق إلى ما يوافقه هو من النتائج، ويصرفه عن اتّباع الحجّة ليصل إلى الحقيقة، وذلك مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام/119)، ففي هذه الآية إنكار شديد على من حكّم الهوى على عقله ولم يحكّم الدليل، فانتهى به الأمر إلى الضلال بتحكيم الهوى، ولو حكّم الدليل لانتهى إلى العلم، فهذا المسلك الذي لا يحرّر فيه الإنسان فكره من الهوى هو مسلك محرّم، إذ الواجب التحرّر من الهوى، وهو ما انتهى إليه الرازي في شرحه لهذه الآية إذ قال:« دلّت هذه الآية على أنّ القول في الدين بمجرّد التقليد حرام؛ لأنّ القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلّت على أنّ ذلك حرام «[51].

ويصدق هذا التحريم لسطوة الهوى على الفكر كلّ أنواع الهوى، سواء كان متمثّلا في هوى الشهوات المادّية من مال وملذّات مختلفة، أو في هوى العواطف من حبّ وكره، وشفقة وعداوة، فأيّما ضرب من هذه الضروب حكم القرآن الكريم بوجوب دفعه أن يكون له سطوة على العقل فيوجّه حركته الفكرية حتى تكون تلك الحركة موجّهة بمحض الدليل كيما تصل إلى الحقّ، وفي ذلك جاء قوله تعالى: ﴿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾(النساء/135)، فهذا أمر صريح بوجوب تحرير الفكر من هوى الميل إلى القرابة وهوى الحظوة لدى الغنيّ والشفقة على الفقير، وإرساله طليقا وفق القواعد التي تنتهي به إلى القسط الذي هو الحقّ. وفي مثل هذا جاء قوله تعالى في وجوب التحرّر من هوى العداوة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة/8)

ويُلحق بالهوى في نهي القرآن عنه أن يكون مكبّلا للفكر ما يكبّله أيضا من بعض الخرافات والأوهام التي تجعل العقل يتّجه في البحث عن الحقيقة إلى غير مظانّها الصحيحة وإنّما إلى أسباب لها موهومة، وذلك من مثل التطيّر والتنجيم وأنواع الشعوذة، وممّا جاء في ذلك من النهي قوله تعالى:﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الأعراف/131)، فالنكير على هؤلاء القوم إنّما هو بسبب أنّهم رهنوا عقولهم في البحث عن أسباب ما يصيبهم من نفع وضرّ إلى وهم التطيّر ففسّروا به تلك الأسباب، وكان حريّا بهم أن يحرّروا الفكر من ذلك الوهم فيبحثوا عن الأسباب الحقيقية لما يصيبهم من النفع والضرّ في أفعالهم هم لا في تلك الأوهام، إن عقولهم قد أخطأت الحقيقة نتيجة عدم تحريرها من مثل هذه الأوهام.

ب ـ  شمولية النظر

هي صفة فكريّة يكون بها الفكر منطلقا في البحث من النظر في أوسع دائرة ممكنة فيما يتعلق بموضوع بحثه، بحيث لا يترك مما له صلة بالقضية التي تصدى لها بالدرس إلا وضعها تحت النظر دون أن يستبعد منها شيئا لأي سبب من الأسباب. وهذا المسار هو الذي ينتهي بالفكر إلى تكوين الرّأي وتقدير الأحكام باستخلاص الكلّي من النّظر في الجزئيّات الكثيرة والعيّنات الشّخصيّة المتعدّدة، فتكون تلك الآراء والأحكام أقرب إلى الحقيقة وأشبه بالصواب بما قد جمعت من التفاصيل والجزئيات على نطاق واسع.

 وتقابل هذه الصفة الشمولية صفة الجزئية والمحدودية في النظر، وهي تلك الصفة التي يقتصر فيها الفكر الباحث على مجال ضيّق مما يتعلق بموضوع بحثه، وعلى العدد المحدود من الجزئيات والتفاصيل فيه، فينتهي إذن إلى أحكام وآراء مأخوذة من ذلك المجال المحدود، متصفة هي أيضا بصفة الجزئية والمحدودية، وتفوته معطيات أخرى لو اطّلع عليها وأخذها بعين الاعتبار في البحث لتغير بعض ما انتهى إليه من الآراء والأحكام الجزئيّة، كحال ذلك الذي أراد أن يعرف حقيقة جسم ماثل أمامه فأخذ يتحسّسه، واكتفى بتلمّس جسم اسطواني، فحكم بأنه سارية رخامية، والحال أنها ليست إلا رجل فيل، ولو تلمّس سائر الجسم لعرف الحقيقة، ولكن اكتفاءه بمجال محدود أوقعه في الخطإ.

وحينما يربّى المسلم على النّظر الكلّي الشّامل الذي يتناول به الموضوع في جزئيّاته وتفاصيله لينتهي منها إلى الرّأي العامّ المبنيّ عليها كلّها، فإنّه سيكون بذلك ملتقيا مع الآخرين على صعيد نفس النتيجة التي انتهوا هم إليها بنفس المنهج، أو على صعيد ما يقاربها على الأقلّ، إذ الكلّ قد صعد إلى الموقع الكلّي الذي يتراءون فيه على صعيد واحد فيما يشبه الجماعة من الناس حينما يتفحّصون باستقصاء عمارة في جزئيّاتها الداخلية، ثمّ ينتهون من ذلك إلى الخروج منها لتكوين الفكرة الكلّية عنها، فإنّهم حينئذ يلتقون في هذا الخارج وهم على علم متجانس تكوّن لديهم عن تلك العمارة استخلاصا لصورتها الكلّية من جزئيّاتها التفصيلية، فكذلك الأمر بالنّسبة لروّاد المعرفة في الخلوص من الجزئيّات إلى الكلّيات في تصوّر الحقائق وتقدير الأحكام .

وأمّا من يتربّى على النظر الجزئي فإنّه سيجد نفسه مخالفا للآخرين مناقضا لهم، إذ هو يبقى حبيس الجزئيّة من مادّة نظره، يصدر في حكمه مقتصرا عليها، في حين يصدر الآخر في حكمه عن جرئيّة أخرى، فينتهي كلّ إلى واد لا يلتقي فيه مع الآخر، وهو ما يشبه حال أفراد الجماعة الذين ارتادوا العمارة، ولكنّ كلاّ منهم صدر في تصوّر حقيقتها اقتصارا على مشاهداته في الغرفة التي بقي حبيسا فيها، وهي غير الغرف التي صدر عنها الآخرون، فإذا لكلّ تصوّره الخاصّ المخالف لتصوّرات الآخرين، فلا يكون بينهم التقاء في التصوّر ولا في التقدير، وإذا ما خرجوا تخاصموا وافترقوا بسبب اختلاف الصور التي حصلت لهم من ذلك النظر الجزئيّ، فيكون إذن لانحباس العقل في الجزئيات النتيجة السيئة، لا على المستوى المعرفي فحسب وإنما على المستوى الاجتماعي أيضا، ويكون على عكس ذلك العقل الشمولي الكلي في النظر المعرفي.

وفي التاريخ الثقافي السّياسي الإسلامي نجد الخوارج هم أكثر النّاس افتراقا فيما بينهم حتى فاقت فرقهم في العدد فرق أيّ مذهب آخر، وأكثرهم افتراقا مع المسلمين بصفة عامّة، وقد أحدثوا في المجتمع من الفتنة ما أفشى فيه الاضطراب، وعرقل حركته النامية في مسيرة البناء الحضاري، ونحسب أنّ من أهمّ أسباب ذلك ما كانوا عليه من فكر جزئيّ بالرغم ممّا يُرى من صدقهم الديني وحسن نيّتهم، فقد كانوا يتّخذون الموقف الخطير بناء على جزئيّة واحدة من جزئيّات الأدلّة الشرعيّة دون نظر إلى الجزئيّات الأخرى في نفس موضوعها، فيخطئون الحقيقة ويكون بينهم الافتراق، وذلك على نحو ما حدث في موقفهم المشهور من التحكيم ناشئا من نظرهم الجزئيّ الضّيّق في استخلاص معناه من دائرة نصية ضيقة لا تكاد تزيد على الآية القرآنية الواحدة، وتنزيله على الواقعة التاريخيّة[52].

ويعاني المسلمون اليوم كثيرا من مظاهر الفرقة والتّدابر بين المذاهب والطّوائف والحركات والاتّجاهات بسبب من هذا التقدير الجزئي الذي طبع الكثير من الأذهان ، فكلّ ينظر في حديث نبويّ واحد أو آية قرآنيّة واحدة، ومنها يصدر في تقرير رأيه وبناء موقفه، وذلك في غير جمع بين الأحاديث والآيات الواردة في نفس الموضوع لتعالج بالنّظر الكلّي المفضي إلى الرّأي الصّواب الذي يلتقي عليه الأكثرون ، فتكون بينهم الوحدة والوفاق، ولعلّ الأغلب ممّا تعانيه الأمّة اليوم من الافتراق، وما تتعرّض له من المحن، وما تتعثّر به الخطى نحو النهضة ناشئ من المواقف التي تُبنى على جزئيّات من الأدلّة الشرعية في غير نظر شامل إلى مجموع ما هو وارد في الموضوع الذي وردت فيه وعلاقته بأسبابه وبمناطاته ومقاصده ليستبين فيه الحقّ الذي تلتقي عليه الأغلبية، وتحفظ به الوحدة .

ولقد جاء القرآن الكريم يوجّه الأنظار من أجل معرفة الحقيقة إلى مجال فسيح من مظانّ تلك الحقيقة، يشمل في الوجود عالم الغيب وعالم الشهادة، ويشمل في الزمان الحياة الدنيا والحياة الأخرى، ويشمل في الإنسان مشهد الجسد ومشهد الروح، ويشمل في المكان عالم الأرض وعالم السماوات، حتى صار الوجود كلّه مسرحا لتفكير العقل يعود فيه بالجزئيات إلى الكليات، وبالمفترقات إلى ما يوحّدها، وعلى ذلك النحو تربّى الفكر الإسلامي، فأثمر تلك العلوم العقلية والنقلية، صاعدا فيها من الجزئيات إلى القوانين على نحو علوم الأصول وعلوم الطبيعة، ونازلا من تلك القوانين إلى الجزئيات والتفاصيل لتطبيقها في مختلف مفاصل الحياة، ومن ذلك نشأت الحضارة الإسلامية. فلما ارتكس ذلك الفكر فأصبح جزئيا صار غير قادر على التأصيل القانوني الكلي، وغرق في محدودية التفاصيل التي لم يتمكن معها من مواصلة الابتكار والريادة، فتوقّف العطاء، ووجب حينئذ إعادة البناء التربوي لهذا الفكر على أساس الكلية والشمول.

