أبحاث المشروع

التربية اليابانية المركبة

التربية اليابانية المركَّبة

دينامية الجهد الجماعي والإبداع الفردي في بناء الشخصية المتعلِّمة

بحث مقدم لصالح مشروع إحياء نظام تربوي أصيل

إعداد

ناصر يوسف

أنجز في:

09 محرم 1431 هـ / 26 ديسمبر 2009م

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمشروع

ومسجلة رسميـًا ومحمية بموجب القانون

أولاً-توطئة

هل يمكن لقاطع أشجار أن يصبح غداً صانع سفن؟ هل يمكن لحاصد أرز أن يصبح غداً صانع مدافع؟ هذا ما فعلته اليابان؛ ولكن وفق حساب زمني دقيق، وفي ظل منظومة تربوية مركَّبة من الجهد والمعرفة. إن التربية التي يستفيد منها الفرد لها علاقة بالتنمية التي تستفيد منها الجماعة. فالتربية في اليابان تستجيب لحاجات التنمية، والشخصية اليابانية لا تتعلَّم إلا لتعمل. إن طبيعة التنمية في اليابان قد فرضت إدخال عامل الجهد في التربية؛ لأنه إذا كانت التربية تأتي عن طريق التحصيل العلمي والمعرفة؛ فإن تنمية هذا التحصيل وتحويله إلى إبداع يكون عبْر الجهد. وإذا كانت التربية تتحسن بالإبداع الفردي؛ فإن التنمية تزيد بالجهد الجماعي. ولهذا جاءت التربية اليابانية مركَّبة من الجهد الجماعي والإبدع الفردي، فصارت التربية في خدمة التنمية، كما ارتبط الكم التربوي والنوعي بحصول التنمية أيضاً. لا شكَّ أن التعليم يزيد عندما تحقِّق البلاد إنجازات كبرى، فالتعليم في عهد الإمبراطور ميجي Meiji (1868م/1284هـ-1912م/1330هـ) ظل بطيئاً؛ ولكن ازداد بسرعة سنة 1894م/1311هـ، عندما انتصرت اليابان على الصين عسكرياً، وازداد أكثر سنة 1905م/1322هـ، إثر انتصارها على روسيا، لا سيما وأن إنجازات التكنولوجيا الحربية كانت تحتل مراتب القمَّة وقتذاك. والشيء نفسه حدث بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ ارتفع عدد الملتحقين بالثانوية العليا في الستينيات من القرن الماضي، وقد تزامنت هذه الزيادة مع مرحلة إعادة البناء وبداية النهضة اليابانية الثانية. إن تاريخ اليابان التربوي زاخر بالجهود الجماعية التي صممت تكنولوجيا عن طريق التركيب بين التربية والتنمية، وبين التحصيل المعرفي والجهد الإبداعي. لهذا فإن تاريخ التربية في اليابان لا يخرج عن إطار خدمة الدولة والسوق. ومن هنا تتأتَّى أيضاً الطبيعة المركَّبة للتربية اليابانية.  

ثانياً-إشكالية البحث

يعالج هذا البحث مسألة التربية اليابانية المركَّبة من النسق العملي الماثل في الجهد الجماعي، والنسق العلمي الماثل في الإبداع الفردي. وهي تربيية مهنية وإبداعية في آن؛ حيث يهدف هذا التركيب التربوي إلى تطوير المعرفة الإنسانية العالمية وتحويلها بوساطة الجهد إلى إبداع محلِّي قد يتحوَّل بدوره إلى إبداع عالمي، كما تجلَّى لنا ذلك في تفاصيل الصورة الانتقالية المبدعة في التجربة اليابانية الحديثة. مثل هذا التركيب الخلاَّق أسهم في بناء الإنسان، وتفصيل النخب، وصناعة المستقبل في اليابان؛ كما أسهم في تكوين منظومة تربوية مجتهدة ومبدعة يتوقف عليها مستقبل اليابان التكنولوجي؛ لأن التكنولوجيا جهد جماعي وإبداع فردي. وهنا تكمن إشكالية البحث: كيف يتحقَّق الإبداع، وهل يمكن للإبداع أن يتحقَّق من غير جهد؟ هذا سؤال مبدع لم تجتهد المشروعات الفاشلة في الإجابة عنه؛ لأنها فكَّرت في الإجابة عنه عبْر كل الطرق الفاشلة؛ إلاَّ طريق الجهد الذي ظلَّ نسياً منسياً.

ومن أهم الأسئلة التي سنناقشها، ما يأتي:

1-ما المقصود بالتربية المركَّبة؟

2-ما الهدف من التربية اليابانية المركَّبة؟

3-كيف تمهِّد التربية اليابانية المركَّبة طريقاً لتكثيف الجهد الجماعي وتراكم الإبداع الفردي؟

4-كيف للتربية اليابانية المركَّبة في بعديها المهني والإبداعي أن تعين على إنجاح المشروعات التربوية الواعدة؟

5-ما مقترحات التربية اليابانية المركَّبة لتطوير مشروع تربوي أصيل؟

ثالثاً-الفكرة المحورية للبحث

تدور الفكرة المحورية للبحث حول الإجابة عن الأسئلة الآتية:

1-كيف نتعامل مع نظام تربوي أصيل لا يزال في طور الإحياء، بينما نحن نعالج قضايا تربوية تجاوزت مقابر الإحياء منذ قرن، وتخطت معابر الإسداء؛ إذ أصبحت التجربة اليابانية قدوة لغيرها، مما أمكنها أن تسدي معروفاً تربوياً لمن هو إليه بحاجة؟

2-كيف يمكن للنموذج التربوي الأصيل أن يكون في مستوى هذا الإسداء التربوي؛ حيث نتمكن من رسم نقطة تقاطع بين الإسداء والإحياء، بين الفاعل الوافد والأصيل الصامد؛ حتى لا يشكِّل هذا الصمود الأصيل عائقاً أمام احتواء الفاعل الذي يسدي بوفادته معروفاً تربوياً للآخر؟

3-كيف يتحقق التفاعل بين الإحياء التربوي الأصيل، والإسداء الياباني الفاعل؛ مما يتيح للنظام التربوي الأصيل نفض غبار السبات والتبعية عن كاهله، ومن ثم الإسهام مع الآخر في تغيير الأحداث التربوية عبْر المشاركة الذكية والاستقلال المسؤول؟

4-ما هي النتائج المترتبة عن التراحم بين الإحياء التربوي الأصيل، والإسداء الياباني الفاعل؟ وهل من أملٍ في حصول هذا التواشج على المدى القريب والمتوسط؟ وما هي أفضل وسيلة منهجية لتحقيق الغاية التربوية؟

5-ما أهم الدروس التي بإمكاننا استخلاصها من نقطة التقاطع الإنساني الرحيمة بين الإحياء التربوي الأصيل، والإسداء الياباني الفاعل؟

6-ما هي معايير التركيب بين الأنموذج التربوي الياباني الدخيل، والنظام التربوي الأصيل؟ وما هي شروط نجاح هذا التركيب؟

7-ما هي الإمكانات لرسم مستقبل أفضل للمشروع؟

رابعاً-محاور البحث

خطة البحث

1-توطئة

2-إشكالية البحث

3- الفكرة المحورية للبحث

4-محاور البحث

5-مفاهيم ومطلحات البحث

6-الحاجة للبحث

7-علاقة البحث بالمشروع

8-منهجية البحث

المبحث الأول: حول التربية المركَّبة

أولاً-تحديد مفهوم التربية المركَّبة: مدخل تأصيلي

1-تحصيل المعرفة وأهميتها

2-قيمة الجهد والاعتماد على الذات

3-التركيب بين المعرفة والجهد بحثاً عن الإبداع

4-الإبداع طريقاً لبناء أمة مركَّبة

5-تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية الفردية

6-التعليم مدى الحياة

ثانياً-في السياق الثقافي والتاريخي للتربية اليابانية المركَّبة: نماذج تطبيقية    

1-نموذج تحصيل المعرفة

2-نموذج الجهد والاعتماد على الذات

3-نموذج الإبداع والابتكار

4-نموذج بناء أمة

5- نموذج تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية الفردية

6- نموذج التعليم مدى الحياة

ثالثاً-طبيعة الشخصية اليابانية: نزعتا الفردية والجماعية

المبحث الثاني: واقع التربية المركَّبة في اليابان الحديثة والقديمة

أولاً-الأديان والتربية في اليابان

1-توظيف التعاليم البوذية في التربية والتعليم

2-توظيف القوانين الكونفوشية في التربية والتعليم

أ-القيم الأخلاقية

ب-شروط التعلًّم وأساليب التدريس وخطوات المنهج

3-أسلوب فوكوزاوا يوكيتشي في التعلُّم والتعليم

ثانياً-فضيلة التربية المركَّبة ودورها في تحديث اليابان

ثالثاً-خصائص التربية اليابانية المركَّبة في اليابان القديمة والحديثة

رابعاً-مقترح لتنمية الشخصية المتعلِّمة الأصيلة في ضوء التربية اليابانية المركَّبة بهدف تحسين مردودها المهني والإبداعي

المبحث الثالث: واقع التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة

أولاً-فلسفة وأهداف وغايات التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة

ثانياً-استراتيجية التعليم في اليابان

ثالثاً-مراحل التعليم في اليابان

1-مرحلة الروضة

2-المرحلة الابتدائية

3-المرحلة الاعدادية

4-مرحلة الثانوية العليا

5-المرحلة الجامعية

رابعاً-المناهج التربوية في اليابان

خامساً-ميزات التربية المركَّبة في اليابان

1-أصالة النظام التربوي

2-جودة الخطاب التربوي

3-سلطة اللغة والوعي بأهمية اللغات الأخرى المبدعة والمبتكرة

4-التكامل بين المركزية واللامركزية

5-النسق الثلاثي: المعلم والتلميذ والأسرة

6-التربية الأخلاقية وتنمية القيم

7-التنسيق بين الجهد الجماعي والإبداع الفردي

8-الإبداع والابتكار بالاعتماد على الذات

سادساً-نظام التقويم والامتحانات في اليابان

سابعاً-الإدارة التعليمة وأساليب الإشراف في اليابان

ثامناً-تمويل التعليم في اليابان

تاسعاً-التجديد التربوي في اليابان

عاشراً-خصائص التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة

حادي عاشر-مقترح لتأصيل المنهج وغايات التربية في ضوء التربية اليابانية المركَّبة

المبحث الرابع: المعلم في اليابان وطريقة تدريسه وإعداده وتدريبه

أولاً-مكانة المعلم في النظام التربوي الياباني

ثانياً-علاقة المعلم بالمحيط الخارجي: تبادل الاحترام

1-احترام التلاميذ للمعلم

2-احترام الأسرة للمعلم

3-احترام المجتمع للمعلم

4-احترام الدولة للمعلم

ثالثاً-مسؤولية المعلم الياباني

رابعاً-طريقة المعلم الياباني في التدريس

خامساً-التربية المهنية للمعلم: كيفية إعداد المعلم قبل الخدمة بوصفه شخصية متعلِّمة

سادساً-التربية الإبداعية للمعلم: تدريب المعلم في أثناء الخدمة بوصفه شخصية متعلِّمة

سابعاً-الجامعات اليابانية المتخصِّصة في إعداد المعلمين وتصميم قيادات تربوية

ثامناً-الجامعات اليابانية المتخصِّصة في تكوين قيادات مهنية وإبداعية

تاسعاً-سمات المعلم الياباني

عاشراً-مقترح لتأصيل المعلم في ضوء التربية اليابانية المركَّبة

المبحث الخامس: الدروس المستفادة لمشروع إحياء نظام تربوي أصيل

أولاً-النتائج المستخلصة من التربية اليابانية المركَّبة

ثانياً- الدروس المستفادة من التربية اليابانية المركَّبة.

ثالثاً-المعايير التربوية الأصيلة لتقويم الدروس المستفادة من التربية اليابانية المركَّبة.

رابعاً-شروط نجاح النظام التربوي الأصيل المنشود في ضوء المعايير التربوية الأصيلة.

خامساً-أبعاد التطبيق وإمكاناته المستقبلية.

خامساً-مصطلحات ومفاهيم البحث أساسية

أهم المصطلحات ما يأتي:

1-التربية المركَّبة: وهي التربية التي تتركَّب من النسق العملي (=الجهد)، والنسق العلمي (=الإبداع)؛ حيث يكون الجهد مسؤولاً عن تحوُّل المعرفة الإنسانية إلى إبداع محلِّي، وتحوُّل الإبداع المحلِّي إلى معرفة إنسانية وعالمية.

2-الدينامية: البحث عن أثر القوة في الجسم المتحرِّك، وهي عبارة عن حراك من السكون إلى الفعل، والمقدرة على الإبداع من داخل المتناقضات.

3-الجهد: هو العمل الإضافي المنتج.

4-الإبداع: هو الذي يقود إلى الجديد في الأفكار، والتغيير في الأشخاص، ورؤية الأشياء على حقيقتها.

5-بناء شخصية متعلمة: تكوين شخصية قادرة على التعلم وتنمية قدراتها من أجل  بناء  نفسها ومجتمعها.

سادساً-الحاجة للبحث

لا يخفى على كل من أوتي حظاً من المعرفة أن اليابان انطلقت تربوياً وحلَّقت اقتصادياً وارتقت تكنولوجياً؛ بل اتفق المختلفون حول سر تفوق اليابان على أن التعليم يشكِّل البنية التحتية لهذا النجاح، وما عداه لا يعدو كونه تحصيل حاصل. فمهة التعليم في اليابان مهمة مهنية وإبداعية، منشغلة بصناعة الإنسان والنخب والمستقبل؛ حيث هذه الصناعة هي حالة إبداعية تتطلب استصحاب قليل من المعرفة وكثير من الجهد؛ لأن القليل في الكثير كثير بتعبير ابن خلدون. فالأنموذج الياباني مركَّب إبداعي من المعرفة القليلة والجهد الكثير، من الأصالة الأفقية والفاعلية العمودية. فما يعنينا في إحياء نظام تربوي أصيل ليس معارف اليابان فهذه بضاعتها رُدَّت إليها، وهي غير قابلة للإنتاج والإعادة؛ ولكن ما يعنينا هو كيف نستثمر الجهد الياباني، وهذه بضاعة إنسانية مشتركة قابلة للتوزيع والإفادة. إن أهم ما نراه في حاجتنا لهذا البحث، هو كيف نتعلَّم من اليابان طريقة الإبداع المركَّب، وكيف نبدع أصالتنا الموجودة فينا بفاعلية اليابان المفقودة لدينا؟ فالإبداع المركَّب هو ما جمع بين الموجود الذي سيتحوَّل إلى ماضٍ، والمفقود الذي يؤسس للمستقبل. فلا شكَّ أن إبداع الأصيل الموجود يكون باستحضار الفاعل المفقود، وعليه فإن البحث عن المفقود في كيفية إحياء نظام تربوي أصيل، هو ما يدفعنا إلى الإفادة من الموجود في الأنموذج الياباني الذي أفلح بجهده المتضافر في إحياء أصالته؛ لأن الجهد بوصفه حالة جماعية مبدعة وفاعلة، أمكنه أن يحوِّل الفعل المعرفي الدخيل إلى عمل فكري أصيل. أَوَ ليست اليابان قد فعلت ذلك؟ أَوَ ليست حاجتنا أن نسير في الأرض فننظر ماذا قدَّم الناجحون وأنجز المجتهدون.

سابعاً-علاقة البحث بالمشروع

التجربة اليابانية من النماذج العريقة التي غفل الشرق الإسلامي عن الاستئناس بها؛ ولعل ماليزيا هي الدولة الوحيدة في الشرق الإسلامي التي فطنت إلى أن التعليم هو الذي صنع نهضة اليابان الحديثة، فبعثت خيرة أبنائها إلى اليابان للتعلم والإفادة؛ حيث تحققت لها نهضة اقتصادية بعد عقد من التواصل المستمر مع إنجازات اليابان؛ أما عن التعليم بخاصة فقد استلهمت جامعة ملايا University of Malaya طرق التدريس وإعداد المدرِّس وتدريبه وتمويل الأبحاث من جامعات اليابان، فحلَّت جامعة ملايا سنة 2004م/1424هـ، ضمن أفضل 100 جامعة في العالم برتبة 89، مزاحمة بذلك أعرق الجامعات اليابانية، وهي مرتبة ذهبية عجزت عنها الجامعات الماليزية الأخرى، بله جامعات الشرق الإسلامي. لا شكَّ أن أصالة التعليم الياباني هي وراء نجاح التعليم في جامعة ملايا. وما يهم في علاقة البحث بالمشروع، هو نقطة التقاطع الأصيل بين المشروع، والأنموذج الياباني في التربية، ونقصد بالأصيل -ونحن نستحضر التجربة اليابانية- كل ما سلك طريق الإبداع. فجامعة ملايا على سبيل المثال مبدعة ومبتكرة، فهي تتربَّع على عرش البحوث على مستوى الجامعات الماليزية، ولها براءات اختراع مسجلة عالمياً. فالأصالة نفهمها على أنها تراكم إبداعي محلي، قد يتحوَّل بفضل الجهد إلى إبداع إنساني وعالمي. ما يشغلنا في التجربة اليابانية في بعدها التربوي، هو الإبداع الياباني المتواصل الذي كان وليد الجهد المتضافر. ما يعنينا أيضاً، من هذا البحث هو كيف يتحقَّق لنا علماء نابغون ومبدعون في شتى حقول المعرفة. وهذه حقيقة قد لا نلفيها بهذه السرعة إلاَّ في اليابان؛ لأن اليابان تجاوزت علوم المتقدمين عليها بقرون وسنوات، عن طريق الجهد لا غير.

ثامناً-منهجية البحث

 يتَّخذ هذا البحث من المنهج التحليلي الاستكشافي هدفاً لتحليل التربية المركَّبة في اليابان، في ظل دينامية الجهد والإبداع، واستكشاف ما حقَّقته من إنجازات. وهو منهج دينامي حضاري، يركِّز على حركية الإنسان الياباني المتغيِّرة والمستمرة. إلى جانب ذلك، نضطرُّ إلى الاستعانة بالمنهج المقارن؛ حتى نضفي على عملية الاستفادة بُعداً مركَّباً؛ هذا لأن رؤيتنا مركَّبة هي الأخرى، وتنظر إلى التربية اليابانية في كل أبعادها وسياقاتها.

1-لمنهج الوصفي التحليلي الاستكشافي: تفرض طبيعة هذا المنهج اقتفاء أثر التربية المركَّبة في اليابان، ويكون ذلك بوصف هذه التربية، والتبيُّن من فلسفتها وقيمها، وتحليل أبعادها الحضارية المركَّبة، واستكشاف شروط إقلاعها.

2-المنهج المقارن: نتَّخذ من هذا المنهج وسيلة لمعرفة مزايا التربية المركَّبة في اليابان والإفادة منها، من خلال مقارنتها بمزايا مشروع نظام تربوي أصيل. وذلك بهدف استثمار عناصر النجاح في التربية اليابانية المركَّبة، ورسم معالم في الطريق، من داخل الرؤية الكلية للمشروع.

إلى جانب ذلك يعتمد هذا البحث على المصادر الثانوية، مثل: الكتب التي تناولت التربية المركَّبة في اليابان بخاصة، والتربية بعامة، أو التي تطرَّقت إلى مفهوم دينامية الجماعية والفردية. كما نعتمد على الأبحاث والمجلاَّت، والحوارات وذلك بالقيام بجملة من الحوارات مع خبراء تربويين آسيويين، إن سنحت الفرصة بذلك.

تاسعاً-الدراسات السابقة

لم أقف على بحوث تناولت موضوعات مباشرة في التربية المركَّبة؛ ولكن سأجتهد جهدي للجمع بين الهوية الفردية والجماعية في المؤسسات التربوية اليابانية، ومعرفة طرق تكاملهما، وإسهامهما في بناء الشخصية اليابانية المتعلمة، وعليه فأني أصنِّف في هذا المنحى الدراسات السابقة إلى صنفين من الكتابات العلمية التي تربطها وشائج نصية بهذا البحث. وهي ما تعلق بالتربية اليابانية على المستوى النظري إنْ في المنظور الياباني الخاص وإنْ في المنظور التربوي العام؛ أما الصنف الثاني فيتعلق بالشخصية والتربية المهنية والإبداعية.

1-التربية اليابانية

أ-تناقش نانسي ساتوNancy Sato في دراستها : “داخل قاعات الدراسة اليابانية: قلب التعليم.”[1] النظام التعليمي، وترى أن جوانب الحياة الاجتماعية جزء لا يتجزَّأ من هذا النظام التربوي، فهناك علاقة وطيدة بين المدرسة والمجتمع الياباني، وأهمية هذه العلاقة توفر رؤية جديدة تنضاف إلى الثقافة اليابانية. وتحلل ساتو أوضاع المرحلة الابتدائية في اليابان، وتقدم وجهة نظر حول إصلاح التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية. عموماً يلقي البحث الضوء على أهمية المجتمع والتعاون والإصلاح في العملية التربوية. وهي دراسة ستفيدنا في بحثنا هذا.

ب-يقدِّم يوري إشيئي   Yuri Ishiiفي دراسته: “تنمية التربية في اليابان.”[2] تحليلاً فريداً فيما يتعلق بالمناهج والسياسات الصغرى في المدارس اليابانية، ويكشف عن علاقة التربية اليابانية بالسياقات الاجتماعية والسياسية، وقد أتت هذه الدراسة غنية بتحليلاتها التربوية، نتيجة المقابلات المستفيضة مع معلمي المدارس الثانوية. كما تعرض الدراسة حلولاً تستهدف تطوير نظام المدارس اليابانية، وتأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بإمكانها إنجاح عملية تطوير المنظومة التربوية اليابانية.

ج-يناقش ريكو تسنيوشي Ryoko Tsuneyoshi في دراسته: “النموذج الياباني في التعليم.”[3] النهج التربوي الياباني الذي يشدِّد على الأطفال، كما يناقش العلاقة الوثيقة بين هيئة التدريس اليابانية. وفي ذلك يسلط الضوء على أوجه التشابه والاختلاف بين النهج التربوي الأمريكي والنهج التربوي الياباني، ثم يحاول تسنيوشي الإجابة عن سؤال صعب، وهو ما الذي ينقصنا لتعليم الأطفال في القرن الواحد والعشرين. لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال ستغني بحثنا.

د-يستعرض شوكو يونياما Shoko Yoneyama في دراسته: “المدرسة الثانوية اليابانية: الصمت والمقاومة.”[4] أحوال النظام التربوي الياباني، وتصف المدرسة اليابانية من الداخل، وتتساءل كيف تنامى الانتحار في أوساط التلاميذ، وكيف تفشَّت ظاهرة الانقطاع عن الدراسة، في ظل النموذج التربوي الياباني المشهود له بالكفاية والانضباط والمعايير العالية. وعلى الرغم من أن الباحث يبدي قلقه وخوفه تجاه مستقبل التربية في اليابان؛ إلا أنه يبدو متفائلا وهو يستعرض الحلول للقضاء على هذه المخاوف والقلاقل؛ إذ سيستفيد منها بحثنا في القسم الذي يتعلق ببناء مشروع نظام تربوي أصيل.

ه-يناقش بنجامين دوك Benjamin Duke في دراسته: “المدرسة اليابانية: دروس للصناعة الأمريكية.”[5] مسألة الميزة التنافسية الصناعية التي تبدأ مع العملية التعليمية الناجحة. ويرى الباحث أن التربية في اليابان قد أسهمت بفاعلية في التنمية الاقتصادية، وذلك من خلال تعزيز وتنشيط النظام التربوي الياباني، ولهذا يحث أمريكا على الإفادة من التربية اليابانية. تطرح هذه الدراسة الجهدَ بوصفه قيمة إنسانية تضفي على الأعمال نجاحاً مستديماً، وعليه فإن هذه الدراسة ستعزِّز وجهة نظرنا.

و-يستعرض إدوارد ر. بوشامب في دراسته: “التربية في اليابان المعاصرة.”[6] تجربة فريدة من نوعها في مجال التربية. ويرى أن التربية كان لها شأن عظيم في تحريك الطاقة البشرية الهائلة الكامنة في أعماق الشعب الياباني؛ حيث كان لتعاليم كونفوشيوس -في تقدير إدوارد- تأثير كبير في اليابانيين في مجال التربية، وأن الطبقة الحاكمة في اليابان متأثرة بهذا الجانب المعنوي ذي الأثر الذي لا يمكن إغفاله؛ إذ تأخذ التربية الرسمية شكلاً جاداً. وبعد أن يستعرض إدوارد جذور التربية اليابانية الحديثة، وتحويل مسار التربية الياباني بعد الحرب العالمية الثانية، وهيكل التعليم الياباني، وأهمية الامتحانات في تحديد مسار المتعلِّمين؛ بعد كل هذا ينتهي إدوارد إلى نتيجة مفادها: أن ليس هناك شيء أكثر أهمية وأدعى إلى الاعتراف، من أنه خلف نجاح المجتمع الياباني نظامه التربوي. ولعل هذه الدراسة التوصيفية التي يقتصر على النواحي التربوية، قد تساعدنا على رسم موجز مختصر حول ما توصَّلت إليه نتائج التربية في اليابان المعاصرة.

2-الشخصية والتربية الإبداعية والمهنية

أ-يرى إدغار موران في دراسته: “تربية المستقبل: المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل.”[7] أن من التحديات الكبرى التي تعترض طريق الفكر المعاصر تحدي “التركيب”. فللخروج من المأزق التربوي الذي يأخذ بخناق الفكر التربوي، يتطلَّب استبعاد الحلول المختزَلة ذات البعد الواحد. فالتركيب في أبعاده المختلفة غاية للوصول إلى تربية مركَّبة، التي هي نفسها تربية المستقبل. ويرى موران أن التربية هي “قوَّة المستقبل”؛ لأنها واحدة من الأدوات الأكثر قوة لتحقيق التغيير. وقد عرض موران سبعة مبادئ أساسية بوصفها مفاتيح ضرورية لتربية المستقبل، وهي: أ) أنواع العمي المعرفي: الخطأ والوهم، فالتربية الصحيحة هي التي تظل على علم بماهية المعرفة الإنسانية وآلياتها وحدودها وصعوباتها ونزوعها الطبيعي إلى الخطأ والوهم؛ ب) مبادئ المعرفة الملائمة: بحيث يتم تمثُّل المشاكل الشمولية والجوهرية في أفق دمج المعارف الجزئية والمحلية داخلها؛ ج) تعليم الشرط الإنساني: إذ يتم في عملية التربية استحضار الوحدة المركَّبة للطبيعة الإنسانية، فكل فرد ينبغي أن يعي الطابع المركَّب لهويته، ولهويته المشتركة مع الآخرين؛ د) تعليم الهوية الأرضية: فالكوكب البشري لم يكن أبداً كوكبياً مثلما هو عليه الآن، وهذا ما ينبغي أن يكون الحاضر الأكبر في التربية؛ ه) مواجهة اللايقينيات: فالقرن العشرين كشف عن عدد لا يحصى من اللايقينيات في العلوم الدقيقة والبيولوجيا وعلوم التاريخ، وعلى رجالات التربية المستقبلين أن يواجهوا لا يقين عصرنا؛ و) تعليم الفهم: فهو وسيلة للتواصل التربوي الإنساني وغايته؛ ز) أخلاق الجنس البشري: إذ على التربية أن تفضي إلى “أنثروبو-أخلاقية” من خلال الأخذ بعين الاعتبار الطابع الثلاثي الأبعاد للشرط الإنساني: الفرد-المجتمع-النوع، بحيث تفترض أخلاق الفرد المجتمع مراقبة متبادلة للمجتمع من قبل الفرد، وللفرد من قبل المجتمع. لا شكَّ أن هذه الدراسة العميقة في طروحاتها، تتناغم مع ما نذهب إليه في بحثنا، وهو ضرورة تفعيل دور الفكر المركَّب في التأسيس لتربية مركَّبة.

ب-يتطرَّق العربي اسليماني في دراسته: “التواصل التربوي: مدخل لجودة التربية والتعليم.”[8] ولا سيما في الفصل الأول، إلى التعاون التربوي وديناميات الجماعات، ومفهوم الدينامية، وقياس العلاقات الاجتماعية. فيناقش أهمية التعاون، ودينامية الجماعة، ومفهوم الجماعة، وتصنيف الجماعات، وقياس العلاقات الاجتماعية. كما يتطرَّق اسليماني بالشرح إلى شروط التواصل الفاعل، الذي يحقق مبدأ الانسجام، ومبدأ التبادل المستمر، ومبدأ الإدراك الشامل. لا شكَّ أن هذا البحث القيم يعالج مسائل تربوية تتعالق مع ما سوف نطرحه في التربية المركَّبة؛ إذ يرى اسليماني أن التواصل التربوي علاقة إنسانية وجدانية وعاطفية يتم من خلالها تبادل الإحساسات والاتجاهات والمواقف والقيم في شكل رسالة وتغذية راجعة. وعلى الرغم من هذا العطاء الفكري لهذه الدراسة؛ إلا أنها تقتصر على الجانب الجماعي، الذي يحقق غاية التواصل، ولا تولي اهتماماً أكبر للجانب الفردي.

ج-في مقال حول “تربية على التنمية المستديمة: الأساسات والإمكانات للمدرِّس والمعلِّم.”[9] ينطلق محمد بالراشدمن  المسلَّمة الآتية: إذا كانت التنمية المستديمة تنشد تلبية حاجات الأجيال الحالية، دون أن تلحق ضرراً بنصيب الأجيال القادمة من الثروات الطبيعية؛ فإنه من الضروري أن تنشأ الناشئة على ذلك باعتبارها الحلقة الوسطى بين الأجيال القادمة. وهكذا يرى بالراشد أنه بات للتربية دور في التأسيس لنمط حياتي يسمح فعلاً بالمواءمة ما بين حاجات الأجيال الحالية، والأجيال القادمة. وهو في بحثه هذا يبحث نظام البيداغوجيا الفكري، تعليماً واجتماعياً وبيئياً، وتالياً هو يبحث عن الممكنات عبر الأساليب. ما من شكٍّ في أن هذا المقال له علاقة ببحثنا؛ إذ التنمية المركَّبة هي نفسها التنمية المستديمة؛ ولكن ما سيضيفه بحثنا أن الأخذ بعاملي الجماعية والفردية يمنح للتربية المستديمة بُعداً أصيلاً يخدم التربية البيئية؛ لأن التربية المستديمة تتحقق في ظل استراتيجية الاعتماد على الذات في بعديها الجماعي والفردي.

د-يتساءل روبرت بوستروم Robert Boostrom في دراسته: “التأسيس للتفكير النقدي والإبداعي في الفصل الدراسي.”[10] كيف للمدرسة أن تفكِّر بإخلاص؟ وكيف يمكن أن نشجع التلاميذ ليكونوا متعلمين ونشطين، بدلاً من متلقين سلبين للمعرفة والمعلومات؟ ويدعو الباحث القارئ إلى التفكير في السبل التي يمكن بها ممارسة التدريس الذي يشجع على التفكير، وذلك عن طريق إشراك التلاميذ في تجربة التفكير عن طريق مناهج موحدة، وإعادة فحص الموضوعات المألوفة في المعرفة، والتي غالباً ما تعيق على التفكير، وكل هذا يتطلب التعاون الذكي بين المعلمين والتلاميذ. مثل هذه الدراسة المبدعة ستسهم في تعزيز دور الجهد في العملية الإبداعية، كما يذهب إلى ذلك بحثنا.

ه-يتعرَّض بوفلجة غياث في دراسته: “التربية من أجل الفعالية.”[11] إلى التربية بوصفها أداة لتعويد الأفراد على حب العمل والصرامة في إنجازه. ويرى أن التربية الناجحة هي التي تسهم في تخريج أفراد متمكِّنين في تخصصاتهم؛ إلا أنه يستدرك الأمر بقوله أن الجانب الإيجابي للتربية غير قادر على ترجمة ذلك إلى تطبيق؛ إذ يرى أن هناك نسبة من خريجي مؤسسات التعليم والتكوين، يتسمون بالسلبية وغياب المبادرات، والجمود، والخمول؛ مما يؤكد ذلك على وجود خلل في منظومة التربية، بفلسفتها وأهدافها ومناهجها وممارساتها. وعلى الرغم من أن الفصل الثالث من البحث يتطرَّق إلى دور التربية في بناء الشخصية الفعالة، من حيث تنمية القيم وأهميتها في تفعيل الدور الحضاري لأفراد المجتمع؛ فإن بحث غياث لا يولي أهمية للجانب الجماعي في التربية.

و-يناقش الجيلالي بن التوهامي مفتاح في بحثه: “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي.”[12] مسائل تربوي أثراها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة. ويستعرض الجيلالي فلسفة التربية عند ابن خلدون في الفصل الرابع من بحثه. فيناقش مسألة الإنسان الخليفة والمجتمع. ويرى أن ما تصبو إليه التربية من منظور خلدوني هو إنتاج إنسان خليفة مشروط بمواصفات ذات بعدين: البعد الفردي، والبعد الجماعي؛ أما في الفصل الخامس من البحث فيتطرق الجيلالي إلى مفهوم الاستخلاف وأثره في مناهج التعليم عند ابن خلدون، ويرى أن أهداف الأبعاد الخلقية لمناهج التعليم ثلاثة، هي: المسؤولية، والأمانة، والعدل. فهذه الأبعاد الخلقية تشكِّل جزءاً من المكوِّنات الشخصية للمتعلِّم. مثل هذا البحث الجاد سيثري بحثنا، لا سيما فيما يتعلَّق بدينامية الجماعية والفردية في بناء الشخصية المتعلِّمة، وينسجم مع ما تطرحه نظرية مشروع نظام تربوي أصيل، وما تصبو إليه من وشائج خلقية ووجدانية.

ز-يبسط جون ديوي في دراسته: “الفردية: قديماً وحديثاً.”[13] مفاهيم أساسية في الفردية، بعد أن يوجِّه النقد للذين يرون في الفردية الشرسة فخراً للحياة الأمريكية. وهو يرى أن الفردية ما زالت الراية التي نحملها، ونتخذها ذريعة لنداء حربي لجمع الصفوف. وكل ما يحتاجه أنصار الفردية الشرسة في الحاضر، هو أن يفهموا حقيقة، بأننا، سواء أكنا نسير نحو الأفضل أم نحو الأسوأ، نعيش في عصر تكتلي. وفي جانب آخر من البحث يتطرَّق ديوي إلى الفرد الضائع، ويرى أن الفردية الثابتة المتكاملة، هي ثمرة علاقات اجتماعية محددة، ووظائف معترف بها علانية. وفي فصل آخر من الدراسة يدعو إلى فردية جديدة؛ إذ يرى أن الفن الذي تحتاجه أزمنتنا الحاضرة لخلق طراز جديد من الفردية، هو ذلك الذي يتمكن عن طريق إدراكه بأن العلم والتكنولوجيا هما القوى المحركة في عصرنا، من تصور الثقافة الاجتماعية التوسعية التي يتحتم أن يخدمها. وينتهي ديوي إلى القول: أن مناعة الفردية تكمن في أنها أسلوب متميز في الحساسية والانتخاب والاختيار والاستجابة والانتفاع من الأوضاع. وعلى الرغم من أن ديوي يقوم بمقارنة بين الجماعية والفردية في إطار الرأسمالية والاشتراكية؛ فإن ما بسطه في دراسته من مفاهيم خصبة حول الفردية، سيساعد في إخصاب بحثنا حول الجماعية.