ج ـ الواقعـيّة

المقصود بهذه الصّفة تربية العقل المسلم على أن يتطبّع تفكيره في البحث عن الحقيقة، وفي تقدير المواقف والأحكام، وإيجاد الحلول للمشاكل المطروحة بطابع الانطلاق من الواقع متمثّلا في عناصر الطبيعة، وفي مشاهد الحياة الإنسانية الماضية والماثلة، وأن يُتّخذ من تلك العناصر والمشاهد المادّة الأولية للنظر والبحث، يبحث من خلالها عن حقيقتها في ذاتها، وعما وراءها من حقائق غائبة عن الحسّ ولكنها تدرك بالعقل، فإذا العقل إذن بهذه الخاصية يراوح في حركته الفكرية بين الظواهر والدلالات، وبين الأسباب والمسببات، فيدرك ما ظهر من الحقيقة وما خفي منها في نطاق قدرته على الإدراك، ويبني من ذلك كله تصوراته في التعمير ما كان منه ماديا وما كان معنويا روحيا.

  ويقابل هذه الصّفة الفكريّة صفةُ المثاليّة المجرّدة، وهي تلك الصفة التي يكون بها العقل في حركته الفكرية منغلقا عن الواقع المحسوس، مستغرقا في التأمّل المجرّد الذي ينطلق من الفكرة المثالية وينتهي إليها، في غير مقايسة بما هو واقع مشهود، فيؤول الأمر إذن إلى بناء تصورات في عالم الطبيعة تخالطها الخرافات والأساطير، وبناء تصورات في حياة الناس كثيرا ما تجانب ما فيه مصالحهم وتنمية أوضاعهم، وما ذلك إلا بسبب أنّ العقل في حركة التفكير صنع الأفكار وصاغ الحلول لمعالجة المشكلات من ذات نفسه على غير بصيرة بما يجري به واقع الطبيعة وواقع الحياة.

ولتوطين العقل على هذه الخاصية الفكرية جاء القرآن الكريم يحوّل وجهة العقول من النظر المجرّد الذي كانت عليه الثقافة السائدة وهي الثقافة الهلينية والغنوصية إلى النظر في مشاهد الكون وواقع الحياة الإنسانية في غابرها وحاضرها، ليكون ذلك منطلقا للعلم بالحقائق الذاتية للمشهود في عناصره وطبائعه، ثم النفاذ منها إلى ما وراءها من القوانين التي تجري عليها ومن الأسباب التي تنتهي إليها، فتُبنى إذن التصورات المتعلقة بالوجود والمناهج المتعلقة بالحياة على أسس متينة من الحق، تمضي به الإنسانية قدما في مسيرة الحضارة، وذلك ما كان، حيث نشأ من هذا الفكر الواقعي العلوم التجريبية في مجال الطبيعة، والعلوم الفقهية في المجال القانوني، وكل من هذا وذاك أسهم بقدر واف في التقدم الحضاري للإنسانية.

ومن الآثار الإيجابية لخاصية الواقعية أنّ الفكر حينما يُربّى على هذه الصفة، فإنّه يكون منطلقا من معطيات الواقع الذي هو مادّة موضوعيّة مشتركة بين النّاظرين، فيكون ذلك منطلقا موحّدا يجمع الباحثين والناظرين على صعيد موحّد يتحاكمون فيه إلى ما هو موضوعيّ مشترك، فيكون بينهم التّلاقي في المنطلق الذي ينتهي في الغالب إلى التّلاقي في المنتهى من النتائج، فتتوفّر ضمانات الوفاق، وتضيق أسباب الفراق، وفي ذلك ما فيه من أسباب الوحدة الثقافية والتوافق الاجتماعي، فثمار هذه الخاصية ليست مقتصرة على الثمار المعرفية وإنما هي أيضا ثمار اجتماعية. .

وحينما يكون الفكر تجريديّا مثاليّا في تقدير الأحكام والمواقف فإنّ كلّ فرد أو مجموعة أو أصحاب مذهب يبنون لهم بهذا المسلك آراء وتصوّرات مثاليّة قابلة لأن يذهب فيها كلّ منهم مذهبا خاصّا به، إذ هي غير خاضعة لميزان الواقع الموضوعي الذي يراد معالجته، فيكون إذن بسبب ذلك الاختلاف في التقدير وتشبّث كلّ بما انتهى إليه في تعصّب يلغي الآخرين وتصوّراتهم المثالية المخالفة، وينتهي الأمر إلى ضرر معرفي وضرر اجتماعي معا.

وإذا عدنا إلى مثال الخوارج فإنّنا نجد من أسباب خطئهم في إصابة الحقيقة الدينية بالرغم من إخلاصهم، وفُرقتهم للمسلمين وافتراقهم فيما بينهم ما هم عليه من المثاليّة الغالية في معالجة المشاكل الطّارئة، بحيث بنوا مواقفهم على المقتضيات النظريّة المجرّدة من نصوص القرآن دون اعتبار لملابسات الواقع الذي تجري به مشاهد الحياة التي تصدوا لمعالجتها، فإذا هم في كلّ موقف بسبب غفلتهم عن الواقع ينقسمون أشطارا فيما بينهم، ويزدادون ابتعادا عن سائر المسلمين. وقد كان عليّ رضي الله عنه على حكمة عظيمة حينما أوصى من أرسله إليهم ليحاججهم بأن يجادلهم بالسّنّة لأنّ القرآن حمّال ذو وجوه، وأمّا السنّة فهي تطبيقات واقعية عملية .

واليوم نجد الجماعات والفرق الأشدّ تطرّفا في فهم الدين  والأشدّ رفضا للآخرين، والأشدّ عداوة لهم بما يصل إلى التكفير هم أولئك الذين ينتهجون منهجا مثاليا ينطلق من الفقه النظريّ المجرّد، وتُصرف فيه الأنظار عن الواقع وملابساته في سبيل تقدير طرق علاجه، ومن هناك ينشأ الإلغاء لهذا الواقع وأهله، والعداء لهم والفُرقة عنهم على نحو ما هو مشاهد في أحوال البعض من الجماعات في مختلف البلاد، وخاصّة منها تلك التي تتأسّس على قاعدة من الشباب الأكثر قابلية للمثالية وابتعادا عن الواقعية، وذلك سواء من حيث أفكارهم النظرية أومن حيث مواقفهم العملية.

ومن الضروري أن نشير في هذا الصدد إلى أنّ المقصود بالواقعية كما شرحناها لا يتضمّن ما ينادي به بعضهم من مجاراة للواقع الجاري في حياة الناس، وخضوع له وتكييف المواقف بل والأفكار بحسبه، وجعله إماما للحقّ حاكما عليه، فتلك دعوة هدامة تلغي أو تكاد موضوعية الحقّ وثباته، وإنما المقصود بالواقعية كما شرحناها هو الانطلاق من الواقع في النظر الباحث عن الحقيقة، ليكون هذا الواقع مأخوذا بعين الاعتبار في التقدير من أجل معالجة المشاكل، لا ليكون ذلك الواقع هو الحاكم على التقدير، المحدد للحقائق. 

د ـ  المقارنة النقدية ( التبيّن )

هي صفة يكون بها العقل في التفكير منفتحا على الآراء المختلفة المتعلقة بموضوع بحثه بما فيها الآراء المتقابلة والمتناقضة، فينظر فيها نظر المقارنة بينها في غير حجب لشيء منها، أو استبعاد له من دائرة البحث، بحيث يوضع على بساط النظر كل ما له علاقة بالموضوع المنظور فيه من الأفكار والروايات والاجتهادات مهما كان بينها من اختلاف أو تعارض، ثم يقوم العقل بالجولان فيها جولان مقابلة بينها، ويعمد إلى تمحيصها ونقدها، ليخلص من ذلك كله استبقاء ما هو أشبه منها بالحقّ وإلى استبعاد ما هو أشبه منها بالباطل، لينتهي في آخر المطاف إلى تقرير ما يراه صوابا في موضوع البحث.

ويقابل هذه الصفة المنهجية الفكرية صفة ما يمكن أن نسمّيها بالخطّية في الفكر، وهي تلك التي يقتصر فيها العقل عند النظر على الرّأي الواحد مما يرد في موضوع بحثه، مستبعدا الآراء المخالفة له في خطّية لا تتيح له الالتفات ذات اليمين أو ذات الشمال لرؤية ما هو خارج عن الخطّ المرسوم، فلا تكون له إذن فرصة المقارنة بين الآراء الواردة في ذات الموضوع، ولا فرصة النقد والتمحيص ليقع الانتهاء إلى ما هو أشبه بالصواب، وتكون النتيجة اعتماد ما ورد من رأي وحيد على أنه هو الحقّ في غيبة آراء أخرى قد يكون الحقّ فيها، أو قد تكون مشتملة على بعض الحقّ، ولكنّ كلّ ذلك يُهدر بسبب هذا النظر الخطي الأحادي الاتجاه.

وبالإضافة إلى أنّ الفكر المقارن النقدي تكون حظوظه في الوصول إلى الحقّ أكبر بكثير من الفكر الخطّي الأحادي، فإنّ هذا الفكر تتوفّر معه فرصة للتقارب بين أصحاب الآراء والمذاهب المختلفة أو المتعارضة، إذ الاطّلاع على هذه الآراء والمذاهب وتناولها بالدرس ينشئ في النفس نوعا من الاستئناس، وينفي منها الشعور الطبيعي بالعداوة لما هو مخالف باعتبار أنه مجهول، والإنسان عدو ما يجهل. أما الفكر الخطّي الأحادي فإنه يصنع في النفوس أسوارا حاجبة لذوي الآراء والمذاهب المخالفة، وقد تتطور هذه الأسوار شيئا فشيئا إلى عداوات تسببّ في المجتمع اختلالا في بنيته الثقافية والاجتماعية.

وقد رأينا القرآن الكريم وهو يربّي الفكر المسلم على المقارنة والنقد يورد في مضمار عرض المعتقدات الإسلامية ما هو مخالف لها من المعتقدات ليضرب بعضها ببعض في مقارنة نقدية تسفر بعد التمحيص على بيان الحقّ فيما هو معروض من المعتقدات، وقد وردت في هذا الخصوص مواقف كثيرة منها على سبيل المثال ما جاء في عرض وحدانية الله تعالى من إيراد للأقوال المخالفة في قوله تعالى::﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾(التوبة/30)، فإيراد هذه الأقوال المخالفة إنما هو للمقابلة بين المتضادّات ليظهر الحقّ من بينها، وهو هنا حقّ التوحيد بإزاء هذه الأقوال الشركية.

ومن هذه الممارسة القرآنية رسم القرآن الكريم مبدأ منهجيا يتعلّق بهذا الشأن، وهو مبدأ التبيّن الذي جاء في قوله تعالى::﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(الحجرات/6) فالتبيّن في سياق هذه الآية يقتضي أن يكون معناه عدم الاقتصار في تقصّي الحقيقة على الرواية الواحدة، وإنما مقابلتها بأضدادها من الروايات، ثم إجراء المقارنة بين جميعها، وتعريضها للنقد حتى يتميّز الحقّ فيها من الباطل، وأما الاقتصار على الرواية الواحدة فإنه عرضة لأن يوقع في الخطإ كما هو حال ما ورد في نزول هذه الآية من سبب.

وقد نشأ الفكر الإسلامي بصفة عامّة على هذه الصفة من المقارنة النقدية، وهو ما بدا على سبيل المثال في ذلك التطلّب الدؤوب في كلّ العلوم الإسلامية للمخالف من الآراء لدرسها وتمحيصها واستبقاء ما هو حقّ فيها، واستبعاد ما هو باطل منها، فإذا لم توجد آراء معارضة فعلية افترضت افتراضا في تلك الصيغة الشهيرة التي جرت عليها المؤلفات، وهي « فإن قيل … قلت …«، وقد ارتقى ذلك في منهج أصول الفقه إلى أن أصبح أصلا منهجيا معرفيا عُبّر عنه بتطلّب المعارض في الاجتهاد الفقهي، وهو ما ضبطه ابن عاشور في معرض بيان الحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في قوله:« البحث عما يعارض الأدلة التي لاحت للمجتهد، والتي استكمل إعمال نظره في استفادة مدلولاتها ليستيقن أنّ تلك الأدلّة سالمة مما يبطل دلالتها ويقضي عليها بالإلغاء والتنقيح «[53]. ويمكن أن نذكر في هذا المجال كيف أنّ الإمام الطبري عمد في تاريخه إلى إيراد جميع ما وصله من الروايات على شدّة اختلافها وتناقضها، إنه يريد أن يضع بين يدي الباحث حصيلة يُعمل فيها الفكر بالمقارنة والنقد ليصل إلى تقرير ما هو حقّ منها في غير مصادرة لرأي أو لرواية، وذلك من مظاهر الفكر المقارن النقدي الذي ربّى عليه القرآن الكريم عقول المسلمين.

 وعند التقصّي يظهر أنّ أكثر أهل المذاهب بعدا عن الحقيقة وإيغالا في التطرّف، وتسببا في الاضطراب الاجتماعي هم أولئك الذين يفتقرون إلى المعرفة بما عند الآخرين من الآراء والأفكار، ويقتصرون على ما عند الذّات من الآراء بحسبان أنّها الحقّ الذي لا حقّ غيره، وعلى العكس من ذلك فإنّ أكثر العلماء سماحة مع الآخرين وإعذارا لهم وتعاونا معهم هم أولئك الذين اتّسعت معارفهم بالمذاهب واطّلاعهم عليها، واتّسعت مشاركتهم في العلوم المقارنة التي تجمع مختلف الآراء ومتناقضاتها، وأمّا المقتصرون في معارفهم على العلم الواحد والمذهب الواحد، فإنّه كثيرا ما يؤدّي بهم ذلك إلى التّعصّب الرّافض للآخرين المنافر لهم.

ولو مثّلنا لهذا الملحظ بالإمام الطبري في القديم والإمام محمد الطاهر بن عاشور في الحديث بما عليه كلّ منهما من سعة علم بآراء الآخرين ومذاهبهم، وما أثمر ذلك من تسامحهم وإعذارهم لكان مصداقا لما قلنا، ولكان مصداقا له أيضا لو مثّلنا في الحال المقابلة بما نرى اليوم من تشتّت بل من صراع بين الجماعات المتمذهبة بمذاهب شتّى جرّاء ما تربّت عليه في تكوينها الفكري من انغلاق تعليمي على المذهب الواحد، وصرف للنظر عن أيّ مذهب غيره، ممّا أفضى إلى اعتقاد أنّه هو الحقّ المطلق، واعتبار أنّ ذلك الغير هو الباطل المطلق الجدير بالعداء والرفض، فإذا هي فرقة وخصام واختلال في وحدة الأمّة[54] .

هـ  ـ  الحوارية

وهي صفة يتربّى عليها العقل، فيصبح في حركته الفكرية ممتدّا إلى عقول الآخرين يعرض عليها ما توصّل إليه من أفكار: شرحا لحقيقتها، واحتجاجا لها، بغية بيانها لتلك العقول، ووضعها أمامها على محكّ الامتحان، كما يصبح ممتدّا إليها لاستبانة ما توصّلت إليه هي من آراء، للنظر فيها، والوقوف على ما تضمّنته من قوّة ومن ضعف، استفادة من قوّتها واتّقاء لضعفها، وذلك في حركة تفاعل مشترك بين العقول تنشر فيه المذاهب بما تتكوّن منه من الأفكار والمعتقدات للتداول عرضا وتفهّما ونقدا وتصحيحا واقتباسا بحيث تمتدّ تلك العقول بعضها إلى بعض، وينفسح بعضها لبعض.

 ويقابل هذه الصفة الفكرية صفة الانغلاق الفكري، وهي حال العقل حينما يكون مقتصرا على ما توصل إليه من الرأي، غير ساع إلى عرض ذلك الرأي على الآخرين للنظر فيه، ولا ساع إليهم ليعرف ما توصلوا هم إليه في ذات الموضوع ليستفيد مما قد يكون فاته من الحقّ. إنّ العقل إذا ما تربّى على الانغلاق على ما اقتنع به من رأي، وانكمش عن أن يمتدّ إلى آراء الآخرين أصبح كأنما يعيش في جزيرة معزولة، لا تمتدّ إلى غيرها ولا يمتدّ غيرها إليها، ومن ثمّة تفتقد فرص التعديل للمرئيات العقلية، فيكون التمادي في الخطإ، ومن ثمة أيضا تنشأ أسباب التدابر بين العقول، وقد ينتهي ذلك إلى التوتر الثقافي والاجتماعي، فالحوارية إذن من شأنها أن ترشّد المسار الفكري معرفيا، وأن تزيل أسباب التوتر والخلل في المجتمع.

وقد جاء القرآن الكريم يربّي العقول على الحوار بين المسلمين وبين أصحاب المذاهب المخالفة بلهَ أن يكون هذا الحوار دائرا فيما بينهم على اختلاف مذاهبهم، وما تشريع مجادلة المخالفين بالتي هي أحسن، وتشريع الشورى أسلوبا في تداول الرأي بين المسلمين إلاّ مظهرا من مظاهر التشريع للحوار سببا من أسباب الرشد المعرفي والاستقرار الاجتماعي، سواء بين المسلمين خاصة، أو بين بني الإنسان عامة.

وقد جاءت السنّة النبويّة تؤكّد التشريع للحوار أسلوبا في التعامل بين أصحاب الآراء المختلفة، وتربّي الفكر الإسلامي عليه، وهو ما يتبيّن فيما كان يسلكه النبيّ ﷺ في تعامله مع ما يظهر من آراء مخالفة لرأيه من قِبل أصحابه، إذ يتعمّد أن يسلك معهم فيها سبيل الحوار، ويدفعهم هم دفعا إلى ذلك حتى ينتهي الأمر إلى ضرب من التوافق بين الطرفين ثمرةً لذلك المسلك الحواري[55]، كما يتبيّن فيما كان يسلكه صلّى الله عليه وسلّم مع المخالفين من أصحاب الديانات والمذاهب، إذ كان يجادلهم في مذاهبهم ومعتقداتهم، ويدعوهم إلى الحوار فيما فيه الخلاف بينه وبينهم ليستبين الحقّ من خلال ذلك الحوار، ويلتقي الطرفان على ما يتبيّن من ذلك الحقّ[56]. ومن أغراض ذلك كلّه تربية العقل المسلم على الفكر الحواري الذي ينفتح على المخالفين بالإفضاء إليهم بما عنده، وسماع ما عندهم، لينتهي الأمر إلى ظفر بالصواب، وتقارب يتأسّس على القَبول المتبادل نفسيا وعقليا بما يرشّد الفكر ويحفظ الوحدة، ويحول دون التشتّت والفرقة.

وقد بُنيت الثقافة الإسلامية على الحوار بين مختلف المذاهب وأصحاب الآراء، وهو ما تجلّى فيما كان يدور بين أهل الفكر والعلم من مختلف الذاهب من مناظرات واسعة، كما تجلّى فيما حفظه لنا التراث المكتوب من طريقة في التأليف تقوم على عرض الآراء المخالفة ومناقشتها والحوار معها فيما أصبح سنّة ثقافية ثابتة انطبع بها الفكر الإسلامي، وهي الصفة التي كانت أحد الأسباب الهامّة التي أثرت بها العلوم وتطورت، وتأسّست بها الوحدة الثقافية بين المسلمين على اختلاف ألسنتهم وتباعد أقطارهم[57].

إنّ التربية الإسلامية إذا ما اعتمدت في مسلكها التعليمي ترسيخ هذه الصفات الفكرية في عقول الناشئة، فإنّ ذلك سيكون مؤذنا بتغيّر في الفكر الإسلامي ينعدل به ذلك الميل الذي أصابه مقارنة بما وجّه إليه القرآن الكريم، وبما تربّى عليه الفكر الإسلامي على عهد الازدهار، وحينئذ فإنّ الفكر الكلّي الواقعي النقدي الحواري يمكن أن يحدث في الجيل نقلة نوعية إلى الريادة والابتكار في مجال المعرفة، وإلى الوئام والاستقرار في المجال الاجتماعي، وهو ما قد تبدأ معه مرحلة البناء الجديد، ولكن أيّ منهج تربوي يمكن أن يفضي إلى تأسيس مجدد للفكر الإسلامي على هذه الخصال؟

4 ـ منهجية التربية الفكرية

إنّ تنشئة الفكر على الصفات الآنف بيانها لا يمكن أن يتمّ بصفة تلقائية عفوية، وإنما هو رهين لمنهج مصنوع يُبنى على تراتيب وصيغ وضوابط في العملية التعليمية، وهي تراتيب وضوابط تكون سارية في مفاصل العملية التعليمية بأكملها، سواء فيما يتعلق منها باختيار نوعية العلوم التي تدرّس للمتعلم في مختلف مراحل التعلّم، أو فيما يتعلق بالطرق والأساليب التي يقع بها التعليم، وحينئذ فإن الجهود تتضافر لتربية العقل بالتراكم على هذه الخصال حتى تصبح له طبيعة يمارس من خلالها التفكير بما يقربه أكثر ما يمكن من الحق. ونورد فيما يلي أهمّ ما نراه من طرق منهجية للتربية الفكرية.

أ ـ التربية الفكرية بالعلوم المنهجية

إذا كانت العلوم كلها تمرّن العقل على التفكير الرشيد بما توسّع من مداركه، وبما تزوده به من الحقائق فإن من بينها علوما تقوم في هذا الشأن بدور مباشر، إذ هي قد صيغت في هدفها بصفة أساسية على أن تدرّب العقل على التفكير الصحيح، وتجنبه المزالق التي قد تضلّه في مسيرة بحثه عن الحقيقة؛ ولذلك فإن هذه العلوم يمكن أن تقوم بدور كبير في التربية الفكرية على الصفات التي شرحناها آنفا، وهو ما يجعل منها في النظام التربوي المنشود ركنا مهما من الأركان التربوية التي يتعدى دورها تحصيل ما تتضمنه من معارف في ذاتها إلى أن تكون آلة تكوينية لها غاية في القيام بدور التربية الفكرية. ومن هذه العلوم ما هو عقلي عام يقوّم التفكير بإطلاق، ومنها ما هو من علوم الشريعة يقوّم التفكير في مجال النظر الاجتهادي لفهم الدين وتطبيقه.