ح-يستعرض سيد عبد الحميد مرسي في دراسته: “الشخصية المنتجة.”[14] ملامح الشخصية وطريقة تنميتها؛ حتى تصبح منتجة، كما يستعرض الباحث آراء علماء الغرب حول تنمية الشخصية المنتجة. وبعد ذلك يعدِّد أنماط الشخصية في القرآن، ويرى أن الدين الإسلامي يحث على العمل، كما يناقش الباحث مسألة “الكفاية الإنتاجية” مستشهداً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويوضح المفاهيم النفسية المتضمنة في تنمية الشخصية المنتجة، مثل: مفهوم الإنسان المحقق لذاته، ومفهوم الشخصية السوية، ومفهوم السيطرة، والمفاهيم الخلقية للشخصية، ومفهوم الشخصية المنتجة، ومفهوم الذات، ومفهوم النفس الخلاقة، ومفهوم الإرادة، ومفهوم العلاقات الشخصية المتبادلة، ووجهة النظر المهنية للشخصية المنتجة؛ ولعل هذه الدراسة تتعالق مع ما ينشده بحثنا فيما يتعلق بالشخصية المتعلِّمة.

ط-يستعرض السيد محمد نوح في دراسته: “شخصية المسلم بين الفردية والجماعية”،[15] طرائق بناء الشخصية، ويرى أن أول لبنة في بناء الشخصية المنشودة، إنما هي المعرفة أو الفقه أو الفهم الدقيق الواعي لأبعادها، ومعالمها التي ينبغي أن تكون عليها، والمنهج الأمثل لتحقيق هذه الأبعاد وتلك المعالم. كما يناقش السيد الفردية والجماعية عند الإنسان، وأثار الفردية والجماعية على كيان المسلم وفي واقع الحياة، كما يناقش الفردية والجماعية بين المذاهب الأرضية وبين الإسلام، ومنهج الإسلام في تربية الفردية والجماعية، ومنهج الإسلام في التوفيق وتحقيق التوازن بين الفردية والجماعية، ثم الفردية والجماعية في حياة الرعيل الأول من المسلمين. هذا ويختم السيد دراسته بنتائج، أهمها: أن الإسلام وحده هو المنهج القادر على إشباع كل من الفردية والجماعية عند الإنسان؛ بل وتحقيق التوازن بينهما، وأن تحقيق هذا التوزان، وذلك الانسجام ليس أمراً مستحيلاً، ولا صعباً؛ إذ برز إلى الوجود بصورة عملية في حياة الرعيل الأول من المسلمين، وما تحقق مرة يمكن أن يتحقق مرات. مثل هذه الدراسة القيمة تتشابك مع ما نذهب إليه من أهمية الفردية والجماعية في بناء الشخصية المتعلِّمة. ولا شكَّ أن بحثنا سيستفيد من القيم الإسلامية المبسوطة في دراسة السيد، لا سيما فيما يتعلق بتحقيق التوازن بين الجماعية والفردية.

ي-يعالج أحمد عمر هاشم في دراسته: “الإسلام وبناء الشخصية.”[16] أسس الشخصية الإسلامية، وملامح شخصية المسلم ومميزاتها، والجانب النفسي، والسمات والأخلاق. ويرى الباحث أنه لا يتأتَّى لأي ثقافة فكرية أو حضارة إنسانية بكل وسائلها وتجاربها أن تصوغ مثل هذه الشخصية، كما يصوغها الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه. يتطرق الباحث في أسس الشخصية الإسلامية إلى أهمية العلم والعمل والجهاد في تنمية هذه الشخصية لتصبح فاعلة ومؤثِّرة في مجتمعها؛ أما في الجانب النفسي فإن تزكية النفس ومراعاة مشاعر الآخرين، يسهمان في تكوين الشخصية القويمة والمؤثرة؛ بينما في سمات الشخصية الإسلامية وأخلاقها فإن التعاون يعد من أبرز ملامح هذه الشخصية. إن هذه الدراسة من الأهمية بمكان، فهي تسهم في تعزيز بحثنا فيما يتعلق بالشخصية المهنية والإبداعية، والتي تكون في الوقت نفسه شخصية ذات أخلاق رفيعة.

ي-يرى أنور عبد المالك في دراسته: “الإبداع والمشروع الحضاري.”[17] أنه أصبح لزاماً علينا أن نعود إلى الأركان الراسخة، عبر الأجيال، لتحديد إطار إمكانات إحياء القوى الكامنة من أجل إبداع المفاهيم والرؤى الجديدة القادرة على التعامل مع عالمنا المتغير، وتمكننا من الإسهام الفعال في صياغة العالم الجديد؛ مما يتطلب المراجعة النقدية، والسعي المتصل إلى إبداع الفكر الجديد، والبدائل الممكنة، بعيداً عن الجمود الفكري والقناعات المغلقة إسهاماً في شق قنوات تحركنا المستقبلي. تعود أهمية هذه الدراسة إلى أن الباحث يتطرق إلى النموذج الإبداعي لليابان، ويرى العامل الثقافي الحضاري يلعب الدور التكويني المركزي لتحديد هذه الخصوصية التاريخية، وهي خصوصية المجتمع القومي الذي بلغ أوج النجاح في عملية تحديث اليابان؛ مما يعني أن جوهر الإبداع يكمن في خصوصية الشخصية التاريخية والثقافية، وأن ما يأتي من الخارج لا يمكن النظر إليه إلا من حيث فائدته بالنسبة لاستمرارية هذه الخصوصية وليس العكس.

عاشراً-الإضافة النوعية للبحث

معظم الأبحاث العربية الرصينة -وعلى قلَّتها- في هذا المجال وغيره، قد قصرت نظرتها على إجراء مقارنة بين الانشغال القومي، والأنموذج الياباني. فالمسألة القومية في بعدها الاشتراكي المتغلل في أجهزة السلطة والمسيطر على وعي النخبة، ركَّزت على الجوانب السلبية في ليبرالية الأنموذج الياباني، وغفلت عن الإفادة من جوانب مضيئة في التجربة اليابانية؛ لأن مثل هذه الأبحاث قرأت التجربة اليابانية قراءة إيديولوجية؛ أما عن الأبحاث ذات الطابع الإسلامي فقد اصطدمت بوثنية اليابان، ولهذا عجزت عن رؤية الكونفوشية بوصفها فلسفةً وحكمةً، وليس عبادةً وديناً، فضاعت منها فرص الإفادة المبكِّرة؛ لأن قراءتها جاءت إيديولوجية هي الأخرى؛ لكن استحضار الأنموذج الياباني في مشروع يبغي إحياء نظام تربوي أصيل، نراه عملاً جريئاً ونوعياً. فالكثرة من الباحثين من يتأفف من ربط اليابان الوثنية بالإسلام والأصالة، بحجة أن المسألة لها علاقة بالإعادة والتراجع، وليس -كما نراه- بدافع الإفادة أولاً والتدافع ثانياً، حيث نعتقد أن الإفادة من أجل التدافع تشكِّل الإضافة النوعية في بحثنا. فالإضافة النوعية تفرضها طبيعة المشروع التي تقرأ النماذج الإنسانية قراءة ابستمولوجية؛ لأنه مشروع يمشي يقظاً واثق الخطوات، غير قابل للسقوط والاحتواء؛ ولكن يضطر للاستفادة من الآخر في تلمُّس الثغرات وسدِّها؛ ولعل نظامنا التربوي الأصيل لا يعوزه الإبداع؛ ولكن يفتقر إلى الطريق التي ترشده إلى عالم الإبداع. والأنموذج الياباني التربوي المركَّب من الجهد والإبداع، يشكِّل أحد أهم هذه الطرق إن لم يكن أفضلها، وهي طريق وقف معظم الباحثين مشدوهين أمام تصميمها، لأنهم طلبوا الإفادة من الإبداع لذاته، وتغاضوا عن الإفادة من الجهد الذي صنع هذا الإبداع؛ لقد تعاملوا مع الظاهرة اليابانية بلا منهجية عملية مسبقة، وهناك من طلبها لحاجة في نفس يعقوب؛ أما في بحثنا فنقابل الإفادة من الأنموذج التربوي الياباني بمشروع مبدع يمتلك وسائل التدافع، ويراهن على تكثيف الجهد، مما قد ينجم عنه التجاوز من قِبلنا للآخر. وهي أيضاً، إضافة نوعية ليس للمشروع وحسب؛ ولكن لمن يستفيد من المشروع.

المبحث الأول: حول التربية المركَّبة

أولاً-تحديد مفهوم التربية المركَّبة: مدخل تأصيلي

تكشف محاولة تركيب الأشياء عن هاجس البحث عن حقيقة الأشياء وأصولها. فتركيب الشيء بالشيء ينطوي على حقيقة مفادها أن استنجاد طرف بالطرف الآخر يفضي إلى رؤية الأشياء على حقيقتها، وهذه هي حقيقة التراحم بين الزوجين؛ لأن التركيب رحمة بالطرف الآخر الذي قد يظل عاجزاً بفردانيته وفاقداً للفاعلية؛ حتى لو كانت هذه الفردانية تختزن بداخلها أصالة . تماماً مثلما عرفنا حقيقة الماء من جراء التركيب بين الإكسوجين والهيدروجين. فالإكسوجين الذي هو إكسير الحياة أصبحت له فائدة أخرى هي تكوين الماء الذي هو عصب الحياة، وقد تحقَّق له ذلك عن طريق تركيبه بالهيدروجين.

يكشف التركيب عن أصل الأشياء؛ فليس بِدْعاً من القول أن المركَّب هو “الأصلُ والمُنبِتُ.”[18] يقابله الانفكاك الذي هو “ضربٌ من الوَهْن والخلع.”[19] إن هاجس التركيب ظلَّ يلازم الفلاسفة والعارفين من عهد قديم؛ فانشغلت العلوم الدقيقة بهذا التركيب الذي حقَّق لها انتصارات علمية باهرة؛ إذ حقَّقت الكمياء فتوحات علمية بعلمها الذي يدرس التركيب والخواص والبناء، ومن ثم معرفة أصل الأشياء. وكذلك الفيزياء النووية، تأصَّلت بفعل حصول تفاعل نواة ذرة الأيدروجين الثقيل بنواة ذرة الليثيوم، ما أدَّى إلى تكوين النواة المركَّبة الأصيلة في صناعة القنبلة النووية.

لقد فتحت الإنجازات العلمية للعلوم الدقيقة شهية التركيب أمام العلوم الإنسانية، فصرفتها إلى البحث عن الذرة التي تركَّب بها الأشياء؛ إلا أن العلوم الإنسانية اهتدت إلى الإنسان، وبذلك شكَّل الاهتمام بالإنسان نقطة استقلال العلوم الإنسانية عن العلوم الدقيقة. ففي العلوم الإنسانية نلفي الإنسان فاعلاً بهدف ترشيد البيئة؛ أما في العلوم الدقيقة فغالباً ما نلفي الذرات والأعداد والخواص تتفاعل من أجل تدمير البيئة.

وباعتبار التربية واحدة من أهم العلوم الإنسانية وأجلِّها، فقد اشترطت في تركيبيتها حصول الشرط الإنساني لكل تفاعل حضاري بين الأشياء والنظم؛ إذ عُدَّ الفاعل الإنساني التربوي بنية التربية المركَّبة؛ لأن مستقبل التربية رهنٌ بمستقبل الإنسان. فإذا كان الإنسان فاشلاً، فإن التربية ستكون وباءً على من يشترك في عملية التركيب، ومن ثمَّ فإن التركيب الخاطئ في التربية يكون أشدُّ فتكاً من التركيب الناجح في الفيزياء النووية؛ لأن التربية في حقيقتها هي التنمية، وإذا افتقدت التربية إلى هذا الشرط الإنمائي، فستتحول إلى تخلف تربوي وانتحار إنساني. فالتربية هي النماء والزيادة؛ إذ ينمِّي هي المقصود من قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: 276). وأيضاً “ربا الشيء، يربو ربُوا ورباء: زاد ونما.”[20] التربية التي يفتقر فيها الإنسان إلى الزيادة والنماء، لا تعد تربيةً؛ لأن التربية ليست من تعلمنا كيف نحترم الإنسان وحسب؛ فهذه تربية المدارس؛ وإنما التربية هي التي تنتج إنساناً محترماً، وهذه تنمية مدارس؛ وهي مهمة الطرف الآخر في المجتمع. فعندما نقرن تربية المعارف عبْر الإبداع بتنمية المعارف بوساطة الجهد، سوف ننقل التربية من ضيق التلقين والتقليد والاجترار إلى رحابة الفعل والاجتهاد والبناء.

هناك فرق شاسع بين تربية المدارس، وتنمية مدارس. فتربية المدارس تشبه ذلك الذي يكون في المسجد أو المدرسة في حال، وعندما يخرج منهما يكون في حال آخر؛ لأن ما يُربَّى عليه في المدارس يكون أقل صموداً أمام ما يواجهه خارج المدارس. والسبب أن هذه التربية تفتقر إلى عناصر التنمية، أو أنها تربية أصيلة غير مركَّبة من هذه العناصر الفاعلة؛ لأن الفكرة “حينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان. لكنها بالمقابل، يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها؛ حتى لو كانت صحيحة.”[21] فالمدرسة تربي التلاميذ على الصدق مثلاً؛ ولكن تظل هذه التربية حبيسة المدرسة؛ حيث الأطراف الأخرى من المجتمع هي التي تنمِّي هذه التربية بجهدها وحرصها؛ حتى يظل التلميذ محتفظاً بصدقه خارج المدرسة. ولكي يؤتي هذا الجهد الإنمائي أكله يُفترض أن تكون وسائله الإنمائية تربوية؛ حيث يشعر التلميذ بحقيقة التكامل التربوي، وهذا يشكِّل مدخلاً واضحاً للتربية المركَّبة.

التربية المركَّبة هي مزيج من نصوص المدرسة الإبداعية والمهنية التي يختلف الأفراد في فهمها واستيعابها وتأصيلها، وجهود المجتمع في تفعيل هذه النصوص وتحويلها من التربية الفردية التي تنمِّي صاحبها إلى التنمية الجماعية التي يستفيد منها قطاع كبير من المجتمع. وبناء عليه فإن التربية المركَّبة هي نوع من أنواع التنمية البشرية، الإبداعية والمهنية. فالتركيب ضروري للخروج من مأزق التخلف والتراجع والتبعية؛ لأن المراهنة على الفاعل الإنساني التربوي، لما يختزنه من إبداع وجهد، هو الطريق الأفضل لبناء هذا الإنسان التربوي. لا شكَّ أن الإنسان التربوي مركَّب من إبداع وجهد، وإذا لم يستثمر الإنسان التربوي جهده فماذا ينفع إبداعه. مثل هذه المشكلة التربوية نلفيها لدى من يبدع في الخوف من الله في المسجد؛ ولكن لحظة خروجه من المسجد نراه لا يبدع في جهده للإبقاء على هذا الخوف وتنميته، وهذا ما يحدث تماماً في المدارس. فإذا كان الإنسان التربوي لا يستطيع أن ينمِّي خوفه من الله فأنَّى له أن ينمِّي علمه، أَوَ ليس العلم النافع يشترط الخوف الصادق، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة: 282).

لقد جاءت التربية المركَّبة لتقدِّم حلولاً للمشاكل التربوية الفردية المنشغلة بالجزيئات. فإبداع البشرية واحد من هذه الجزيئات التي يحرص الإنسان التربوي على امتلاكها؛ لكن غالباً ما يحدث ذلك من غير فائدة. هذا لأن الإبداع مركَّب من الجهد، ويتعذَّر امتلاكه بشكله المركَّب؛ إلاَّ بما يقابله من جهد إبداعي مركَّب. مثل هذا البحث عن الامتلاك من غير جهد، هو الذي يجعل التربية لا تسير في طريق التنمية؛ لأنه إذا كان الإبداع وليد التربية فإن التنمية هي وليدة الجهد. فالتربية المركَّبة من الإبداع والجهد هي شكل من أشكال التنمية. والتربية التي تسلك هذا الطريق الإنمائي هي تربية إبداعية ومهنية، وهي تربية إنمائية تتكوَّن من عناصر إنمائية، مثل: المعرفة، والجهد، الذين يفضيان إلى بناء شخصية متعلِّمة، وأمة راقية في ظلِّ توافر تعليم مستديم.

التربية المركَّبة هي تربية معتمدة على ذاتها، بحيث تستطيع أن تحافظ على إنجازاتها واستمراريتها دون أن تلتحم التحاماً كلياً مع نماذج تربوية أخرى مركَّبة. فما هو مركَّب ليس من السهل أن يذوب في ما هو مركَّب، والتربية المعتمدة على الذات ليس من السهولة، أيضاً، أن تذوب في تربية أخرى معتمدة على الذات؛ فكلٌ يمتلك خصوصيته ووحدته وهويته من غير أن يفقد آليات الاتصال بالآخر والتواصل معه.

التربية المركَّبة هي فلسفة في الحياة ينبغي الدفاع عنها والقتال في سبيلها. إنها فلسفة إنمائية قتالية، تمتلك القدرة على تغيير القتال من معركة وسيلتها الهدم إلى معركة غايتها البناء؛ حيث تفرض معركة التربية المركَّبة الإنمائية توحيد الصفوف، من أجل توحيد الفاعل الإنساني التربوي رغبةً في الانتصار على التخلف والجهل. إن استحضار قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار: 8)، يفتح أفقنا التربوي على حقيقة الإنسان وتركيبيته. “إن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء!”[22] فمن محتويات هذه الآية الكريمة يمكننا تصوُّر طبيعة التربية المركَّبة المفترَضة، وهي تربية ظلَّت مطلوبة باستمرار؛ إلاَّ أن الطريق إلى صياغتها ظلَّ غامضاً بغموض فلسفة الحياة التي تفتقر إلى المنهاج الرباني السوي.

 المدرسة التي لا تنشد التركيب هي مدرسة ليس بإمكانها أن تنجِز تربية أبداً، والتلميذ الذي يظل خارج عملية التركيب لا يشجِّع على البناء السوي. فالانفكاك لا يصنع إلاَّ القبح، والذي له قابلية للانفكاك ليس سوياً وليس معتدلاً. وكل هذا معاً يشكِّل مؤشِّراً مفكِّكاً داخل تربية مفكَّكة. إن العبرة من الآية الكريمة هو أن تكون المؤشِّرات مركَّبة منظراً واستواءً واعتدالاً، مما يفضي إلى إنجاز تربية مركَّبة؛ فمعركة البناء التربوي الرابحة هي معركة التركيب المشترك. داخل هذه الآية الكريمة التي يتميَّز فيها المورد البشري على سائر الموارد الأخرى، نلفي دعوة صريحة للإنسان التربوي بأن يقوم بعملية تركيبية للأشياء بالطريقة الجميلة والسوية والمعتدلة التي تتناسب مع مقامه الجميل والسوي والمعتدل. فالاعتماد الكلي على إبداعات الغير، وفي غياب الجهد، لإعادة إبداعها بطريقة مبدعة، حتماً سيشوِّه منظر التربية ويفكِّكها؛ مما يجعلها بعيدة عن تحقيق الإنجاز وتفعيل الاستمرار. فالتركيب التربوي المشترك يعدُّ أحد أهم أسرار نجاح المدرسة وتنمية المجتمع، كما يعدُّ (البنيان المرصوص) سرًّا من أسرار استمرار المدرسة في تحقيق إنجازات متجدِّدة ومتطوِّرة. فإذا كان التركيب التربوي المشترك يفضي إلى تنمية اجتماعية مركَّبة؛ فإن البنيان المرصوص (=المدرسة، والأسرة، والمجتمع، والدولة) يفضي إلى إنسان مركَّب (=المعلٍّم، والتلميذ، والولي). يتغذَّى هذا البنيان التربوي المرصوص من إعادة الاعتبار للإنسان التربوي على مستوى التعليم، والتدريب، وممارسة قوَّة العمل، والتنظيم الصحِّي، ومحاربة الفقر. ويزداد البناء قوَّةً وتماسكاً بفعل دينامية الاعتماد على الذات المتجلِّية في الطموح، والتضحية، والتحدِّي، والاستمرار، والإنجاز، والتغيير، والتحديث. فالحفاظ على تماسك البنيان التربوي المرصوص، هو مهمَّة ملقاة أساساً على عاتق المدرسة التربوية وجهد المجتمع.

التربية المركَّبة هي التي تقوم على فصل الإنسان عن الأشياء، وإعادته إلى طبيعته الإنسانية، عن طريق إجراء حوار بين الإنسان والإنسان، مما أمكن هذا الحوار أن يضفي إلى بناء مدرسة مبدعة وطالب ماهر ومجتمع مجتهد، يتَّخذ من الإنسان التربوي طريقاً لتطويع الأشياء وتنويعها، وليس العكس. فالإنسان التربوي في المدرسة تشغله الأفكار؛ أما خارج المدرسة فتشغله الأشياء. كيف تتحوَّل هذه الأشياء إلى أفكار بحيث تصبح هذه الأشياء في خدمة الأفكار التي يتلقاها التلميذ في المدرسة؟ هذا ما تجيب عنه التربية المركَّبة، وهو أن الأفكار العلمية في المدرسة يُفترض أن تُبدَع بحيث تتحول إلى أشياء عملية، والأشياء الموجودة خارج المدرسة يُفترض أن تتحول إلى أفكار بفضل الجهد. فالصدق مثلاً فكرة علمية وأخلاقية، ولن تتحوَّل إلى شيء عملي؛ إلاَّ بتغليب الصدق على الكذب في اللحظة التي يكون فيها الإنسان التربوي محتاجاً إلى الكذب للخروج من مأزقه، وهي لحظة مبدعة. ففي هذا الموقف العصيب تصبح فكرة الصدق شيئاً عملياً لا يمكن نسيانه أبداً، ولا يمكن الاستعاضة عنه بشيء كاذب. فالأبداع ليس هو الابتكار وحسب؛ وإنما أيضاً الجرأة على قول الصدق في مثل هذا المواقف الحرجة. وبهذه الطريقة المركَّبة بين الفكرة والإبداع ينظر التلميذ في المدرسة إلى الأفكار العلمية على أنها أشياء عملية؛ أما عن جهد المجتمع فيكون في تحويل الأشياء إلى أفكار، فيحوِّل المجتمعُ الصدقَ الذي أصبح شيئاً عملياً في المدرسة إلى أفكار تسهم في تأصيل المجتمع، كأن يصبح الصدق شعاراً عملياً لمؤسسات المجتمع. وفي هذه الحالة التربوية التركيبية بين إبداع المدرسة وجهد المجتمع، لا يلفي التلميذ نفسه غريباً عن الصدق بوصفه فكرة يتعلمها في المدرسة والصدق بوصفه شيئاً يمارسه في المجتمع. ولو نقتفي أثر التربية المركَّبة في ذلك، سوف لا نلفي فارقاً كبيراً بين الذي في المسجد والذي هو خارجه، والشيء نفسه ينطبق على التلميذ الذي هو في المدرسة، وخارج المدرسة أيضاً. فلا “يستطيع النظام التربوي أن يحقق دوره الفاعل في المجتمع إلا إذا كان مبنياً على فلسفة النماء والعطاء. وتظهر أهمية هذه الفلسفة في طريقة الإعداد، والتكوين، والتلقين، والتعليم، والاكتساب، وكلها أمور تدخل في إطار فكرة البناء التربوي الذي اصطلح عليه علماء اللغة والتربية بالمهارة التي تعني الحذاقة، فيكون المتعلم الماهر هو الحاذق بالأشياء”.[23]

تضع التربية المركَّبة التلميذ في موضع لا يرى فيه فارقاً شاسعاً بين المدرسة والمجتمع. فالمدرسة هي مجتمع صغير يتعلم فيه التلميذ كيف يتعامل مع المجتمع الكبير، كما يرى التلميذ المجتمع مدرسةً كبرى تذلِّل أمامه الصعاب التي يواجهها في مدرسته الصغرى. ويؤتي هذا التواشج -بين المدرسة والمجتمع- أكله، عندما تسير المدرسة وفق منهج مركَّب بين الفكرة والشيء، يكون فيه الإبداع مسؤولاً عن ترجمة الأفكار إلى أشياء عملية غير قابلة للنسيان. كما يكون جهد المجتمع مسؤولاً عن تحويل الأشياء التي يصطدم بها التلميذ إلى أفكار تمارَس، ولا فرق بينها وبين الأشياء؛ بحيث لا تبعث على الغرابة أو تحدث تعارضاً بينها وبين ما يتلقاه التلميذ في المدرسة، كما بيَّنا ذلك في مسألة الصدق آنفاً.

إن مستقبل التربية المركَّبة رهن بإبداع المدرسة وجهد المجتمع؛ لأن التلميذ الإنسان هو المستفيد من هذا البنيان المرصوص، فهو لبنة من لبناته، وضرورة من ضرورات تماسكه، مما لا يمكن للمدرسة والمجتمع الاستغناء عنه، “لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت لبنة عن مكانها. تقدمت أو تأخرت سواء. وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء.. إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام. التعبير المصور لطبيعة الجماعة، ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة. ارتباط الشعور، وارتباط الحركة، داخل النظام المرسوم، المتجه إلى هدف مرسوم.”[24]

إن العبرة من هدف البنيان التربوي المرصوص هو ضرورة إيجاد محيط يعمل على تركيبية الفكرة والشيء في عقل التلميذ، حيث المدرسة والمجتمع يتحمَّلان مسؤولية تكوين التلميذ؛ لأن المدرسة والمجتمع سيظلُّ عملهما تجاه التلميذ مفكَّكاً ما لم يتمكَّن هذا التلميذ من أن يقاتل الجهل والغباء داخل بنيان مرصوص، وما لم يتمكَّن من التعامل مع التربية المركَّبة بين إبداع المدرسة وجهد المجتمع على أساس أنه تعاون مسؤول، وأنها عبادة يرعاها الله فيشحذ ديناميتها، ويبارك إنجازاتها، ويقيِّض لها الأسباب التي تؤدِّي إلى استمرارِّيتها، مصداقاً لقوله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف:4). فهل من اتفاقٍ عملي على أن التربية المركَّبة من معلِّم مسؤول وتلميذ مجد ومجتمع متفانٍ، هي التربية التي تقاتل الجهل المركَّب من داخل إنسان مرصوص؟

تنماز التربية المركَّبة عن غيرها بأنها تربية للمعلم والتلميذ والمجتمع مدى الحياة. فالمعلم يظل يتعلَّم ويتدرَّب طوال حياته، سواء في المدرسة أم في المجتمع، والتلميذ يظل التعليم ملازماً له، سواء أصبح معلماً أم موظفاً أم فاعلاً في المجتمع، وكذلك المجتمع يظل في حالة تعليم مستمر. فبذل الجهد لمساعدة المدرسة والتلميذ يتطلب تعليماً من نوع آخر؛ لأن ميزة التربية المركَّبة هي ميزة من إبداع الإنسان وجهده. فإذا انفكَّ الرباط بين الإبداع والجهد لم تعد للتربية ميزة التركيب، وقد تفقد هذه التربية الأمل في صناعة أمة تقوم على تنمية الشعور الجماعي والمسؤولية الفردية، ويتوقف نبع التعليم بعد خروج التلميذ من المدرسة، وتصبح التربية مقتصرة على حياة معينة. ولهذا فإن التربية المركَّبة أول ما تقوم على تحصيل المعرفة، والتربية على الإبداع، وتنمية الجهد في تحويل الإبداع من تربية إلى تنمية؛ أما اختزال التربية المركَّبة في تحصيل المعرفة دون سواها، فذلك هو الفكر التربوي الاختزالي؛ لأن “اختزال معرفة ما هو مركَّب في واحد فقط من عناصره -نعتبره وحده دالاًّ عليه- يؤدي إلى نتائج وخيمة في المجال الأخلاقي أكثر من المجال الفيزيائي. والحالة هذه، يمكن القول بالتحديد إن النمط المهيمن من المعرفة، الاختزالي والتبسيطي، هو الذي يؤدي إلى اختزال شخصية متعددة بطبيعتها في أحد خاصياتها. فإذا كانت هذه الخاصية إيجابية، فمعنى ذلك أنه سيتم تجاهل الخاصيات السلبية لهذه الشخصية. وإذا كانت سلبية، فمعنى هذا سيتم تجاهل خصائصها الإيجابية. وفي كلتا الحالتين نحن أمام عدم الفهم.”[25] ولكي نفهم الشخصية المتعلِّمة ونحدِّد لها مسارها التربوي الفاعل نرى ضرورة التزامها باشتراطات التنمية المركَّبة، وهي ما يأتي:

1-تحصيل المعرفة وأهميتها: تقوم التربية على المعرفة، وهذا هو مجمتع المعرفة؛ كما تنمو التربية بنمو المعرفة في المدرسة والمجتمع، وهذا هو مجتمع التربية. ولا يكون تحصيل التربية مفيداً إلاَّ بمعرفة أهميتها للمدرسة والمجتمع. فالتركيب بين التحصيل والأهمية، يفرز نتائج مثمرة وينجز فعلاً تربوياً تكون له القابلية للاستمرار؛ ومن ثم فإن التربية المركَّبة هي تربية واعية وهادفة ومستديمة. فالتربية تخطئ في عملية التركيب إذا غلَّبت التحصيل المعرفي على أهميته للمدرسة والمجتمع؛ مما قد يؤدي إلى حصول عدم توازن تربوي، وعدم توازن مدرسي ومجتمعي؛ وهذا كله يفقد في التربية تركيببيتها وخصوصيتها؛ لأن التركيب يشترط التوازن بين العرض المدرسي والطلب الاجتماعي، بين التحصيل المدرسي والأهمية الاجتماعية. فكثير من الأمم المتخلِّفة من تحصِّل معارفَ في مدارسها تكون غريبة على مجتمعها، فيتعلَّم التلميذ شيئاً في المدرسة، وفي الوقت نفسه يتعلَّم ما يناقضه في المجتمع. وتالياً فإن التلميذ الممزَّق بين متطلبات المدرسة وحاجات المجتمع، لا يجد مستساغاً في التعامل مع هذا التحصيل المعرفي وإبداعه، والمجتمع لا يبذل جهداً في ترجمة هذا التحصيل المعرفي الغريب إلى أشياء عملية. ومن ثمَّ فإن التربية المركَّبة لا تطلب المعرفة لذاتها، وإنما لقيمها ومسؤوليتها وأهميتها الاجتماعية، وهنا تتجلى قيمة الطموح في تحصيل المعرفة بهدف التغيير المسؤول، الذي يدفع بالتربية المركَّبة إلى إيجاد توازن بين التحصيل المعرفي في المدارس، وأهمية هذا التحصيل للمجتمع؛ مما يجعل التربية المركَّبة تتجه نحو التنمية البشرية التي تصنع أمة، وليس التبعية للبشرية التي تقمع الأمة.

هناك مؤشِّر أساسي في عملية التحصيل العلمي نراه ذات أهمية للشخصية المتعلِّمة، وهو:

أ-الطموح: الطموح مؤشِّر وليد الرغبة في تحقيق شيء ما، فهو فضلاً عن ذلك، يُعَدُّ أول خطوة وأطولها في عملية السباق للإمساك باللحظة التاريخية الهاربة، واستثمارها في تحقيبها الزمني المناسب. فإنْ لم يكن في حياة  الشخصية المتعلِّمة ما تطمح إليه؛ فإن مستقبلها سيكتنفه الغموض والشك. فالطموح أول ما يبدأ باستكشاف الشخصية المتعلِّمة ذاتها و”التعرُّف إلى هواجسها ومخاوفها وتطلُّعاتها، وهذا مدخل مهمٌّ في فهم الذات وتنميتها، فضلاً عن الإحاطة بالبنى التي تتحكَّم في أنساق المحيط الداخلي، ومن ثم المحاولة الجادة، لاستكشاف المحيط الخارجي والتعرُّف إلى أخلاقيات الآخرين في العمل والإدارة والحياة.”[26] إن الطموح، أيضاً، مبعثه الدعوة للالتفات إلى الماضي والاستفادة من إنجازاته، والعمل على مراجعة الإنجازات التي استعصى عليها الاستمرار، كما يدعو إلى الحرص على إنجازات الحاضر -مهما كان مستواها- مع العمل على تطويرها في المسار الذي يلتقي مع ضرورات المجتمع وحاجياته، ثم معانقة المستقبل وتفحُّص ملامحه؛ حتى يتسنَّى له مسايرة متغيِّراته والمشاركة في صنع أحداثه. فالطموح إذاً، يتحرَّك داخل قنوات الماضي والحاضر والمستقبل، وهو مؤشِّر مركَّب لا يمكن اختزاله في تحقيب زمني معيَّن؛ وإلاَّ سيظلُّ حبيس لحظاته، ولا يعير لعامل الاستمرار أدنى أهمِّية. الطموح مرتبط بسلسلة زمنية لا يمكن العبث بأقفالها؛ لأن الهدف من الطموح ليس تحقيق الإنجازات وحسب؛ وإنما أيضاً التوقُّف عند المحطَّات التاريخية لهذه الإنجازات. ويكون ذلك بالتدقيق في شروط الإقلاع من محطَّة إلى أخرى، ومعاينة حالة الاستمرار التي اكتنفت هذا الإقلاع على مستوى جميع المحطَّات التاريخية؛ لأن الطموح مشدود إلى أصول تاريخية تعمل على شحذ هممه، ولا يكون ذلك إلاَّ بنبش هذه الأصول ونكشها، والتحقُّق من أصالة معدنها، ومن ثم نلفي الطموح دافعه البحث عن القدوة التي تكون بمثابة الشرط الأساس لانطلاقته وتحليقه. فمن غير قدوة يجمع التاريخ على فعلها وإنجازاتها واستمرارها، يستحيل تفعيل الطموح وتثميره. فتفعيل الطموح يكون بالثقة في القدرات والإمكانات المتوافرة مع استلهام التراث الحضاري؛ إذ تثميره يكون برفض الحلول الجاهزة، والبحث عن حلول مناسبة، وبدائل مبدعة ومنتجة.

2-قيمة الجهد والاعتماد على الذات: سيكون التحصيل المعرفي عديم الفائدة إن لم يكن وليد الجهد. فبذل الجهد في أثناء التحصيل المعرفي، يمنح للمعرفة قيمة ذاتية؛ لأن التركيب التربوي بين التحصيل المعرفي والجهد في هذا التحصيل، والقيام فيما بعد بعملية الفرز الاجتماعي لهذا التحصيل، يرسم ملامح واضحة لأهمية هذه المعرفة. فغياب الجهد في أثناء التحصيل، قد يعرَّض المدرسة والمجتمع إلى خطورة التحصيل المعرفي المشوب بأفكار غير قيمية وغير مسؤولة. ومن ثم فإن الدور الوظيفي للجهد في التربية المركَّبة دور مصْفاتي قيمي ومسؤول تجاه المعارف الإنسانية المحصَّلة. إن غياب الجهد القيمي والمسؤول في كل عملية تربوية، ينتهي بالتحصيل المعرفي إلى تراجع مسؤولية المدرسة وتفكيك قيم المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية التربية المركَّبة من الجهد القيمي والتحصيل المدرسي المسؤول في بناء شخصية متعلِّمة وواعية ومسؤولة. ومن ثمَّ فإن الجهد والاعتماد على الذات لا نراهما يتحققان إلا بتوافر مؤشرات، هي:

أ-التحدِّيات: التي هي شحذ لهمم الطموح، وبحث مستمر عن القدوة للإجابة عن أسئلة المعوِّقات الموجودة. فمن غير طموح يتعذَّر رؤية التحدِّيات على أنها تشكِّل مظهراً من مظاهر التخلف. فالفاعل الإنساني التربوي ينمو ويقوى في ظلِّ المعاناة؛ لأنه الأكثر استجابةً للتحدِّي. فتوظيف الفاعل الإنساني التربوي إلى جانب مؤشِّر الطموح، ينجم عنه التفاعل الإيجابي مع التحدِّيات. فالبحث عن بدائل تساعد على تجاوز هذه التحدِّيات، يندرِج في إطار دينامية الاعتماد على الذات، وهذا بدوره يستدعي وجود تحدِّيات يواجهها الفاعل الإنساني التربوي، وتتطلَّب منه قدرة على تجاوزها، وإلاَّ أصبح يحيا بلا معنى، وهو بذلك ينتهي إلى أن يكون كالأنعام؛ بل أضل.

ب-التضحية: بدون وجود تحدِّيات في الحاضر وافتراض استمرارها في المستقبل ينتفي، أيضاً، الدور الحقيقي لمؤشِّر التضحية. فالهدف من وراء التضحية إظهار صلابة من أجل مواجهة التحدِّيات، أو على الأقل إضعاف مفعولها وإفقاره. فضلاً عن ذلك، وهو الأهم، أن التضحية دافعها الانتصار للقدوة والمثل الأعلى، والعمل باجتهاد على ضمان استمرارية هذا الانتصار في الطريق الذي يدفع بالاعتماد على الذات إلى تراكم إنجازاته. التضحية، دائماً، تكون من أجل شيء ثمين يحرص الفاعل الإنساني التربوي على امتلاكه دوماً والحفاظ عليه باستمراريته، ومن إيجابيات التضحية أيضاً أنها تراقب حركة الطموح، وتساعده على الحفاظ على وتيرته ونبضه. فإذا قلَّ الطموح حتماً ستتضاءل الإنجازات، وإذا ما انخفض معدل الإنجازات، فهذا يشير إلى أن التضحية قد تآكلت واستحالت إلى تواكل واستتباع، مما يتناقض كلِّية مع دينامية الاعتماد على الذات.

3-التركيب يين المعرفة والجهد بحثاً عن الإبداع: لا شكَّ أن الإبداع هو وليد التركيب كما تجلَّى ذلك في العلوم الدقيقة. فلا يمكن أن نبدع من غير مساعدة أو مساندة من الجانب الآخر. الإبداع ليس أحادي الطرف، بل الإبداع عملية تفاعل المعارف والجهود؛ إذ التركيب بين المعرفة والجهد هو أعلى مستويات الإبداع. فهل يتحقَّق الإبداع من غير جهد ومن غير تركيب؟ وهل يكون للتركيب معنى في غياب الإبداع؟ فالتربية المركَّبة تُمتَحن بوجود الإبداع من عدمه. فإن لم يتحقَّق الإبداع في التربية المركَّبة، فإن هذه التربية لا تعدو شعاراً إيديولوجياً، يخدم أهدافاً غير تربوية. إن الإبداع هو مصدر الميزة التركيبية للتربية، وحضوره مسؤول عن بناء أمة، وغيابه مسؤول عن تخلفها وتراجعها. فالإبداع كما يرى المجتهدون هو الذي سيقود التغيير الاجتماعي والاقتصادي في القرن الجديد، وأن المعارف والمعلومات غير كافية لصناعة إبداع، فالجهد المقاتل يشكِّل دينامية أي إبداع، والمعرفة في غياب الجهد، تظل معرفة مكدَّسة غير نافعة؛ إذ تكون نافعة عندما تتحوَّل إلى معرفة أخرى عبْر الجهد فتتحوَّل إلى إبداع، بطريقة تركيبية تربوية ذكية ومسؤولة، “إننا نحتاج إلى المعلومات. لكننا نحتاج إيضاًَ إلى نكون نشيطين ومهرة ومثابرين لاختبار هذه المعلومات. نحتاج إلى أن نكون أصلاء، ومتشككين، ومجادلين، ودمويين في تفكيرنا غالباً، وسلبيين بمعنى أحيانا -بكلمة واحدة، أن نكون مبدعين.”[27] بناءً على ما سبق، هناك مؤشران يتحكَّمان في التركيب بين المعرفة والجهد، هما:

 أ-الإقلاع: إن الإقلاع تحدِّده المؤشِّرات السابقة المتمثِّلة في الطموح، والتحدِّيات، والتضحية. فهذه المؤشِّرات ترسم اتجاهات الإقلاع، وتضبط حركاته، وتراقب نبضاته. وبهذا ينبغي للإقلاع أن يأخذ في حسبانه الشروط التي تنظر إلى أن التربية المركَّبة هي التربية القابلة للاستمرار، وأن الاعتماد على الذات يكون وسيلة لتقليل الاعتماد على الآخرين، وأن الطريقة المهمَّة والمثلى لحفظ رأس المال البشري، هي منعه من التسرُّب خارج مجاله الحيوي، وهذا كفيل بالقضاء على الجهل والأمية تدريجياً، وتحسين شروط التبادل ثمَّ الاكتفاء الذاتي، والتعامل بحرية واختيار مع الآخر. فالإقلاع يشكِّل النقطة الحرجة في مسار مستقبل التربية؛ ولعلَّ السبيل الأنجع لضمان النتائج السليمة للإقلاع، هو ربطها، أولاً: بالطموح الذي يكون هاجسه التراث الجمعي للأمَّة، والتي تتطلَّب بدايتها حدوث تطوُّر تدريجي في العقليات؛ وثانياً: التحدِّيات التي تكشف عن نوعية المشروعات المطلوبة والأكثر تأثيراً في السياسات والقرارات والتسيير والتخطيط، أو ما يتناسب مع المرحلة الثانية، التي تتطلَّب إعداد وتنظيم الإنتاج، وبناء مؤسسات، وتحسين وسائل التربية، وتوعية المواطنين، لتحقيق أكبر قدر ممكن من المعرفة؛ وثالثاً: البحث في حقيقة الأشياء التي تكون التضحية في مجالها ذات أثر بالغ في الإنسان والحياة، أو خلق الوسائل الكفيلة بتمويل الاستثمارات التربوية كما جاء في المرحلة الثالثة؛ شريطةَ أن يتمَّ الاقتناع بأهمية استثمار الفاعل الإنساني التربوي إلى جانب الاستثمار المالي، الذي هو مدار التنمية وقطبها. فرأسمال البشري بإمكانه أن “يدفع عملية الاستثمار نحو الاستمرارية، إلاَّ إنه لا يمتلك القدرة على أن يكون بمثابة الرافعة داخل المؤسَّسة، في غياب بنية مالية متماسكة.”[28] كذلك ينبغي التركيز على العامل الأخلاقي الذي بإمكانه أن يضبط مؤشِّرات القرارات والسياسات في الاتجاه الذي يدفع بالتنمية التربوية نحو التكامل والتركيب. مثل هذا الإقلاع الذي تسبقه مؤشِّرات أخرى ذكرناها، يفترَض أن يكون القائم عليها مقتنعاً بجدواها، ومتفائلاً بالنتائج التي ينتهي إليها. فالإقلاع هو الذي يحدِّد مستقبل التربية المركَّبة، ويكشف عن فاعلية التضحية، وقيمة التحدِّيات، وقوَّة الطموح. فالإقلاع امتحان للفعل والإمكان، للحرية والاختيار. إن تحديد شروط الإقلاع مسألة في غاية الأهمِّية، فعليها يتوقَّف مستقبل الفاعل الإنساني التربوي، ولهذا فإن استراتيجية الاعتماد على الذات، ليست كافية لقيام تربية مركَّبة، إذا لم تكن شروط الإقلاع منسجمة مع بيئة الإنسان وعقيدته، مع تطلُّعات المجتمع وحاجياته. ومن هنا فإن شروط الإقلاع كي تؤتي أكلها، ليس من الضروري أن يكون منطلقها باعثاً إيديولوجياً؛ وإلاَّ فإن مصيرها يكون الفشل والتعثُّر. فمن أولويات شروط الإقلاع العمل على ترقية الفاعل الإنساني التربوي بالشكل الذي يخدم أهداف المجتمع، ويدفع بالاعتماد على الذات نحو صناعة الحدث الإنمائي.

ب-الاستمرار: إن الفشل الذي تُمنى به المشروعات الإنمائية التربوية غالباً ما يعود إلى غياب الاستمرار، مما حدا ببعض الاستراتيجيين إلى اعتبار “الاستمرارية حتى في حالة الضعف هي علامة القوَّة.”[29] وهذا طبعاً يعود إلى الأهمِّية التي يكتسبها مؤشِّر الاستمرار في تقوية الفاعل الإنساني التربوي، واستثمار إمكاناته. الاستمرارية دائماً ما تؤدِّي إلى تصحيح لمسار سابقاتها؛ فبداخلها تنمو مرجعيات نقدية، وتتأسَّس المراجعات الفكرية والفلسفية، وكل هذا يمدِّد في حياة المشروع الإنمائي التربوي، ويمنح للفاعل الإنساني التربوي فرصةً للنقد والمراجعة، وتحويل مساره في الطريق الذي يضمن لهذا الاستمرار إنجازاته، ويحقِّق أهدافه. فمؤشِّر الاستمرار يُعَدُّ الحدَّ الفاصل في استراتيجية الاعتماد على الذات، فهو بمثابة الحلقة النهائية التي تربط بين الإقلاع، والإنجازات. هناك مشروعات إنمائية تربوية تتميَّز لحظة إقلاعها بشروط تضمن قيام تربية مركَّبة على المدى البعيد؛ إلاَّ أن التقاعس عن مراقبة هذه الشروط على المدى القصير والمتوسط، وتصحيح المجال الذي تتحرَّك في مجاله، لا سيما في ظلِّ التحدِّيات الطارئة، حتماً ستؤدِّي إلى وضع عقبات أمام هذا الإقلاع، تكون نتيجته الفشل الذريع على مستوى تحقيق الإنجازات. فالاستمرار إذاً هو مقود الإقلاع، ومحرِّك الإنجازات؛ ففي غيابه ينحرف الإقلاع عن مساره، ويتوقَّف الإنجاز عن عطائه.

4-الإبداع اللبنة الأولى في بناء أمة مركَّبة: تبنى الأمة بالإبداع لا بغيره؛ والأمة الأصيلة هي الأمة المبدعة؛ الإبداع خرج من رحم الأصالة، وهو البوتقة التي تنصهر فيها تجارب الأمة؛ وهل تجارب الأمة إلاَّ أصالتها؟ من أراد أن يعرف مقدمات أمة فما عليه إلا بقراءة خلاصة إبداعها. ومن أرد أن يقرأ مستقبل الأمة فلينظر إلى كنوزها الأصيلة. ومن ثم فإن الإبداع غير الأصيل وغير القيمي وغير المسؤول ليس إبداعاً، على الأقل لدى من يستشرف المستقبل؛ لأنه لا يستهدف بناء أمة مركَّبة من قيم: المسؤولية، والوعي، والاستخلاف، والأمانة، والشرف، والأمن، والعدل، والسلام. فالإبداع المركَّب من المعرفة والجهد هو الذي يبغي إقامة أمة مركَّبة من مستخلصات هذا الإبداع المسؤول؛ بحيث تكون الأمة المركَّبة المبدعة هي المسؤولة عن مستقبلها. فإلى متى تظل الأمة غير المبدعة في انتظار من يحدِّد لها مصيرها التربوي، ويصنع لها مستقبلها. إن بناء أمة هو صناعة إبداعية مسؤولة، ومركَّبة من كل أطياف المجتمع، ومتى يكون هذا الإبداع حكراً لجهة تحتفظ لنفسها بأحقية الإبداع؛ فإن بناء الأمة سيأتي مشوَّهاً ومفكَّكاً. إن التركيب ليس أمراً يسيراً؛ لأن التركيب ولادة عسيرة وأليمة، لا سيما إذا ما تعلَّق الأمر ببناء أمة وترصيص أطيافها؛ لكن بإمكان الإبداع أن يحدَّ من الانفكاك لصالح التركيب، فالطيف الاجتماعي يفرض حضوره في بناء الأمة عن طريق معرفته وجهده وإبداعه؛ أما قيم المسؤولية والإخلاص والحب والتضامن والتكافل، فتضفي على البناء المركَّب هالة قدسية. إن بناء أمة مركَّبة هي مهمة إبداعية للخروج من فوضى التحصيل المعرفي، ولاستثمار الجهد في مسائل وطنية وإنسانية. فمجتمعات السوق تسهم بعلومها ومعارفها في تفكيك الأمة بزيادة التنافر الاجتماعي، الذي يهيج هو الآخر في ظل تنامي العلوم والمعارف، وفي غياب الجهد المبدع الذي يحوِّلها إلى علوم ومعارف مسؤولة. “إن هدف التعليم لا يمكن أن يكون تكيف الإنسان مع الفوضى القائمة، ولكن على عكس مسار الحتمية الذي ساد لعدة قرون في نظام التعليم، لا بد أن نوفر للإنسان وسائل للتعالي بالإنسان، وسائل لابتكار مفهوم جديد للإنسان والمجتمع والعالم. فالتعليم لا يمكن أن يكون انعكاساً وإنما يكون مشروعاً.”[30] إن تعليم القراءة كما يرى جارودي هي أهم مشروع في هذا التغيير التربوي. كيف يتحقَّق لنا ذلك التحصيل المعرفي عبْر القراءة، وإبداع هذا التحصيل عبْر الجهد، بحيث تضفي هذه العملية التربوية المركَّبة إلى بناء أمة مركَّبة تواجه التحديات بروح قتالية وبنيان مرصوص؛ ولعل الطفل هو الفاعل الصحِّي في هذا الترصيص التربوي، لأنه يخاطب المستقبل التربوي، فهو بذلك ابن للمستقبل، ومن المفترض أن نعلِّمه كيف يحترم الابن أباه. إن “مشاركة الطفل في العملية التربوية الموجهة تعد نوعاً من الانخراط في مؤسسة البناء التربوي التي من خلالها يكتسب مهارة الفهم للعالم بمعناه الواسع للأشياء. كما يمتلك مهارة الوعي بفضل توجيه الشخص المربي أو الخبير الذي يحتاج إليه في موضوع الإرشاد والتوجيه، خصوصاً أن البناء التربوي عبارة عن استراتيجية متجددة، يجب تحيين طرقها ووسائلها باعتبارها متصلة بتطوير وتحسين طرق التفكير، وفاعليتها عند الطفل.”[31]

 يشكِّل التغيير والتحديث عاملين مهمين في توجيه مسار الإبداع. ومن ثمَّ نعتقد أن الإبداع يتحكَّم فيه مؤشران أساسيان، يسهمان في بناء أمة من عدمها، هما:

أ-التغيير: يُعَدُّ التغيير عملية جرد لما تحقَّق من إنجازات، فليس الهدف من التغيير قيام ثورة على هذه المكتسبات، أو إعمال القطيعة الإيديولوجية معها، فهذا فهم اختزالي لمعنى التغيير. فمثل هذه الأمور تحدث في الدول المتخلفة التي قفزت على جميع المؤشِّرات أملاً في تحقيق الإنجازات. وهذا أمر فيه من عدم تقدير الأمور حق قدرها، ما يدعو إلى احتقار الماضي واتِّهامه بالرجعية والتخلف. فالتغيير يأتي بعد أن تستوفي جميع العناصر شروطها، وتؤدِّي مهمَّتها بالطريقة المناسبة. فالتغيير قد يكون مؤشِّراً خادعاً، إن لم يسبقه مؤشِّر الإنجاز. التغيير ليس مبعثه الفشل والتعثُّر، وإنما دافعه النجاح والتألُّق. هناك فرق واضح بين الثورة والتغيير؛ فالثورة غالباً ما تساعد على استمرار التخلف، أما التغيير غالباً ما يدفع بالتنمية نحو الاستمرار. ومن هنا نرى ضرورة تعايش التغيير مع الاستمرار؛ حتى لا يكون مدخلاً للتغريب، الذي يولَد عادةً من رَحِمِ الثورة. التغيير نوع آخر من أنواع الاستمرار يجعل الإنجازات تأخذ مساراً أكثر عالميةً. فالتغيير يتوخَّى إضفاء العالمية على الإنجازات المكتسَبة، وفي هذه الحالة التي يصطدم فيها مؤشِّر التغيير مع تحدِّيات أكثر صلابةً، يفترَض منه التعامل الحذر مع التراث، والقراءة الواثقة بأن هناك جوانب مضيئة في عالم المعاصرة يمكن الاستضاءة بأنوارها. فالتكنولوجيا تمثِّل تحدِّياً خطيراً لمؤشِّر التغيير، نظراً لأن الإنجازات في حاجة لمواكبة التطوُّر التقني، ومن ثمَّ تتطلَّب عملية التغيير زمناً طويلاً. فهي على الأقل، ستسلك ثلاثة مداخل:[32] أولها المدخل الهيكلي الذي يعمل على إحداث تغيير في خطوط السلطة، أو في الإجراءات المتبعة، أو في السياسات والقواعد والترتيبات؛ ثانيها: المدخل التكنولوجي الذي يتمُّ التركيز فيه على إعادة ترتيب وتدفُّق العمل، وعلى أنماط العمل وأساليبه وطرقه، وعلى الوسائل المستخدمة في وسائل العمل؛ ثالثها: المدخل الإنساني الذي يهتمُّ بالعنصر الإنساني، ومحاولة فهمه بوصفه العنصر الأساس المؤثِّر في عملية التغيير. وعموماً، إذا كانت الإنجازات هي الجسر الرابط بين الاستمرار والتغيير؛ فإن التغيير هو المصعد الذي ترتفع به هذه الإنجازات إلى مستوى التحديث. ففي ظلِّ هذا المؤشِّر يتحدَّد مستقبل التغيير، نظراً للصراع القائم بين قوى التغيير، وقوى المعارضة، ويكون على النحو الآتي:[33] إذا كانت قوى التغيير ضعيفة، وقوى المقاومة قوِّية فلن يتحقَّق التغيير؛ وإذا كانت قوى التغيير قوِّية، وقوى المقاومة ضعيفة فإن التغيير ستكون له القابلية للاستمرار؛ وإذا كانت قوى التغيير ضعيفة وقوى المقاومة ضعيفة فإن التغيير سيكون تدريجياً؛ وإذا كانت قوى التغيير قوِّية، وقوى المقاومة قوِّية فإن التغيير يأتي متقطِّعاً.

ب-التحديث: يرى عالم النفس ماكيلاند D. McClelland أن الدافع إلى التحديث هو الحاجة إلى الإنجاز.[34] ومن ثم فإن التحديث هو بمثابة الامتحان لمنجزات التغيير، ويشكِّل الخطوة النهائية للتقدُّم والنهضة؛ لأن التغيير إذا أخذ في حسبانه عناصر التراث المركَّب للمجتمع، وأسهم في توظيفها توظيفاً أميناً، فسيكون المجتمع في منأى عن التغريب. إن التغريب الذي عادةً ما يأتي نتيجة التفسير الاختزالي للتحديث، قد ينسف كل المؤشِّرات الإنمائية الإيجابية، مثل: الطموح، والتحدِّيات، والتضحية، والإقلاع، والاستمرار، والتغيير، ويعمل على تشويهها. فالتغريب أخطر من الاستعمار؛ فهذا الأخير مهمَّته الهدم والاستنزاف؛ أما التغريب فمهمَّته البناء والتشويه، ومن هنا فإن التنمية في ظلِّ التغريب لا تندرج في إطار التحديث، الذي هو حصيلة إنجازات متطوِّرة جاءت بفعل التغيير الذي نجح في استلهام التراث والإسهام في منجزات المعاصرة. إن التحديث بوصفه عملية تمايز إنمائي هو التحوُّل من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، ويتضمَّن تغيراً في أربعة قطاعات اجتماعية، وهي: القطاع التكنولوجي، والقطاع الزراعي، والقطاع الصناعي، وقطاع زيادة الحراك الاجتماعي والسكاني.[35] في عملية التحديث تشرئب أعناق الهوية والخصوصية والقداسة، وتنتكس رؤوس القابلية للتغريب؛ فالتحديث تنمية تبغي المزيد من الوطنية والإنسانية، ولا يمكن قياسه إلاََّ بمجموعة أساسية من القيم، مثل: “احترام الوقت وتقديس العمل الجماعي (الفريق) وتوخي الجودة والإتقان والإيمان العميق بالإبداع وبأن الموارد البشرية هي أهم عوامل النجاح والتقدُّم وكذلك الإيمان بعالمية المعرفة وبمحاذاة ذلك قيمة احترام هويتنا (دون مغالاة شوفينية)، ثم قيمة زرع الروح التنافسية مع قيمة احترام التعددية وقبول الآخر بكل ما تعنيه وعلى كافة المستويات.”[36] ويميِّز تالكوت بارسونز T. Parsons بين القيم والمعايير، ويرى أن: “المعايير تلك القواعد المقبولة اجتماعياً التي يستخدمها البشر في تقرير أفعالهم؛ أما القيم فأفضل وصف لها هو أنها ما يعتقده البشر عما يجب أن تكون عليه الحياة، وهي أيضاً لها تأثير في تحديد أفعال البشر.”[37] يكمن جوهر التحديث الرأسمالي في “تحويل المجتمع الذي تحكمه ثقافات وأخلاق إلى مجتمع منشغل بجماعات المستهلكين، وإن كان الاستهلاك الجماهيري لا يقاس بمؤشِّرات مستويات الدخل في المجتمع الاستهلاكي؛ وإنما بأنماط أخرى مثل تقديم صورة حيَّة وحديثة حول رغبات المجتمع وقيمه، بحيث تتجلَّى هذه الرغبات والقيم في رؤية الجماعات المستهلكة للأشياء.”[38] إن الانتقال إلى العصر الحديث يفترَض أن يكون على جسر الحفاظ على الهوية والتراث، وهنا ستتوافر للتحديث قواعد متينة يقف عليها، ويواجه بها سموم التغريب. صحيح أن هذا الانتقال كما يرى ساكيكو فوكودا  S. Fukuda “لن تكون مهمَّته بالدرجة الأولى تفكيك الأعراف والتقاليد والمؤسَّسات والقوانين، ولكن التركيز يشمل الأحكام السابقة التي شكَّلت التنمية، ويكون ذلك بخلق محيط اجتماعي مناسب، وبنى اجتماعية متماسكة تفضي إلى مجتمع جديد، مما يفرض رؤية جديدة وقوانين جديدة ورأس مال اجتماعي جديد.”[39]

5-تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية الفردية: تسهم تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية في الحفاظ على الأمة مركَّبة وفاعلة؛ لأن مهمة هذه التنمية مهمة تربوية بالأساس؛ إذ على التلميذ أن يتدرَّب كيف يكون فرداً مسؤولاً أمام المجتمع، وكيف يكون أمة إذا لم يؤد المجتمع وظيفته البنائية. بمعنى أن يكون هذا الفرد إبراهيمياً ومسؤولاً نبياً في مجتمعه، محاكاة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (النحل: 120). فإبراهيم عليه السلام بوصفه فرداً مسؤولاً عن أمة كان على وعي وشعور بأهمية الجماعة. فظل يمارس هذا الشعور الجماعي بفرديته المسؤولة. وعليه فإن “القرآن الكريم يرسم إبراهيم-عليه السلام- نموذجاً للهداية والطاعة والشكر والإنابة لله. ويقول عنه هنا: إنه كان أمة. واللفظ يحتمل أن يعدل أمة كاملة بما فيها من خير وطاعة وبركة. ويحتمل أنه كان إماماً يقتدى به في الخير… فالإمام الذي يهدي إلى الخير هو قائد أمة وله أجره وأجر من عمل بهدايته فكأنه أمة من الناس في خيره وثوابه لا فرد واحد.”[40] إن عمل الفرد بأسلوب جماعي يبعث على الرضا عن النفس، ويجعل التوازن بين الفرد والجماعة منسجماً ومتواصلاً؛ إذ يظل التعليم المستمر مؤشِّراً على نجاح التربية المركَّبة في الحفاظ على التناعم بين الشعور بالجماعة والمسؤولية الفردية.

6-التعليم مدى الحياة: تراهن التربية المركَّبة على مستقبلها بالمدى الزمني للتعليم؛ لأن التركيب التربوي مسألة معقَّدة، ومعرَّضة للتغيير والإصلاح والتجديد. وهذا التعاقب الزمني العمودي يتطلَّب حصول تراكم أفقي للتعليم، بحيث يظل الفرد مواكباً لمراحل التبديل الحاصلة والطارئة. ومن هنا تأتي أهمية التدريب والتوعية والتعبئة، وهذه الثلاثية لا تخاطب عمراً معيَّناً؛ بل نلفي التلميذ والمعلٍّم والموظَّف والأسرة، والمتقاعد الذي التحق بوظيفة أخرى غير رسمية، معنياً بهذا الخطاب التربوي المركَّب، وهذا شكل من أشكال التعليم مدى الحياة. فما ظلِّ الإنسان الفرد مسؤولاً عن تنمية المجتمع، فهو في وضع المتعلِّم الذي لا ينتهي تعليمه إلا بنهاية حياته. فما الفائدة من تربية مركَّبة يكون التعليم فيها مقتصراً على فئة عمرية محدَّدة؟ لقد ظل الناس في وقت الأنبياء يتعلمون مدى الحياة؛ لأن التربية النبوية تربية مركَّبة من سؤال واعٍ وإجابة مسؤولة، ومن يحصل على إجابة مقنعة يظل يلح في السؤال، من أجل أن يتعلَّم أكثر، ولا ينتبه لأمره إلاَّ وقد استعجله الموت، وصدق من قال: العلم من المهد إلى اللحد.

يمثِّل الشكل رقم (1) صورةً توضيحيةً للمؤشِّرات الثمانية التي ذكرناها، وهو عبارة عن زاوية قائمها المشروع التربوي المركَّب. تشكِّل الدينامية خطَّها العمودي، بينما يمثل الاعتماد على الذات خطَّها الأفقي. ونلاحظ أن المنحنى بفعل المؤشِّرات الخمسة الأولى، يتَّخذ طريقه إلى الأعلى، ثم ينكسر ليصنع خطاً أفقياً يجمع بين الاستمرار والإنجازات، وهذا يعني أنهما وجهان لتنمية تربوية واحدة. كل واحد منهما، يشكِّل الشطر الآخر من التنمية، أو ما نطلق عليه بجسر التنمية المعرَّض للانهيار. فالاستمرار في حدِّ ذاته إنجاز، وفي ظلِّهما يتحدَّد مستقبل التنمية التربوية؛ هذا من جهة؛ أما من جهة أخرى، إذا رسم التغيير أهدافه، وحقَّق غاياته؛ فإن الإنجاز سيسلك طريقه مرَّة أخرى نحو الصعود. فالتغيير نوع آخر من أنواع الاستمرار، لا يؤدِّي إلى التنمية فحسب؛ ولكن يؤدِّي، أيضاً، إلى التطوُّر؛[41] ثم يستمر المنحنى في تصاعده مما يدل على إنجاح التغيير لعملية التحديث، وهذه المنطقة تسمى التقدُّم.[42] وتسهم تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية الفردية إلى جانب التعليم مدى الحياة في الحفاظ على هذه الوتيرة الإنمائية؛ أما إذا ثبت أن جسر التنمية الذي يجمع بين الإنجازات والاستمرار غير قابل للصمود في وجه التحدِّيات الكبرى، أو أن المؤشِّرات الخمسة الأولى لم تعد فاعلة؛ فإن الخط الأفقي المتمثِّل في جسر التنمية سينحدر إلى الأسفل معلناً عن بداية التخلف.

الشكل رقم (1)

دينامية الاعتماد على الذات

المصدر: من عمل الباحث

ثانياً-في السياق الثقافي والتاريخي للتربية اليابانية المركَّبة: نماذج تطبيقية    

عاشت اليابان زخماً ثقافياً وتنوعاً معرفياً، حيث أسهمت طبيعتها الجغرافية النائية في حصول هذا العطاء الحضاري؛ إذ رأت اليابان أن التزاوج المعرفي الياباني مع غيره بات مطلباً ضرورياً للخروج من مأزق الوحدة والعزلة. وفي ظل هذا القلق على مصير الثقافة اليابانية المنغلقة على نفسها، اهتدت اليابان إلى فكرة التزواج مع مكوِّنات الحضارة الصينية التي جلبها البوذيون إلى اليابان في القرن السادس الميلادي، فتماهت اليابان مع محمولات البوذية بكل مكوناتها اللغوية والمعرفية والفلسفية، وبعد قرون تحقَّق لليابان زخماً معرفياً أهَّلها لتحقيق استقلال نسبي عن المنظومة التربوية الصينية. ثلاثة قرون كانت كافية لأعادة صياغة منظومة يابانية في إطار ثقافة جديدة تختلف كثيراً في سيماتها عن الثقافة الصينية، لا سيما في مجال الآداب والمعرفة والتصاوير؛ حيث “تمَّ استكشاف نظام للكتابة والتدوين؛ مما ساعد ذلك على تطويع الحروف الصينية لصالح اللغة اليابانية.”[43] وقد كان لتعاليم كونفوشيوس في أهمية بذل الجهد وقعاً في حياة اليابانيين؛ إذ كان التزامهم بهذه التعاليم سبباً في حصول هذا الإبداع والتميُّز؛ أما في منتصف القرن التاسع عشر بعد انفتاح اليابان على العالم، اتجه اليابانيون عن بكرة أبيهم للاغتراف من معين الثقافة الغربية، لإرواء عطشهم المعرفي الذي دام قرنين ونصف. لقد أقدم اليابانيون على ثقافة الغرب، يحدوهم أمل في تجاوز هذه الثقافة بالجهد كما تجاوزوا الثقافة الصينية بالجهد أيضاً. عندما فتحت اليابان عينيها على العالم ألفت نفسها أمة مبدعة، ولم يكن ليتحقَّق لها ذلك إلاَّ بعاملي التحصيل المعرفي المنقطع النظير، وتوظيف الجهد المتواصل. ولا شكَّ أن التعليم النوعي في اليابان قد أسهم في استمرار الإبداع الياباني والارتقاء به إلى مستويات عالمية، تجلَّت في ما وصلت إليه اليابان من إنجازات اقتصادية وفتوحات تكنولوجية، عجزت عنها الدول التي أرغمت اليابان على التعليم الإجباري والانفتاح على حضارتها.

لقد اهتدت اليابان إلى فكرة التربية المركَّبة منذ دخول البوذيين إلى اليابان في القرن السادس الميلادي، فركَّبت ثقافة البوذيين الصينية بجهود اليابانيين، ونسجت خيوطاً إبداعية متماسكة، امتدت إلى منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث لم يجد اليابانيون عائقاً في التماهي مع علوم الغرب وتجاوزها؛ وقد تجسَّدت فكرة التربية المركَّبة رسمياً سنة 1871م/1287هـ، المتزامنة مع إنشاء أول وزاة تربية في تاريخ اليابان، أطلق عليها اسم: “وزارة التربية والثقافة والرياضة والعلوم والتقنية”. وهي هيئة تربوية حكومية مركَّبة من خمسة عناصر حيوية، كلها تسهم في بناء الأمة. فما يشغل التعليم يشغل الرياضة، وما يعوق الثقافة سيعوق العلوم والتقنية؛ إذ يشكِّل هذا التركيب التربوي سرَّ نجاح اليابان التكنولوجي؛ لأن التكنولوجيا هي وليدة هذه العناصر الحيوية الخمسة. فضلاً عن أن الطبيعة البسيطة لهذا التركيب التربوي لا تميِّز بين التعليم والتربية؛ فالتعليم في اليابان هو نفسه التربية، فلا فرق بينهما إلاَّ قليلاً. 

التعليم في اللغة اليابانية يعني “كيو-إكوKyoiko “، وهو بذلك ينقسم إلى قسمين: “كيو” ويعني نقل المعرفة أو التشجيع على التقليد، و”إكو” يعني التعليم والتنمية والتطوير. ومن هنا يفهم التعليم في اللغة اليابانية على أنه “التشجيع على تقليد الآخرين عبْر التعليم.” و”نقل المعرفة من أجل التطوير والتنمية.”[44] كما تعني “إكو” تربية الطفل؛ إلا إنه يمكن أن نستشف من هذا التعريف أن التربية اليابانية ليست تقليداً للآخر الغريب؛ بل هي استمرار على طريقة الآباء والأسلاف؛ أما التعليم فهو الانفتاح على الآخرين وفق معايير تربوية صارمة، تحافظ على تراث الأسلاف، وخصوصية الأمة اليابانية.