ومن العلوم المنهجية التي تربي العقل على التفكير الصحيح علوم المنطق، فإنها مهما وُجّه إليها من نقد فهي تعلّم العقل الانتقال في خطاه المعرفية من خطوة إلى أخرى بما يوصله إلى النتيجة الصحيحة ويجنبه الخطأ، وهو ما أشار إليه ابن خلدون في قوله:” السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد، فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلمية ليتميز الصحيح من الخاطئ، فكان ذلك قانون المنطق”[58]. ولعل هذه الفائدة المنهجية الفكرية لعلم المنطق هي التي حدت بالإمام الغزالي إلى تقرير أنّ من لا يحيط بعلم المنطق فلا ثقة له بعلومه أصلا[59]. ويلحق بالعلوم المنطقية في هذا الشأن العلوم الحديثة في مناهج البحث، فهي تقوم بذات الدور في ترشيد العقل في مسيرة تفكيره للبحث عن الحقيقة.

وإذا كانت العلوم الرياضية والحسابية لها غاية في نتائجها التطبيقية في مختلف المجالات فإن لها فائدة عظيمة أيضا في تربية العقل على التفكير الصحيح، وذلك لما هي عليه من الانضباط الذي يورّث العقل عند الاشتغال بها والدربة عليها صفة من الانضباط في التفكير ترتبط فيه المقدمات بنتائجها بما لا يدع مجالا لأن تدخل في التفكير أسباب الخرافة وما شابهها، وذلك ما أشار إليه ابن خلدون في بيان الفوائد المنهجية لهذه العلوم حيث يقول: « ومن أحسن التعليم عندهم الابتداء بها لأنها معارف متضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء درِب على الصواب. وقد يقال: من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره أنه يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني ومناقشة النفس فيصير ذلك خلقا«[60]، ففي هذه العلوم إذن تربية فكرية وتربية خلقية، وبينهما تكامل غير خفي.

ولا شكّ أنّ للعلوم الفلسفية دور مقدّر في التربية الفكرية بقطع النظر عما تحتويه تلك العلوم في ذاتها من الأفكار من حيث صحتها وفسادها؛ وذلك لأن هذه العلوم تقوم من جهة على توسيع دائرة الآراء وتفتيق بعضها عن بعض وتوليد بعضها من بعض مما يورث العقل قدرة على الانتقال من الظواهر إلى الأسباب، وعلى ارتياد الآفاق الواسعة من الرؤى والأفكار، وعلى جمع الجزئيات والتفاصيل في قوانين كلية جامعة، وتقوم من جهة أخرى على الأدلة والبراهين إذ لا يقوم شيء منها إلا على دليل، وهو ما يورّث في العقل تطلّب الأدلة على الدعاوى حتى لا تمرّ المزاعم مرور المسلمات وقد يكون من بينها ما هو من الأوهام. وبالرغم من أنّ ابن خلدون كان من أشدّ النقّاد للعلوم الفلسفية في محتوياتها فإنه أقرّ بفوائدها التربوية الفكرية فقال في علم الفلسفة:«… وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة وهي شحن الذهن في ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين«[61].

إن هذه العلوم المنهجية العقلية وما هو في حكمها نقدّر أنها ركن أساسي من أركان التربية الفكرية، وإنما أدرجناها في هذا السياق مع ما يبدو من بديهيتها فيما نحن بصدده معارضة لتيار تربوي يسود في بعض الأوساط الإسلامية مؤداه أنّ هذه العلوم ليس فيها من فائدة، بل هي علوم مضرة بالناشئة الإسلامية لما تتضمنه من انحرافات في الكثير من مسائلها، ومن مخالفات لبعض حقائق الدين، وقد يكون ذلك الادعاء صحيحا في بعض وجوهه، ولكنه لا يلغي الفوائد الفكرية التي تنتج عن هذه العلوم، وأما تلك المخاطر فيمكن تفاديها بالطريقة التي تدرّس بها هذه العلوم، فإذا ما كانت تلك الطريقة طريقة التمحيص والنقد فإن تلك المخاطر يقع تلافيها، وتثبت الفوائد التربوية الفكرية.

وأما العلوم الشرعية ذات الصفة المنهجية فإنها علوم عديدة، تشترك كلها من حيث منهجيتها في تربية العقل على أن يكون في التفكير الشرعي متوخيا الطرق الصحيحة في فهم مدلولات الأوامر والنواهي، وفي تقرير أحكام الشريعة على أكمل صورة ممكنة من الحق،ّ سواء فيما هو منصوص عليه وبالأخص فيما ليس منصوصا عليه مما تقتضيه مستأنفات النوازل والأحداث، ثم في تنزيل هذه الأحكام على الواقع بما يراعي حصول المصلحة ودرء المفسدة وهي الغاية العليا من الشريعة كلها، وهذه العلوم المنهجية الشرعية لئن كانت فوائدها تتعدى إلى تحصيل علم صحيح بالدين، فإنها تقوم بدور مهم في التربية الفكرية بصفة عامة، وعلى التربية الفكرية فيما يتعلق بالنظر الاجتهادي بصفة خاصة؛ ولذلك فإنها تمثل أهمية كبيرة في النظام التربوي في جانبه الفكري.

 ويأتي على رأس هذه العلوم المنهجية الشرعية علم أصول الفقه، فهو ذلك العلم الذي تستخرج فيه الأحكام الشرعية من أدلتها، وهذه العملية تحتاج إلى نظر عميق يقوم على جمع الأدلة في القضية الواحدة على أوسع نطاق ممكن، ثم المقارنة بينها، والتحقق منها بالتمحيص والنقد، ثم بالترجيح لما هو أدعى إلى تحقيق المصلحة، وفي ذلك كله مران للعقل في التفكير على النظر الفسيح، وعلى العود بالجزئيات إلى الكليات، وعلى المقابلة والتبيّن، وكل ذلك يفضي إلى الخصال المبتغاة من التربية الفكرية بواسطة هذا العلم الذي قال فيه ابن خلدون مشيرا إلى هذه الآثار التي يحدثها في الفكر:»أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلّها قدرا، وأكثرها فائدة«[62].

ويلحق بعلم أصول الفقه علم الخلافيات والجدل. أما الخلافيات فهو العلم الذي ينظر فيما وقع من الخلاف بين الأيمة المجتهدين في تقرير الأحكام، ليقع تفحّص كل رأي فيما استند إليه من دليل ومناقشته في ذلك الاستناد والمقارنة بينه وبين الرأي المخالف له في مستنده، والمقارنة بين هذا وذاك للانتهاء إلى تصويب هذا أو تخطئة ذاك. وأما الجدل فهو العلم الذي يضبط أصول المناظرة بين المتناظرين، ويضع لها القواعد التي تجري عليها لتكون موضوعية، وليكون الاستدلال فيها جاريا على ما يوصل إلى الحقّ. وكل من الخلافيات والجدل يربي العقل على التأمّل والمقارنة والنقد، وينمي فيه القدرة على الاستدلال، ويكسبه ملكة التمييز بين الصواب والخطإ، ففيهما تربية فكرية كبيرة الفائدة في النظر الشرعي خصوصا وفي القدرة على التفكير عموما[63].

ومن العلوم الشرعية المنهجية المفيدة في التربية الفكرية علم القواعد الفقهية، فهو علم يعمد إلى الجزئيات والتفاصيل الكثيرة في أحكام الشرع ليستنتج منها القواعد الكلية التي تجمعها كلها، ثم يكون لتلك القواعد تطبيقات في المستجد من تفاصيل الأحداث، ومن شأن هذا العلم أن يكون فيه مران للعقل على النظر الكلي الذي يجرد المبادئ والقوانين من الجزئيات والتفاصيل، ثم الذي ينزّل القانون الكلي على تفاصيل الأحداث، وفي كل ذلك تربية فكرية تكسب الفكر ملكة في النظر الشرعي ترشّد الاجتهاد وتهدي بأكبر قدر ممكن إلى الصواب.

ومن تلك العلوم المنهجية علم مقاصد الشريعة، وهو العلم الذي يضبط مقاصد الشريعة من أحكامها، ويرشد إلى الكيفيات التي تستخرج بها الأحكام لتكون محققة لمقاصدها التي هي الغاية منها، وبالإضافة إلى ما في هذا العلم من فائدة عظيمة في ترشيد الأحكام فإن فيه فائدة كبيرة في تربية الفكر على النظر إلى المآلات وعلى إقامة الموازنات وعلى الأخذ بالأولويات، وتلك تربية لا تقتصر فائدتها على النظر الشرعي وإنما تتعدى فائدتها إلى مجمل النظر العقلي بصفة عامة. ومثل ذلك يمكن أن يقال في علوم منهجية شرعية أخرى مثل علم الفقه المقارن، وعلم مقارنة الأديان وما هو في حكمها مما له تعلق بالمنهجية في النظر والبحث، فهي كلها صالحة بقدر كبير لتقوم بدور تربوي فكري على الصفات التي شرحناها سالفا، فينبغي أن يكون لها حضور بيّن في المناهج العلمية التي يقوم عليها النظام التربوي المبتغى.

ب ـ التربية الفكرية بالمنهج الحواري

المقصود بالمنهج الحواري أن تكون العملية التعليمية قائمة في تبليغ المعلومات إلى المتعلمين على التداول بين المعلم والمتعلم، بحيث بكون للمتعلم دور في التلقي بالاستفسار أو بالاستنتاج أو بإبداء الرأي أو بالمعارضة أو بالتعقيب أو بأي طريقة تكون له بها مشاركة إيجابية في تعلم ما لم يكن يعلم، فتتنزل المعلومة في عقله وهو طرف فاعل في انتقالها من مصدرها إليه، ومسهم بجهد في انتقالها إليه واستقرارها في ذهنه.

ويقابل هذا المنهج الحواري المنهج التلقيني الذي يكون فيه المتعلم مكتفيا بدور القبول لما يلقى إليه من المعلومات، ويكون المعلم هو الفاعل الوحيد في انتقال المعلومة منه إلى المتعلم، فتنتفي في هذه الحالة المشاركة بين الطرفين في نقل المعرفة من مصدرها إلى مستقرها في أذهان المتعلمين، لتكون العملية التعليمية متجهة في اتجاه واحد هو الاتجاه من المعلم الناقل إلى المتعلم القابل لما ينقل إليه.

وهذا المنهج الحواري هو المنهج التربوي الذي دعا إليه القرآن الكريم تأصيلا، والذي عرض منه نماذج كثيرة تطبيقا كما تمثل في المشاهد الحوارية الكثيرة التي كان الهدف منها تبليغ علم بحقيقة دينية، أو إقناعا بها، أو ردا لشبهة تتعلق بها، سواء كان ذلك متعلقا بتعليم داخلي بين أطراف من المؤمنين، أو بتعليم غير المؤمنين لإقناعهم بحقائق الإيمان، والأمثلة لهذه المشاهد الحوارية التعليمية في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى لكثرتها.

وقد جرت السنة النبوية على هذا المنهج الحواري في التعليم، فقد كان الرسول الكريم يعلم أصحابه في أغلب الأحوال بأسلوب الحوار، أسئلة تلقى إليهم ويطلب منهم الجواب عليها، أو استنهاضا لأذهانهم كي تقبل على ما يقول بتيقّظ وتحفّز، أو طلبا لإبداء رأي في مسألة من المسائل تعرض فيها مقالاتهم ثم يقرهم على الوجه الذي يكون هو الحق فيها، أو بغير ذلك من الأساليب النبوية الكثيرة التي تلتقي عند جعل المتعلم طرفا في التعلم يسهم في تحصيل الحقيقة عند تداولها بين النبي المعلم وأصحابه المتعلمين[64].

وقد كان هذا المنهج الحواري في التعليم الذي أرشد إليه القرآن الكريم والسنة النبوية هو المنهج الذي جرت عليه التربية الإسلامية في عمومها، حتى ليمكن القول إن هذه التربية التعليمية هي تربية قائمة على منهجية الحوار، فقد نقلت إلينا مدونات التراث أن مدارسة العلم كانت عبر العصور حوارا بين الشيوخ وتلاميذهم، ولذلك أثر بيّن في المؤلفات في مختلف العلوم الإسلامية، حيث تشيع فيها المقاولة على صيغة: فإن قلت …  قلنا …، كما مرت الإشارة إليه.

 ومن طريف ما هو معبر أشدّ تعبير على هذا الأمر ما نقل عن إمام جامع الزيتونة محمد بن عرفة الورغمي ( ت 803 هـ) من أنه كان إثر دروسه بالجامع يعود إلى بيته بكتب يقضي قسطا من ليله في قراءتها، فاشتكت زوجته من ذلك حاثّة إياه على أن يأخذ حقه من النوم فأجابها قائلا: كيف أنام وأنا سأصبح بين أسدين الأبي بعقله والبسيلي بنقله، مشيرا إلى تلميذين من تلاميذه فيما يدل على أن العملية التعليمية التي يقوم بها كانت تقوم على الحوار بينه وبين تلاميذه.

ولم يكن هذا المنهج الحواري الذي أرشد إليه الدين مبنيا على تلقائية غير معلومة الأصل والمنتهى، بل هو مبني على حكمة بليغة في سببه وفي مآله يمكن بالتأمّل تبيّنها لتكون أصلا يُبنى عليها هذا المنهج ليكون منهجا مشروعا في التعليم، يُردّ إليه النظام التربوي التعليمي كلما ظهر فيه خلل أو بدا عنه حياد، كما هو الحال عند انحدار الحضارة الإسلامية وانحدار النظام التربوي معها، وكما هو حال الكثير إن لم نقل الأكثر من النظم التربوية المعتمدة اليوم في البلاد العربية، وخاصة منها ما يتعلق بالتعليم الديني، توهما لكون هذا التعليم مهمته أن يلقن المتعلم فيه معارف الدين دون تساؤل أو نقاش أو إبداء رأي، وهو ما أدى فيما نقدر إلى ضعف شديد في الفكر عموما وفي الفكر الشرعي خصوصا.

أما الحكمة في أصل هذا المنهج الحواري فهي أن الله تعالى خلق الإنسان وفي فطرته زاد من المبادئ المعرفية الكلية، بل في فطرته زاد من بعض الحقائق كما هي حقيقة التوحيد التي أشارت إليه آية العهد في قوله تعالى:﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾(الأعراف/172)، وكما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم:« كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» [65].

 إن هذه الفطرة التي خلق عليها الإنسان تجعل من العملية التعليمية عملية تفاعل بين المعلم والمتعلم، حيث يعمد المعلم إلى تحريك ما في العقول  بحسب فطرتها من قوة بل من علم لتبنى عليها وبواسطتها كل المعارف التي يتلقاها المتعلم، وذلك فيما يشبه عملية توليد لما في النفوس من استعدادات لتكون هي المشاركة في القبول لا مجرد صفحة يُسجّل عليها ما يرد من خارجها، فعلى هذه المعاني بُني ذلك الحوار النبوي المنتهج في التعليم، وغير بعيد منه ما قيل من قِبل بعض فلاسفة اليونان من أن العلم تذكر والجهل نسيان، وما بنى عليه سقراط فلسفته التعليمية القائمة على توليد المعارف من المتعلمين لا إسقاطها عليهم من خارجهم.

وأما الحكمة في منتهى هذا المنهج فهي التي من أجلها أدرجناه ضمن هذا المقام،  وهي المتعلقة بالأثر التربوي للمنهجية الحوارية في التعليم، فلهذه المنهجية آثار تربوية بالغة الأهمية، وهي آثار متعددة الجوانب، يتعلق بعضها بالبناء النفسي لشخصية المتعلم، ويتعلق بعضها الآخر بالبناء العلمي المعرفي، ومن أهمّ تلك الآثار ما يتعلق بالبناء الفكري، وهو موضوع حديثنا في هذا المقام.

إن للحوار أهمية بالغة في البناء الفكري للمتعلمين؛ ذلك لأن الحوار من شأنه أن يربي العقل على التيقظ الدائم، ويمرّنه على النقد بامتحان الأفكار المقابلة، ويكسبه القدرة على الاستدلال لنصرة الرأي، وذلك بالإضافة إلى توفير الفرص للتحرر من الموجهات الخارجية، والانطلاق للتعامل مع ما تقتضيه المعطيات الذاتية  في موضوع الحوار، وكل ذلك ينتهي إلى أن يكتسب العقل في مسيرة التفكير ملكات من الخصال التي أشرنا إليها سابقا يكون بها قادرا على المضي في البحث عن الحقيقة بما يبلغه إلى درجة الريادة والابتكار، وذلك بدل أن يبقى في حال التلقين مقتصرا على الحفظ لما يُلقى إليه، والتقليد لما يُلقنه من قِبل المعلمين لما عهده وتربى عليه من الانتظار لما يُعطى من المعلومات دون تحفّز للمشاركة، ولا سعي للتحصيل من خلال الحوار.

والشاهد الدالّ على ذلك أنّ التربية الإسلامية لما كانت تربية حوارية في عمومها على عهد الازدهار الحضاري، فإنها أنتجت عقولا كان لها في الفكر العلمي عامة وفي الفكر الشرعي خاصة مقام الريادة والابتكار كما تمثل في تلك العلوم الاختراعية التي أنتجتها، فلما انتهى الأمر التربوي إلى التلقين والحفظ والترديد توقّف الفكر الإسلامي أو كاد عن الريادة، وانتهى إلى التقليد، وسقط في العطالة عن الإنتاج، وهو ما كان محلّ شكاة لابن خلدون حينما أرّخ للفكر التربوي من حيث هذا الجانب، فقال ناصحا بالعودة إلى منهجية الحوار والمناظرة:« وأيسر طرق هذه الملكة [ ملكة الحذق في العلوم ] فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرّب شأنها ويحصل مرامها»[66]، فالمحاورة على رأي ابن خلدون هي التي تكوّن العقل على ملكة الحذق في العلوم، وليس المقصود بذلك إلا تلك الصفات الفكرية التي تمكن العقل من تجاوز المعهود لريادة المجهول واكتشاف الحقيقة فيه.

وليست المنهجية الحوارية بمقتصرة على علم معين من العلوم التي يقع تدريسها للمتعلمين، وإنما هي منهج عام في كل العلوم على اختلافها، بحيث تقدّم تلك العلوم للمتعلمين بمنهجية حوارية ذات قواعد وأسس وضوابط تعصم من الفوضى، وتحدد مقادير ما يكون من التبليغ ليبنى عليه ما يكون بالحوار، فإذا هو تكوين مستمرّ للعقول المتعلمة من أجل أن تكتسب الصفات التي عبّر عنها ابن خلدون بالملكة، والتي تكون بها قادرة على المضي في الاكتشاف باستقلال عن المعلمين، فهذا ما ينبغي أن يعود إليه أمر النظام التربوي المنشود استرجاعا للمنهج التربوي الأصيل، واستفادة من النظام التربوي الحديث الذي له هو أيضا شأن في هذه المنهجية الحوارية المنشودة.

ج ـ التربية الفكرية بالتعلم الذاتي

المقصود بالتعليم الذاتي أن يكون المتعلم مشاركا في تحصيل العلم بسعي يبذله في ذلك واعتمادا على نفسه دون أن يكتفي بالتلقي المباشر من قِبل المعلم، فيصبح إذن هو معلم نفسه بما يبذل من جهد في البحث عن المعلومة المقررة عليه في علم من العلوم، أو المكملة لتكوينه العلمي العام، فيكون المتعلم بهذا النمط متلقيا من معلمه من جهة ومنفتحا على مجال المعرفة بذاته من جهة أخرى، فهو حلقة بين دائرتين في العملية التعليمية، يلتفت في إحداها إلى المعلومة ليأخذها من معلمه، ويلتفت في الأخرى إلى المعلومة ليأخذها بذاته من مظانها.

 ويقابل هذا التعليم الذاتي أن يكون المتعلم معتمدا في التحصيل العلمي بصفة كلية على المعلم، فهو الذي يبحث له عن المعلومات ويزوده بها عن طريق البلاغ التربوي، فتكون العملية التعليمية إذن منحصرة في دائرة واحدة هي البلاغ من قِبل المعلم والتلقي من قِبل المتعلم دون أن يكون لهذا المتعلم انفتاح ذاتي على مجال المعرفة في دائرة أخرى غير دائرة المعلم والمتعلم.

وبحسب ما أعلم فإن التراث التربوي الإسلامي ليس فيه اهتمام مقدر بهذا التعلم الذاتي، بل لعل هذا النمط من التعلم كان مذموما في هذا التراث، والقيمة كل القيمة في عملية التعلم أعطيت لأخذ العلم من أفواه الشيوخ المعلمين، فالعلم الحاصل بهذه الطريقة هو العلم الموثوق به، أما العلم الحاصل بالتعلم الذاتي فلا ثقة فيه، ولذلك شاعت عبارات تلخص هذا المنحى كقولهم: لا بدّ من شيخ يريك شخوصها، وقولهم: لا تأخذ القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي، أي ذلك الذي حصل علمه من المصادر المكتوبة، وقد لا يغير من هذه الصورة ما كان يسعى فيه طلاب العلم من مراجعات في الكتب وتنقيبا على المسائل مثل ما كان يفعله تلاميذ ابن عرفة في القصة الآنفة الذكر تحضيرا لما سيلقى في الدرس من قِبل الشيخ، فهو مندرج ضمن التعلم بطريق البلاغ المباشر من المعلم.

ولعل هذه الثغرة التعليمية ناشئة من ذلك الدور الكبير الذي أعطي للجانب التربوي في العملية التعليمية، فالتعليم في النظام التربوي التراثي إنما هو تربية بالدرجة الأولى، وهو ما يشير إليه تسمية المعلم في المراحل الأولى بالمؤدب بما يحمله هذا اللفظ من حمولة تربوية، وحينما يكون التعليم مقصودا به التربية بالدرجة الأولى فإنه لا يكون محققا لهدفه إلا عن طريق المعلم الذي يقوم بدور المربي أولا ثم بدور المعلم ثانيا، ولا يبقى في هذه الحالة من قيمة تذكر لتعلم ذاتي لا تتم فيه عملية تربوية يقوم بها الشيخ المربي.