انطلاقاً من المفهوم اللغوي الياباني للتعليم، لم تجد اليابان حرجاً في تقليد الآخرين، كما لم تتوان في تجاوز هذا التقليد للحفاظ على الكيان التربوي للأمة؛ لأن الوقوف عند التقليد يشكِّل خطراً على تربية الطفل، الذي قد يشبُّ مقلِّداً لمعرفة غريبة عن بيئته. هناك وعي تربوي ياباني بأهمية التقليد وخطورته على الأجيال، ولهذا تكاثفت الجهود لتحويل المد المعرفي إلى مسار تربوي ينعش الأمة اليابانية، ويزيد من فرصها في الإبداع والبناء واستثمار التعليم. ولنا نماذج تطبيقية في ذلك، وأهمها:

1-نموذج تحصيل المعرفة: قد لا نلفي شعباً شغوفاً بالمعرفة مثل الشعب الياباني، ولنا أن نقيس هذا الشغف المعرفي لدى اليابانيين بالبحث عن المعرفة للتفوق عليها وتجاوزها، فلا يكاد الياباني يتوقف حتى يهرع إلى البحث عن معارف أخرى، وهذه معركة مع العلوم لا تنتهي في اليابان. فشعار اليابانيين الثقافي هو: “التعليم حق مقدس لجميع اليابانيين”، وقد نصَّ على ذلك أول دستور ياباني في منتصف القرن التاسع عشر. يمتلك اليابانيون قدرة عجيبة في تمييز المعارف وما يصلح منها. فقد اختاروا الثقافة الصينية؛ لأن الصين كانت تشكِّل أرضاً للحكمة والمعرفة. فضلاً عن أن اليابانيين شغفوا بالثقافة الصينية الفصيحة الراقية؛ لأنهم كانوا يعانون من لغتهم اليابانية الشعبية، ورأو أنها لا تصلح لأن تكون لغة علم ومعرفة، وتالياً ركَّزوا على تعلُّم اللغة الصينية وإتقانها؛ مما جعل اللغة الصينية لغة استقراطية. إن الاهتمام الكبير باللغة الصينية يسَّر على اليابانيين هضم الثقافة الصينية والإحاطة التامة بمنظومتها الفكرية والمعرفية والفلسفية؛ أما في بدايات القرن التاسع عشر فقد تمكَّن “فوكوزاوا يوكيتشي” (1835م/1250هـ-1901م/1318هـ) Fukuzawa Yukichi من تحصيل اللغة الهولندية في مجتمع منغلق على نفسه، وكان أول تلميذ في اليابان يتعلَّم اللغة الهولندية إلى جانب أقرانه الذي يعدون على الأصابع. يرجع فوكوزاوا هذا التحصيل السريع للغة الهولندية التي تختلف أفقياً عن اليابانية المسطَّرة عمودياً، إلى أن “العلاقة بين المعلم والطالب كانت من النوع الحميم الذي يربط الأب بابنه.”[45] بفضل اللغة الهولندية تمكن العارفون بها من الإحاطة بعلوم الغرب؛ إذ خفَّفت هذه المعرفة من أثر الصدمة التي أصابت اليابانيين بعد الانفتاح على اللغة الإنجليزية؛ لأن الذين اتقنوا اللغة الهولندية وحصَّلوا معارفها، لم تفاجئهم إنجازات الغرب العلمية، بل تقبلوها وتفانوا في تقليدها، ولم يقفوا عاجزين أمام لغتها الإنجليزية حتى يعجزوا في تحصيل معارفها، ولهذا نلفي فوكوزاوا لما زار أمريكا في بعثة يابانية، يقول:  “تم اصطحابنا إلى مركز لتكرير السكر، وشرحت لنا العملية الأساسية بدقة بالغة، وإنني على يقين من أن مضيفينا قد اعتقدوا أنهم يطلعوننا على شيء جديد تماماً بالنسبة إلينا، ومن الطبيعي أنهم انتظروا دهشتنا حيال كل ابتكار جديد من ابتكارات الهندسة. ولكن الأمر على العكس من ذلك، فلم يكن شيء جديد حقاً، على الأقل بالنسبة إلي.”[46] وبعد الانفتاح على الغرب في منتصف القرن التاسع عشر بعث ميجي إمبراطور اليابان جملة من المثقفين اليابانيين لدراسة معارف الغرب، وقد استغرق تحصيلهم العلمي ثلاث سنوات، تولدت منه أول وزارة تربية في تاريخ اليابان، كان شعارها: “لن يبقى أمي واحد في اليابان بعد عشرين عاماً”، وحقاً احتفلت هذه الوزارة بمحو الأمية من اليابان سنة 1896م/1313هـ. تمَّ في اليابان تحصيل المعرفة أولاً ثم تسمية الوزارة ثانياً، ما يعني أن التربية المركَّبة في اليابان المتجلِّية في وزارتها المركَّبة، جاءت عقب التحصيل العلمي للبعثة، ومعرفة حقيقة العناصر التي تسهم في تطوير التعليم وبناء أمة. فالتحصيل المعرفي في اليابان موجَّه لتحقيق أهداف تحديثية وليس تغريبية؛ مؤمِّنين أهدافهم النبيلة بشعار ميجي التنويري: “التكنولوجيا غربية والروح يابانية”، وذلك للتركيب بين الأصالة والمعاصرة. فلا يتعلَّم الياباني إلا ما هو قابل للتطبيق، ولا يعتقد في الترف المعرفي؛ بل يعده مضيعة للوقت. إن هذا التعامل الذكي والنفعي مع التحصيل المعرفي يشكِّل أحد أسرار الوقت الإنمائي الذي يسهم في نهضة اليابان؛ لأن الترف المعرفي والانشغال به يسرق الوقت من الإنسان؛ ولعلَّ هذه الخبرة في التعامل مع التحصيل المعرفي ساعدت اليابان على فرز الرزمة التربوية التي جاءت بها إدارة الاحتلال الأمريكي ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد واجه اليابانيون الإصلاحات التربوية الأمريكية المفروضة قسراً على النظام التربوي الياباني، وتعاملوا معها بخبرة التحصيل العلمي، فمنحوا للأمة اليابانية تحديثاً، وليس تغريباً كما كانت تتوقَّع ذلك إدارة الاحتلال الأمريكي، وربما العالم أيضاً؛ مما جعل المجتمع الياباني مجتمع معرفة بامتياز. معرفة تستفيد وتفيد. هذا لأن التربية المركَّبة في اليابان ترى في التحصيل المعرفي لبنة أساسية من لبناتها؛ فهي تشترط على الطالب إكمال المرحلة الثانوية إذا رغب في الالتحاق بوظائف في الدولة أو في الشركات اليابانية أو في المصانع؛ مما جعل الطلبة اليابانيون يحتلون المراتب الأولى عالمياً في العلوم الدقيقة، مثل: الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء. إن اليابان “قد جاء ترتيبها الثاني -بعد إسرائيل- في اختبارات الإنجاز Achievement tests التي عقدت عام 1964م/1383هـ، لأبناء اثنتي عشرة دولة في سن الثالثة عشرة، وذلك في مجال الرياضيات.. وأبلى الشباب بلاء حسنا كذلك في الاختبار الدولي في العلوم، والذي عقد سنة 1970م/1389هـ، واشترك فيه أبناء تسع عشرة دولة تتراوح أعمارهم بين العاشرة والأربع عشرة سنة. وبالنسبة للأطفال في عمر العشر سنوات، حقق اليابانيون المركز الأول في الاختبارات في علوم الأرض، والكيمياء، والأحياء، وعلى الرغم من احتلالهم للمركز الرابع في المعلومات؛ إلا أنهم حصلوا على المركز الأول في الترتيب العام بسبب تربعهم على المركز الأول في القدرة على الفهم، وتطبيق المبادئ العلمية، وفي العمليات العقلية المتقدمة.”[47] لقد أسهم هذا التحصيل المعرفي في حصول اليابانيين المتعلِّمين على وظائف راقية، ما أدى بتوسع  دائرة الطبقة الوسطى في اليابان إلى 90%.

تسهم المؤسَّسة التربوية المعاصرة في اليابان في تحصيل المعرفة، نظراً لكونها من المؤسَّسات التعليمية المتطوِّرة في العالم، فضلاً عن أنها تتركَّب من أخلاقيات العلم والعمل. وهي مؤسَّسة تربوية انبثقت من المؤسسة العسكرية التاريخية. فالساموراي الذي كان فارساً في فترة العزلة أصبح معلِّماً بعد انفتاح اليابان. من إرث المؤسسة العسكرية القديمة اكتسبت المؤسسة التربوية عناصر القوَّة والحزم والتفرُّد. لقد ازدهرت هذه المؤسَّسة التربوية في فترة توكوجاوا التي قامت في هذا الأساس على المرسوم العسكري، الذي ينصُّ على أن: “تعلُّم فنون السلام، يعَدُّ مساوياً لتعلُّم فنون القتال”. وبذلك ظلَّت اليابان تتعلَّم سلمياً بروح قتالية؛ حيث كان للساموراي دور كبير في تطوير التعليم، وتنشيط الفكر، وإرساء التكنوقراطية، لإثراء البلاد وتقوية النزعة العسكرية. وقد أدخلت اليابان على هذه المؤسَّسة أساليب حديثة في عصر ميجي، في أواخر القرن التاسع عشر، مما أدَّى إلى تنويع المناهج الدراسية داخل المؤسسة التعليمية. وقد اتبع ميجي سياسة تعليمية تقوم على أن المعرفة ينبغي أن يُبحَث عنها، ويُقتفَى أثرها في كل أنحاء العالم.

أيضاً، قامت هذه المؤسسة التربوية بإرسال مئات من الطلاَّب اليابانيين الشباب إلى كل من إنجلترا، والولايات المتَّحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، وذلك بهدف تعلُّم أسرار التكنولوجيا الغربية وأساليب الإنتاج. كما قامت هذه السياسة التعليمية على دعوة آلاف من الخبراء الأجانب إلى اليابان بمرتبات مغرية، وكانت “مهمَّة هؤلاء إنشاء المعاهد، والجامعات، والمصانع، وتقديم طرق الزراعة الحديثة وأساليبها.”73 أما ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد سلكت هذه المؤسَّسة التعليمية توجُّهاً تربوياً صارماً، خصوصاً في ظلِّ أمركة المدارس اليابانية؛ ففي ظلِّ التغيير الذي فرضته إدارة الاحتلال الأمريكي على المناهج التعليمية؛ فإن اليابان قد اتَّخذت من التربية العمود الفقري للإصلاح الاجتماعي بعد الحرب، على الرغم من محاولة إدارة الاحتلال إثباط هذا المسعى، الذي ينمِّي الفرد والمجتمع. فقد عَدَّ اليابانيون أن محو الأمية والتوسُّع في إنشاء المدارس مسؤولية المجتمع تجاه أطفاله، ما أدَّى إلى هبوط نسبة الأمية إلى صفر% تقريباً، واستمرار 94% من التلاميذ في المدرسة بعد انتهاء مدَّة الإلزام لإتمام الدراسة في مرحلة التعليم الثانوي، وإكمال 34% ممن أتمُّوا تعليمهم الإلزامي دراستهم الجامعية.74

من جهة أخرى، تميَّزت المؤسَّسة التربوية اليابانية المعاصرة بإدخال أسلوب المهارات على مناهجها الدراسية، وإلزام الدارسين على اكتسابها، والتدرُّب عليها؛ فإلى جانب الاجتهاد والمثابرة، تقف مهارات أخرى في انتعاش المؤسسة التربوية اليابانية، أهمُّها:75

أ-مهارة جمع معلومات كافية واستخدامها بغرض تصنيف المعلومات وتبويبها، ما يجعل للمعلومات فوائد علمية.

ب-مهارة تعلُّم البراعة في العلم، وبطرق منتظمة، وترتبط هذه المهارة بعادات العمل وسلوكياته، ويقصد بالبراعة الحرص على الدقَّة في الإنجاز والاستمرارية في تأديته بطريقة منتظمة.

ج-مهارة تعلُّم أداء العمل بإخلاص، والهدف منها تركيز العقل والتفكير في العمل، والإحساس بالمسؤولية والالتزام، والدقة في الأداء. فتقسيم العمل مهمٌٌّ حتى لا يتوزَّع ولاء الفرد وإخلاصه على عملين أو أكثر.

د-مهارة تعلُّم سرعة التصرُّف، وتتَّضح هذه المهارة، كما يرى شيجنومي ناجو S. Nagano، في قدرة الفرد على التنقُّل والإجادة من عمل لآخر، والتطبيق الدقيق والرشيق للمعلومات، ما يؤدِّي إلى سرعة الاستيعاب والاستنتاج.

ه-مهارة انطلاق الومضة التي تهيِّء البيئة النفسية والعملية للعمل، والهدف من هذه المهارة تعليم الفرد على القدرة على حسن التصرُّف، والحدس والإلهام وأداء الأعمال، ما يؤدِّي إلى الانغماس في العمل، والتحمُّل والقدرة على اتِّخاذ قرار عمل الصعب من الأمور، والالتزام القلبي في أداء الأعمال، وهذا كله يفضي إلى التعاون والأداء الجماعي.

2-نموذج الجهد والاعتماد على الذات:لم تكن اليابان لفترة من الزمن شيئاً مذكوراً، وإذا ذُكرت وُسمت بالتقليد. وكان ذلك يؤرِّق اليابانيين؛ لأن لغتهم الشعبية لم تكن في مستوى المعارف الأخرى التي تبدعها لغات فصيحة وراقية. ولم تكن اليابان على علم بشؤون العالم، ولكنها كانت تنظر إلى الصين بوصفها مركزاً للعالم. فركَّزت كامل جهدها لتحقيق الاستقلال اللغوي عن الصين، واختارت أن تبقي على اللغة الصينية لغة للتأليف والحوار، أو تستعير حروف اللغة الصينية بحيث يكون نطقها بالطريقة التي تناسبهم. وكان الاختيار الثاني مناسباً لهم؛ ولكن ظلَّت لعنة التبعية اللغوية تطاردهم؛ إلا أنه في ظل تكثيف الجهد ابتكر اليابانيون أبجديتهم، وهي حروف مقطعية، تسمى: أبجدية “كانا” Kana ، وقد اكتملت ترسيمتها نهائياً في القرن التاسع الميلادي، وهي “عبارة عن مجموعة من الرموز يمثل كل منها مقطعاً خاصاً أمكن بها تبسيط الحروف الصينية واستخدامها منطوقة للتعبير صوتياً عن مقاطع الكلمات اليابانية.”[48] لقد ظل اليابانيون في ذلك الوقت يعتقدون أن تطوير لغتهم هو ناجم عن الجهد وليس عن الابتكار؛ لأن لغتهم اليابانية بأبجديتها الجديدة لا زالت عاجزة عن التأليف؛ ولكن أسهمت في تطور الشخصية المستقلة لليابان. النجاح في اليابان لا يقاس بالذكاء وإنما بالجهد والمزيد من التحصيل المعرفي. فالتراكم المعرفي، كما يراه اليابانيون، قد لا يؤتي أكله في الحاضر؛ ولكن ينفع للغد. في القرن التاسع عشر تمكَّن فوكوزاوا بجهوده المتضافرة من الإسهام في نهضة اليابان الحديثة، فبعد إتقانه للغة الصينية والهولندية والإنجليزية بجهوده الشخصية، سارع إلى توظيف هذه المعارف بافتتاح أول مدرسة في اليابان تدرِّس اللغات الأجنبية والدراسات الأوربية، وكان ذلك سنة 1868م/1284هـ، قبل إنشاء وزرارة التعليم، وقد كانت مدرسة “كايوجيجو كو”، تسيَّر بدعم ذاتي من فوكوزاوا نفسه، وكانت تستوعب 100 طالب مقيم، وهو عدد مدهش بالنسبة لتلك الأيام، فضلاً عن أن مكتبتها النادرة، هي من تمويل فوكوزاوا نفسه، فقد جلب معه كتباً نادرة في ثاني زيارة له لأمريكا، وهي كتب ومراجع لم يطلع عليها أحد من قبل في اليابان. وقد اعتبر فوكوزاوا أن المدرسة ليس عملاً شخصياً، وإنما هي جهود مشتركة لرجال تجمَّعوا من أجل هدف مشترك هو التعليم. ظل فوكوزاوا مصدر إلهام وزارة التربية؛ إذ يعد الأب الروحي لهذه النهضة التي أسهم في قسط كبير منها، وذلك على الرغم من أنه كان زاهداً في العمل الحكومي، فلم يقترب منه طوال حياته، وفضَّل الجهد الشخصي والعمل الخيري على إغراءات الوزارة. ولو نتصفَّح سيرة فوكوزاوا لألفيناه مثالاً للجهد والطموح والتضحية والاعتماد على الذات، لا سيما وأن معظم مؤلفاته تدعو إلى التشجيع على التعليم بالتحصيل المعرفي ومزيداً من الجهد والاعتماد على الذات. لقد تحوَّلت مدرسة فوكوزاوا بجهدها الكبير إلى جامعة كيئو العريقة Keio University، التي تخرَّج منها صناع القرار في اليابان، وأهمهم: جونيتشيرو كيوزومي  Junichiro Kuizomi رئيس وزراء اليابان الأسبق (2001م/1421هـ-2006م/1426هـ)، وريوتارو هاشيموتو  Ryutaro  Hashimoto رئيس وزاء اليابان الأسبق (1996م/1416هـ-1998م/1418هـ). هناك جهود يابانية متواصلة في العطاء، فلنفي الطلبة اليابانيون يواجهون جحيم الامتحانات بصبر وتضحية وتحدٍّ؛ لأن تجاوز الامتحان يعني الانتساب إلى أرقى الجامعات، ومن ثم إمكانية الحصول على وظيفة في سوق العمل، قد تفتح المجال واسعاً لخدمة أمة اليابان. فبالجهد والاعتماد على الذات يُصنع مستقبل اليابان. يمكن أيضاً اعتبار الامتحانات في اليابان مقياساً عالمياً للجهد الياباني، فمثل هذه الامتحانات الصارمة ظاهرة يابانية يصعب تكريرها؛ حتى في الأمم التي بلغت شأناً عظيماً في التربية والتعليم. ففي هذه الامتحانات تتكاثف الجهود بين المعلم والأسرة لإنجاح الطالب. فنلفي المعلم يقوم “بدور الناصح الذي يحاول مساعدة تلميذه في مواجهة الامتحان. ذلك أن إحساس المعلم الياباني بمسئوليته نحو معاونة تلاميذه خارج ساعات الدرس هو إحساس أرحب، حتى أنه عادة ما يتواجد في مدرسته في كثير من الأيام خلال العطلة الصيفية.”[49] أيضاً الأسرة تبذل قصارى جهدها لإلحاق أبنائها بمدارس ذات امتياز تربوي؛ ومن ثم فإن مهمة النظام التربوي الياباني المركَّب أنه “يقوي دور الفاعلين الأساسيين، وهم الطلبة والمدرسون وأولياء الأمور، في الانحياز للطالب ومساندته أثناء إعداد نفسه للامتحانات.”[50] وأعتقد أنه لو جاءت الامتحانات يسيرة ما كان ليحصل هذا الجهد المركَّب من المعلم والتلميذ والأسرة. فنوعية الامتحانات في اليابان تفرض زيادة كمية الجهد.

3-نموذج الإبداع والابتكار: إن ما يوفر لليابانيين مساحة كبرى للإبداع هو إحساسهم بأنهم شعب أصيل، يتخذ من الأصالة درعاً واقياً لمواجهة تحديات الغزو والحداثة والتغريب. الأصالة عامل مهم في العملية الإبداعية، وبداخلها يكمن روح التجديد. الإبداع أول ماخرج من رحم الأصالة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبدع بلغة لا يعرفها، وهذا حال اليابانيين. قبل تعميم اللغات وانتشارها كان الإبداع يتم عبر اللغة الأصيلة، ومن الطبيعي أن يأتي الإبداع أصيلاً. لقد سجَّل اليابانيون إبداعاً تاريخياً أصيلاً بلغتهم الجديدة “كانا”، فاشتهرت في ذلك الوقت قصائد قصيرة تسمى “تانكا”، وقد كان لكتابة النثر، في شكل مذكرات يومية، أثر بالغ في الحياة الثقافية اليابانية الجديدة. فكانت “رواية جنجي Genje العظيمة التي كتبتها السيدة مورازاكي Murasaki في عام 1000م/390هـ تقريباً، ليست فقط أول رواية طويلة عرفها العالم، بل تعتبر إحدى روائع الأدب في كل العصور.”[51] وقد أصبحت هذه الرواية معْلماً تربوياً بارزاً في اليابان، لما اتصفت به من تصوير دقيق لحياة أفراد البلاط الإمبراطوري؛ مما يشير ذلك إلى تاريخية أصالة الإبداع الياباني، وأن التقليد الياباني لا يعدو تعليماً من الآخر، والاغتراف من معين الإرث الإنساني. أما التقليد الذي يفتقر إلى الجهد يبقي صاحبه عند حافة التقليد لا يكاد يبرحها إلى عالم الإبداع.

 تشكِّل مؤسَّسة الإبداع والابتكار مفتاح المنظومة التكنولوجية في اليابان. فإذا كان هدف مؤسَّسة التربية، هو اكتساب المعارف بالتلقين العلمي؛ فإن مؤسَّسة الإبداع والابتكار هدفها إنماء المعارف بالبحث العلمي. ويكون ذلك بإنتاج المعرفة ونشرها وتطبيقها، ما يجعل مؤسَّسة الإبداع والابتكار في خدمة مؤسَّسة التعليم، وتالياً يسهمان معاً في التطوُّر التكنولوجي في اليابان، الذي يحيلهما بدوره إلى مؤسَّسة واحدة. ففي بعض الدول المتقدِّمة في أوربا يمكن أن نلاحظ الفرق بين المؤسَّستين في ظلِّ الضعف في مجال الأبحاث العلمية، وذلك على الرغم من تقدُّم مؤسَّسة التعليم في هذه الدول. فاستحداث مؤسَّسة تعليم قوِّية بإنجازاتها، يرتكز أساساً على تفعيل مناشط الاستمرار فيما يتعلَّق بتدريب المعلِّمين وتحسين مهاراتهم، ومثل هذا يمكن أن يسهم في بناء الشخصية المتعلِّمة. أما في مؤسَّسة الإبداع والابتكار، فالأمر يختلف تماماً؛ لأنها تقف على قاعدة صلبة من المعلومات يوفِّرها العلماء؛ إذ تتركَّز شبكة الاتصال بين العلماء “في أغلب الأحيان في البلاد التي تمتلك بنية تحتية في الأبحاث والتي تمتلك تطوُّراً تكنولوجياً. أما الآخرون، ولأنهم لا يمتلكون الموارد الكافية من أجل تبادل المعلومات ذات الصلاحية أصبحوا عملياً على أطراف التطور العلمي، وينطبق ذلك أيضاً داخل أوربا حيث نجد مثل تلك الفروقات بين الدول.”80 فالأمر هنا يتطلَّب موارد مالية ضخمة، لن تتحقَّق إلاَّ من خلال الادخار المستمر، وإنجاز المعلومات التي تدرُّ عائداً وفيراً؛ لأن الناتج المحلِّي الذي يغذِّي الأبحاث ويطوِّرها، يزيد كلما زاد العمل في تنمية تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ICT، وهذا بدوره يساعد على تغذية بنية القطاع الاقتصادي للدولة، في كل من الزراعة والتصنيع والخدمات التي تشمل المعلومات، كما يؤدِّي إلى “ترسيخ البنية السياسية والاجتماعية للدولة وتفعيلها، ليشعر الإنسان في قرارة نفسه -وبوصفه مواطناً- أنه يعيش لأهداف واضحة ومفيدة.”81

لقد تميَّزت اليابان في تفوُّقها واستقلالها في مجال العلم والتكنولوجيا في الدمج المبكِّر بين مؤسَّسة التعليم، ومؤسَّسة العلم (=الإبداع والابتكار). وكما يشير تورو هيروشيغه  T. Hiroshige (1928م/1346هـ-1979م/1399هـ)82 في مؤلَّفه التاريخ الاجتماعي للعلم: أن تحقيق التصنيع في اليابان بهذه السرعة يرجع إلى أن العلوم لم تُدمَج في المناهج الدراسية الجامعية في مرحلة متأخِّرة عن أوربا، فاليابان قد شاركت مبكِّراً في النشاطات العلمية الدولية منذ عام 1884م/1301هـ؛ أما شكايوشي كمتانيC. Kamatani 83 فيرى: أن اليابان قد بدأت في تنظيم البحث منذ 1868م/1284هـ، وهي بداية مبكِّرة لم يسبقها في هذا المجال سوى الأمم الغربية، التي بدأت تنظيم أبحاثها سنة 1770م/1183هـ، المتزامنة مع الثورة الصناعية.

فضلاً عن ذلك، فإن البعثات اليابانية إلى الغرب، لم تقف عند إرسال الطلبة للحصول على الشهادات العليا فقط؛ وإنما شملت البعثات أعداداً كبرى من العلماء، والمهندسين، والباحثين، بهدف زيارة الجامعات الكبرى، والمصانع، ومراكز البحث، للإطلاع عن كثب على التطوُّرات الحاصلة في الأفكار، والنشاطات العلمية، والمنشورات الجديدة، وكل ما ينشر عن براءة الاختراع. الأمر الذي عكس حصول ارتباط وثيق في الداخل بين إطارات الحكومة وإدارتها، وبين مراكز البحث والجامعات والمؤسَّسات الصناعية العملاقة. وهذا بدوره قد شحذ دينامية الاعتماد على الذات. فطموح مراكز البحث العلمي، إلى جانب تضحيات المؤسَّسات المانحة، قد أفرز طاقات علمية قادرة على تحدِّي تجارب الغرب، وتحقيق الإنجازات الضخمة.

إن استمرار اليابان في عملياتها الإبداعية والابتكارية في التركيز على عمليات الترجمة، والتخزين، والتصنيف والتأليف، قد ساعد على تغيير إمكانات الفاعل الإنساني التربوي في الاتجاه الذي يتناسب مع التقدُّم التكنولوجي السريع. فاليابان في ظلِّ الاستمرارية الناجمة عن الترجمة لكل ما هو مفيد للمجتمع، وفي ظلِّ التغيير الناجم عن التأليف داخل دائرة الترجمة بوصفه طريقةً فاعلةً لاختصار تجارب الآخرين؛ في ظلِّ ذلك كله تكون اليابان قد حوَّلت البنية التنظيمية لمؤسَّسة التعليم ومؤسَّسة العلم إلى بنية ابتكارية وإبداعية خلاَّقة؛ ولأن الترجمة وتداعياتها كانت سبباً في التطوُّر التكنولوجي السريع -هذا إذا ما سلَّمنا أن البحث العلمي هو وليد الترجمة، أو توظيف تجارب الآخرين بطريقة تضفي على البحث بعداً ذاتياً وقومياً- فإن اللغة القومية التي تشكِّل جسراً بين الترجمة والإفادة من تجارب الآخرين، كان لها الفضل الأكبر في مسيرة التقدُّم العلمي والتكنولوجي في اليابان.

 لقد أسهم التمسُّك باللغة القومية في ضخِّ المعلومات والبيانات والمنشورات في شرايين المؤسَّسات التعليمية والعلمية؛ بل وأيضاً في مراكز التدريب المهني التي ينتسب إليها من لا يمتلك القدرة المادية على مواصلة التعليم. فاللغة القومية اليابانية اكتسبت أهمِّيتها داخل مؤسَّسة العلم، ومؤسَّسة العلم انتظمت وتوسَّعت في ظلِّ إقبال المجتمع عليها والتوحُّد معها؛ مما جعل اللغة اليابانية لا تقلُّ أهميةً عن اللغة الإنجليزية بوصفها لغة البحث العلمي المتطوِّر. فاللغة اليابانية أصبحت أداة إنتاج للعالم المتطوِّر تكنولوجياً؛ لأن “اللغة اليابانية اليوم لغة مشتركة متطوِّرة تماماً وذات إمكان وظيفي ملائم لكل متطلبات الاتصال الحديث، مثلها مثل الإنجليزية والألمانية… إن الفرص الفعلية لتحقيق الإمكان الوظيفي للغة ما في سوق معينة لا تحدَّد بالعوامل الاقتصادية وحدها. فهناك عوامل أخرى تتدخَّل ذات طبيعة سياسية أو اجتماعية-نفسية.”84

إن الاعتماد على الجهود الجماعية التي أفرزت الطموح والتضحية والتحدِّي، أدَّى إلى الاعتماد القومي على المؤسَّسات الوطنية في العلم والتكنولوجيا؛ لأن المعيار الذي يحدِّد التكنولوجيا المثلى يتمثَّل في الاعتماد على الذات، كما يرى الباحثان تاكاشي وشوجي، ويضربان، في هذا الإطار، مثالاً عن تكنولوجيا صناعة الصلب في اليابان، فالتكنولوجيا الخاضعة للتنظيم المؤسَّسي في مصنع الصلب كانت مدعومة من قبل الوحدات الخارجية، ومن غير هذا الدعم يتعذَّر اتخاذ إجراءات فورية. ويرى الباحثان: أنه في حالة حدوث عيب في هذا المصنع وأردنا نقل التكنولوجيا إلى موقع تختلف ظروفه عن الموقع السابق، ينبغي تعديل تصميم المصنع، ولكن المعلومات اللازمة لإجراء مثل هذه التعديلات غير متوافرة لدى المصمِّمين المحلِّيين، ما يؤدِّي بالمهندس الأجنبي إلى الاستعاضة عن هذه المعلومات بمعلومات بديلة من بلده، ومثل هذا قد حدث بصورة متكرِّرة في اليابان، ولتجنُّب مثل هذه الأخطاء دعا الباحثان إلى معالجة موضوع القوى البشرية، وإن كانت مثل هذه العملية -الاستعاضة عن الخبراء الأجانب- قد تجعل من التدريب أمراً صعباً للغاية، وبهذا يكون الاعتماد على الذات قد استغرق لتأهيل هذه القوى البشرية، ما ينيف على النصف قرن.85

إذاً هناك عوامل داخلية، أسهمت في تحقيق التنظيم المؤسَّسي للإبداع والابتكار في اليابان، وأهمُّها:

أ-الفاعل الإنساني التربوي بما يختزن من طموحٍ، وتضحيةٍ، وتحدٍّ، وقدرةٍ على الإنجاز، وإصرار على الاستمرار في تغيير العالم نحو الأفضل.

ب-حركة الترجمة والتخزين والتصنيف والتأليف.

ج-المشاركة المبكِّرة في المؤتمرات الدولية.

د-الربط المبكِّر بين مؤسَّسة التعليم، ومؤسَّسة العلم.

ه-توظيف القيم في عملية تحديث اليابان، ما منحها المنهج السليم في طرق الاستفادة من العلوم الأجنبية.

و-توافر مبالغ ضخمة، نجمت عن الادخار والاستثمار، أدَّت إلى بناء قاعدة معلومات علمية وتكنولوجية.

ز-التمسُّك باللغة القومية أدَّى بالمجتمع إلى التوحُّد مع مؤسَّسة التعليم، ومؤسَّسة العلم.

ح-التعاون الوثيق بين الحكومة، والعلماء والباحثين والمهندسين ومراكز البحوث، والشركات المانحة.

ط-الاعتماد على الذات في نقل التكنولوجيا.

ي-التدريب المستمر والتغيير المنتظم.

4-نموذج بناء أمة: لقد استثمرت اليابان إبداعاتها في بناء أمة. وإذا جاءت الأمة متماسكة وتنطوي على كثير من المعاني العالمية والإنسانية، فهذا يعني أن لإبداعاتها تأثيراً في الإنسانية والعالم. إن بناء أمة يابانية بعد مغامرة العزلة وفاجعة القنبلة النووية، يرجع إلى أصالة إبداعاتها، وهذه الأصالة تمتح مقوماتها من تراث الأسلاف، وتتخذ من مركزية اللغة القومية طريقاً لتماسك البناء. فالمجتمع الذي يتكلم لغة واحدة ينبغي أن ينبني بلغة واحدة. ونموذج بناء أمة يعود إلى الآتي:

أ.اللغة القومية.

ب.تراث الأسلاف.

ج.علوم الخلف وجهوده.

د.الإبداع المحلي.

ه.الانتقال بالإبداعات المحلية إلى العالمية.

و.الإسهام الذكي في إدارة العولمة.

إن وجهة النظر اليابانية في كيفية بناء أمة تنتهي إلى: “أنه من خلال التفاني والاجتهاد تستطيع البشرية أن تخلق في العالم الراهن المجتمع الوحيد والمصير الوحيد الذي ستعرفه في أي وقت؛ لأنه ليس هناك مجتمع آخر ولا مصير آخر.”[52] لا شكَّ أن التعليم والتقاليد والروح الوطنية قد رسمت طريقاً لبناء أمة يابانية لا تقهرها إلا الكوارث الطبيعية؛ فالثروات البشرية التي نظمها التعليم واستثمرها هي المسؤولة عن وحدة هذا البناء وتماسكه. أمة اليابان بدون إنسان ياباني تفتقد إلى السيادة وتتغذى من مائدة التبعية، والأمة اليابانية من غير تعليم أصيل يكون مصيرها التغريب وتتشرَّب من مستنقع المثاقفة. فالأمة لا تبنى من فراغ، وأمية، وجهل، وتزييف للوعي، واستبداد بالرأي.

لم تبن اليابان نفسها وحسب، بل أسهمت في بناء دول آسيوية كثُر، وأهمها: كوريا الجنوبية، وماليزيا.

أ.بالنسبة لكوريا “قام اليابانيون بإحداث توسيع سريع في مقدرة كوريا الصناعية.”[53] ولا شك أن الكوريين قد أفادوا من قيم التعليم الياباني، وطريقة البناء الذكية والسريعة، وبذل الجهد الذي به تبنى أمة. على الرغم من هذا الإسهام الياباني في بناء كوريا “ما كان للنجاح أن يحصل لولا الجهد المثير للإعجاب الذي قام به شعب كوريا الجنوبية، فمهاراتهم وأخلاقيات العمل الشاق لديهم كانت بمثابة الغراء اللاصق الذي جعل الأشياء متماسكة.”[54]

ب.يقول محاضير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق (1981م/1401هـ-2003م/1423هـ): “رفاهية ماليزيا اليوم مدينة كثيراً للاستثمار الياباني الذي ساعد في توفير فرص عمل وفي التنمية الرأسمالية لأسواقنا.”[55] بل يرى محاضير أن بناء أمة ماليزية قوية يكون بالتعليم والتدريب، يقول: “نأمل أن تساهم اليابان أكثر في تعليم الماليزين بزيادة عدد المقاعد المخصصة للطلبة الأجانب في الجامعات والمؤسسات التدريبية في اليابان. طبعاً، نحن لا نتوقع أن تدفع اليابان تكاليف تعليم طلبتنا، ولكن إيجاد المقاعد لهم في الجامعات والمؤسسات التدريبية مهم لنا.”[56]

5-نموذج تنمية: لقد ظلت اليابان تشكل حالة جماعية فريدة من نوعها في التاريخ البشري، وفرادتها تكمن في أنها لا زالت تحتفظ بهذه الروح الجماعية في ظل فردية العولمة وطغيانها. فهناك “تعبير آسيوي يعكس انحيازاً ضد الفردية: الخنزير الذي يبعد عن القطيع يشبع ضرباً.”[57] وهذا ينطبق على الجماعات والتكتلات لمواجهة الفردية والذوبان في الآخر؛ لأن الجماعة يستحيل أن تذوب في الآخر؛ إلا إذا فقدت شخصيتها، وتمزَّقت إلى أفراد لا يجمعهم رأي ولا تفكير. ولهذا فإن اليابان تركت للفردية هامشاً من الحرية؛ ولكن في إطار المسؤولية. تعد المسؤولية حصناً منيعاً أمام الفردية التي ترتع بعيداً عن القطيع. فهي مسؤولة عن نفسها، ومسؤولة عن وحدة القطيع واكتماله. يقول المفكر السياسي الياباني -ومحافظ طوكيو الأسبق-: “في آسيا أصبح العمل جسراً إلى الاكتمال الشخصي، ونشعر بأننا نقدِّم مساهمة إلى المجتمع. وهذا الالتزام الإيجابي نحو المجتمع هو من أكبر مقومات المنطقة… إن العمل المشترك تلقائي ومن صُلْب طبيعتنا.”[58]

إن التناغم بين الشخصية الجماعية المخلصة والشخصية الفردية المسؤولة، جعل اليابان نموذجاً في بذل الجهد واستثماره في مسألة الإبداع. في هذا الصدد يرى الآسيويون أن هناك انسجام طبيعي بين السلوك الفردي والخير العام، ويحدد إيشيهارا هذا النموذج المنسجم بقوله: “إذا لم أقم بدوري وأتحمل المسؤولية فإن ذلك يضر المجتمع، فإذا انهار المجتمع أسقط أنا أيضاً.”[59]

6-نموذج التعليم مدى الحياة: لقد أرسي نموذج التعليم مدى الحياة في عهد ميجي، فقد أعلن هيروبومي إيتو سنة 1879م/1296هـ، وهو شخصية قيادية وأول رئيس وزراء في تاريخ اليابان، أنه ينبغي تذكر أن التعليم استثمار يستغرق وقتاً ولا يمكن أن نتوقع منه نتائج سريعة، وقد طبق هو وزملاؤه الذين تحملوا مسؤوليات جسيمة عن تحديث اليابان، سياسات مستنيرة نابعة من الفلسفة التي يمكن استخلاصها من القول التالي: “إذا كنت تخطط لسنة ازرع حبة، وإذا كنت تخطط لعشر سنوات ازرع شجرة، وإذا كنت تخطط لمئة سنة علِّم الناس. فعندما تبذر حبة فإنك ستحصد محصولاً واحداً، وعندما تعلم الناس فستحصد مائة محصول.”[60]

لقد قطفت اليابان ثمرة حكمتها سنة 1979م/1399هـ، فبعد قرن باتت اليابان سيدة العالم في التكنولوجيا والمهارات. لقد ترسَّخ نموذج التعليم المستديم بعوامل بيئية تمثلت في الإنسان والوقت. فالإنسان الذي يُحترَم في معاشه وبين قومه سيهتبل فرصة التعليم وتنمية قدراته، فكلما زاد عمله زاد احترام الناس له، وهذا منطق ياباني؛ حتى الشيوخ يقاومون إعراض المجتمع الشاب عنهم بالمزيد من التعلم؛ ولعل الإنسان الذي يتعلم سيعرف كيف يشغل وقته؛ لأن المزيد من القراءة والتعلم الذاتي يفتح للإنسان آفاقاً علمية وفكرية جديدة تتيح له استثمارها عن طريق الوقت، كما تتيح له استثمار الوقت عن طريق التعليم المستمر.