ولكن التربية الحديثة أولت اهتماما بالغا بالتعلم الذاتي، وجعلته جزءا من برامج التعليم، حيث يكلّف المتعلم منذ مراحله الأولى بأن يكون له سعي ذاتي لتحصيل المعرفة، ويتطور ذلك بتطور درجات التعليم، وهو المتمثل في تكليف الطلاب بإجراء بحوث ودراسات في مسائل محددة ، والقيام باستبيانات ميدانية، وإنجاز مشاريع علمية، حتى تنتهي بما أصبح يعرف ببحث التخرج، وهو الذي يشهد للطالب بأنه أصبح قادرا على الاعتماد على نفسه في التحصيل، وقادرا على أن يدخل ميدان الحياة العامة بما حصل من علم وبما هو مهيّأ لتحصيله بنفسه.

وإذا كانت منهجية التعليم الذاتي بشروطها وضوابطها تنشأ منها فوائد تربوية كثيرة تتعلق ببناء الشخصية والثقة في النفس وحبّ البحث والدربة عليه فإنّ الفائدة التربوية الأهم التي تنشأ عنها فيما نقدر هي التربية الفكرية؛ ذلك لأن هذه المنهجية تجعل المتعلم يقتحم مظانّ المعرفة بنفسه، فيكون فكره متحررا من القيود الضاغطة عليه تلقاء التعليم اللصيق المستديم، فينشأ شيئا فشيئا على التعامل المباشر مع المادّة العلمية التي يتعامل معها دون الإلزام الخارجي من قِبل المعلم لتتكون لديه صفة الحرية الفكرية في البحث، وهي الصفة الهامة التي تعتبر مفتاح الفكر المبتغى تأسيسه في المتعلمين.

وحينما يقتحم المتعلم مجال البحث الذاتي فسيجد نفسه يتعامل مع كمّ من المعلومات قد يكون بين مفرداتها تعارض أو تناقض أو تفاوت في القوة والضعف، وحينئذ سيكون مضطرا لأن يقابل بينها، وأن يحاكمها إلى بعضها، وأن يمحصها بالنقد لينتهي فيها إلى رأي جامع أو مرجّح، وبالدربة المتواصلة على هذا النهج تحت إشراف المربين يمرُن العقل في مسيرة التفكير على صفة من المقارنة النقدية بدل أن ينشأ قانعا بما يُلقى إليه من قِبل المعلم على أنه هو الحق الذي ينبغي الاقتصار عليه  فتتمكّن فيه صفة الأحادية في النظر والخطية في المنهج.

ومنهجية التعلم الذاتي تجعل المتعلم شغوفا بالبحث عن الحقيقة، متطلعا دوما إلى اكتشاف ما لم يكن يعلم، وهو ما يدفعه إلى ارتياد المجالات البكر من مجالات المعرفة ليأتي فيها بجديد غير معهود، فتتكون لديه إذن صفة من الفكر الرائد المبتكر الذي يتطلع إلى الآفاق الرحبة ولا يبقى حبيسا فيما هو معهود، وهذا الفكر هو الذي يهدف المشروع التربوي المبتغى إلى تأسيسه ليتكون الجيل الإسلامي الرائد الذي يتحمل مسؤولية النهضة، تلك التي لا تتمّ إلا بالعقول الرائدة المبتكرة، وأما العقول التي تكون سجينة المعهود نتيجة التربية التي تقتصر على التلقي فإنها لا تقدر على القيام بهذه المهمة.

ويجدر أن ننبّه إلى أنّ عملية التعلم الذاتي لا تتمّ بصفة عشوائية تتحكم فيها التلقائية والارتجالية، وإنما تكون جزءا مبرمجا من العملية التعليمية العامة، تخضع لقواعد وضوابط، وتتم عبر توجيهات تربوية ومراقبة مستمرة وإشراف جاد من قِبل القيمين على التربية، كما أنها تكون متطورة تصاعديا بتطور أعمار المتعلمين وتقدم درجاتهم في التعلم، فيتوسع حجمها بقدر تقدم المتعلمين في الدرجات التعليمية، وبقدر نموهم في الملكات العلمية، وربما أخذت هذه العملية في أطوارها الأولى طابع التمرين على التعلم، ثم انتهت في أطوارها المتقدمة إلى أن يكون المتعلم مسؤولا على نفسه بصفة أساسية على التحصيل العلمي في قسم من المقررات العلمية المطالب بها، ولا يكون للمعلم من دور في ذلك القسم سوى التوجيه العام والمراقبة غير المباشرة.

وعلى هذا الأساس فينبغي فيما نقدر أن يخصّص في المنهاج التربوي بصفة مقصودة ومدروسة قسم من المعلومات في كل المواد أو في بعضها يكون المتعلم مطالبا بأن يحصله بنفسه وفق توجيهات مرسومة، ويكون مسؤولا عنه في التقييم الاختباري، ويكون هذا القسم متناسبا مع الأعمار والدرجات العلمية، ولكنه متطور بحسب تلك الأعمار والدرجات، متنام بتقدمها، حتى إذا ما انتهت مراحل التعليم كان المتعلم قادرا بنفسه على البحث المبدع. وقد كان بعض أساتذتنا في الجامعة يرفعون لنا شعار هو « أنّ الامتحان في المقرر لا في المقروء» وهو شعار موفق في دلالته على التعلم الذاتي، غير أنه كان في الغالب يقال اعتذارا عن التقصير في استكمال المقرر بالتدريس، ولم يكن معبرا عن منهج في التعليم الذاتي يتم وفق ضوابط وقواعد وتوجيهات ومتابعة، فإذا ما أصبح ذلك الشعار مواطئا لهذه المقتضيات فإننا نكون بإزاء منهج في التعليم الذاتي يربي الفكر تربية تؤدي به إلى الريادة والابتكار، وذلك هو المبتغى من التربية الفكرية التي نريد.

بهذه الطرق المنهجية إدراجا للعلوم المنهجية عقلية ونقلية، وانبناء على الحوار والمناظرة، واعتمادا للتعلم الذاتي، وربما بطرق أخرى تضاف إليها يمكن تربية الفكر التربية التي تصوغه على تلك الخصال التي شرحناها سابقا، تحررا في النظر، وسعة في الأفق، وكلّية في التقدير، ومقارنة نقدية في الحكم، فيكون إذن الفكر المبتغى من المشروع التربوي، إحياء للفكر الإسلامي الأصيل الذي أثبتت التجربة نجاعته في البناء الحضاري، واستفادة من مكتسبات التربية الحديثة في هذا الشأن بما يعزز التربية الأصيلة ويخدم أغراضها.

خلاصة

إنّ البناء الحضاري يقوم على دعامتين أساسيتين: فكرة تتضمن رؤية للوجود والكون والإنسان والحياة، وفكر يشتقّ من تلك الفكرة مشاريع للحياة نظرية وعملية، ويعمل على تنزيلها في الواقع لتتجه المسيرة نحو البناء والتعمير في الأرض، وبقدر ما تكون الفكرة موصولة بالحقّ، وبقدر ما يكون الفكر متصفا بالرشد، تكون مسيرة البناء الحضاري ناهضة نامية، وعلى العكس من ذلك يكون التدني في سلّم الحضارة كلما كانت الفكرة قائمة على الباطل، وكلما كان الفكر كليلا خليا من صفات الرشد.

وقد جاء الإسلام بمشروع للبناء الحضاري على أساس من خلافة الإنسان في الأرض، وجعل ذلك المشروع يقوم على “فكرة” هي العقيدة التي تشرح حقيقة الوجود وحقيقة الكون والإنسان والحياة، وكلّف الإنسان ببناء مشروعه الحضاري بمرجعية تلك العقيدة وتوجيهها، كما أنه جاء يوجه إلى المنهج الرشيد في التفكير ليتمكن الإنسان به من إصابة الحقّ فيما يفكّر فيه من كتاب الله المسطور وكتابه المنظور، وليقيم حياته في مسيرة البناء على ذلك الحقّ فيحقق الخلافة على وجهها الصحيح.

غير أنّ الفكرة عموما ومتمثلة في العقيدة الإسلامية خصوصا، وكذلك المنهج الفكري لا يكون لهما تحقّق في واقع الناس بمجرّد العرض والبيان مهما بُنيا عليه من حقّ؛ ولذلك الضرورة داعية إلى أن يؤخذ الناس عليهما بالتربية المصنوعة ليتحمّلوا العقيدة إيمانا صحيحا فترى لها شهودا في واقع الحياة، وليتكيّف الفكر بمنهج رشيد يسدّد المسير في ذلك الشهود. وقد جاء في القرآن الكريم الشريف إرشاد إلى أصول تلك التربية، وجاءت في الحديث الشريف نماذج تطبيقية لها، فتكون من هذا وذاك رؤية واضحة المعالم لنظرية تربوية متكاملة.

ولما كان الإسلام في مرحلة الدفع الأولى تشرّب المسلمون بالتربية القرآنية والنبوية الإيمان القويم بالمعتقد الإسلامي، كما تشرّبوا منهجا في التفكير على درجة عالية من الرشد، وبهذا وذاك انطلقوا في الأرض ينجزون أمانة الخلافة فيها، وهو ما تمثّل فيما بنوا من حضارة مشهودة ترقّت بالإنسان فردا ومجتمعا، واستثمرت الطبيعة علما وانتفاعا، وبلّغوا تلك الحضارة إلى العالمين.

 ولما ارتخت بعوادي الزمن عرى تلك التربية الإيمانية والفكرية قصُر التحمّل المختلّ  للعقيدة، كما قصر المنهج الفكري المنحرف عن أن يحقّقا للمسلمين شروط البناء، فكانت العطالة الحضارية وما زالت مستمرّة. واستئناف هذا البناء الحضاري يستلزم أول ما يستلزم إعادة البناء التربوي في وجهيه الإيماني والفكري، تأصيلا في مرجعية القرآن الكريم والحديث الشريف، واستلهاما من التجربة التاريخية الثرية، واستفادة من الكسب الإنساني الحديث في هذا الشأن.

يقوم البناء التربوي الإيماني الجديد على تصحيح لمفهوم الإيمان حتى يعود إلى نصابه كما جاء في الوحي، شاملا التصديق الجازم بحقائق الغيب، ولكنه شامل أيضا التصديق الجازم بحقائق التكاليف العملية في مباشرة الحياة، ليكون الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر ملازما للإيمان بالتعمير في الأرض، علما بحقائق الدين وحقائق الكون، وترقية للإنسان فردا ومجتمعا بالتكريم والتحرير والأمن والتعارف والتكافل والتراحم والسلم، وانطلاقا في الطبيعة بالاستثمار الذي ينفع الإنسان ولكنه لا يخلّ بتوازنها، لينتهي هذا الإيمان بالمسلم إلى شعور واع بأنّ إيمانه الذي هو معقد النجاة كما يختلّ إذا ما شابته شائبة في تصديقه بالله وكتبه ورسله، فإنه يختلّ أيضا إذا شابته شائبة في تصديقه بالتعمير، أو أصاب اندفاعه السلوكي فيه واقعا بعض التقصير.