يشكل التعليم مدى الحياة أفضل استثمار للوقت؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يشعر بأنه استفاد، وكلما كبر في السن شعر بالرضا، لا سيما إذا كان التعليم المستديم يسهم في ترقية التراب وبناء الأمة. يقول فوكوزاوا: “وفي نهاية المطاف فإن الطموح هو مسألة تتعلق بالظروف. وليس كل شيء يقوله المرء أو يفكر فيه في طفولته يعد ضماناً لما سيصبح عليه في وقت لاحق من حياته. وأولئك الذي يتابعون مواهبهم الطبيعية ويصقلونها بالتعليم ويواصلون المسيرة دون انحراف هم الذي يكللون بالتوفيق في النهاية.”[61]

كان كونفوشيوس الحكيم يوصي مريديه بالتعليم مدى الحياة لمواجهة إغراءات المنصب، فكلما تعلم الإنسان شعر بأنه أكبر من نفسه ومن غيره ومن الأشياء التي تحيط به؛ ولكنه الشعور المتواضع. وعليه “إذا ما اتجهنا شرقاً صوب اليابان، فالحديث عن التعليم فيها سيظل ذا مذاق خاص، ليس فقط لأن نهضتها الحديثة تدين بقدر كبير إلى حركة الإصلاح التعليمي الشاملة في نهاية القرن التاسع عشر، بل أيضاً لما تقوم به حالياً في إطار خطتها القومية لإقامة مجتمع معلومات نموذجي يوفق بين مطالب العولمة وثقافتها ذات الخصوصية الشديدة، في ظل قناعة متزايدة بأن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي، لذا أسست في 1985م/1405هـ جامعة الهواء تلبية للطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم، وتدعيماً لمبدأ ديموقراطية النفاذ إلى مصادره، وتستخدم جامعة الهواء وسائل عديدة لتوصيل الرسالة التعليمية والتواصل مع جمهور متعليمها من البث الإذاعي والتلفويوني إلى الهاتف المرئي، وبالإضافة إلى ذلك أصدرت اليابان قانون (التعليم مدى الحياة) في العام 1990م/1410هـ، الذي نص على إنشاء مجالس التعلم مدى الحياة على المستوى القومي، ومستوى المقاطعات والمحليات.”[62]

لقد أسفر التعليم مدى الحياة في اليابان عن الآتي:

أ.أمة مثقفة، شباباً وشيوخاً.

ب.أمة مبدعة لا يضيق بها السوق، فالطلب عليها في استمرار.

ج.أمة قادرة على النهوض من تحت الرماد، كما حدث بعد الاحتراق النووي.

د.أمة تسهم في استقرار وطنها، وتعجز قوى الشيطان أن تهز كيانها.

ثالثاً-طبيعة الشخصية اليابانية: نزعتا الفردية والجماعية

تنماز الشخصية اليابانية بطبيعة التناغم والانسجام، وهذه الطبيعة ناتجة عن أهمية العمل الجماعي في حياة اليابانيين. إن “القيم الأساسية، في اليابان، هي التناغم والتناسق اللذان يسعى اليابانيون إلى تحقيقهما من خلال التفاهم الذكي فيما بينهم، والذي يتم غالباً ببصيرة فطرية.”[63] لقد أسهم المجتمع الزراعي الأول في رسم معالم هذه الطبيعة الجماعية، لا سيما وأن الأرض اليابانية محدودة في مساحتها الزراعية؛ مما يتطلب التعاون في الزراعة والسقي ومضاعفة الإنتاج؛ حتى تستفيد جماعة من الناس من هذه المساحة الزراعية الضيقة. فالمشاركة الفاعلة للجماعة جعلت الأرض تتسع بإنتاجيتها. لقد “أدَّى اعتماد الزراعة في اليابان على عدد كبير من الأيدي العاملة، وتجمع السكان بكثافة عالية في المساحات الصالحة للزراعة، إلى غرس روح التعاون والقدرة على العمل الجماعي واكتساب المهارات، على مر القرون تأصَّلت هذه الصفات في أعماق الشخصية اليابانية.”[64]

لقد أسهمت الظروف البيئية والاقتصادية في تشكيل الشخصية اليابانية، لا سيما في بعدها الجماعي. ولهذا نلفي الشخصية اليابانية ذات طابع مادي، تستحوذ الأشياء على اهتمامها اليومي؛ مما جعل الثقافة اليابانية ثقافة نفعية، لا تتجاوب إلاَّ مع ما هو عملي، فأخضعت بذلك كل ما هو علمي لكل ما هو عملي. وهذا الشرط العملي للتجاوب مع ما هو علمي أصبح خصيصة فريدة من خصائص التعليم الياباني. وبما أن التربية تسهم إسهاماً فاعلاً في البناء الحضاري للأمة، فقد تشكلت الشخصية اليابانية من شقَّين: الشق الأول وهو اقتصادي مادي له علاقة بالأرض، ولا يستطيع أن يبلغ أهدافه ويحقق غاياته إلاَّ بالتعاون الجماعي؛ والشق الثاني للشخصية اليابانية وهو تربوي معنوي له علاقة بالإنسان الفرد، والتعليم ينمو بالفرد؛ ولكن تثمر نتائجه بالجماعة.

لا شكَّ أن طبيعة الأرض اليابانية هي التي أوجدت الشخصية اليابانية ذات البعد الجماعي. وطبيعة التعليم الغربي في عهد ميجي هي التي أفرزت شخصية يابانية ذات بعد فردي أمكنه أن يؤهلها للوقوف جنباً إلى جنب مع الإنسان الأمريكي والأوربي كما كان يدعو إلى ذلك المعلٍّم فوكوزاوا؛ ففي” 1876م/1292هـ جمع فوكوزاوا مجموعة من الكتيبات التي استغرقت سنوات عدة من الجهد تحت عنوان: تشجيعاً للتعليم، ووزع الكتاب، الصادر باليابانية المبسطة، أكثر من ثلاثة ملايين نسخة، وفي هذا الكتاب، اخترع فوكوزاوا فكرة الفردية بذاتها لليابانيين. والمصطلح الذي نحته لذلك هو دوكوريتسو dokuritsu -روح الاستقلال- وقد أصبحت الكلمة الجديدة، كالكتاب، محبوبة لبساطتها.”[65]  وهي تقابل لفظ ناكاما Nakama المقصود به الجماعة.

إن النزعة الجماعية في الشخصية اليابانية قديمة بقدم الأرض؛ بينما النزعة الفردية تفتَّقت مع الانفتاح على الغرب؛ إذ نلفي فوكوزاوا يوكيتشي هو من دعا إليها ورسَّخها في عقول اليابانيين في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك بطروحاته التربوية التي ظلَّت تشجع الشخصية اليابانية على الاعتماد على الذات، وقد أسهم هو وغيره في ترجمة كتب إلى اليابانية أسهمت في ترسيخ هذه النزعة الفردية في الشخصية اليابانية، وهي: كتاب “عن الحرية” لجون ستيوارت مِل، وكتاب “الاعتماد على الذات” لصامويل سمايلز، والعقد الاجتماعي لجان جاك رسو. ويعد فوكوزاوا أن الإنسان أكثر قداسة ومسؤولية من كل مراتب الكائنات، وأن هذا الإنسان ينبغي أن يؤمن بالاستقلال واحترام الذات. ويقصد بالاستقلال هو الانفصال عن التعاليم الكونفوشية الصينية؛ لأنها -في نظره- تفتقر إلى الدراسات في العدد والمنطق في الثقافة المادية، ويرى ما من أحد يمكن أن يفلت من قوانين العدد والمنطق، كما يعتقد أن الفلسفة الصينية الروحانية باعتبارها جذر التعليم كانت مسؤولة عن ضروب قصور العقلية اليابانية. وفي انتقاد فوكوزاوا للنزعة الجماعية التي رسخَّتها تعاليم كونفوشيوس بما تطرحه من عامل الولاء، يرى أن السبب الحقيقي في معارضته للتعليم الصيني ذي النزعة الجماعية، أن اليابان تعيش عصر الانتقال والتحول، وإذا بقي هذا المذهب المنحط أبداً في ذهن شبابنا فإن الحضارة الجديدة لا يمكن أن تعطي فائدتها الكاملة لهذه البلاد. ويقول أنه في غمار إصراري على إنقاذ جيلنا المقبل، كنت على استعداد لأن أواجه منفرداً المتضلعين من الصينية في البلاد بأجمعهم.[66]

 الأرض اليابانية هي محور تفكير اليابانيين، ومن هنا نلفي التربية في اليابان أرضية، منشغلة بكل ما هو عملي. وبذلك شكَّلت التربية العملية في اليابان الشخصية اليابانية العملية. ولا نعتقد أن الديانات اليابانية هي التي صمَّمت الشخصية اليابانية في بعدها الجماعي؛ وإنما الأرض بشكلها الطبيعي هي التي شكَّلت هذه الشخصية الجماعية؛ بينما الديانات الوافدة ذات النزعة الجماعية –ما عدا الشنتو- قد تكيَّفت مع هذا الوضع الجماعي. فمن أسرار ثبات الشخصية الجماعية في اليابان واستمراريتها هو ثبات الأرض. ولو خضعت هذه الشخصية الجماعية للأديان لكانت تغيَّرت وتبدَّلت مع تغيُّر الأديان. ومن هنا اكتسبت الشخصية الجماعية اليابانية بعداً مادياً بخلاف ما تدعو إليه الأديان من احتقار لهذه للماديات. فالشخصية اليابانية شخصية تاريخية منتجة وملتزمة؛ لأن “كلما كان دافع الإنجاز قوياً فإن الاحتمال يزداد بأن يفرض الشخص على نفسه الكثير من الالتزامات.”[67]

الشخصية اليابانية شخصية ليست دينية كما يعتقد الكثيرون؛ وإنما هي شخصية علمانية تتخذ من الدين إيديولوجية برغماتية وليس عقيدة ثابتة، ومن ثم فإن الشخصية اليابانية شخصية نفعية، تتعامل مع الأديان من هذا المنطلق النفعي، تستعمل هذه الأديان لحلِّ مشاكلها السياسية والاجتماعية؛ فضلاً عن أن هذه الديانات لا تستلزم أية محرَّمات أخلاقية، ويرجع ذلك إلى أن هذه الأديان التي توالت على اليابان هي في الأصل فلسفة عقلانية، ما عدا الشنتو التي هي ديانة يابانية طقوسية  قديمة اهتمت بالطهارة وتقديس ما على الأرض. فاليابانيون اتَّخذوا من البوذية في القرن السادس الميلادي جسراً للتواصل مع الصين التي كانت تراها –آنذاك- مركزاً للعالم، وذلك لحاجة اليابان للمواد الحضارية الصينية؛ لأن اليابان كانت في طور البناء؛ واتخذت من الكونفوشوسية في القرن السابع عشر وسيلة لدعم الاستقرار السياسي والاجتماعي في فترة العزلة؛ لأن الكونفوشية تدعو إلى الواجب، والولاء، والانتماء، والإخلاص، والاحترام، والتفاني في العمل؛ وهذه التعاليم الكنفوشية خدمت رجالات الإقطاع آنذاك، فقوَّت من النزعة الجماعية المسالمة، وقلَّصت من النزعة الفردية التي كانت تراها متمرِّدة ومحاربة؛ كما استند ميجي في منتصف القرن التاسع عشر إلى الشنتو لتقوية مركزه بوصفه إمبراطوراً بعد الانفتاح على الغرب، وتعزيز مكانته أمام رجالات الإقطاع أعداء الانفتاح؛ لأن الشنتو ديانة تقوم على عبادة الأسلاف، والإمبراطور، والطبيعة؛ ما جعلها تسهم  بهذه المعتقدات في تأليه الإمبراطور. أما ما بعد الحرب العالمية الثانية نلفي اليابان تتخلى عن الدين عملياً، وقد وقَّعت على موت الدين في دستورها الجديد، الذي لا يزال يعد اليابان أمة بلا دين؛ لكن جميع هذه الأديان تمكَّنت من هذه الشخصية وانتشرت في أنحاء اليابان؛ لأن اليابانيين يعيشون في جماعة؛ وإذا تمكَّن منهم الدين يكون هذا التمكين جماعياً؛ وإذا رُفض يكون الرفض جماعياً أيضاً، كما حدث ذلك في رفض المسيحية في اليابان، وسنشرح ذلك لا حقاً؛ فضلاً عن أن المسيحية ليس ديناً آسيوياً، وإنما هي ديانة بربرية كما كان يعتقد اليابانيون القوميون ولا يزالون.

على الرغم من كل ذلك، تظل الشخصية اليابانية متعلقة بمقدَّسات ثلاثة: الأرض، والأسلاف، والإمبراطور. وتقديس اليابانيين للأرض شكَّل على مرِّ السنين شخصية يابانية اقتصادية تتخذ من العمل الجماعي طريقاً لمضاعفة الإنتاج، والتغلُّب على محدودية الأرض؛ أما عن عبادتهم للأسلاف الذين عاشوا في شكل جماعة فيساعد على تقوية النزعة الجماعية لدى الشخصية اليابانية. بينما الإمبراطور فهو رمز إلهي بالنسبة لليابانيين، ومن ثم فإن اليابانيين يتخذون من العمل الشاق عبادة يتقربون بها إلى الإمبراطور؛ لأنهم يعتقدون بالعناية الإلهية؛ مما ينبغي عليهم إظهار التفوق على الآخرين، حتى يحققون المزيد من الرعاية الإلهية المتجلية في الإمبراطور. فالشخصية اليابانية تقدِّس هذه الثلاثية المادية، وهي مقدَّسات تثقل الأرض بأجسامها وأحجامها، ومن ثم فإن هذه الشخصية تبحث عن الخلاص في الأرض؛ حتى أصبح انشغالها بالأرض ميزة يابانية خالصة.

الشخصية اليابانية شخصية ليست دينية ولكنها مخلصة. فهي مخلصة للأرض وقد تجلى هذا الإخلاص في تنميتها لهذه الأرض، أيضاً مخلصة للأسلاف فهي لا زالت مستمرة على خطاهم وتعاليمهم ، كما أنها مخلصة للإمبراطور حتى في وقت الأزمات؛ ولا عجب في ذلك، فصورة الإمبراطور ظلَّت تحظى بالعناية والتقديس في اللحظة التي سقطت فيها القنبلة النووية، الموصوفة من قبل الأهالي بالقيامة، “لقد حمل أحدهم الصورة الرسمية على ظهره خوفاً من الاحتراق الذي أتى على مركز الاتصالات الحكومي، وجعلت الحشود تفسح الطريق. وتوقَّف الجنود لإلقاء التحية العسكرية، وانحنى المواطنون، وضمَّ المعوقون أكفهم إلى بعضها وطفقوا يصلُّون. وأحضروا قارباً صغيراً، ورفعت فرقة الإنقاذ صورة الإمبراطور استعداداً للعبور، وعلى طول ضفة النهر وقف أناس عراة وشبه عراة في وضع الانتباه.”[68]

طبيعة الأرض هي التي شكَّلت النزعة الجماعية وقوَّتها، وهذا سر استمرار هذه النزعة، لا سيما وأن اليابان ليس لها جيران مباشرين حتى تتأثَّر بهم، وتغيِّر من عاداتها وتقاليدها؛ وعلى الرغم من العولمة التي جعلت من العالم قرية؛ فإن اليابان مستمرة في نزعتها الجماعية. ففي التسعينيات من القرن الماضي قام اليابانيون بمراجعة منظومتهم التربوية، وعملوا على تطهيرها من شوائب النزعة الفردية الدخيلة والمتأثرة بالتربية الغربية، وقد ضيفت لهذه المنظومة التربوية مواد أخلاقية وسلوكية إجبارية، وهي قابلة للمراجعة بعد كل بضع سنوات؛ وذلك للحصول على توازن بين الفرد والجماعة في ظل طغيان آلة العولمة، وإن كان هذا التوازن مسألة قديمة وتاريخية، وليس كما يعتقد الكثيرون بأن “المثل التقليدي الأعلى الياباني هو تجرد الفرد من ذاته واندماجه في الجماعة.”[69] لكن “حب اليابانيين لتأكيد انتمائهم للجماعة قد يفوق الواقع نفسه. فهم يحاولون تفسيرهم لانحيازاتهم الشخصية السياسية المعروفة باسم هاباتسو، أو للعلاقات الأسرية المتشابكة، أو الشلل الجماعية، أو الأكاديمية المعروفة في اليابان باسم جاكوتسون أو تقديم الرعاية، أو التوصية بشخص ما. ويقيس اليابانيون كل شيء ذا قيمة أو وزن بدرجة ارتباط الفرد بالجماعة، وليس بالقدر الذي يتمتع به من قدرات فردية وكفاءة.”[70]

يحالف النجاح الشخصية اليابانية في الأمور التي تتطلَّب جهداً جماعياً، فقد صمدوا في فترة العزلة وحقَّقوا أعمالاً بهرت الغرب، ولهذا نلفي الانبهار قد مسَّ الأوربيين الذين افتتنوا بمصطلح الجابونيزم نسبة إلى الفرنسية Japonisme بعدما هالهم ما وصلت إليه اليابان في ثمانينيات القرن الثامن عشر، من إقامة المصانع وبناء السفن التجارية ؛ ما أدَّى بأوسكار وايلد O. Wilde إلى القول: “الناس الحقيقيون الذين يعيشون في اليابان لا يختلفون عن عامة الشعب البريطاني؛ أي أنهم عاديون جداً، وليس فيهم شيء غريب أو شاذ أو استثنائي”.[71] أيضاً نجحت الشخصية اليابانية ذات النزعة الجماعية في فترة الانفتاح  فصمَّمت مؤسسات تربوية أفرزت منظومة اقتصادية وتكنولوجية في فترة قصيرة أدهشت العالم. وتكرَّر هذا النجاح الجماعي ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث تدمرت قدرات اليابان عن بكرة أبيها. فضلاً عن ذلك تتعامل الشخصية اليابانية مع الشركات وتعدها عائلتها الأولى فتتفانى في خدمتها؛ حتى في الرياضة الجماعية حقَّق اليابانيون انتصارات كبرى على الرغم من ضعف بنية أجسادهم؛ لكن في الأمور الفردية غالباً ما يواجهون الفشل. لقد فشلوا في رسم معالم لفلسفة يابانية، فتكاد اليابان تخلو من الفلاسفة؛ لأن الفلسفة ذات نزعة فردية تتعامل مع التجريد، وبإمكانها أن تدفع بصاحبها إلى هامش المجتمع. كما فشل اليابانيون في بناء علاقات واضحة مع العالم، لأن أغلب العلاقات تبدأ فردية إلى أن تتوسَّع؛ إلا أن النزعة الجماعية المغروسة في الشخصية اليابانية تقف عائقاً تحول دون ذلك.

الأمة التي تفكر بمنطق جماعي وتتحرَّك في شكل جماعي، هي أمَّة مقامرة؛ فإما أن تنجح أو تفشل؛ ولكن اليابان نجحت لأن الجماعة ناجحة، وهو نجاح صيروري ووراثي. ومن هنا نلفي اليابان تراهن في نجاحها المستقبلي على الشخصية ذات النزعة اليابانية. فالعنصر البشري المرصوص هو كل ما تملك اليابان. ولهذا فإن الحفاظ على هذه النزعة الجماعية في اليابان يتم في ظل جهود تربوية وسياسية واقتصادية واجتماعية.

لا زالت التربية تنتصر لهذه النزعة الجماعية في الشخصية اليابانية؛ وقد تميَّزت عن غيرها في العالم باحترام النظام والوقت، وهي شخصية ترى في العمل طريقاً لاستكشاف الذات، فهي تقدِّس العمل وتضع الواجبات في مرتبة متقدِّمة على الحقوق؛ ولعل التربية الكونفوشية قد عمَّقت هذه النزعة، فهي تربية تربط بين الولاء وتكثيف الجهد، وترى أن قوَّة العمل هي شكل من أشكال الولاء للشركة أو المؤسسة. وهذا ما يتم تعلمه منذ الصغر؛ مما يحدث انسجاماً بين المدرسة والأسرة والمجتمع والمؤسسات. فالولاء لهذه القطاعات مرتبط بمدى بذل الجهد الفردي والجماعي في ترقية هذه القطاعات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية.

زبدة القول، إن الشخصية اليابانية تشتغل على النسقين الفردي والجماعي، وتتَّخذ من الفاعل الإنساني نقطة تقاطع النسقين؛ مما يحيلهما إلى نسق واحد؛ فدينامية التوازن بين الفرد والجماعة مسؤولة عن مراقبة النسق المركَّب، كما أنها مسؤولة عن تجنيبه مخاطر الإنزلاق إلى الفوضى واللااستقرار. في هذا الاتجاه يرى بارسونز تالكوت: “أن النسق الذي ينشد البقاء، يجب أن يفي بأربعة متطلَّبات، هي:

1-تكيُّف النسق مع بيئته.

2-تحقيق الهدف ويكون بوجود أدوات تحرِّك للنسق مصادره وتشبع نوازعه.

3-التكامل الذي يجعل النسق يحافظ على وحدته وتماسكه، كما يحافظ على الانسجام بين مكوِّناته ويجنِّبه الانحراف.

4-المحافظة على النمط بحيث يجب على كل نسق أن يحافظ على حالة التوازن”.[72]

المبحث الثاني: واقع التربية المركَّبة في اليابان الحديثة والقديمة

أولاً-الأديان والتربية في اليابان

لقد زخرت اليابان بأديان متعدَّدة، مثل: الشنتو، والبوذية، والكونفوشية، وقد أسهمت هذه الأديان في تشكيل معالم الشخصية اليابانية المتعددة الأديان، ويمكن إجمال بعضها من الذي كان له تأثير في اليابانيين، فيما يأتي:

1-توظيف التعاليم البوذية في التربية والتعليم: عرف اليابانيون في هذه الفترة -ولأول مرَّة- نظاماً للكتابة، من خلال احتكاكهم بالحضارة الصينية. فقد دخلت البوذية إلى اليابان في القرن السادس الميلادي. وفي هذا القرن اكتشف اليابانيون منظومة حضارية جديدة، اطَّلعوا على محتوياتها الثقافية عبْر تعاليم بوذا الأربعة:[73]

أ-الحياة معاناة لا تخلو من الشقاء، ومصادر هذا الشقاء سبعة، هي: الولادة، والشيخوخة، والمرض، والموت، ومصاحبة العدو، ومفارقة الصديق، والإخفاق في تحقيق ما ترغب فيه النفس.

ب-فقدان السعادة ناجم عن التمسك بالحياة.

ج-التخلص من المعاناة يتم عبْر التخلص من الأنانية.

د-طريق التخلص من الأنانية يتطلب من الإنسان اتباع الطريق النبيل ذي البنود الثمانية، هي:[74] الفهم الحق؛ والفكر الحق؛ والكلام الحق؛ والفعل البدني السليم؛ والمعيشة الحقة؛ والجهد الأخلاقي الحق؛ والانتباه العقلي السليم؛ والتركيز الحق.

لقد تأسست المنظومة التربوية الأولى في اليابان وفق الأصول البوذية وتعالميها، وفي مدارها تشكَّلت الشخصية اليابانية المتعلِّمة، فعملت البوذية بذلك على تقوية الجوانب الروحية لدى اليابانيين، وقوَّت لديهم النزعة الجماعية عن طريق نكران الذات، فقد علَّم بوذا أتباعه بأن “كبح الذات لا يعني استئصالها؛ وإنما المطلوب هو استئصال نزوات هذه الذات حتى تتطهر، ولا يتأتَّى إلا بصهر الذات في فعل خير جميل تسعد الذات بفعله، وينعم بناتجه الآخر، وبذلك ينتفي الصراع بين الذات والموضوع، وينساب الفرد في المحيط الأكثر رحابة، وبذلك يكون الانعتاق من سجن الأنا لتصبح هي والكل في واحد.”[75] داخل هذه الروحانيات استكشف اليابانيون نظاماً للكتابة بالصينية فقلَّدوه لثلاثة قرون من الزمن؛ ولكن ببذل الجهد، والامتثال لتعاليم بوذا في المعاناة والتخلص من الأنانية والتركيز، أبدعوا حروفاً يابانية جديدة، ومن ثم ابتكروا نظاماً للكتابة باليابانية جديداً، أطلقو عليه الـ”كانا” كما بيَّنا ذلك آنفاً. كما استحدثت الدولة آليات سياسية تمثَّلت في فصل البوذية عن سياسة التنظيم الإداري والحكومي، وقد جاء هذا الفصل بعد تدخُّل البوذيين المتأثِّرين بالنمط الصيني في قرارات الدولة وأنشطتها. مثل هذا القرار الحكيم دفع بالدولة إلى إعادة النظر في الأنماط الصينية، وإبداع أشكال جديدة في مجال الأخلاق والتربية والتعليم، ومن ثمَّ صياغة أساليب جديدة في تنمية المجتمع.[76] كما عملت الدولة على استحداث منظومة تربوية ركَّزت على المناهج الدينية، وأفضت إلى ظهور تعدُّد عقدي داخل العقيدة البوذية نفسها، وقد كان الهدف من هذا التنوُّع تبسيط العقيدة البوذية، وجعل الدين في متناول العامَّة من الناس؛ لأن البوذية بطقوسها المعقَّدة التي ابتكرها الكهنة الجدد، ظلَّت حكراً على الطبقة الارستقراطية؛ مما جعل ثروة كهنتها تزداد قرناً بعد قرن، بينما لبث الشعب فقيراً على حاله.[77]

في هذه الفترة تنامت القدرة على التأليف لدى اليابانيين، فألَّفوا الـ “كوجيكي” Kojiki سنة 712م/93هـ، وهو كتاب ياباني مقدَّس يضمُّ وقائع الأشياء القديمة، وقد كتب بأحرف صينية تطابقت تماماً مع الألفاظ الصوتية للسكان وقتذاك، وهو كتاب يعده اليابانيون بمثابة الحليب الذي يرضعونه من المهد إلى اللحد. أيضاً تم تأليف كتاب “نيهونجي”Kihongi   سنة 720م/101هـ، وهو كتاب تاريخي يسجِّل الأحداث التاريخية لليابان، وقد رسَّخ هذا الكتاب قيماً فاعلة تتمثَّل في أصالة اليابان ومكانة الإمبراطور بخلاف الكوجيكي الذي قام بترسيخ قيم أصيلة مستمدة من أساطير اليابان، وذلك فيما يتعلَّق بخلق العالم، وماهية المخلوقات، والدور الأساس للشمس التي هي مركز عقيدة الشنتو.

في ظل هذا الإنجاز التربوي والتعليمي بشقيه الأخلاقي واللغوي، ارتفع عدد معاهد التعليم العالي فأصبحت خمسة معاهد، وبمحاذاتها تأسست مدارس إقطاعية وإمبراطورية. وتعزَّز التعليم بإضافة معاهد لتدريس “الزن” Zen البوذية. وهي معاهد تركِّز على التأمل والاستغراق في التفكير، ونكران الذات. وتستهدف هذه التعاليم استلهام الأصول الأولى للبوذية؛ لأن هذه التعاليم الأخلاقية تفضي إلى اليقظة والاستنارة. وتقوم تعاليم زن على فكرة: عدم وجوب أن يسلِّم الإنسان نفسه لقوى الآخر. وهي فكرة تربوية وأخلاقية استحسنها قادة اليابان فوظفوها سياسياً، للتغلب على المحاربين وعدم الاستسلام لهم، وقد كان ذلك في فترة كاماكورا (1185م/580هـ- 1333م/733هـ)، التي تنامى فيها عنف المحاربين. لذلك أنشأ قادة اليابان مدارس للزن فأنعشوا بذلك الحياة الثقافية في البلاد، التي كانت قاعاً صفصفاً قبل مجيء البوذية إلى اليابان. ولهذا يُجمع المؤرخون على أن اليابان ازدهرت تربوياً وسياسياً واقتصادياً في ظل هذا العصر الذي انتشرت فيه البوذية على نطاق واسع.

أيضاً انتشرت المدارس الفنية اليابانية التي تعلِّم الزخرفة، ويقوم التعليم في هذه المدارس على التدريب على الفعل وخلق الأشياء أسوة بالمدرسة الفنية الصينية. وكان أهم هذه المدارس اليابانية مدرسة “سوتو Soto” التي قامت على تعاليم زن الفنية، وهي مجموعة من الممارسات؛ وقد عمَّت هذه المدارس نتيجة العلاقة المتينة التي كانت تجمع بين القادة اليابانيين والرهبان الصينين.  في هذه المدرسة “يدرس صغار الرهبان ويتأملون تحت إشراف معلم مقيم، كما يتعلمون فن إدارة المعبد، وتأدية الشعائر الرسمية، وهم يعيشون حياة خشنة صارمة. ثم تعقد للراهب المبتدئ مقابلات مع معلمه، في معبد رن زاي لكي يكشف عن مدى فهمه للكوان -وسيلة تعليمية-كما تلقى عليه محاضرات، لا بقصد التثقيف بل للإيحاء والإلهام. ويقبل عامة الناس في دورات تدريبية مؤقتة”.[78]

إلى جانب ذلك، تمَّ تركيب القوانين الأخلاقية الكونفوشية بتعاليم زن البوذية، فتشكَّلت منظومة تربوية وأخلاقية استقطب بها قادة اليابان طبقة المحاربين. وتمثلت هذه القوانين في “التشونع” ويعني الإخلاص تجاه الذات وتجاه الآخرين؛ و”الشياو” ويعني الإيثار أو إيثار الغير على النفس، وقد عبَّر عنها كونفوشيوس في تعاليمه: “لا تفعل بالآخرين ما لا تحب أن يفعله الآخرون بك”؛ و”جونتسه” وهي تطلق على الشخص الذي تجمع فيه فضائل الاستقامة واللباقة والتأدب والنزاهة والتقوى والورع.

أسهم هذا التركيب بين تعاليم “زن” التي تركٍّز على التأمل والاستغراق في التأمل، وبين تعاليم كونفوشيوس التي تدعو إلى الإخلاص وطهارة النفس، إلى إيقاف جماح أبناء المحاربين، الذين يتلقوْن هذه التعاليم المركَّبة منذ صغرهم، فبات بذلك ينظر إلى الحاكم نظرة احترام بين رعيته. فالحاكم وفق هذه التعاليم لا يُحترم إلا إذا نمت أخلاقه ووصلت مرتبة الاستقامة. ولهذا عندما سأل حاكمٌ كونفوشيوس “فيما إذا كان من الضروري تنفيذ حكم الإعدام بالذين يتخلَّفون عن العمل بالقوانين ولا يحترمونها، أجاب كونفوشيوس قائلاً: ما الحاجة لعقوبة الإعدام في الحكم؟ إنك لو أبديت رغبةً صادقةً بالخير، فإن شعبك سيكون خيراً صالحاً أيضاً. إن فضيلة واستقامة الأمير كالريح، وفضيلة واستقامة الشعب كالعشب، ومن طبيعة العشب أن ينحني عندما تهبُّ عليه الريح.”[79] لقد أسهم التركيب بين البوذية والكونفوشية في تصميم منظومة تربوية، تولدت منها عناصر عملية، أهمها: الاعتدال والاستقامة في الحياة؛ والإخلاص والانضباط والتركيز في العمل؛ والتعاون والتكامل والاقتدار على مواجهة التحديات.

ويمكن تلخيص الخصائص الأساسية للثقافة البوذية فيما يأتي:[80]

أ-التأكيد على الكرامة الإنسانية

ب-موقف اللاتعلق.

ج-التسامح.

د-روح الشفقة واللاعنف.

ه-ميل إلى التأمل

و-توجه عملي.

2-توظيف القوانين الكونفوشية في التربية والتعليم: لضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي في اليابان صارت الكونفوشية مذهباً تربوياً لعصر توكو جاوا (1603م/1011هـ-1868م/1284هـ)  Tokugawa. وقد تحدَّدت لكل طبقة في المجتمع وظيفتها الاجتماعية؛ حيث أسهمت القوانين الكونفوشية في تقسيم المجتمع الياباني إلى أربعة طبقات: طبقة المحاربين، وهم كبار القادة والإقطاعيين والساموراي، ويشكِّلون 5% من المجتمع؛ وطبقة الفلاحيين، ويشكِّلون 90% من المجتمع؛ وطبقة الحرفيين؛ وطبقة التجار.

 ربطت التعاليم الكونفوشية هذه الطبقات بالولاء والطاعة والاحترام والتفاني في العمل. كما تمَّ ربط هذه الطبقات بتعاليم تربوية وأخلاقية بحيث تسمح كل طبقة بالتعايش مع وظيفتها الاجتماعية، وتتكامل مع بعضها من الأدنى إلى الأعلى. لقد كانت غاية كونفوشيوس من مذهبه الأخلاقي والتربوي هو الوصول بالفرد إلى درجة الكمال الإنساني؛ ولعل هذا الكمال هو ما كانت تفتقد إليه اليابان قبل مرحلة توكو جاوا،  وهو كيف للفرد أن يسلك سلوكاً تربوياً مسؤولاً لا يتعارض مع سلوك الجماعة، بحيث يستطيع هذا الإنسان أن يحقق الخيرية في مجتمعه. وهذا في نظر كونفوشيوس لا يتحقَّق إلا إذا سعى هذا الفرد إلى امتلاك هذه القيم، ويكون ذلك بالطموح والتضحية. فالتربية لدى كونفوشيوس ليست تعاليم تُتعلَّم بل هي قيم تُكتسب، وهذا ما أضفى على تربية اليابانيين بعداً عملياً؛ لأن التربية ليست سجينة تعاليم المعبد بل هي ممارسة شاقة في الحياة اليومية؛ وهي امتحان لما اكتسبه الإنسان في تعامله مع الآخرين، ومن هنا تتجلى قيم المسؤولية؛ مسؤولية كل طبقة تجاه الطبقة التي تعلوها. لقد دعا كونفوشيوس إلى قاعدة: “الشرف والاحترام بلا جبر ولا إلزام، وذلك إذا ما استحكمت العلاقات الاجتماعية، مثل: التعاطف بين الوالد وأبنائه، واحترام الابن لأبويه، ورعاية الأخ الأكبر للأخ الأصغر، وخضوع الأخ الأصغر للأخ الأكبر، وحسن معاملة الزوج لزوجته، وطاعة الزوجة لزوجها، وحسن معاملة الكبار لمن هم دونهم سناً، وطاعة الصغار للكبار، وحسن معاملة الحاكم لرعاياه، وإخلاص الوزراء في أداء واجباتهم.”[81]

أيضاً عدَّ كونفوشيوس أن الفضائل العملية هي التي تنمِّي الفضائل الأخلاقية، وأن تقديم الواجب على النجاح يحسِّن من الأخلاق، وانتقاد الإنسان لعيوبه بدلاً من عيوب الآخرين تفضي إلى معالجة شخصيته. كما عدَّ كونفوشيوس أن الولاء الكامل للجماعة لا يمكن أن يأتي إلا من الطبيعة الثانية للإنسان، بعد سيطرتها وتوجيهها لطبيعته البدائية الأولى، والتعامل معها على أنها ليست هي التي تمثل حقيقته النهائية، بحيث هذه الطبيعة الثانية تُصنع على صورة ما يعيش الناس لأجله وما يجب أن يصبحوا، وعندئذ لا تعود قواعد الانضباط والضرورات والنظم والقيود اللازمة للحياة المتحضِّرة غريبة أو أجنبية عليه، أو مفروضة عليه من الخارج؛ بل تصبح نابعةً من ذاته ومن أولويات طبيعته الداخلية.[82]

التربية والتعليم كما يراها كونفوشيوس ليست هي التي تركز على تطوير جانب من الشخصية المتعلِّمة وتغفل الجوانب الأخرى؛ وإنما تعمل على إيجاد شخصية تكون متناغمة ومتجانسة ومتكاملة؛ فهي تربية مركَّبة تجمع بين الاتزان والاعتدال، بحيث تتمكن هذه الشخصية من تطوير ذاتها وقدراتها؛ إذ يتطلب من هذه الشخصية أن تتعلم كيف تؤدي واجباتها تجاه الآخرين مكتسبة بذلك القيم الاجتماعية، سواء داخل الأسرة أم خارجها. وعليه يرسم كونفوشيوس للشخصية المتعلمة فضائل أخلاقية تهتدي بها لحصول الكمال لديها، ورأى أن التعليم شيء مقدَّس، فلكي “يستطيع الإنسان تنظيم مجتمعه لتتحقق له الظروف الملائمة لتنفيذ مهمته لا بد أن تتم تربيته وتنشئته على مبادئ أخلاقية يستطيع بها، أو من خلالها- تقويم نفسه، وإن استطاع السيطرة على نفسه وتقويمها استطاع بالتالي أن يدير أسرته وبيته وكان جديراً بتربية أبنائه.”[83]

 إلى جانب القيم الأخلاقية تطرق كونفوشيوس إلى شروط التعلم، وآداب التعلم، والمعلم المثالي، ومنهجه في التعليم.  