ولا يكون هذا التصحيح لمفهوم الإيمان إلا بتربية مقصودة تقوّي العقل على التصديق الجازم بمفردات الإيمان في شمولها، استنهاضا للفطرة المنطقية المستكنة فيه، واستنهاضا للفطرة النفعية التي خلق عليها الإنسان، فإذا ما تحقق الإدراك الجازم بأنّ المعتقد حقّ في ذاته، وأن فيه نفعا في الدنيا والآخرة، تكيّفت النفس به، وصار للإنسان حالا بعدما كان عارية. كما تقوّي تلك التربية الإرادة على الفعل، بما تستحثّ في الكيان الإنساني جميع مكوّناته النفسية لتجيش بالنزوع العازم إلى تنفيذ ما وقع التصديق به إيمانا، فإذا المسلم فردا ومجتمعا بهذه التربية يطابق فعله السلوكي إيمانه التصديقي في مشهد الحياة، فيكون الانخراط مجددا في دورة البناء الحضاري المنشود.

ويقوم البناء التربوي الفكري على تصحيح لمسار العقل في النظر المعرفي من أجل الوصول إلى الحقيقة النظرية والعملية، وذلك بأن تتجه التربية إلى إكساب العقل صفات فكرية في مسيرته المعرفية تقوم على التحرّر من الموجهات الخارجية والداخلية التي تسوق إلى خلاف ما يقتضيه المنطق و طبيعة المعطيات الموضوعية، وعلى كلية في النظر تردّ الجزئيات إلى الكليات، وعلى سعة في مجال البحث لا يستثني من مظانّ الحقيقة شيئا، وعلى واقعية في المنطلق المعرفي تجعل من مشهد الطبيعة ومن مشهد الحياة الإنسانية مناطا يصدر العقل منه في التقصّي لتمثّل حقيقته في ذاته وحقيقته في أسبابه، ثم يعود إليه للفعل فيه، وعلى مقارنة نقدية يكون بها التبيّن لما يعرض على العقل من الأنظار، فيميز الغثّ من السمين والخطأ من الصواب، ويبني على أساس ذلك رؤاه على أساس من الحقّ بأكبر قدر ممكن. إنّ هذه الخصال الفكرية من شأنها لما يتحقّق بها العقل أن تجعل منه آلة استكشاف ترتاد المجهول، وتصل إلى الحقيقة فتبتكر منها الحلول، وتقيم البناء على أساس متين.

غير أنّ هذه التربية الفكرية الهادفة إلى تأسيس هذه الخصال لا تتمّ إلا بمنهج مرسوم يتلاءم في طبيعته مع طبيعة تلك الخصال، فتتولّد منه، وليس غيابها الآن إلا لغيابه، ولا يكون لها تحقق إلا بتحققه. ولعلّ من أهمّ عناصر ذلك المنهج أن يكون المنهاج التربوي التعليمي متضمنا بصفة أساسية لجملة من العلوم التي من طبيعتها أن تشكّل العقل على ملكات من تلك الخصال، إذ هي علوم من شأنها أن تقوم بحسب بنائها على تمرين العقل على التفكير بدرجة عالية، غير مكتفية بما تقدّم من مفردات علمية، وسواء كانت تلك العلوم المنهجية علوما عقلية عامة أو علوما شرعية ولكنها ذات منحى عقلي، فإنها يمكن أن تقوم بذلك الدور التربوي الفكري. ومنها أن تكون التربية التعليمية  قائمة على الحوار بين المعلم والمتعلم حوارا تمرّن فيه العقول على النظر والاستكشاف والمقارنة والنقد. ومنها أن تكون تلك التربية منتهجة منهج التعليم الذاتي الذي يقتحم فيه المتعلم مجال المعرفة بذاته ليمضي بالتدرج نحو أن يتحرر من الموجهات الخارجية، وليكون شغوفا بالمغامرة البحثية التي هي مفتاح   الابتكار، فمن جملة هذه الطرق ومن غيرها يحصل للعقل في مسيرة تفكيره مران على النظر الصحيح، وعلى الاستكشاف والريادة. 

وحينما تتربى الناشئة المسلمة على إيمان يتظاهر فيه التصديق بغيبيات المعتقد مع التصديق بواجبات العمل، وتندفع فيه الإرادة بعزم على تنفيذ مقتضيات ذلك الإيمان في بعديه المتلازمين في مشهد الحياة، ترقية للإنسان واستثمارا للكون، وحينما تتربى هذه الناشئة على فكر مستبصر قوامه الحرية في النظر، والشمولية في البحث، والكلية في الفهم، والواقعية في المنطلق، والمقارنة النقدية في التبيّن، فإنّ تلك الناشئة تكون مع عوامل أخرى مهيّأة فيما نقدّر لأن تنخرط في الاستئناف الحضاري، وذلك هو الأمل المنشود الذي تتطلّع إليه الأمة منذ زمن، ولكنها ظلت تراوح مكانها وتعوقها التربية الصحيحة عن الانطلاق.    

ثبت المراجع

ـ ابن الأثير ( أبو السعادات المبارك بن محمد ت 606 هـ )

1 ـ جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، ط2 دار الفكر، بيروت 1983

ـ أحمد حسن فرحات

2 ـ الخلافة في الأرض، ط دار الأرقم، الكويت 1986

ـ إقبال محمد

3 ـ تجديد التفكير الديني، ترجمة عباس محمود، ط2 لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1968

ـ الإيجي ( عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد، ت 756 هـ)

4 ـ المواقف،ط بولاق القاهرة 1913

ـ الترابي ( حسن عبد الله )

5 ـ الإيمان، أثره في الحياة، ط 2 دار القلم، الكويت 1979

6 ـ الدين والفن، ط الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة 1987

ـ الجرجاني ( السيد الشريف علي بن محمد ت 816 هـ)

7 ـ التعريفات، ط مكتبة لبنان ، مصورة عن طبعة فلوجل، بيروت 1985

8 ـ شرح المواقف، ط بولاق، لقاهرة 1913

ـ الجويني ( أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله، ت 478 هـ)

9 ـ كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ط مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت 1985

ـ ابن حجر ( أحمد بن علي العسقلاني، ت 852 هـ)

10 ـ فتح الباري، ط دار الفكر، بيروت 1991

ـ ابن خلدون ( أبو زيد عبد الرحمن بن محمد ت 808 هـ)

11 ـ المقدمة، ط دار الجيل، بيروت 2005

ـ رؤوف شلبي

12 ـ منهج القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإسلامية، ط2 المكتبة العصرية، بيروت د.ت

ـ الرازي ( فخر الدين محمد بن عمر،ت ت 606هـ)

13 ـ التفسير الكبير،ط2 دار الكتب العلمية، طهران د.ت

14 ـ المحصل، ط مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة د.ت

ـ الراغب الأصبهاني ( أبو الحسين القاسم بن محمد بن المفضل، ت 502 هـ)

15 ـ تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، تحقيق عبد المجيد النجار، ط دار الغرب الإسلامي، بيروت 1988

ـ الزرنوجي ( برهان الدين ت ؟)

16 ـ تعليم المتعلم في طريق التعلم،ط دار ابن كثير، بيروت 1985

ـ ابن سينا ( أبو علي الحسين بن عبد الله ، ت 428 هـ)

17 ـ الإشارات والتنبيهات، ط الحلبي، القاهرة 1947

ـ الشاطبي ( أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، ت 790 هـ)

18 ـ الموافقات، تحقيق عبد الله دراز، ط دار المعرفة، بيروت د.ت

ـ ابن عاشور محمد الطاهر ت 1973 م

19 ـ أليس الصبح بقريب، ط2 دار سحنون ودار السلام، القاهرة 2007

20 ـ التحرير والتنوير، ط الدار التونسية للنشر، تونس 1984

21 ـ مقاصد الشريعة الإسلامية، ط المركز المغاربي للترجمة، لندن 2004

ـ ابن عاشور محمد الفاضل ت 1970م

22 ـ روح الحضارة الإسلامية، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أمريكا 1992

ـ الطبري ( أبو جعفر محمد بن جرير ت 310هـ)

23 ـ تفسير جامع البيان، ط دار الفكر، بيروت 1970

ـ العلواني طه جابر

24 ـ المسلمون والبديل الحضاري، ط الوقف الإسلامي بأمريكا، 1988

ـ الغزالي ( أبو حامد محمد بن محمد ت 505 هـ)

25 ـ إحياء علوم الدين،ط دار القلم، بيروت د.ت

26 ـ المستصفى، ط بولاق 1322هـ

ـ القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، ت 415هـ

27 ـ المغني في أبواب التوحيد والعدل، ط الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة 1966

ـ اللقاني ( عبد السلام بن إبراهيم ت 1078هـ )

28 ـ شرح جوهرة التوحيد، ط مطبعة السعادة، مصر 1955

ـ الماتريدي ( أبو منصور محمد بن محمد ت 333 هـ)

29 ـ كتاب التوحيد، تحقيق فتح الله خليف، ط دار الشروق، بيروت 1970

ـ مجموعة من المؤلفين

30 ـ الله يتجلى في عصر العلم، ط مؤسسة الحلبي، القاهرة 1968

ـ محمد رشاد سالم

31 ـ المدخل إلى الثقافة الإسلامية، ط 9 دار القلم، الكويت 1987

ـ محمد محيي الدين عبد الحميد

32 ـ النظام الفريد بتحقيق جوهرة التوحيد، ط مطبعة السعادة، القاهرة 1955

ـ النجار عبد المجيد

33 ـ دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا 1992

34 ـ الشهود الحضاري للأمة الإسلامية، ط دار الغرب الإسلامي، بيروت 1999

35 ـ في المنهج التطبيقي للشريعة الإسلامية،ط جامعة الإمارات، الإمارات 1991

36 ـ مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، ط دار الغرب الإسلامي، بيروت 1992

37 ـ مبدأ الإنسان، ط دار الزيتونة، الرباط 1996

38 ـ مراجعات في الفكر الإسلامي، ط دار الغرب الإسلامي، بيروت 2009

40 ـ المعتزلة بين الفكر والعمل ( بالاشتراك)، ط الشركة التونسية للتوزيع، تونس 1986

ـ يوسف كرم

41 ـ تاريخ الفلسفة الحديثة، ط 1969 دار المعارف بمصر

[1] الإيمان والعقيدة لفظان يتناوبان على مدلول واحد، فالإيمان في الأصل هو التصديق بجملة من الحقائق التي جاء الدين يطلب التصديق بها، غير أنه قد يطلق على جملة تلك الحقائق نفسها، باعتبار علاقة التلازم بينهما، وتلك الجملة من الحقائق هي التي يطلق عليها اسم العقيدة لانعقاد العقل عليها، والفعل الذي تحصل به العقيدة تصديقا هو الاعتقاد، وهو مقابل للإيمان، غير أنه قد يطلق أيضا على المعتقدات نفسها للتلازم بينهما، فهي إذن مصطلحات متقاربة في الإطلاق على المدلول الواحد وهو في عمومه تحمّل الإنسان تحمّلا تصديقيا لجملة من الحقائق التي جاء الدين يكلّف بالتصديق بها؛ ولذلك فإننا سنستعملها في هذا البحث على اعتبار أنها ينوب بعضها عن بعض في المدلول.