أ-القيم الأخلاقية: لقد رسم كونفوشيوس للشخصية المتعلٍّمة طريقاً أخلاقياً، لبلوغها الكمال الذاتي والتوافق الاجتماعي، وعدَّ أن تربية الشخصية تنمو وفق هذه القيم الأخلاقية، هي: “جين” Jen أو الإنسانية، وهي الفضيلة الأخلاقية الرئيسة التي ينبغي أن تلتصق بالشخصية المتعلِّمة؛ لأن جوهر الإنسان طيب؛ فهو يحمل في ذاته طبيعة سماوية، والجين مقصود منها الخيرية والإحسان والشعور الإنساني بالآخرين. وهي أن يكون “الإنسان إنساناً نحو الإنسان” وأن يكون ” الأخ أخاً لأخيه”. والجين أيضاً هي “أن الإنسان لا يصبح حقاً إنساناً إلا بعلاقته مع كل إنسان: من يريد أن يصنع لنفسه فأساً فإنه يحتفظ بالنموذج بيده. الفأس يرمز هنا للإنسانية فكل من يرغب أن يعلم أو يربي إنساناً عليه أن يحرص أن يكون أداة إنسانية. وبتعبير آخر، ما من شيء أكثر قرباً من الإنسان سوى وعي المرء بإنسانيته.”.[84] وقال كونفوشيوس أيضاً: “أنْ تحب ما يكرهه الناس وتكره ما يحبه الناس هو انتهاك لمشاعر الطبيعة الإنسانية، والرجل الخير دائماً متحرر من القلق والمخاوف لأنه دائماً يقوم بعملية فحص لذاته، ليحرِّرها من أي شوائب قد تعلق بها، لذلك فعندما يقوم بتأمل ذاته يجدها خالية من أي عائق، وهو دائماً مفتون بها لأنه يشكٍّل جزءاً منها”.[85] ويربط كونفوشيوس الحكيم هذ القيمة الخلقية بباطن الشخصية؛ فإذا كان هذا القلب نظيفاً فإن النظافة تعم الإنسانية. يقول كونفوشيوس:[86]

 -إذا كان هناك بر واستقامة في القلب، فسيكون هناك جمال وأخلاق.

 -إذا كان هناك جمال في الأخلاق، فسيكون هناك انسجام في البيت.

-إذا كان هناك انسجام في البيت، سيكون هنام نظام في الأمة.

-إذا كان هناك نظام في الأمة، سيكون هناك سلام في العالم.

أما “يي” Yi وهي الملاءمة أو الطبيعة الجوهرية أو “الذهب الصافي لا يخشى البوتقة”، ويشكِّل “يي” إحدى التصورات الأكثر أهمية لهذا الانتقال من الرؤية الطبيعية والبناء الروحاني؛ إذ يقول عنها كونفوشيوس: “يجب أن يتفق سلوك الفرد مع الموقع الذي يشغله، ويقترح “أن يكون الملك ملكاً، والرعية رعية، والأب أباً، والابن ابناً.”[87] كما تعبِّر “يي” عن فضيلة الاستقامة، فيقول عنها كونفوشيوس: “تقوم بدور المعيار في الحكم على الأشياء وعلى مدى اقترابها وبعدها عن الحق. فالاستقامة هي جزء من مكوِّنات الطبيعة الإنساني؛ إلا أنها في حاجة دائمة للتطوير.” فالاستقامة كما يراها كونفوشيوس هي أن يؤدي الإنسان الأشياء الملائمة لعامة الناس، وأن يكون متسقاً في سلوكه مع ما يكنُّه من مشاعر تجاه الآخرين، وأن يتفق ظاهره مع باطنه، وبهذا نستطيع الإعلاء من شأن هذه الفضيلة. يقول كونفوشيوس: “ما هو حقيقي في الداخل سوف يظهر في الخارج، فالرجل النبيل لا بد أن يراقب ذاته.”[88] أما “تي” Ti الذي هو فن العيش، أو القوة التي تحكم الناس، أو رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة؛ إذ “لا يهم أن تتقدم ببطء إن كنت تتقدَّم”. ومن ثمَّ فإن فن العيش ليس خاصاً بأصحاب الامتيازات؛ ولكنه ملك لجميع الناس. وأن من يلتزم بـ “تي” في سلوكه يكتفي بالقليل: “إن شق البرتقالة له نفس طعم البرتقالة الكاملة.” سيكون لديه الشجاعة بقيام بأعمال حتى وإن كان إنجازها يجب أن يؤجل إلى المستقبل البعيد؛ لأن “تي” هي طريق للصبر والثبات.[89] أما “لي” Li فهي الطقوس أو آداب السلوك،  وأيضاً يمكن ترجمتها إلى اللباقة والتهذيب. هذا لأن “الأدب والتهذيب استعدادات داخلية بقدر ما هي طرق للسلوك الخارجي.” و”لي” أيضاً هي الطريقة المثلى التي يجب على الإنسان أن يتصرف بها؛ لأن “الإنسان المهذَّب يتجنَّب وضع قدمه حتى على ظل جاره.”  و”ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل بالطقوس، وهو غير خير”. لذا فالوسط هو المنهج أو الطريق الذي يكون في المنتصف؛ حيث “لا إفراط في أي شيء”، ومن هنا يأتي مفهوم “التقوى البنوية”؛ لأن واجب الأبناء نحو والديهم هو النبع الذي تنبع منه كل الفضائل.[90] ويرى كونفوشيوس: “إن لم تتأسس شخصية المرء وفق مبدأ “لي” “فلن يستطيع الوقوف ثابتاً”، ويشير كونفوشيوس إلى ضرورة أن يلتزم “الرجل النبيل” بتسعة أشياء لا يتغافل عنها على الإطلاق، هي:[91] أن يرى بوضوح عندما يستخدم عينيه؛ وأن يسمع بدقة عندما يستخدم أذنيه؛ وأن ينظر بعمق عندما يصل إلى هدوئه؛ وأن يكون محترماً في سلوكه؛ وأن يكون حي الضمير عندما يتحدَّث؛ وأن يكون وقوراً وهو ينجز واجباته؛ وأن يلتمس النصيحة عندما يكون في شك؛ وأن ينظر لما هو صواب عندما يكون بصدد الربح؛ وأن يلتمس الصدق عندما يكون ساخطاً.

كذلك “لي” يركز على الفضائل الاجتماعية. يقول كونفوشيوس: “يجب أن يكون الشاب بنوياً عندما يكون في المنزل، ومطيعاً في الخارج جداً، ويظهر الحب للجميع.” فالطاعة تتضمن موقف الشخصية تجاه من هم فوقها في المكانة الاجتماعية، ونظراً لأهمية التماسك والتضامن الاجتماعي، يرى كونفوشيوس ضرورة أن تخرج فضيلة الطاعة من الأسرة، وتتسع من نطاق الأسرة إلى الدولة، لتعمل على ضبط علاقة الحاكم بالمحكومين، فتتجسَّد العلاقات الاجتماعية الأسرية داخل جسد السلطة، على أن تستمر هذه الفضيلة في حياتهم وحتى بعد موتهم.[92] أما “وين” Wen  فهي فنون السلام، والصبر، والعمل السليم، واللاعنف، وكل ما يسهم في تحويل طبيعة الإنسان في تجاه الفضيلة واحترام الآخرين، وهي “الفعل بعدم الفعل” أو “لا تشعل أي نار لا تستطيع إطفاءها.” وهو تحذير من مغبة القيام بعمليات خطيرة؛ لأن من الأفضل أن يجهد المرء نفسه طويلاً، وأن يبلغ هدفاً مؤكداً من أن يبحث بسرعة عن هدف احتمالي.[93]

ب-شروط التعلُّم وأساليب التدريس وخطوات المنهج: يرى كونفوشيوس أن التربية تسهم في تطوير الشخصية الإنسانية، وتنمِّي قيمها الخلقية الفاضلة، وهو يشبِّه هذه الشخصية بقطعة الحجر، ويرى أن قطعة الحجر لا يمكن أن تصبح موضوعاً فنياً إلاَّ إذا نقش عليها، وهكذا الإنسان لا يمكن أن يتعرَّف على القيم والأخلاق بدون تربية وتعليم. ويشترط كونفوشيوس لانتشار التعلم على نطاق واسع في المجتمع، ما يأتي: الشرط الأول هو المساواة: أو الديمقراطية الثقافية، بحيث يُعمَّم التعليم على جميع طبقات المجتمع. ويرى كونفوشيوس أن المساواة لا تتحقق إلا بمبدأ العدل، وكلٌّ حسب جهده وقدراته، بقطع النظر عن انتمائه الطبقي؛ والشرط الثاني هو العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والتعلم: لا بدَّ ان تكون هذه المساواة أمراً واقعياً ومحسوساً داخل المجتمع، فقد كان شعار مدرسة كونفوشيوس: “أنا أرفض أن أعلم فرداً جاءني طوعاً، حتى ولو لم يكن يعطني سوى قطعة من اللحم الجاف.” فعلى المعلم أن لا يرفض تعليم إنسان عاجز عن دفع النفقات. وقد سعى كونفوشيوس بنفسه لإزالة عائق الفقر.[94] والشرط الثالث هو التعلم والدافع الداخلي: التعلم يكون نابعاً من رغبة داخلية، تسمح باستثمار التعلم في سلوك الشخصية تجاه نفسها وتجاه المجتمع والدولة. يقول كونفوشيوس :”أنا لم أرفض أن أعلم أي فرد جاءني طوعاً.”[95] أما الشرط الرابع هو الاستمرارية في التعلم: يرى كونفوشيوس أنه يفتخر بتلميذه إذا ما حصل على منصب رفيع، ولا يسعده أن يكون هذا المنصب عائقاً أما تلميده في الاستمرار في التعلم؛ لأن ذلك بإمكانه أن يغري الشخصية المتعلِّمة، ويزعزع قيمها التي تربَّت عليها. ويرى أن المنصب يجعل الشخصية المتعلمة أكثر حكمة إذا هي حافظت على استمرارية التعلم وتهذيب الذات، فالتعلم غير محكوم بمرحلة عمرية معيَّنة. يقول كونفوشيوس في هذا الشأن: ” إن استطعت يوماً أن تصلح نفسك، افعل ذلك يوماً ليوم، اجعله إصلاحاً يومياً”.[96]

أما عن آداب المتعلم؛ فإن الأدب الأول هو أن يتعلم الفرد واجباته تجاه نفسه وتجاه الآخرين. يقول كونفوشيوس: “الرجل النبيل لا يبغي البطن المملوءة ولا المنزل المريح. الرجل النبيل يرافق من يملكون الطريق الصحيح ليكون على صواب. مثل هذا الرجل يمكن أن يوصف بأنه متلهف للعلم.”[97] والأدب الثاني هو الزهد والتقشف في الحياة. يقول كونفوشيوس: “إذا وجه الفرد وجهه نحو المنفعة من وراء العمل؛ فإنه سيجلب على نفسه بغضاً شديداً.”[98] والأدب الثالث هو التواضع وعدم التكبر؛ لأن الغرور يؤدي بالفرد إلى تدمير نفسه.

أما عن المعلِّم المثالي فيقول كونفشيوس هو المعلم القادر على توجيه تلاميذه نحو النجاح، وذلك بأن يمتلك خصالاً أخلاقية ومعرفية تؤهله لذلك، فيكون مع تلاميذه بمثابة الأب مع أبنائه داخل الأسرة، والحاكم داخل الدولة. فالعلاقة بين المعلم وتلاميذه ينبغي أن تكون علاقة مقدَّسة. أيضاً المعلم لا يتوقف عند مرحلة معيَّنة، بل يستمر في تحصيله للعلم والمعرفة، فالتدريس نصف التعلم. فيجب أن يعلِّم التلاميذ دون إجبار، ويحثهم على التقدم دون قمع. وأن يعلم التلاميذ بحيث يصبحون قادرين على التفكير في الأشياء بأنفسهم، وأن يلجأ إلى الوسائل التوضيحية لتثبيت المعرفة في ذهن التلاميذ.[99]

أما منهج كونفوشيوس في التعليم فيتمثل في الحوار القائم على الخطاب العقلي ويكون ذلك بتنمية الذهن والتدريب على التغيير والرغبة في الكشف عن المجهول؛ والحوار مع مراعاة الفروق الفردية؛ إذ لا بد من مراعاة الفروق بين التلاميذ، والتعرُّف على القدرات المتنوِّعة لكل شخصية، لأن بإمكان ذلك أن يساعد على اكتشاف المواهب ويعدِّد في الطاقات، فمثل هذه المراعاة في الفروق تخلق رجالاً متنوِّعين في قدراتهم وقادرين على تولي شؤون البلاد؛ ودور العقل في استقصاء حقائق الأشياء، حيث يتطلب التعليم ضرورة إعمال العقل. فالتعلم يكون بالفحص والدراسة للماضي وحسب، بل يكون بتفكيك الأشياء الحاضرة أمام الشخصية المتعلمة؛ وتربية الحواس على تحصيل المعرفة بالملاحظة؛ ثمَّ التراث بوصفه نقطة ارتكاز، إذ على الشخصية المعلِّمة أن تكون مبدعة بالتراث وليست مقلِّدة له.

من خلال ما سبق، يتبيَّن لنا أن رجالات توكو جاوا كان يحملون مشروعاً تربوياً كونفوشياً، يراهنون به على نجاح عزلتهم، ومن أجل التماس النجاح لهذا المشروع، قمعوا التبشير المسيحي قمعاً دموياً في الداخل، وكان ذلك سنة 1638م/1047هـ، فذهب آلاف من اليابانيين ضحية اعتناقهم المسيحية، ولم ينج المبشرون الغربيون من التصفية الجسدية، كما استدعوا اليابانيين المتواجدين في الخارج خوفاً من اعتناقهم المسيحية. هذا لأن المبشِّرين المسيحين كانوا يحملون مشروعاً تربوياً، يسعون من خلاله إلى تغريب اليابان بإدخال علوم الغرب التي تنتصر إلى الفردية، وتقويض بنية الجماعة. كما حرَّض المبشرون المسيحيون أهالي اليابان على المطالبة بالحقوق والعدل والمساواة؛ ومن ثمَّ التمرد على النظام الطبقي الاجتماعي السائد، وتفتيت بنية الجماعة لصالح الفردية، وهذه أمور تبشيرية كان يرى فيها حكام اليابان تهديداً لمشروعهم التربوي الكونفوشي الذي يستند إلى التقسيم الطبقي للمجتمع. أيضاً المسيحية كانت تبثُّ في أوساط اليابانيين تعاليم تربوية، مثل التمييز بين الحلال والحرام، وهذه تعاليم لم يألفها اليابانيون من قبل. فحياتهم لا تقوم على الحلال والحرام؛ وإنما تستند إلى النافع والضار. ولهذا يرى اليابانيون أن الحكم التوكو جاوي الذي حقَّق الاستقرار السياسي والاجتماعي يعدُّ نافعاً لدى الشعب الياباني على الرغم من ضرره الطبقي؛ ولكن في التعاليم المسيحية، يكون الظلم حراماً ينبغي مقاومته واستئصاله، وهذه تعاليم تشكل تهديداً مباشراً للطبقة الحاكمة واستقرار المجتمع. فالقضاء العنيف على التبشير المسيحي كانت أهدافه سياسية أكثر منها تربوية. ما يعني أن اليابانيين يتعاملون مع الأديان بما يخدم أهدافهم العامة، وما يتعارض مع هذه الأهداف يستأصل بعنف كما حدث مع الدين المسيحي.

لقد حقَّقت اليابان بفعل العزلة نتائج كان لها تأثير في مستقبل الشخصية اليابانية، ولا يزال هذا التأثير قائماً، وأهم هذه النتائج، هي: الاعتماد على الذات؛ وتقوية النزعة الجماعية؛ والتدقيق في كل ما يأتي من الخارج، فيكون التقليد بمعرفة وتمحيص؛ والإبداع والابتكار؛ ثم بناء منظومة تربوية فريدة ومتميِّزة. فقد “اعتمدت فترة توكو جاوا سياسة تربوية فريدة من نوعها تستهدف تطوير مواد أدبية وفنية عن طريق الساموراي، والسعي المنهجي لتقوية مهارات القراءة والكتابة.”[100]

فضلاً عن ذلك أسهمت هذه العزلة في زيادة الإنتاجية الاقتصادية، وقد جاء هذا عبر تكثيف الجهد. فالعزلة اليابانية راهنت على نجاحها باستراتيجية اجتماع الأيدي على العمل بالتعاون. أيضاً تم َّتوجيه التعليم ليتوافق مع التقسيم الطبقي. فتأسست مدارس خاصة بأبناء رجالات الإقطاع والمحاربين الساموراي، وتسمى: هانكو Hanko، وهي مدارس تركِّب بين التربية الأخلاقية والتربية المهنية، وهي مدارس تربوية مركَّبة، تعمل على تدريس الكونفوشية لأبناء المحاربين بهدف تنمية الجوانب الروحية والأخلاقية لديهم وتنمية شخصيتهم، إلى جانب تعليمهم المهارات الإدارية والحربية، وانتشرت هذه المدارس المركَّبة، فبلغت ثلاثمائة مدرسة توزَّعت في أرجاء اليابان، وكان ذلك قبل منتصف القرن التاسع عشر؛ أما مدارس المعابد الدينية: تراكويا Terakoya، فقد كانت اختيارية ولم تشترط سناً معينا للالتحاق بها.[101] اشتهرت مدارس المعابد بتدريس الحساب واللغة الصينية وفنون القتال في أنحاء اليابان؛ إلا أن مدارس معابد أوساكا جمعت بين اللغة الصينية والهولندية، نظراً لقرب أوساكا من نكازاكي التي سمح قادة اليابان للتجار الهولنديين بالرسو في مينائها. وقد برع فوكوزاوا في تعليم اللغتين: الصينية والهولندية؛ إذ كانت مدارس المعابد فرصة لأبناء الفلاحين للتنصُّل من التصنيف الإقطاعي؛ لقد التحق بها 40% من أبناء المزارعين، وكانت مدارس المعبد تدرِّس التربية الأخلاقية والحساب والمواد الهامشية، مثل اللغات؛ فاللغات الأجنبية كانت هامشية في فترة العزلة، ولم تكن تدرُّ على أصحابها مالاً أو جاهاً؛ ولكن أسهم خريجو هذه المدارس في تحديث اليابان ما بعد الانفتاح،. يقول فوكوزاوا: “كانت أوساكا مدينة تجار مخصصة للتجارة الداخلية، ولم يكن من المتوقع أن يتطلع أي شخص هناك إلى أن يكون متضلعاً في علم المدفعية الهولندي أو الفنون الغربية. ومن هنا فإنه أياً كان عكوفنا على الدراسة، فإن عملنا ومعرفتنا لم تكن لهما صلة على الصعيد العملي بالوسائل الفعلية لكسب عيشنا أو تحقيق شهرة لأنفسنا. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل إن معظم الرجال كانوا ينظرون بازدراء إلى طلاب الهولندية. فماذا إذن كنا نعمل بهذه الجدية البالغة لتعلم الهولندية؟ يبدو أننا كنا نكدح في الاشتغال على نصوص أجنبية صعبة دون غرض واضح.”[102] ثم يضيف قائلاً: ” غير أنه إذا قدر لأحد أن يطلع على دخيلة أنفسنا لوجد أن هناك لذة خفية كانت مصدر عزاء لنا. وباختصار  فإننا -معشر الطلاب- كنا ندرك الحقيقة القائلة إننا كنا الملاك الوحيدين للمفتاح المفضي إلى معرفة الحضارة الأوروبية العظيمة. وأياً كان قدر معاناتنا من الفقر، وأياً كان مدى بؤس الملابس التي كنا نرتديها، فإن نطاق معرفتنا وموارد ذهننا كان يتجاوز مطال أي أمير أو نبيل في الأمة بأسرها. ولئن كان عملنا شاقاً؛ فإننا كنا فخورين به، ونحن نعلم أنه ما من أحد يعرف ما احتملناه. في المشقة وجدنا لذتنا، والعناء كان سعادة.”[103]

إلى جانب مدارس المعبد  ظهرت مدارس خاصة بأبناء الشعب تسمى: جيجوكو Shijuku، و”يكمن دورها في تشجيع الطلاب على إثارة الأسئلة في قضايا دينية ظلت حكراً على الطبقة المتعلمة من الساموراي.”[104] كما أُسست مدارس خاصة في المدن الكبرى وهي لعامة الشعب، ولم يكن يسمح للبنات بدخول المدارس عدا مدارس المعبد أو المدارس الخاصة. ومن ثمَّ “فإن نسبة المتعلمين من الذكور القادرين على القراءة والكتابة، حتى منتصف القرن التاسع عشر، بلغت 45%، بينما بلغت نسبة اللائي يقرأن ويكتبن من الإناث 15% تقريباً، وهي نسب لا تقل كثيراً عن أكثر الدول الغربية تقدماً في ذلك الوقت”.[105]

أيضاً في فترة العزلة انتشرت ظاهرة التعليم في المخازن، وهي خاصة بالأطفال الصغار البالغين 12-13سنة، الذين لم يكملوا تعليمهم لظروف مادية. ومعظم هؤلاء الأطفال الذين يطلقون عليهم اسم “هوكونين” Hokonin كانوا من أبناء التجار والطبقات الوضيعة، وقد تم تعليمم وتدريبهم على نظام العمل؛ لأنهم كانوا يعملون في الشركات العائلية الكبرى. وكان يُفترض بهؤلاء الأطفال أن يعرفوا أساسيات الكتابة والثقافة والأخلاق والمواد العسكرية والعمليات الحسابية واكتساب المهارات اللازمة قبل الالتحاق بالشركة.[106]

 في ظل هذه العزلة والتقسيم الطبقي تعبَّأ المجتمع ثقافياً ومعرفياً، وكان للجهد النصيب الأكبر في هذه التعبئة التربوية، فظهرت إثر ذلك حركة فكرية وثقافية كونفوشية، أسهمت في تطوير التربية والتعليم. فظهرت لأول مرَّة بحوث ودراسات وطنية قام بها طلاب المدارس؛ حيث كان الانشغال البحثي قائماً على معرفة الأصول القومية لليابان، فازدهرت علوم التاريخ واللسان. ثم علوم الفيزياء والكمياء والرياضيات والخرائط، وقد كان للعلماء الهولنديين دور بارز في ذلك، وهم من استثني من هذه العزلة، بحيث سمح لهم بالإقامة قريباً من ميناء ناكازاكي.

3-أسلوب فوكوزاوا يوكيتشي في التعلُّم والتعليم

في فترة العزلة كان الأطفال في عمر الرابعة عشر يدرسون لون يو Lun-yu وهو كتاب يضم تقاليد كونفوشيوس، ويقع في عشرين فصلاً، وكانت المناقشة بين هؤلاء التلاميذ تدور حول كتب الفلسفة الصينية (شيه تشينج، وشوتشينج). وكان نظام التدريس هو أن “الطلاب المتقدمين يعطون دروساً في القراءة الشفهية للطلاب الجدد، في وقت مبكر من الصباح، ثم يجرون جميعاً مناقشة للموضوع.”[107] أيضاً كان التلاميذ يدرسون أعمال منشيوس المعلم الصيني الذي ولد في القرن 390 ق.م، إلى جانب كتب الحكماء القدامى، وكتاب تسو-تشوان، الذي يحتوي على خمسة عشر مجلداً. ومن يقرأ كتاب تسو-تشوان ويكاد يحفظه يصبح “زينزا” أو “طالباً بارزاً يحظى بامتياز إلقاء محاضرات بين الحين والآخر.”[108]  أما المعلم فقد كان يتعمد أمام طلابه توجيه النقد الشديد للكتُّاب الذين تفتقر كتاباتهم إلى العمق، وغالباً ما كان ينعتهم بالكتاب التافهين، ولهذا يقول فوكوزاوا: لقد حذونا -نحن الطلاب- حذو معلمنا، وسرعان ما تعلمنا ألا نقيم وزناً لمن يستهين بهم. كانت مدرسة أوجاتا تقتصر على تدريس اللغة الهولندية وعلم المدفعية، وكانت حلقات الطلاب هي التي يبرز فيها الطالب، وتستكشف قدراته، وذلك من خلال المناقشة والحوار. وكان تعليم اللغة الهولندية يبدأ بالحروف الأبجدية مع نطقها من خلال الشكل الذي يرمز له باليابانية. بالنسبة للطلاب كان نظام المطالعة في النهار والليل، دون أن يفكروا في المضي إلى فراشهم، يقول فوكوزاوا: “استيقظ في نحو العاشرة، فأجلس إلى قمطري الصغير، وأسرع في القراءة، وأواصل القيام بذلك طوال الليل وفي ساعات الصباح الباكرة.”[109]

لقد كانت مقرارات الدراسة محدودة في الطب والعلوم الفيزيائية، وعليه كان كل طالب مجبر على نسخ كل كلمة من المواد التي يدرسها. وكانت الطريقة في النسخ إجبارية للحصول على نص أجنبي، وبهذا كانت الكلمات والحروف تترسَّخ في أذهان الطلبة، ثم أصبح النسخ فيما بعد طريقة لكسب العيش. أما فيما يتعلق بدراسة اللغة الهولندية يقول فوكوزاوا: “إن كل طالب جديد، والذي لا يعرف عادة الهولندية، كان يعطى في البداية كتابين من كتب القواعد. وكان هذان الكتابان مقررين طبعا في يدو، أحدهما يقال له (جرامتيكا) والآخر يقال له (ساينتكس) ويبدأ الطالب الجديد بالكتاب الأول، ويعلم قراءته بصوت عال بمساعدة بعض المحاضرات الإيضاحية، وعندما ينجز دراسته كاملة، يعطى الكتاب الثاني بالطريقة ذاتها، وتكون تلك هي نهاية تعليمه في مدرسة أوجاتا… ثم  تقام ما تسمى بمسابقة القراءة (كايدوكو) أو قراءات الصف، حيث يعهد إلى صف ما بصفحات عديدة من نصوص هولندية مختلفة. وكانت هناك سبعة أو ثمانية صفوف، كل منها يتألف من عشرة طلاب أو خمسة عشر طالباً، ويجري طلاب الصف قرعة لتحديد ترتيب القراءة. ويأخذ عريف كل صف الكتاب المقرر في اليوم المحدد لذلك، وينادى الطالب الذي جعله نظام القرعة أول من يقوم بالقراءة، فإذا أنجزها بنجاح فإنه ينال علامة دائرية، إما إذا أخفق في ذلك، فإنه ينال نقطة سوداء، وعندما لا يستطيع طالب إنجاز الترجمة المسندة إليه، فإن الطالب الذي يليه يحل محله في الفقرة عينها، وهكذا على امتداد طلاب الصف إلى أن ينتهي الأمر. ومن يقم بالقراءة الممتازة دون أي خطأ، فإنه يتلقى مثلثاً، وتعد قيمته ثلاثة أمثال قيمة الدائرة. كانت قاعدتنا المعمول بها هي أنه إذا تلقى طالب أعلى درجة في صفه على امتداد ثلاثة أشهر متوالية، فإنه ينقل إلى الصف الأعلى.”[110]  كان الطلبة يعتمدون على أنفسهم في التعلم بعد حفظ الرسوم التوضيحية وفهمها واستيعابها، وكان التعليم يشمل الإحاطة بنظريات الكيمياء. يقول فوكوزاوا عن تكسية الحديد بالقصدير: “قررنا استكشاف طريقة لتحضيره بأنفسنا وبعد العكوف على الانشغال عليه من الوصف الوارد في الكتاب المقرر تمكنا من تحضيره في نهاية المطاف، وقمنا بإذابة بعض الزنك، ونجحنا في تكسية الحديد بالقصدير، وهو إنجاز يتجاوز ما يمارسه أي مشتغل في القصدير في البلاد بأسرها. وعلى هذا النحو كان الافتتان الذي لا يقاوم بمعرفة جديدة.”[111] وهكذا كانت المعرفة في زيادة وهي تتعرض للعمل والتطبيق. أيضاً إلى جانب الكيمياء اهتم الطلاب بالطب العملي وذلك بتشريح الحيوانات وجثث المجرمين الذين ضربت أعناقهم.

يعتقد فوكوزاوا أن الصحة البدنية هي أهم مقومات الإنسان، وأنها مهمة في تحديد معالم الشخصية المتعلمة، ولهذا كان ينصح ولديه الذين يدرسان في أمريكا قائلاً: ” عليكم بتنمية جسم حيوان، ثم طوِّروا ذهن إنسان.. لست أريدكما أن ترجعا مثقفين كبيرين شاحبين وهزيلين، بل أوثر أن تعودا جاهلين ومتمتعين بصحة جيدة.”[112] في مجال التعليم لم يطلع فوكوزاوا أبناءه على حرف واحد من الأبجدية إلا بعد أن تجاوزوا الرابعة أو الخامسة من العمر، وفي السابعة أو الثامنة من العمر كان يعطيهم دروساً في فن الخط، وليس بطريقة دائمة، ودروساً في القراءة، ولهم في ذلك حرية اللعب، وكان يوبخهم بالإشارة وليس بالضرب.

ثانياً-فضيلة التربية المركَّبة ودورها في تحديث اليابان

إن هذا التراكم القيمي البوذي والكونفوشي في التربية اليابانية المركَّبة من الجهد في تحصيل المعرفة ثمَّ إبداعها، قد ترسَّخ بفضل عاملين اثنين، هما: الفراغ، والعزلة. عندما قدمت البوذية إلى اليابان في القرن السادس الميلادي كانت اليابان قاعاً صفصفاً في المعرفة، فاتخذت البوذية وسيلة للتواصل مع العالم: الصين وكوريا. وتعلَّم اليابانيون كيف يحصِّلون المعرفة من الصين، ثم كيف يبذلون جهداً في تجاوز هذه المعرفة عن طريق الإبداع. وفي ظل تراكم المعرفة تنامت الصراعات السياسية والاجتماعية؛ فالناس أصبحت تعرف حقوقها وتتطلع إلى الاستقلال الذاتي، لا سيما المحاربون الساموراي الذين تلقوا تعليماً نوعياً؛ لكن بعد مجيء توكو جاوا إلى الحكم، اهتدى إلى فكرة العزلة بهدف إنماء اليابان، وخوفاً من تأثير الثقافات الخارجية في هذا التراكم المعرفي، الذي بإمكانه أن يهدِّد قيم المجتمع، الماثلة في النزعة الجماعية وإرث الأسلاف؛ فاستثمر قادة اليابان هذا النماء القيمي-المعرفي لليابانيين وألحقوه بمشروع تربوي كونفوشي بعيد المدى، يقوم على التعلم وحب الخير والعدل وحسن المعاملة وتكامل الشخصية. ولتحقيق أهدافه رفع توكو جاوا شعاراً مستنيراً: “تعلُّم فنون السلام يعد مساوياً تماماً لتعلُّم فنون القتال”؛ حتى يُعلي من شأن المعرفة في المجتمع الياباني شأن علو السيف بها. وبذلك راهن توكو جاوا على ثلاث مسارات للتغلُّب على تحديات العزلة، هي:

  1-التراكم المعرفي لليابانيين.

  2-طموح اليابانيين وجهودهم الجماعية في تحويل المعرفة إلى إبداع وابتكار.

  3-المنهح التربوي الكونفوشي الذي يحسن التركيب الإبداعي بين التراكم المعرفي التاريخي، وجهود اليابانيين، ما قد ينجم عنه أمة يابانية فريدة ومتميزة، غير قابلة للتغريب.

لقد انفكَّت عقدة العزلة، ولاحت بوادر الانفتاح، وهذا الانفتاح كان طبيعياً؛ لأن العالم كان يشهد تحولات جذرية، في ظل تنامي المستعمرات الغربية وبزوغ الثورة الصناعية. فلم يكن للتربية والتعليم أثر في التمرد على العزلة؛ وإن كان التقسيم الطبقي للمجتمع ساعد على تسريع عملية الانفتاح؛ لأن الناس ضاقت ذرعاً بالقيود النابعة من المرتبة والوضع الاجتماعي.

لهذا ستظل التربية في قيمها الكونفوشية تسهم في إنجاح انفتاح اليابان على الغرب. وقد سار ميجي سنة 1868م/1284هـ، في طريق التربية المركَّبة. فأول ما قام به هو ضرورة التحصيل العلمي، ليس من الصين كما فعل أسلافه، ولكن التحصيل سيكون هذه المرة من الغرب. ومثلما راهن توكو جاوا على المسارات الثلاثة للوقوف في وجه تغريب اليابان؛ فإن ميجي راهن على مسارين اثنين، هما: طموح اليابانيين، والقيم التربوية التاريخية؛ وذلك لفرز المعرفة الغربية المحصَّلة. ما يعني أن العزلة كانت في خدمة الانفتاح. فمشكلة ميجي في مشروعه التربوي الجديد ليست في القيم أو الجهد؛ ولكن في التحصيل المعرفي الجديد. هل هذه القيم والجهود بإمكانها أن تصمد أما التحصيل المعرفي الغربي؟ وهل هذا التحصيل المعرفي الغربي سيثمر في ظل هذه القيم والجهود؟ هذه الأسئلة وغيرها حاول ميجي الإجابة عنها بمشروعه الجديد، وذلك للخروج من مأزق التغريب. لقد قال أرينوري موري Arinori Mori أول وزير للتعليم في اليابان: “إننا نقع في خطأ كبير إذا تصورنا أن الأهداف الأساسية للتعليم يجب أن تنحصر في القراءة والكتابة والتذكر. كان موري يريد أن تنتج المدارس الرعايا الصالحين. وما مواصفاتهم؟ يطرح موري هذا السؤال على نفسه ثم يجيب: يجب أن يكونوا رعايا للإمبراطور ينهضون بواجباتهم على أكمل وجه، ومعنى هذا أن يكونوا على استعداد لتلبية النداء والتضحية بحياتهم من أجل الدولة.”[113] نستشف من قول موري أن تفكيره الفردي لا يخرج عن إطار الجماعة، وذلك على الرغم من نزعته الفردية الغربية الخالصة. ونستكشف أيضاً أن الياباني لا يمكن أن يتغرَّب في تفكيره وإن تغرَّب في مظهره.

لقد عاش ميجي بانفتاحه مديناً لفترة العزلة التي صمَّمت له مشروعاً تربوياً متكاملاً بقيمه النظرية وجهوده التطبيقية؛ إذ استندت التربية اليابانية في أبعادها الكونفوشية إلى جانبين: “جانب نظري يجعل من الفرد الأساس والنواة للأسرة والمجتمع، ومثل هذا الرجوع إلى الطبيعة الأصلية تؤهله لتهذيب ذاته؛ أما الجانب التطبيقي، فهو يمثل القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يجد الفرد لزاماً عليه الأخذ بها في علاقته مع الآخرين”.[114]

لقد استند ميجي في تحديث اليابان إلى خريجي المدارس الخاصة بالساموراي وقت العزلة، وهي مدارس تميَّزت بتدريس المثل العليا التي بشَّر بها كونفوشيوس، فطبقة الساموراي التي شكَّلت 5 %من المجتمع الياباني ترَّبت على قيم المسؤولية والطاعة والولاء والاحترام والتفاني في العمل؛ كما ترسَّخت فيها النزعة الجماعية. وهذه قيم لا يمكن أن تتحالف مع قيم التغريب الفردية. لقد استفاد ميجي من الساموراي الذين تشكَّلت شخصيتهم وتكاملت في فترة العزلة، فجرَّدهم بعد الانفتاح من وظيفتهم الحربية وألحقهم بالوظيفة التعليمة، فأسهموا بوظيفتهم الجديدة هذه في نقل القيم الكونفوشية إلى الجيل الميجي الجديد، الذي تعامل مع علوم الغرب باستعلاء قيمي. أيضاً استفاد ميجي في تحديث اليابان من خريجي مدارس المعابد في فترة العزلة، فكان فوكوزاوا أباً لنهضة اليابان. يقول فوكوزاوا عن سياسة ميجي التعليمية: “قد أرسيت سياستها بشكل قاطع ويجري تنفيذها وفق أفكاري على وجه الدقة”.[115] ولا شكَّ أن الأم قد أسهمت إسهاماً فاعلاً في تحديث اليابان. فالمرأة التي وصل تعليمها في فترة العزلة إلى 15% قد أمدَّت أبناء اليابان بشحنة قوية من القيم الكونفوشية، وعزَّزت النزعة الجماعية لديهم؛ فاستحقت عن جدارة لقب الأم الصالحة والأم المعلِّمة.

أيضاً استند ميجي في تحديثه لليابان إلى التربية المركَّبة والتوازن بين الفردية والجماعية، وجمع بينهما بالتركيز على أهمية الثقافة الروحية في تحديث اليابان.[116] لقد جمع ميجي في مشروعه التربوي بين خريجي مدارس الساموراي في فترة العزلة، وهي مدارس عرفت بتقوية النزعة الجماعية لدى طلابها، وتفعيل قيم المسؤولية تجاه اليابان والإمبراطور والأسلاف، وبذل الجهد على الطريقة الكونفوشية؛ وبين خريجي مدارس المعبد ذوي النزعة الفردية التي اكتسبوها من معارف الغرب التي تعلموها، وإن كانت هذه النزعة الفردية لم تترسَّخ لديهم في شكل قيم؛ لأن المعارف التي تعلموها في مدارس المعبد لم تكن من النوع النظري والفلسفي؛ ولكن كانت من النوع التطبيقي المجرَّد. ولهذا كان هناك في فترة الانفتاح صراع بين خريجي هذين المدرستين العريقتين؛ إلا أن هذا الصراع القيمي والمعرفي كان يتجه لصالح الطريقة التي يتم بها تحديث اليابان، لا سيما فيما يتعلق بالتقاليد والعادات، واستمرار التعليم الصيني الذي كان يمقته فوكوزاوا قائلاً: “إن فكرة الشعب الياباني غير الصحيحة هذه هي دليل على استمرار بقاء تأثير التعليم الصيني، ولا بد لأحد من أن يكون قدوة لكي يوضح هذه الفكرة غير الصحيحة لشعبنا ويمضي به في طريق الحضارة الحديثة الصحيح، فاستقلال الأمة ينبع من الروح المستقلة لمواطنيها، وأمتنا لا يمكنها الصمود إذا كانت الروح العبودية القديمة متجلية على النحو الواضح جداً في صفوف الشعب، وقد أحسست بالتصميم على جعل نفسي قدوة ومثالاً مهما كانت عواقب الجهد الذي أبذله في هذا الصدد.”[117]

 لم يكن أمام ميجي-في ظل هذا الإرث التربوي الضخم الذي تركته فترة العزلة- إلاَّ البحث عن الطريقة التي ينظم بها فوضى التحصيل المعرفي الغربي.[118] وبالفعل قد تسبَّبت هذه الفوضى في تغليب النزعة الفردية وتقوية شوكتها، فقد نادى بها من تشبَّعوا بعلوم الغرب، وكان فوكوزاوا –الذي كان أكثر وطنية في أبناء جيله- أحد أهم أشياع النزعة الفردية في التعليم والحياة؛ مما أدى ذلك إلى قلق المسؤولين تجاه نمو هذا التيار الفردي، فأسرعوا إلى إدخال تعديلات في مجال التعليم “وفي هذا المجال تمَّ تعديل النظم الغربية، وأعيد إدخال التعاليم الكنفوشيوسية القديمة”.[119] أيضاً ساعدت فترة العزلة عصر الانفتاح للعمل في إطار جماعي؛ لأنها قضت على المشروع التربوي المسيحي، الذي كان بإمكانه أن يربي جيلاً، تكون له اليد الطولى في تغريب اليابان بنزعته الفردية.

لقد كانت أول خطوات مواجهة التغريب في عصر الانفتاح على الغرب، ما يأتي:

أ-الإبقاء على المنظومة التربوية القيمية القديمة، والعمل على تغيير ما علق بها من شوائب اجتماعية وسياسية، مثل: نظام التعليم الخاضع للتسلسل الهرمي الطبقي الذي وضعه كونفوشيوس، وعدم المساواة في التعليم بين الجنسين، وإقصاء أبناء الفلاحين والعامة من مناصب الدولة. وفي هذا الشأن دعا ميجي إلى اقتفاء أثر المعرفة في أي مكان بشعار “التكنولوجيا غربية والروح يابانية”؛ ما يعني أن القيم هي بوابة التكنولوجيا الغربية إلى اليابان؛ كما سطَّر في الدستور: “التعليم حق مقدَّس لجميع اليابانيين”؛ ما يعني استثمار الجهود. فالتربية المركَّبة من المعرفة التي تخدم القيم وتنمِّيها، وبذل الجهد بالتعليم لإبداعها، كانت طريق ميجي للتحديث.

ب-التريُّث في إنشاء وزارة التربية باليابان لمدة ثلاث سنوات؛ لأن الإسراع في إنشائها كان سينسف القيم التربوية الأصيلة، نتيجة الانبهار بمعارف الغرب، وتحمُّس الانفتاحيين.

ج-التحصيل الميداني للمعرفة الغربية، والاطلاع المباشر على بيئتها، والحرص في التعامل مع أبعادها التربوية والاجتماعية والدينية؛ مما أسهم في نجاح عملية الفصل بين التحصيل المعرفي الغربي، والبعد الإيديولوجي لهذا التحصيل.

د-منح الأولوية في وزارة التربية والوزارات السيادية لمن عايشوا تحصيل المعرفة ميدانياً، ولم ينبهروا بالقيم الغربية. فقد حرص ميجي على اختيار أفضل الرجال وأقدرهم مسؤولية للقيام بهذه الوظيفة الخطيرة. وقد عمَّم هذا الاقتدار على رجال التربية والتعليم أيضاً. فاختيارهم كان يتم بعد امتحان قدراتهم وكفايتهم.

ه-اللغة اليابانية هي لغة التدريس والإبداع، واللغة الإنجليزية لغة داعمة.

و-إخضاع الكم المعرفي المحصَّل لنوعية اللغة اليابانية والقيم التاريخية الأصيلة.

لقد أشرف الإمبراطور ميجي بنفسه على العملية التربوية؛ لأنه كان يراها أصل التحوُّل الجديد الذي تشهده اليابان، فنجاحها يفضي إلى نجاح القطاعات الأخرى. وكان رجل تربية وقيم؛ إذ عدَّ ديانة الشنتو هي الدين الرسمي للدولة، وهي ديانة قديمة تدعو إلى تأليه الإمبراطور، وتقديس الأرض والأسلاف، فكان له بهذه الديانة القومية حق الولاء والطاعة والاحترام. لقد اجتمع حوله النبلاء والفلاحون والحرفيون والتجار، وكان كل مرسوم تربوي يصدر عنه يحضى بالعناية والتطبيق. وهذا ما أدى إلى التماسك الديني واللغوي والقومي في اليابان الذي وقف سدّاً منيعاً في وجه التغريب. فالدولة في شخص الإمبراطور كانت تباشر الإشراف على التعليم؛ إذ “لعبت الدولة اليابانية الدور الأساسي في نشر التعليم على نطاق واسع، وعلى مختلف المستويات، وبدأت المدارس والجامعات الخاصة في اليابان تنتشر إلى جانب مدارس وجامعات الدولة، ويعملان معاً بإشراف مباشر ودقيق من أجهزة الرقابة الرسمية.”[120] أيضاً أولت الدولة اليابانية اهتماماً بالتعليم المهني والتقني لأنه طريق إلى التحديث. فالاكتفاء بالعلوم النظرية التي يعدُّها اليابانيون ترفاً معرفياً، بإمكانه أن يؤدي إلى تغريب المجتمع، الذي يجد في الغرب بديلاً في غياب الصناعات المحلية التي تشبع رغباته، ولهذا فإن “المدارس اليابانية ركَّزت على التعليم المهني والتقني، ثم بدأت حركة انفتاح ثقافي واسعة بين اليابان والغرب بإشراف مباشر من حكومة ميجي، التي وضعت مخططاً تفصيلياً للاستفادة من بعض مقولات الثقافة الغربية، واستيراد التكنولوجيا الحديثة، واقتباس العلوم العصرية المفيدة لليابان من أي مكان وجدت فيه دون خوف أو مركب نقص، ومع نهاية القرن التاسع عشر بات اليابانيون على اطلاع شبه تام على معظم المعارف الغربية”.[121]

لقد رسم الاعتماد على الذات الذي سلكته التربية اليابانية المركَّبة طريقاً سهلاً لتحديث اليابان. فاعتمدت اليابان على جهد أبنائها في عملية الانتقال من العزلة إلى الانفتاح. وكما هو معروف أن اليابان في هذه المرحلة الانتقالية تبنَّت النموذج التعليمي الفرنسي الذي كان يتميَّز بتخريج طلاب ذوي مهارات تعليمية عالية؛ إلاَّ أن المشاكل المالية ونقص الأساتذة وقلَّة المدارس حالت دون تحقيق ما طمحت إليه وزارة التعليم الياباني؛ ومع ذلك تكاثفت الجهود وتمَّ التغلُّب على المشاكل المالية بالتعاون واعتبار الأجور لدى المدرسين مسألة ثانوية، أما عن قلَّة المدارس فقد تمَّ التغلُب عليها بتحويل بعض مدارس المعبد إلى مدارس حديثة، وأصبح التعليم الإبتدائي مشتركاً ومجانياً وإجبارياً حتى الصف السادس، وبعد ذلك تمَّ إنشاء المرحلة المتوسطة وهي أقرب إلى المدارس الفنية، مدة التدريس فيها خمس سنوات، ومدارس البنين فيها منفصلة عن مدارس البنات؛ ثم تليها مرحلة فوق المتوسطة يصل فيها التعليم إلى ثلاث سنوات، وهي خاصة بالبنين فقط، وأشبه بالثانوية التي تسبق المرحلة الجامعية التي تكون فيها مدة التعليم حسب التخصصات.

لقد استمرت اليابان في تحقيق إنجازات علمية وأدبية بجهود أبنائها المتعلِّمين. ففي مجال التكنولوجيا تتجلى أهمية التربية المركَّبة؛ لأن التكنولوجيا جهد وإبداع. فقد كانت عملية استيرد التكنولوجيا من الغرب عملية تكتيكية وليست استراتيجية قد تضفي إلى التبعية؛ وإنما عمل اليابانيون على استيراد التكنولوجيا مركَّبة مع خبرائها بهدف التدريب المباشر عليها، وكانت تدفع  مبالغ خيالية لهؤلاء الخبراء، وبفعل الجهد المستمر حلَّ اليابانيون مكان هؤلاء الخبراء واستفادوا منهم أموراً أخرى في مجال الإبداع والابتكار، كما استعملوا اللغة الإنجليزية لتدريس المواد العلمية لفترة، ثم استعاضوا عنها بلغتهم القومية؛ ولعل الإبداع وحده كان يقف أمام تحديث اليابان لا تغريبها؛ لأن من يبدع ويبتكر لن يكون بحاجة إلى غيره. فالإشباع الذاتي يجعل صاحبه ينظر بعقله وليس ببطنه؛ لأن “المتغرِّب ينظر إلى أفواه وأيدي الغرب.”[122] ولهذا يرى ياسويوكي إشيئي Yasuyuki Ishii أنه إلى جانب الزيادة المستمرة في العمل والادخار كان للإدارة الجيدة للعلم والتكنولوجيا دور بارز في تحديث اليابان.[123] ويرى تاكيشي هياشي Takeshi Hayashi أن اليابان استغرقت ستين سنة في الاعتماد على الذات في مجال البناء التكنولوجي وتحديث اليابان، وقد حقَّقت هذا الإنجاز العلمي والقيمي عبْر الخطوات الآتية:[124] اكتساب التقنيات العلمية؛ وصيانة الآلات والتجهيزات الجديدة؛ وإدخال تعديلات ثانوية على التكنولوجيا الأجنبية؛ والتصميم والتخطيط؛ ثم التصنيع المحلي والاعتماد على الذات.

لقد قام هذا التحديث بتضافر جملة من العوامل التربوية المركَّبة من المعرفة والجهد، أسهمت في استئصال الأمية من المجتمع الياباني، وتقوية النزعة العلمية لدى الطلاب، وكان أهم هذه الجهود: إنشاء 22 مدرسة كبرى تابعة للدولة سنة 1897م/1314هـ، وإنشاء جامعات كبرى، مثل: جامعة طوكيو المركزية سنة 1877م/1293هـ، وجامعة كيئو وهي امتداد لمدرسة اللغات والدراسات الأجنبية التي أسسها فوكوزاوا سنة 1868م/1284هـ، وجامعة كيوتو سنة 1897م/1314هـ، ومعهد واسيدا الذي أسسه “أوكومو” سنة 1882م/1299هـ، وهو رجل دولة سابق في حكومة ميجي. وقد توالت بعد ذلك جامعات كبرى اشتهرت بمستوياتها العلمية الرفيعة؛ مما شجَّع خبراء الغرب في شتى ميادين المعرفة للتدريس في هذه الجامعات، فأفاد منهم اليابانيون قبل أن تنتهي مدة تدريسهم، وكافأهم اليابانيون مادياً برواتب عالية، ومعنوياً بنصب تماثيل لهم في الجامعات التي تفانوا في خدمتها.

لقد صمَّمت اليابان شخصية متعلِّمة ومحيطة بعلوم الغرب ووفية لقيمها التاريخية وأصولها الدينية، ولهذا عندما دمَّرت القنبلة النووية قدرات اليابان المادية، عادت هذه الشخصية بقيمها إلى إعادة البناء متَّبعة في ذلك طريقة الأسلاف في بناء اليابان، وذلك بالتحصيل المعرفي والجهد في تحويله إلى إبداع. فالتربية المركَّبة في اليابان تربية أصولية وتاريخية؛ وهي تحصيل معرفي، وجهد، وإبداع. فعلى هذا المنوال سارت التربية والتعليم في اليابان كما سنرى. فعصر الانفتاح هو انعكاس لعصر العزلة، لا سيما على مستوى القيم التاريخية، والجهد الجماعي، والتحصيل المعرفي، والاستمرارية في الإبداع والابتكار. يقول فوكوزاوا عن هذا التركيب بين جهود الماضي وإبداع الحاضر الذي أسهم بفاعلية في تحديث اليابان: “الحاضر، في نهاية المطاف، هو نتيجة الماضي. وهذه الحالة المجيدة لبلادنا لا يمكن إلا أن تكون ثمرة الميراث الطيب الذي ورثناه عن أسلافنا، فنحن المحظوظون الذين يعيشون اليوم ليستمتعوا بهذا الإرث الرائع. ومع ذلك فإني أحس كما لو أن طموحي الثاني والأعظم قد تمَّ تحقيقه، لأن كل شيء تطلعت إليه وابتهلت من أجله قد تمَّ تحقيقه من خلال كرم السماء وفضائل هؤلاء الأسلاف. وعندما أتطلع إلى الوراء لا أجد ما أشكو منه، لا شيء إلا الرضا والابتهاج التامين.”[125]

ثالثاً-خصائص التربية اليابانية المركَّبة في اليابان القديمة والحديثة

1-التربية اليابانية المركَّبة تربية أصيلة، وتكمن أصالتها في بنيتها القيمية (البوذية، والكونفوشية، والشنتوية) التي لا زالت جذورها ممتدة في المجتمع الياباني.

2-تتميَّز التربية اليابانية المركَّبة بأنها وليدة جهود المجتمع والطبقة الحاكمة.

3-تستمد التربية اليابانية المركَّبة أصالتها من أصالة الشخصية المتعلِّمة التي تحافظ على قيم الأسلاف.

4-تستمد التربية اليابانية المركَّبة فاعليتها من فاعلية الشخصية المتعلِّمة التي توظِّف قيم الأسلاف في العملية الإبداعية والابتكارية.

5-تتميَّز التربية المركَّبة بأنها تربية معتمدة على ذاتها وانفتاحية على الآخر في آن؛ إذ تمتلك آليات الاعتماد على الذات بالطموح والتحدي، وقادرة أن تقف على قدميها بدون مساعدة الآخر. كما أن التربية المركَّبة انفتاحية على الآخر بقيمها، فتفرضها فرضاً عليه؛ حتى يكون التبادل المعرفي متفاهماً، ومثمراً للجانبين.

6-تستمد التربية المركَّبة استمراريتها من مجتمع يتصف بنزعة جماعية قوية، وواعٍ بالقدرة الإبداعية الكامنة في قيمه.

7-تكتسب التربية المركَّبة أهميتها من حرفيتها ومهنيتها، فهي تربية مهنية تتخذ من القيم العملية أساساً لجذب المجتمع للتفاعل أكثر مع مناهجها العملية وأساليبها الإبداعية.

8-تتميَّز التربية اليابانية المركَّبة بأنها غير قابلة لإفادة غيرها من التجارب التربوية، إذا افتقرت هذه التجارب إلى الجوانب الروحية والأخلاقية والقيمية والتراثية في مشروعها التربوي.

9-تتميَّز التربية اليابانية المركَّبة بأنها غير قابلة لإفادة غيرها من التجارب التربوية إنْ لم يبلغ الجهد حدَّه الأقصى في هذه التجارب؛ فبالجهد يتحوَّل التحصيل العلمي والمعرفي إلى إبداع وابتكار وتجاوزٍ للمعرفة المحصَّلة.

10-نسق التربية اليابانية المركَّبة نسق مغلق، لا يمكن اختراقه والاستفادة من بنيته المعرفية والعلمية والثقافية إلا بتعظيم الجهد.

11-التربية اليابانية المركَّبة مشروع مجتمع بكل أطيافه، فهي تقوم على قليل من المعرفة وكثير من الجهد؛ حيث يتحقَّق هذا الجهد بتعبئة المجتمع دينياً.

رابعاً-مقترح لتنمية الشخصية المتعلِّمة الأصيلة في ضوء التربية اليابانية المركَّبة

لقد كشفت التربية اليابانية المركَّبة على أن الشخصية المتعلمة هي التي تنهل من ينابيع بيئتها، وتتطلع إلى الاستفادة من بيئة غيرها، وفي حدود الإفادة لا غير. لا شكَّ أن هذه الشخصية البيئية شخصية مستديمة وواعية، وكل ما هو مستديم وواع فهو أصيل. ومن ثم فإن التربية البيئية “ليست فرعاً منعزلاً من العلوم أو لها كيان خاص كمادة دراسية، وإنما هي مجموعة من المعارف المتداخلة التي تهدف إلى تحسين جودة الحياة وصلتها الوثيقة بفكرة التعليم مدى الحياة. بمعنى أنها تربية الفرد على حسن التعامل مع البيئة وذلك عبر تمكينه من المعارف الأساسية لذلك، أي أنها تسعى إلى خلق وعي بيئي عند كل الأفراد وتشجيع الناس على الأنشطة التطوعية الرامية إلى معالجة المشاكل البيئية المختلفة.”[126] وهذا لأن “الحلول الفنية ينبغي إذن أن تتكيَّف مع نفسية البلد الذي تطبق فيه ومع مرحلة تطوره، كما أن (الأنا) ينبغي أن تتكيَّف طبقاً للحلول الفنية التي يحاول تطبيقها.”[127] إذاً، الشخصية المتعلِّمة الأصيلة هي التي تتكيَّف في الوسط الفردي والجماعي، ولا ترى ذاتها إلا (عقدة في شبكة) كما يراها كونفوشيوس؛ فهي عقدة -الفرد- من غيرها لا تصبح الشبكة -الجماعة- ذات أهمية، وإذا تحرَّرت الشبكة وتفاعلت مع محيطها العملي، تصبح العقدة فاقدة للمعنى. فالشخصية الإنسانية في المنظور التربوي الأصيل هي الخليفة والمجتمع، وعليه “فإن ما تصبو إليه التربية من منظور خلدوني هو إنتاج إنسان خليفة مشروط بمواصفات ذات بعدين؛ البعد الفردي والبعد الجماعي.”[128] فنلفي في البعد الفردي بعدين؛ معاشي وأخلاقي. فبالعمل والجهد والصناعة والإبداع تتحقق قيمة الشخصية المتعلِّمة في الحياة المعيشة. فالمعرفة مهمة للشخصية، فبواسطتها تعمل وتجتهد وتحقق معاشها؛ لأن تحصيل المعاش ضرورة لا مفرَّ منها لتكامل الشخصية الأصيلة. فمن غير التحصيل المعرفي يتعذّر تحقيق البعد الأخلاقي في كل شخصية متعلِّمة؛ فالفقر يكاد يصبح كفراً في حالات، فالشخصية إن لم تكفر في حالة الفقر فحتما ستخون مبادئها في ظل المغريات، وهو ما يتنافى مع تحصيل الأخلاق لدى الشخصية العاطلة لأسباب اقتصادية، أو الشخصية المتذمرة لأسباب اجتماعية وتربوية. ففي هذه الحالة فإن عطالة الشخصية تفضي إلى ضحالة الشخصية، وكلما “حدث إخلال بالقانون الخلقي في مجتمع معيَّن، حدث تمزق في شبكة العلاقات التي تتيح له أن يصنع تاريخه.”[129]

الشخصية الأصلية بنت بيئتها، ومن ثم فإن تأصيلها يرجع إلى مدى تنمية نفسها داخل بيئتها، فهي صدى لها، وعليه “ترى التربية من منظور خلدوني أن البعد الفردي على الرغم من أهميته يبقى مبتوراً ولا جدوى له في الفعل الاستخلافي ما لم يؤطر بأطر البعد الجماعي؛ لأن الفرد لما هو عليه من العجز والضعف محتاج إلى المعونة لاستكمال وجوده، لهذا فإنه لكي يكون مؤهلاً لهذه المعونة فإنه لا بد له من التحلي بالبعدين التاليين: المفاوضة والمشاركة.”[130] فإذا كانت المفاوضة تعبر عن الإمكان الفعلي للشخصية في التعاطي مع الجماعة بحرية واقتدار؛ فإن المشاركة هي التي تحوِّل هذه الحرية والمقدرة إلى فعل وإبداع؛ إذ يشكل التناسق بين الفردي في بعديه المعاشي والأخلاقي، وبين الجماعي في بعديه المفاوض والمشارك، حالة فريدة في اكتمال معالم الشخصية المتعلمة في بعديها الأصيل والفاعل. فالمشاركة طريق إلى تفعيل الأصيل في الشخصية من حرية ومقدرة. فالحرية والمقدرة شيئان أصيلان في الإنسان، ولدا معه؛ لأن الفرد كما يقول كونفوشيوس يولد بقدرات تطورية وبحرية تسمح له بتشكيل هذه القدرات وفق النسق البيئي، وقد عبَّر عن ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قولته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.” ومن ثم فإن التفعيل يكون في إطار الجماعة والمشاركة؛ ولكن الذي يجعل المفاوضة في الشخصية بوصفها عاملاً أصيلاً تتحول إلى مشاركة الشخصية لتفعيل أصالتها هو علاقة الشخصية بالله؛ ففي غياب الاعتصام بحبل الله قد تضيع جهود الفرد في الجماعة الضائعة، وهذا ما حدث لهذه الشخصية الفردية لما انتهجت الطريق الاشتراكي، فاتخذت من الجماعة إلهاً. وكذلك الشخصية التي انتهجت الطريق الليبرالي اتخذت من الفردية سبيلاً للإبداع فجاء الانتفاع فردياً، حرم الجماعة من فوائده، فغاب الفعل المشارك.

يقول كونفوشيوس: “إن الطريق الوحيد الذي يمكن للفرد من خلاله أن يهذِّب ويحفِّز الشعب ويؤسس عادات المجتمع الصالح يكون من خلال التربية، فقطعة الحجر لا يمكن أن تصبح موضوعاً فنياً إلا إذا نقشنا عليها، والإنسان لا يمكن أن يعرف القيم والأخلاق بدون تربية.”[131] يولد الإنسان ليتربى قبل كل شيء، وهذا منهج قرآني واضح: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، والطفولة هي اللحظة المناسبة لاكتساب قيم الحياة وفضائلها، لقول الحكماء: “التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. لا تمحوه الأيام.”[132] فالتربية في الصغر كفيلة بتحقيق المعاش والأخلاق لدى الفرد، وتفعيل المفاوضة والمشاركة لدى الجماعة، ولا يمكن لهذه الأبعاد الأربعة أن تتفاعل من أجل الإبداع؛ إذا تجاوزت مرحلة الطفولة، فقد قالت الحكماء: “من أدَّب ولده صغيراً سُرَّ به كبيراً.”[133] والسرور هنا ليس في العلم وإنما في العمل الفردي وجلب المعاش والمشاركة في المجتمع، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: “من لم يجلس في الصغر حيث يكره، لم يجلس في الكبر حيث يحب.”[134]

إذاً، التربية هي الطريق الأفضل لتحقيق المعاش للشخصية الفردية المتعلمة. فاليابان لم تحقِّق معاشها وتنميتها إلا بالتربية والتعليم، ومن يفكِّر في معاشه خارج دائرة التربية سيفقد كثيراً من أخلاقه، وقد ينظر إلى المشاركة في المجتمع باعتبارها سرقة لجهوده. فالشخصية الليبرالية الغربية ترى في المشاركة سرقة لجهودها، وإن استفاد منها المجتمع فذلك منَّة عليه؛ وهذه نظرة أنانية، وإن جاءت هذه الشخصية فاعلة ومبدعة فلأنها متعلِّمة؛ ولكن تربيتها فارغة من القيم الإنسانية والجماعية. ومثل هذا ينطبق على الشخصية الاشتراكية؛ أما الشخصية الإنسانية الأصيلة فتربط العمل الإنساني بالقيمة الأخلاقية فتأتي مسؤولة ومخلصة وأمينة، ومن ثم فإنه “ليست القيم الأخلاقية (قيم أشياء) ترتبط بالعمل الإنساني، بل إنها (قيم أشخاص) و(قيم أعمال) ترتبط بالعمل من حيث الإرادة والنية، وعلى أساس هذه القيم ينهض صرح الاستحسان أو القدح، وتتضح عاطفة المسؤولية أو الشعور بالخطيئة… فالقيمة الأخلاقية تتصل بالشخص، أو تتصل بفعل من أفعاله: الاستقامة، الأمانة، الثقة، البذل، روح التضحية، إلخ.”[135] ومن ثم فإن الشخصية المتعلمة، الفردية والجماعية، الأصيلة هي التي تربط أبعادها الأربعة: المعاش والأخلاق والمفاوضة والمشاركة بالقيم العملية، مثل: المسؤولية والإخلاص والصبر والاعتماد على الذات. وهذا ما يُفترَض أن تتعلمه الشخصية ابتداء من الروضة، ويستمر معها هذا التعلم مدى الحياة، محاكاة للحكمة: “اطلب العلم من المهد إلى اللحد.”

إذا لم يكن التعلم مدى الحياة فإن القيم الأخلاقية ستفقد معناها بمرور الزمن. والإسلام جاء خاتماً، وجاء ليُتعلَّم مدى الحياة؛ حتى تحافظ الشخصية على قيمه وتعاليمه. إن سر انفصام الشخصية المتعلمة يرجع إلى غياب استراتجية للتعلم من المهد إلى اللحد. فالشخصية كي تحافظ على قيمها الفردية وقيم المجتمع، وهي تتقلَّد المسؤوليات وتتحمل الأمانات، يفترَض منها الاستمرار في التعلم، الذي يجعل المسؤولية والأمانة يضفيان على المنصب قيمة أخلاقية قبل كل شيء. إن مشكلة الشخصية المسلمة لا تكمن في انحرافها عن مبادئ الإسلام، ولكن مشكلتها أنها حصرت تعلُّم مبادئ الإسلام في فترة عمرية محدودة. بينما الإنسان كل لحظة يستكشف جديداً؛ إلا أنه في غياب التعليم المستمر لا يرى هذا الإنسان جديداً في حياته. فمثلما تتعلم الشخصية علوما دقيقة في سن معينة قد تجعلها تنتظر ذلك حتى مرحلة الجامعة، فكذلك عليها أن تنظر إلى القيم الأخلاقية واستشعار المسؤولية باعتبارهما عملية تربوية مستمرة، حتى بعد مرحلة الجامعة، بل تزداد أهميتها التربوية لما تصبح موضع تطبيق.  يشكل العمل امتحاناً للقيم الأخلاقية من مسؤولية وأمانة وإخلاص وتضحية؛ فإذا صمدت الشخصية المتعلِّمة بقيمها الأخلاقية أمام مغريات المنصب والعمل، فذلك أن تربيتها كانت أصيلة؛ وإلا فإن الاستمرار في التعلم مطلوب لإرضاء الله تعالى. إن الهدف من تكوين شخصية إسلامية مبدعة هو إخراجها من الظلمات إلى النور، من اللافاعلية إلى الفاعلية، ويوضح لنا بوفلجة هذا الانتقال في الجدول رقم (1).

جدول رقم (1)

مقارنة بين ملامح الشخصية الفعالة وغير الفعالة[136]

شخصية فعالةشخصية غير فعالة
الاجتهاد عدم الغش تفكير منطقي الانضباط احترام الوقت علاقات مبنبة على القوانين الرسمية روح التنظيم الترقية في العمل نتيجة الكفاءة الاعتماد على النفس روح المبادرة الثقة بالنفس الكفاءة أهم عامل للنجاح أسلوب ديمقراطي في المعاملات احترام الكفاءات  التكاسل الغش تفكير خرافي التسيب عدم احترام الوقت علاقات مبنية على العاطفة روح الفوضى الترقية في العمل نتيجة الولاء روح الاتكالية السلبية عدم الثقة في النفس الانتماء القبلي أهم عامل للنجاح أسلوب تسلطي في المعاملات عدم احترام الكفاءات

 وعليه فإن ما يُفترَض في بناء شخصية متعلٍّمة أصيلة من منظور مشروع إحياء نظام تربوي أصيل، ما يأتي:

1.إصلاح المعلٍّم قبل المتعلِّم: قال عمرو بن عتبة لمعلم ولده: “ليكن إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسَن عندهم ما صنعت والقبيح عندهم ما تركت.”[137]

2. إصلاح المتعلِّم بوصفه إنساناً هو الوجود والقيمة والغاية: ويكون ذلك بتعريفه بنفسه ومحيطه، وأنه إنسان يعلو على الملائكة بعلمه وعمله، ويكون أدنى من الحيوانات إذا لم يربط علمه وعمله بخشية الله. ولهذا “قال الحكماء مرة: أول شيء يلزم الإنسان الإنسانَ معرفتُه نفسَه. وقالوا مرة: أول ما يلزمه معرفة الله. وليس بين هذين القولين منافاة؛ فإنهم عنوا بالأول حيث قالوا معرفة النفس الأول من حيث الترتيب الصناعي، وعنوا (بالأول أيضاً) حيث قالوا معرفة الله الأول من حيث الشرف والفضل فإن معرفة الله هي أفضل المعارف. وفي معرفة النفس اطِّلاع على أمور كثيرة: أحدهما: أنه بواسطتها يتوصَّل إلى معرفة غيرها، ومن جهلها جهل كل ما عداها. والثاني: أن نفس الإنسان مستودع مجمَعُ الموجودات كما يتبيَّن، فمن عرفها فقد عرف الموجودات… والثالث: أن من عرف/نفسه عرف العالم، ومن عرفه صار في حكم المشاهد لله تعالى وهو يخلق السماوات والأرض… والرابع: أنه يعرف بمعرفة روحه العالم الروحاني وبقاءه، وبمعرفة جسده العالم الجسداني وفناءه، فيعرف خسَّة الفانيات وشرف الباقيات الصالحات؛ والخامس: أن من عرف نفسه عرف أعداءه الكامنة فيها…والسادس: /أن من عرف نفسه عرف أن يسوسها، ومن أحسن أن يسُوس نفسه أحسن أن يسوس العالم… والسابع: أن من عرفها لم يجد عيباً في أحد إلا رآه موجوداً في ذاته… والثامن: أن من عرف نفسه فقد عرف الله.”[138]

3.تعليم القرآن والحديث النبوي والحكمة وتدريبهم على العمل الصالح: يقول عمرو بن عتبة للمعلم: “علٍّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، وروِّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفَّه ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يُحكموه، فإن ازدحام الكلام مشغلة للفهم، وعلمهم سنن الحكماء.”[139] إن تعليم القرآن هو رأس العلوم وأشرفها، بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم، فعلَّم أصحابه، فلما تمكنوا منه هذَّبوا أنفسهم. لاسيما وأن القرآن فيه ما يدعو إلى تفعيل المشاركة وتقدير جهود الفرد، وعليه يقول المستشرق الياباني “توشيهيكو إيزوتسو”: “إن التعليم القرآني قدِّر له أن يتطور ليس بوصفه ديناً فقط بل كذلك بوصفه ثقافةً وحضارةً، علينا أن نسلِّم بالأهمية العليا لحقل الأخلاق الاجتماعية، الذي يتألف من مفهومات مرتبطة بالحياة اليومية للناس في المجتمع. وكان على القرآن، خاصة في المرحلة المدنية، أن يتحدث عن حياة الجماعة.”[140] فالجماعة في الإسلام لا تتشكَّل إلا في إطار قرآني، والفرد لا يسلِّم بهذه الجماعة إن لم يكن القرآن مؤطراً لها. وعليه فإن الغزالي يوصي “بتطهير النفس، وترك ظاهر الإثم وباطنه، ويعتبر ذلك أساساً لتحصيل العلم، وينصح بالابتداء بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعلوم التفسير، وسائر علوم القرآن: من علم الناسخ والمنسوخ والمفصول والموصول والمحكم والمتشابه، وكذلك في السنة، ثم الفروع وهو علم المذهب من علم الفقه دون الخلاف ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له العمر ويساعد فيه الوقت، ولكنه ينصح الطالب بأن لا يستغرق عمره في فن واحد منها طلباً للاستقصاء، فإن العلم كثير والعمر قصير.”[141] أيضاً ينبغي على الناشئة أن يقرنوا العمل الصالح بالعلم وليس بالدين وحسب؛ لإن حصر العمل الصالح في أمور دينية أدى بالمؤسسات التربوية إلى إهمال “للقدرات التسخيرية والخبرات المربية مما أفرز أفراداً يفتقرون إلى القدرات والمهارات التي يتطلبها العصر.”[142]

4.تنظيف اللسان والقلب والعقل: هناك  مطلب ضروري لإعادة النظر في اللسان والقلب، ومن ثم العقل؛ إذ لابد من تطعيم الناشئة بلغة القيم والبيان والشعر التي تفتح القلب على قراءة المعجز البياني بذوق جمالي ومبدأ أخلاقي؛ حيث يجعل ذلك الضمير في خدمة العقل، والقيم في خدمة النهضة. بهذه الطريقة تولد شخصية متعلمة جديدة، تبدأ بتنظيف ذوقها وإخلائه من الجراثيم المعرفية القاتلة. ينبغي مراعاة هذه المرحلة بالبحث عما يمكن أن يكون بديلاً للإيديولوجيات التربوية الوافدة. كدراسة التاريخ جيدا، والبدء من العدد الصفر أفضل من الاحتفاظ بالعدد السالب. فالشخصية المسلمة الحالية في غياب ما أشرنا إليه أنفاً ستظل بمثابة الطفل أمام العقلانيات الوافدة؛ لأنها تجهل أسرارها، وهذا ما يكشف عن مشروعاتها التربوية التي سرعان ما تنتهي -في ظل العقلانية المؤدلجة- إلى الفشل. تماماً مثل ذلك الطفل الذي حين يتعب من تسلُّق الأشياء العالية يخلد إلى ألعابه وأشيائه حتى ينسى -أو يتناسى- بأنه فشل وأخفق؛ ولكن ليس الإخفاق النهائي. على الطفل أن يلعب بأشيائه وهو في الوقت نفسه يتعلم أشياء أخرى؛ لأن الطفل مجبول على اللعب، فباللعب يتَّسع عقله، وبالأشياء الكبيرة عليه يضيق قلبه. وعندما يضيق القلب فلا أمل في العقل، وعندما تتقلص القيم يتملص العقل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل.”[143] وقال بعض الحكماء: “لست أطلب العلم طمعاً في غايته، والوقوف على نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله.”[144]

5. تدريب الشخصية على رؤية الأمور بالفطرة وليس بالإيديولوجيا: ضرورة تدريب الناشئة أن كل ما هو خير من المعارف فهو من الإسلام. فما ظل الإسلام قائماً فكل شيء إلى زوال. فالمسألة مسألة جهد وإعادة بناء. لماذا كل شيء يولد على الفطرة، بينما غير المسلم يخرجه من الفطرة بقوته وإبداعه وإيديولوجيته؟ فالليبرالية والاشتراكية والديمقراطية من الفطرة؛ إلا أن الآخر القوي أضفى عليها بعداً إيديولوجياً يحجب الفطرة. تقول الحكمة: “هب أن مبدءاً فكرياً بعيداً عن الدين جاء بخير ولكن عندي في ديني ما يقوم بذلك الخير فما الذي يجعلني أعزو ذلك إلى الفكر المعاصر ولا أعزوه إلى الإسلام؟.. لأنني إن عزوته إلى الفكر المعاصر ولم أعزوه إلى الإسلام فسأعطي دليل ثقة بذلك الفكر المعاصر، وإذا أعطيت دليل ثقة بالفكر المعاصر في هذه، فإنني أخاف أن تنسحب هذه الثقة في كل الفكر المعاصر، فلا تجئ في الزاوية المهمة وقد تأتي وتنقلني إلى زاوية أخرى.. مثلاً.. هب أن الشيوعية فيها مبدأ.. وسلمنا بحسن النية، وأنه يريد الخير، والتطبيق جاء بالخير.. إذا كان في الإسلام ما يحقق هذا لماذا لا أقول: ذلك هو الإسلام، ولماذا أقول الشيوعية؟”[145] فكثيراً ما ضاعت منا المعارف والعلوم ونحن نرفضها من منظور إيديولوجي شرير، ونقبلها من منظور فطري خيِّر.