[2] راجع نشوء البحث في هذه المسائل في كتابنا: مباحث في منهجية الفكر الإسلامي: 102 وما بعدها

[3] الإيجي – المواقف: 1 / 14

[4] راجع كتابنا – مباحث في منهجية الفكر الإسلامي- 102 وما بعدها.

[5] انفرد فيما نعلم الراغب الأصبهاني بتأليف مفرد جامع في الإنسان هو كتابه ” تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين” ولما رأينا فيه من أهمية قمنا بتحقيقه. وقد كان لنا اهتمام بهذا الموضوع منذ زمن ضمن اضطلاعنا بتدريس علم العقيدة، وفي إطار ذلك بدأنا مشروعا بحثيا تحت عنوان ” الإنسان في العقيدة الإسلامية” تيسّر إصدار جزأين منه، وندعو الله أن ييسّر لنا إصدار الأجزاء الثلاثة الباقية.

[6] راجع: يوسف كرم ـ تاريخ الفلسفة الحديثة: 455 وما بعدها

[7] القاضي عبد الجبار: المغني ـ 11/134، وراجع أيضا: الماتريدي ـ التوحيد: 96 وما بعدها.

[8] راجع في ذلك كتابنا: مبدأ الإنسان ضمن سلسلة ” الإنسان في العقيدة الإسلامية

[9] الرازي ـ التفسير الكبير: 21/15، وراجع فيه أيضا: 21/17 آراء العلماء في المفاضلة بين الإنسان والملائكة، وانتهاء أكثرهم إلى شرفية الإنسان عليهم.

[10] أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام

[11] استفاض كثيرون في وصف علية التكوين الإنساني من وجوه متعددة. راجع في ذلك على سبيل المثال: الجاحظ ـ الدلائل والاعتبار، والغزالي ـ الحكمة في مخلوقات الله، والرازي ـ التفسير الكبير: 21/13، وابن عاشور ـ التحرير والتنوير: 30/424

[12] الرازي ـ التفسير الكبير: 29 / 141

[13] راجع : الرازي ـ التفسير الكبير: 12 / 222

[14] أخرجه البخاري ـ كتاب فضائل المدينة / باب حرم المدينة

[15] أخرجه البخاري ـ كتاب العلم / باب حرم المدينة

[16] راجع شرح ذلك في: ابن حجر ـ فتح الباري: 1 / 179

[17] الراغب الأصبهاني ـ تفصيل النّشأتين: 76 ـ 78

[18] ابن عاشور ـ التحرير والتنوير: 1/399

[19] الشاطبي ـ الموافقات: 2/332

[20] ذهب بعض المفسرين والفقهاء وعلى رأسهم الإمام ابن تيمية إلى إنكار أن تكون الخلافة خلافة آدم عن الله تنزيها له عن الحاجة إلى الاستخلاف، إذ يحمل الاستخلاف معنى النيابة، وهي تتضمّن الحاجة التي يتنزّه الله عنها. راجع عرض هذه الآراء ومناقشتها في: أحمد حسن فرحات ـ الخلافة في الأرض: 12 وما بعدها.

[21] راجع في التكليف بالخلافة في الأرض كتابنا: الشهود الحضاري للأمة الإسلامية: 1 ( فقه التحضر الإسلامي)/49 وما بعدها

[22] راجع في ذلك كتابنا ( بالاشتراك ) ـ المعتزلة بين الفكر والعمل: 18 وما بعدها

[23] أخرجه مسلم، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان

[24] أخرجه مسلم، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة

[25] أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، باب تسمية على الوضوء

[26] أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، باب كتاب البيوع

[27] راجع مختلف الآراء في هذا الموضوع في: اللقاني ـ شرح جوهرة التوحيد:35، ومحمد محيي الدين عبد الحميد ـ النظام الفريد:36

[28] ابن خلدون ـ المقدمة:393

[29] نفس المصدر: 394

[30] راجع: محمد رشاد سالم ـ المدخل إلى الثقافة الإسلامية:126

[31] الغزالي – إحياء علوم الدين: 1/11

[32] نفس المصدر: 1/10

[33] راجع كتابنا: في المنهج التطبيقي للشريعة الإسلامية: 42 )

[34] راجع: حسن الترابي – الدين والفن )، وكذلك: الإيمان أثره في حياة الإنسان: 266

[35] قال ﷺ: « اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع«رواه الترمذي في الدعوات، وراجع فيه: ابن الأثير – جامع الأصول: 4/355

[36] رواه البخاري في المغازي، باب غزوة أحد، وراجع، ابن الأثير – جامع الأصول: 8/246

[37] حسن الترابي – الإيمان أثره في الحياة الإنسانية: 18

[38] ابن عاشور محمد الفاضل ـ روح الحضارة الإسلامية: 76

[39] راجع الآراء المختلفة في هذه المسألة في محمد محي الدين عبد الحميد – النظام الفريد بتحقيق جوهرة التوحيد: 36

[40] راجع كتاب: الله يتجلى في عصر العلم، الذي يشتمل على مقالات عديدة لكبار من علماء الكون، يعرضون فيه تجاربهم في الإيمان من خلال ممارستهم لحقائق العلوم في اختصاصاتهم المختلفة.

[41] راجع نماذج من ذلك في: طه جابر العلواني – المسلمون والبديل الحضاري

[42] عرض بعض علماء العقيدة لما يشبه هذا المسلك في سياق الاستدلال على النبوة المحمدية، وذلك فيما عرف بدليل نجاح الدعوة المحمدية أو دليل الظهور. راجع: الإيجي والجرجاني – المواقف وشرحه: 2/428

[43] راجع في هذا المعنى، رؤوف شلبي – منهج القرآن الكريم في إثبات العقيدة الإسلامية: 85 وما بعدها

[44] ابن منظور ـ لسان العرب: مادّة: فكر

[45] الجرجاني ـ التعريفات: 176 . ، وراجع أيضا: ابن سينا ـ الإشارات والتنبيهات (تحقيق: سليمان دنيا، ط الحلبي، القاهرة 1947 ): 1/23، والرازي ـ المحصل: 68 ، وراجع كتابنا: دور حرّية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين: 27 وما بعدها .

[46] وذلك على سبيل المثال هو ما يفرق بين العقل الذي ربّي على الأسطورة والخرافة ، والعقل الذي رُبّي على المنطقية السببية، أو على الواقعية التجريبية فيما ينتهي إليه كلّ منهما من إصابة للحقيقة أو خطإ فيها.

[47] راجع: الجويني ـالإرشاد: 36

[48] راجع في ذلك: محمد إقبال ـ تجديد التفكير الديني في الإسلام: 146 وما بعدها.

[49] ابن عاشور ـ أليس الصبح بقريب: 113

[50] الطبري ـ جامع البيان:4/313.

[51] الرازي ـ التفسير الكبير: 7/176.

[52] قالوا: لا نحكّم الرجال في دين الله، لأنه ‹( الأنعام/57) ولم ينظروا نظرة شاملة إلى التحكيم في معانيه المختلفة كما جاءت بها نصوص الوحي، وكما وردت في المواقف النبوية، فانتهوا إلى ما انتهوا إليه من موقف اختلّت به وحدة الأمّة ونبتت به الفتنة، وقد ناظرهم ابن عبّاس في ذلك بفكر كلّي جمع بين كلّ الأدلّة في ذات المسألة فرجع منهم نفر إلى الصواب وتمادى الكثيرون على الخطإ بسبب النظر الجزئي.

[53] ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة:135

[54] زرنا في إحدى المناسبات كلّية من كلّيات الشريعة في دولة إسلامية، فلاحظنا أنّ منهجها الدراسي لا يشتمل على مادّة تدرس فيها المذاهب والفلسفات المخالفة، فلمّا تساءلنا عن ذلك أُجبنا من طرف المسؤولين بأنّ الطلبة يقع تعليمهم الإسلام بشمولية وعمق، حتى إذا ما تخرّجوا كان لهم ذلك مقياسا عرفوا به أنّ كلّ ما هو مخالف لما تعلّموه هو باطل يجب أن يستبعد ويرفض، وهكذا تفضي هذه التربية الفكرية إلى خطّيّة رافضة للغير، فتكون سببا من أسباب الخلل في الفكر وفي وحدة الأمّة.

[55] من أمثلة ذلك ما وقع إثر غزوة حنين لمّا تألّف صلّى الله عليه وسلّم نفرا من قريش بشيء من الفيء ولم يعط الأنصار فوجد بعض منهم من ذلك وقالوا فيه كلاما بلغ النبيّ ﷺ، فناداهم يشرح لهم الأسباب ويحاورهم فيما فعل، فكانوا لا يجيبون بحججهم تهيّبا له، فقال لهم يدفعهم إلى الحوار: « ما منعكم أن تجيبوا رسول الله؟ .. لو شئتم قلتم فلصدقتم ولصُدّقتم: أتيتنا مكذَّبا فصدّقناك، وعائلا فآسيناك ..«، وما زال بهم يحاورهم في الأمر ويدفعهم إلى الحوار حتى انتهى الجميع إلى وفاق. راجع: صحيح البخاري: حديث رقم: 4075

[56] ذلك ما كان توجيها قرآنيا كما في قوله تعالى:‹(آل عمران/64) وقوله تعالى: ‹ ( النحل/125).

[57] راجع هذه الصفات الفكرية وآثارها في بحثنا ـ دور التربية الفكرية في الوحدة المذهبية للأمة : 7

[58] ابن خلدون ـ المقدمة: 417

[59] راجع الغزالي ـ المستصفى: 1/10

[60] ابن خلدون ـ المقدمة: 412

[61] نفس المصدر ـ المقدمة: 438

[62] نفس المصدر ـ المقدمة:387

[63] راجع نفس المصدر: 390

[64] ومن أمثلة ذلك ما جاء في الحديث النبوي من أن النبي ﷺ قال لأصحابه:” إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المؤمن، حدثوني ما هي؟ ما هي قال ‏ ‏عبد الله ‏ ‏ فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة فقال النبي ‏ﷺ ‏هي النخلة فاستحييت أن أقول قال ‏ ‏عبد الله ‏ ‏فحدثت ‏ ‏عمر ‏ ‏بالذي وقع في نفسي فقال لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا” أخرجه الترمذي في الأمثال عن رسول الله

[65] أخرجه البخاري، باب ما قيل في أولاد المشركين

[66] ابن خلدون ـ المقدمة: 370

زر الذهاب إلى الأعلى