6.تدريب الشخصية على الإفادة واقتفاء النافع والصالح من العلوم: إن التركيز على التعامل مع المعارف الإنسانية يكون بمصفاة ما ينفع ديننا ومجتمعنا وما يضره، وذلك في إطار الخير والصلاح. يقول ابن سيرين رحمه الله: “العلم أكثر من أن يحاط به؛ فخذوا من كل شيء أحسنه.”[146] ويقول الراغب الأصبهاني: ” الإنسان ما دام حيّاً يجب أن لا يخرج من كونه مستفيداً ومفيداً.”[147]  إن المفعة تعلِّم الشخصية بذل الجهد؛ إذ “بقدر معرفة منفعة الشيء يحرص الإنسان على طلبه، ويصبر على تحمل المشقة في تحصيله.”[148]

7.التخصص للتمكن من المعرفة وتكوين شخصية متعلمة ومبدعة: إن تربية الناشئين على التخصص في العلوم ضروري لبناء أمة قوية، وتأهيل أجيال عالمة ونابغة. فالعلوم الدقيقة لا تتأتى إلا بالتخصص. وهذا يتطلب تشكيل مراحل تعليمية مبكرة تكون خاصة بتدريب العقول الناشئة على التخصص دون سواه أسوة بالأمم المتقدمة، التي تجعل من التخصص طريقاً لرؤية المستقبل بوضوح.  فضلاً عن أن الطريق المناسب لاستيعاب ما تقرأ الشخصية المتعلمة وما تطالعه هو الغوص في عالم التخصص؛ لأن التخصص يعلم التكرار الجديد للمعارف، وهذا هو الذي يُتعلَّم ويصقل. فالتخصص طريق ذكي لاكتساب المعارف وإبداعها بسرعة. والعالم العربي والإسلامي بحاجة إلى المتخصصيين، أمثال: جابر بن حيان، والخوارزمي، وابن الهيثم، وابن النفيس، والكندي، وغيره من الذين تخصصوا، فأعانهم تخصصهم على أن تكون ثقافتهم موسوعية. يقول عبد الله بن مسلم بن قتيبة: “من أراد أن يكون عالماً فليطلب فنّاً واحداً، ومن أراد أن يكون أديباً فليتفنَّن في العلوم.”[149]

8.التركيز على الجانب العملي وتكثيف الجهد: المجتمع الإسلامي بحاجة إلى شخصيات عملية؛ لأن ما هو عملي سرعان ما يصطدم بقيم المجتمع، هذا إذا كان في العمل ما يتنافى مع قيم المجتمع؛ لكن ستقدم هذه الشخصية العملية المجتمعة المجتهدة حلولاً إذا ما كان هذا العمل ينسجم مع هذه القيم. فتكوين شخصية عارفة وعالمة، وهي في الوقت نفسه تفتقر للحس العملي، فذلك يعد ترفاً معرفياً، ويشكل مضيعة للوقت وتشويه للقيم. يقول مالك بن دينار رحمه الله: “العلم إذا لم يعمل به زلَّت موعظته عن القلب، كما يزال الماء عن الصفا.”[150] وقالوا: “لولا العمل لم يُطلب العلم، ولولا العلم لم يُطلب العمل.”[151] وروى زياد عن مالك: “كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، وإياك والرابعة؛ ولا تكون عالماً حتى تكون عاملاً، ولا تكون مؤمناً حتى تكون تقياً.”[152] وما قيل في ثمرة العمل: “من أشبع أرضه عملاً أشبعت بيته خبزاً.”[153]

9.إبداع اللغة العربية والإفادة من اللغات المبدعة الأخرى:  تنمو اللغة بنمو الفكر، ففي غياب الفكر تصبح اللغة بلا معنى، واستنجاد الشخصية المسلمة باللغات العالمية إنما يرجع إلى عالمية هذه اللغات. فاللغة بمفردها لا تعمل شيئاً، فنفعها يكون عديماً. اللغة من غير فكر مثلها مثل الحصان لا يسع إلا شخصاً واحداً؛ أما اللغة العامرة فكراً فنفعها عميم، فهي مثلها مثل الحصان الذي يقود عربة تسع لأشخاص عديدين. اللغة مثل العربة لا تسوق بمفردها، بل لابد من عجلات؛ وحتى تكون ذات فائدة لا بد من لها من ركاب، وهؤلاء هم من يمنحون للغة العربية قيمة، فقيمة اللغة في الأفكار. وهذه الأفكار الأصيلة التي تبدع اللغة لا تعثر عليها الشخصية المسلمة إلا في القرآن والسنة وتراث السلف والكتابات المعاصرة المبدعة، التي ينبغي للنشء تعلمها جنباً إلى جنب مع اللغة. فاللغة ليست نحواً مملاً، بل هي فكر وإبداع. فبعظمة الفكر تكون اللغة مبدعة، وكل نموذج يبدع بلغته هو نموذج أصيل. اليابانيون تعلموا اللغات لنقل المعارف والعلوم؛ ولكن ظل لسانهم يابانياً، وقلمهم يابانياً، وتفكيرهم يابانياً. على الشخصية في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل أن تتعلم لغة من أجل أن تستفيد، وإذا تعلمت لغة ما الفائدة أن تكتب بها؟ عندما تكتب تفيد مَن؟ تعلم اللغات المبدعة تصلح للشخصية المسلمة في الأمور الآتية:

أ.القراءة بهذه اللغة لمعرفة كيف يفكِّر الآخر.

ب. الترجمة للتعريف بإبداعات الآخر وتجاوزها.

ج.الكتابة بهذه اللغات لشرح الإسلام للآخر؛ وهذا بعد ديني محض.

10.تدريب الشخصية على تفعيل الأصالة وليس تعلمها: في أثناء التعليم يفترَض تلقين المتعلم أن الأصالة لا تبدَع بل تفعَّل؛ حتى لا يشعر الناشئ بأنه مطلوب منه أن يكون أصيلاً بالتعلم؛ لأن ذلك سيولد لديه الإحباط إذا فشل في مهمته. ولكن تتعلم الشخصية بأن الأصالة هي الإحياء، وأن الإحياء هو الذي يرشده إلى الإبداع. فالشخصية المتعلمة عندما تضيف شيئاً للأصالة فهي لا تضيف أصيلاً؛ لأن الأصالة مكتفية بذاتها، فلا تزيد ولا تنقص؛ ولكن الشخصية المتعلمة تزيدها فاعلية، فتصبح هذه الشخصية أصيلة بفاعليتها، وتصبح الأصالة فاعلة بأصالة الشخصية المتعلمة.

11.الحفظ والتركيز والتطبيق: الحفظ ضروري لتشكيل شخصية نابغة ومتعلمة، فالقرآن الذي هو أم العلوم لا يتحقق للناشئ وغيره إلا بالحفظ. فالمعادلات الرياضية والفيزيائية والكميائية لا يتمكَّن منها المتعلم إلا بالحفظ. الياباني يغلب عليه الحفظ الذي يسبقه التركيز ويعقبه التعقل. فالياباني يعقل أولاً ثم يحفظ ثم يعلم ثم يعمل. فلا فائدة من الحفظ إن لم يترجم إلى عمل؛ لأن العمل هو الذي يعقل الحفظ. وهناك من يجرِّم الحفظ في العالم العربي والإسلامي؛ فالجريمة ليست في الحفظ، ولكن في غياب العمل بهذا الحفظ. إن العمل بالحفظ الذي قد يفرز إبداعاً أصيلاً وفاعلاً، أفضل من الإبداع بلا حفظ الذي قد يفرز إبداعاً منبتّاً. في هذا الصدد نلفي المربي “كياهي الحاج أحمد دحلان” (1285-1340هـ/1868-1923م) رئيس الجمعية المحمدية بأندونيسيا حريصاً “على ربط العلم بالعمل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل أنه أراد أن يطبق جميع تعاليم الإسلام في حياة المسلمين اليومية، وألا تكون دروسه مجرد محاضرة تدرس ويحفظها التلاميذ. وبهذه الروح كان يرى تلاميذه الشبان الذين يلتفون حوله بعد كل صلاة الفجر لدراسة تفسير القرآن الكريم منه. وقد حدث أن كرر تفسير سورة الماعون عدة أيام، وكلما انتهى من تفسير السورة عاد ليفسرها من جديد. ولم يكن قد حدث منه ذلك في تفسيره السورة التي قبلها، فسأله أحد تلاميذه: لماذا أوقفت الدرس إلى تفسير هذه السورة، ولماذا لم نمض إلى تفسير السورة التي بعدها فقد حفظناها وفهمناها جيدا، وكان السائل من أبرز تلاميذه وأشجعهم واسمه شجاع فنظر إليه وأجابه بسؤال: فهل صحيح أنك فهمتها جيدا؟ فقال نعم قرأناها عقب الفاتحة عند صلواتنا، فقال: ليس هذا هو العمل، العمل معناه التطبيق، والعمل هنا هو تطبيق جميع أوامر الله الموجودة في هذه السورة، هيا قوموا وانطلقوا وابحثوا عن اليتامى والمساكين وإذا وجدتموهم فأتوا بهم إلى بيوتكم فاغسلوهم بالماء والصابون، واكسوهم ثوباً نظيفاً، وقدموا لهم الطعام والشراب، وجهزوا لهم السرير ليناموا في بيوتكم بارتياح، والآن انتهى الدرس، فخرجوا وبحثوا عن اليتامى والمساكين وعملوا معهم حسب ارشادات أستاذهم، ولم يواصل درسه إلا بعد أن علم تمام المعرفة، أنهم قد طبقوا أوامر الله في سورة الماعون بصورة مباشرة في الحياة الواقعية. فهذا التصرف من الزعيم الرائد له أثره العميق في نفوس تلاميذه واتباعه في الجمعية المحمدية، فقد علموا أن القرآن الكريم ليس فقط كتاباً مقدساً يتعبد بتلاوته وحفظه أو يدرس تفسيره في المدارس والمساجد ومجالس التعليم؛ ولكنه أبعد من ذلك فإنه كلام الله عز وجل الذي يجب على المسلمين جميعاً أن يطبقوا جميع محتوياته في حياتهم الفردية والأسرية والاجتماعية بامتثال جميع أوامر الله الموجودة فيه واجتناب نواهيه. وعلى هذا الأساس انطلقت الجمعية المحمدية في نشاطها حاملة رايتها وسط المجتمع لتقود الناس إلى الدين القويم جاعلة القرآن أساسها، فأصلحت ما أفسده الناس من شريعة الله، وقومت ما أعوجه الناس من العقيدة الحنيفة.”[154] وعن حفظ العلم واستعماله قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “تعلموا العلم، فإذا علمتم فاعملوا.”[155] وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “أيها الناس تعلموا كتاب الله تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله.”[156] وقال أبو الحسن: “كان وكيع بن الجراح يتحفظ كل يوم ثلاثة أحاديث.”[157] وقال مَصقلة الزبيري: “لا يستغني الأديب عن ثلاثة، واثنين: فأما الثلاثة: فالبلاغة، والفصاحة، وحسن العبارة؛ أما الاثنان: فالتعلم بالأثر، والحفظ للخبر.”[158] وقال الأصمعي: “أول العلم: الصمت، والثاني: الاستماع، والثالث: الحفظ، والرابع: العمل، والخامس: نشره.”[159]

12.تدريب الناشئة على حسن الاستماع وإثارة السؤال: يعد السؤال في حد ذاته ثقافة؛ لأن السؤال يفتح أفق الذكاء، ونصف التعلم يأتي من إثارة السؤال. فالسؤال لا يزيد من معارف المتعلم وحسب، بل يعلمه الإقدام والشجاعة والاقتدار على محاورة المعلم والكبار في سن مبكِّرة؛ بل إن الذي يصنع المعلم هو السؤال، فمهمة المعلم ليس التدريس وحسب وإنما الإجابة عن السؤال. وإذا كان الدرس يخلو من السؤال فلا يعدُّ درساً. كما يفترَض تدريب الناشئة في الامتحانات والواجبات على إثارة الأسئلة بدل إعطاء أجوبة فورية؛ لأن المعلم قد يستفيد من هذه الأسئلة في تدريسه وبحوثه وإبداعاته. فعلى المتعلم أن يساعد معلمه بإثارة الأسئلة، التي قد يحوِّلها المعلم إلى أبحاث وإبداعات عن طريق الإجابة عنها. إن مهارة المفكرين والفلاسفة العظام تكمن في إثارة الأسئلة، وليس في الإجابة الفورية عنها. فعبقرية هؤلاء وخلود أفكارهم تكمن في السؤال وليس في الإجابة. فبالإجابة صنعوا أنفسهم وبالأسئلة صنعوا غيرهم. فهناك ضرورة لإثارة السؤال من قبل المعلم، ومن قبل المتعلمين فيما بينهم وهم يتدربون على إلقاء الدروس والمحاضرات. فالسؤال ضروري ومشروع لإثارة انتباه المستمع ليحفظ ما يلقى عليه. فالرسول صلى الله عليه وسلم غالباً ما كان يثير انتباه أصحابه بالسؤال أولاً ثم يجيبهم. وللمثال عن أبي بكرة رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟…”[160] وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا المنذر! أتدري أيَّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟…”[161] وقال بعض الحكماء لابنه: “يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث.” [162] والحديث الحسن إذا خلا من السؤال فقد معناه واختل مبناه.

13.تعليم الناشئة طريقة تفكير الغرب، أو كيف يفكر الغرب؟: حلول مشاكل الناشئة ليست في التراث؛ وإنما حلول مشاكلهم في كيفية التعامل مع معارف الغرب. فالتراث ليس لنا معه صراعات حتى نقحمه في دائرة الصراع بيننا وبين التخلف. التراث دائماً كان يفكر لنا، وهو بريء حتى لو فهمناه خطأ، أو أن زمنه غير زمننا؛ أما الغرب فيفكر ضدنا. والمشتغلون بالتراث عليهم أن ينشغلوا بالغرب بدل انشغالهم في كيف فكر التراثيون. على النخبة المسلمة أن تنشغل بطريقة تفكير الغرب. فالذي فكَّر من التراثيين وكانت له أخطاء فقد انقضى أمره ومضى، وأخطاؤه ليست بالقاتلة على كل حال؛ أما الغرب فهو يفكر ضدنا في الحاضر والمستقبل، وأفكاره قاتلة في كل الأحوال. قاتلة لنا وليس له. على نخبة العرب والمسلمين أن يجيبوا للناشئة عن هذا السؤال: كيف يفكر الغرب؟ حاولنا أن ندرس المشروع الفلسفي والإيديولوجي للغرب، ولكن دون جدوى؛ لأننا ننقده بأفكار الغرب، فقد نجج الغرب في توزيعنا على إيديولوجيات غربية متناقضة؛ مما جعلنا نهمل الجانب العقيدي والإيديولوجي والفلسفي في الغرب. ولهذا جاء في الأثر: “من تعلم لغة قوم آمن شرهم.” واللغة هنا لا تقتصر على الحروف والنطق، فنخبتنا صارت تتعلم هذه اللغة لتتشدَّق بها على العامة؛ وإنما المقصود هو معرفة كيف يفكر أهل هذه اللغة في مسائل الشر وإيذاء المسلمين والإنسانية.

14.ربط الشخصية المتعلمة بثقافة اللغة وضروريات الأمة: لقد أخذ اليابانيون اللغة الغربية وليس ثقافتها، فقد اتخذوا الثقافة اليابانية وقيمها وسيطاً بين اللغة اليابانية واللغة الغربية، وظلت هذه القيم تنتج الأفكار الأصيلة باللغة اليابانية، فكانت القيم موجِّهة للغة؛ لكن عندما تؤصَّل القيم باللغة الدخيلة يكون الخطر. ومثل هذا الخطر تفادته اليابان. القيم المسؤولة هي التي تراقب اللغة، فتأتي اللغة هي الأخرى مسؤولة. لابد لبناء شخصية متعلٍّمة أصيلة من داخل مشروع إحياء نظام تربوي أصيل من التركيز على ضروريات الأمة، لاسيما في مسألة التنظير والتفكير؛ لأن الفكر الأصيل هو استجابة للبيئة. فما يأتينا من الغرب من أفكار وإيديولوجيات ليس من الضرورة لنا؛ لأنه ليس من بيئتنا؛ إلا ما تعلق بالمشترك الإنساني من علوم دقيقة لا خلاف فيها. فإن لم تكن لنا ضرورياتنا فإنه لا يمكننا الاستفادة من الكماليات والتحسينات التي تأتينا من الآخر. فالأمة التي لا تبدع ضرورياتها هي أمة غير أصيلة. فالعلم الذي لا يسهم في رقي الشخصية والأمة فلا جدوى من الاشتغال به وإن كان حلالاً، ويعد ترفاً، لذلك قال سهل بن هارون وهو عند المأمون: “من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن ينظروا فيه، وقد يُرغب عن بعض العلم كما يُرغب عن بعض الحلال، فقال المأمون: قد يسمي بعض الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كان هذا أردت فوجهه الذي ذكرت. ولو قلت أيضاً: إن العلم لا يُدرك غوره، ولا يُسبر قعره، ولا تُبلَغ غايته، ولا تستقصى أصوله، ولا تنضبط أجزاؤه، صدقتَ؛ فإن كان الأمر كذلك فابدأ بالأهم فالأهم، والأوكد فالأوكد، وبالفرض قبل النفل، يكن ذلك عدلاً قصداً، ومذهباً جميلاً.”[163] إن ضروريات الأمة هي التي تسهم في تكوين شخصيات مبدعة وطامحة. يقول فوكوزاوا: “لم يكن نجاحي راجعاً إلى قدرتي؛ وإنما كان سببه العصر الذي جئت لأكون في خدمته.”[164] وقال هيغل: “إن الإنسان العظيم في عصره ما هو ذلك الذي يستطيع صياغة إرادة عصره، ويخبر عصره عما هي ويحققها. وما يقوم به هو صميم عصره وجوهره إنه يحقق عصره”.[165] وقال غوته : “إن ما تسميه (روح العصور) ليس إلا روح هؤلاء الحكماء التي يكشف العصر المنعكس على مرآتها عن نفسه.”[166]

15.إشعار الناشئة بقيمة العلم المقترن بالنقد الذاتي: يقول الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)، وقد جاء في الأثر: “فضل العلم خير من فضل العبادة.”، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، يا كحيل: “العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق ومنفعة المال تزول بزواله. يا كحيل، محبة العلم دين يُدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كحيل، مات خُزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إن ها هنا لعلماً جمّاً -وأشار بيده في صدره- لو وجدت له حَملَة!.”[167] ولكي يؤتي العلم ثمرته، لا بد من تعليم الناشئة وغيرهم ممارسة النقد الذاتي أمام الحجة العلمية، وعدم الهروب من الحقيقة؛ إذ يتطلب ذلك “تدريب إنسان التربية الإسلامية على النقد الذاتي بدل التفكير التبريري: والمقصوذ بالنقد الذاتي نمط من التفكير الذي يحمل صاحبه المسئولية في النقص الذي يحدث والخطأ الذي يقترف ولا يبحث عن مبرارات خارجية.”[168] إن ممارسة النقد الذاتي في الصغر يحمي الشخصية من مزالق الكبَر والاعتداد بالنفس؛ ولهذ نلفي أطفال المدارس في اليابان يتعلمون “كيف يمارسون نقد الذات، سواء من أجل تحسين علاقاتهم مع الآخرين، أو ليضاعفوا من مهاراتهم في حل المشكلات. ونجد هذا الموقف الذي ينشد بلوغ نزعة الكمال من خلال النقد الذاتي مستمراً على امتداد العمر.”[169]

16.تدريب الناشئين على التعلم مدى الحياة وعدم التركيز على الهدف الخاص بالنجاح: ففي ذلك منجاة لهم من مغريات العمل والجاه والمنصب؛ حتى لا ينزلقوا إلى الشر ومخالفة أوامر الله. فانقطاع الشخصية المتعلمة عن التعليم بعد نهاية المراحل التعليمية، قد يؤدي بها إلى مهالك الجهل. فالتعليم مدى الحياة هو الذي يجعل المسؤولية والإخلاص والأمانة أكبر من الوظيفة مهما علت. وقد جاء في الأثر: “لا يزال الرجل عالما ما تعلم فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون.” وقيل لأبي عمرو بن العلاء: “هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش؛ فإنه يحسن به أن يتعلم![170] وقال داود لابنه سليمان عليهما السلام: “لُفَّ العلم حول عنقك، واكتبه في ألواح قلبك.”[171] أشار الإمام ابن عقيل إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يمضي ساعة من عمره إلا وهو يُعلم أو يتعلم، فقال: “إني لا يحل أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعمل في حال راحتي، وأنا مستطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لا أجد من حرصي على العلم، وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.”[172] كان مالك يقول: “لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم. روى في ترجمة عبد الله بن المبارك قيل إلى متى تطلب العلم: قال أرجو أن تردني فيه إلى أن أموت.”[173] فعلى الطالب أن لا يتوقف عند مرحلة النجاح؛ لأن النجاح نجاحات، قد يمسك بواحد ويفرِّط في خير كثير.

17.تكوين شخصية جماعية مخلصة وشخصية فردية مسؤولة: تتجسَّد الشخصية الجماعية المخلصة في التكاتف والتعاون والتآزر. فعن‏ ‏ابن عباس ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: ‏”‏المؤمنون ‏تتكافأ ‏ ‏دماؤهم وهم يد على من سواهم ‏و‏يسعى بذمتهم ‏أدناهم.” [174] أما المسؤولية فهي أن يتحمل الشخص ما هو مقدم عليه من علم وعمل. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعتيه، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته.”[175] مثل هذه المسؤولية تسهم في بناء الشخصية المتعلمة إذا كانت حاملة للأمانة والثقة والصدق والحق، وأن تكون على قدر من الكفاية التي عرفها ابن خلدون بأنها “الجرأة”[176] على اقتحام الصعاب وقول الحقيقة في المواقف الصعبة، ومن يتعلم قول الصدق فهو مسؤول. فقول الحق والصدق هو امتحان للشخصية المتعلمة أمام تحمل المسؤولية من عدمها. فالصدق المسؤول يشكل مدخلاً للإبداع والتجديد والتغيير. فمثل هذه الشخصية المسؤولة القادرة على قول الحق والصدق بإمكانها مواجهة مؤسسات مجتمعها، والقيام بإصلاحها، وتوجيه النقد لها، وتحويل وجهتها نحو المصلحة والمنفعة الإنسانيتين. ولهذا فإن التربية لابد أن تشعر الشخصية المتعلمة بأهمية المسؤولية، وتعمل على غرسها في عقله وشعوره وضميره، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38)، وقوله تعالى:﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: 14-15). كما يكون ترسيخ قيم الجماعة المسؤولة والمخلصة عبْر الخطاب القرآني كقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ (آل عمران: 110)، ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22). ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران: 103)

أيضا تربية الشخصية المتعلمة على تحمل المسؤولية يكون بتوفير الحاجات الشخصية للمتعلمين. فالمسؤولية فن، لا يمكن أن يُمارس في المجتمع إلا في إطار آليات محكمة ومقنِعة للذين تمارَس عليهم روح المسؤولية، وما يستتبعها من نقد وتوجيه وإصلاح وإعادة بناء. ولهذا فإن هذه الحاجات التي تربي الشخصية على المسؤولية، تتمثل في الآتي:[177]

أ.الثقة بالنفس والتفتح على الغير.

ب.الاستقلالية في التفكير والممارسة.

ج.التفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته.

د.التحلي بروح المسؤولية والانضباط.

ه.ممارسة المواطنة والديموقراطية.

و.إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي.

ز.الإنتاجية والمردودية

ح.تثمين العمل والاجتهاد والمثابرة.

ط.المبادرة والابتكار والإبداع.

ي.التنافسية الإيجابية.

ك.الوعي بالزمن والوقت كقيمة أساسية في المدرسة والحياة.

إن تربية الشخصية روحياً وخلقياً على المسؤولية في منظور ابن خلدون التربوي الأصيل، هي كالآتي:[178]

أ.الإيمان بالله: فمعرفته أرفع مراتب السعادة، وبه يتضح الطريق التربوي للشخصية المتعلمة.

ب.الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، الذي بعث ليتمم محاسن الأخلاق، وهو قدوة للشخصية المتعلمة.

ج.الإيمان بالآخرة، بحيث لا تتحول الدنيا إلى شقاء للشخصية المتعلمة كلما اعترضتها مصائب وتحديات لا قبل لها بها.

أما الأبعاد الخلقية للشخصية المتعلمة فتتمثل في:

أ.المسؤولية: غرس المسؤولية الأخلاقية في المتعلم وجعلها جزءاً من مكوناته الشخصية، وإشعاره بأنه مستخلف في الأرض؛ مما يقتضي منه أن يكون مسؤولاً عن اتجاهات فعله ونتائجها التسع: عن الفعل الموجه من الفرد تجاه نفسه، وعن آثاره في الفرد نفسه وفي المجتمع وفي الوجود كله، وعن الفعل الموجه نحو المجتمع وانعكاساته على المجتمع في ذاته وعلى الفرد نفسه وعلى الوجود كله، وعن الفعل الموجه نحو الوجود وآثاره في الوجود في ذاته وفي الفرد نفسه وفي المجتمع.

ب.الأمانة: غرس الأمانة في الشخصية المتعلمة، وإشعارها بأن أساس الأمانة هي الإعمار في الأرض بوصفه مستخلفاً فيها.

ج.العدل: غرس مفهوم العدل في الشخصية المتعلمة، وتلقينها بأن العدل هو أساس الفضائل.

أما أهداف الأبعاد المعيشية، فتتمثل في المنظور الخلدوني التربوي في:

أ.الصنعة: ولا يتحقق ذلك إلا بالفكر، وبالتربية المهنية؛ لأن الصناعة كما يرى ابن خلدون هي ملكة في أمر عملي فكري.

ب.التعاون: ترسيخ مبدأ التعاون لدى الشخصية المتعلمة، بحيث يصبح التعاون مع الآخر جزءاً من شخصية الفرد.

ج.النظام: ترسيخ مبدأ النظام بمفهومه الشمولي لدى الشخصية المتعلمة، بحيث يصبح ذلك ركناً أساساً في تركيبيته النفسية والفكرية والعملية.

18.تأهيل شخصية قيادية ومستقبلية: ويتحقق ذلك بتغليب الواجب الدائم على النجاح المؤقت، وبغرس قيم التقدم والإيمان بالإنجازات التقنية إلى جانب الإيمان بالقيم الإسلامية؛ لأن “إن الطالب الذي يخضع كل شيء للهدف الخاص بالنجاح الدراسي قد يفقد أي فرصة تتاح له لكي يصبح مبتكراً من النوع الثوري.”[179] أما عن الصفات المفترضة في الشخصية القيادية، فأهمها:[180]

أ.سلامة الخلق

ب.الجد والمثابرة.

ج.المسؤولية.

د.ثراء الأفكار والإمكانات.

ه.روح المبادرة والجد في العمل.

و.الإخلاص لله والصدق مع الناس.

ز.عدم التطلع إلى المنصب أو التمسك به.

المبحث الثالث: واقع التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة

أولاً-فلسفة وأهداف وغايات التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة

 تتشكَّل الشخصية اليابانية الجماعية منذ الطفولة؛ إذ تؤدي المعلِّمة في الروضة والأم الصالحة في البيت دوراً متعاظماً في استواء بناء الشخصية اليابانية على قيم المجتمع وتراث الأسلاف. ويستمر تكامل الشخصية جهداً ومعرفةً في المراحل التعليمية التي تلي الروضة، كالابتدائية والمتوسطة والثانوية العليا والكليات التكنولوجية والجامعة وأماكن العمل. فتكامل الشخصية اليابانية يشترط التعليم المستديم؛ لأن المجتمع الياباني يشهد تطورات إنسانية مفاجئة نظراً للتحولات التكنولوجية السريعة؛ مما يُفترض من المجتمع بذل الجهد لتطويع الجديد التكنولوجي لقيم الأمة اليابانية وتراثها.

لقد دفع الحفاظ على مقوِّمات الشخصية اليابانية المتعلِّمة إلى الاهتمام بالتربية المركَّبة في اليابان. فقد ثبت لدى اليابانيين عبْر التاريخ أن هذه الشخصية لا تتكامل إلا بوساطة التواصل مع معارف الإنسانية، فهي شخصية تختزن بداخلها المقدرة على التعلم والتقليد والإبداع. فالتربية المركَّبة من التحصيل المعرفي وبذل الجهد في تحويل هذا التحصيل المعرفي إلى إبداع، يشكِّل خصيصة فريدة من خصائص الشخصية اليابانية، ويعبِّر عن هويتها التاريخية. توصي التعاليم البوذية ببذل الجهد الجماعي ونبذ الأنانية الفردية للوصول إلى مراتب الكمال الإنساني، وهي تعاليم أسهمت في تكامل الشخصية اليابانية ووازنت بين نزعتيها الفردية والجماعية. أيضاً دعت القوانين الكونفوشية إلى التفاني في العمل الفردي والجماعي، والولاء للجماعة، والبحث عن المعرفة؛ مما أدى بالشخصية اليابانية المتعلِّمة إلى الربط بين العلم والعمل، واتخذتهما طريقاً لتحقيق المزيد من الإنجاز والاستمرار في هذا الإنجاز تحسُّباً لإنجاز آخر.

لقد أسهمت البوذية والكونفوشية في تعزيز دور التربية والتعليم في المجتمع. فالبوذية هيَّئت اليابانيين للبناء الداخلي، كونها تعاليم محلية بطقوسها الدينية المعقَّدة، وقد استفادت منها الشخصية اليابانية المتعلِّمة في تقوية نزعتها الجماعية وتهذيب نزعتها الفردية؛ أما الكونفوشية فقد هيَّئت اليابانيين للبناء الخارجي، فقوانين الكونفوشية قوانين إنسانية وعالمية، ساعدت الشخصية اليابانية المتعلِّمة المنعزلة على التعاطي بإيجابية مع معارف الانفتاح، مما أضفى ذلك إلى التحديث وليس التغريب؛ لأن القوانين الكونفوشية التي آتينا على ذكرها سابقاً، لم تشجِّع الشخصية اليابانية المتعلِّمة في الذوبان في الآخر؛ بل دفعتها إلى التماهي مع الآخر عبْر الاحترام، والاستفادة منه عبْر التعلُّم، وتجاوزه عبْر التفاني في العمل. ولهذا فإن عالمية الكونفوشية وإنسانيتها تشكِّل سر عالمية الشخصية اليابانية المتعلِّمة.

لقد رسم اليابانيون فلسفة وأهداف وغايات التربية المركَّبة وفق القوانين الكونفوشية العالمية والإنسانية، التي دفعت بالشخصية اليابانية المتعلِّمة إلى مجارة العالم والتفوق عليه، ويمكن إجمال فلسفة وأهداف ووغايات التربية اليابانية المركَّبة فيما يأتي:[181]

1-الفلسفة: بناء شخصية يابانية نابغة ومتأدِّبة بالأخلاق الفاضلة القادرة على تنظيم الحياة النفسية والأسرية والمجتمعية والعالمية، وتسير وفق الآتي:

أ-فاعلية الجسم وأصالة الروح ركيزتان مهمتان في بناء شخصية يابانية متعلِّمة.

ب-حب الوطن والإمبراطور الأساس الذي تتحرَّك بداخله الشخصية اليابانية.

ج-التشبُّع بالقيم الأخلاقية والوفاء لتراث الأسلاف أساسا التوازن بين الفردية والجماعية.

د-التعلم والتقليد والإبداع طريق الشخصية اليابانية المتعلِّمة إلى العالمية.

2-الأهداف

أ-ربط الشخصية المتعلِّمة بقيم المجتمع وتراث الأسلاف.

ب-تكوين شخصية يابانية أصيلة وفاعلة.

ج-التدريب المبكِّر للشخصية اليابانية على خدمة المجتمع والدولة.

ج-تنمية قدرات الشخصية اليابانية المتعلِّمة والانتقال بها من المحلِّية إلى العالمية.

3-الغايات

 أ-التنمية الكاملة للشخصية اليابانية من الناحية الجسمية والعقلية.

ب-حب الحق والعدل.

ج-احترام القيم الفردية وتقديرها.

د-احترام العمل والتفاني فيه.

ه-الإحساس والشعور العميق بالمسؤولية.

ز-التشبُّع بروح مستقلة

ز-بناء مجتمع مسالم ودولة واثقة من نفسها.

ثانياً-استراتيجية التعليم في اليابان

تربط اليابان التربية بالتنمية. فما يحقق التنمية هو ما ينبغي تعليمه لليابانيين؛ فالتعليم في اليابان يسير على خطى السوق، فهو يراعي احتياجات السوق والبنوك والشركات الكبرى، وحتى الصغرى منها. وهذا التعليم الإنمائي يراعي أيضاً الأخلاق؛ لأن التربية الخلقية تجعل المجتمع وفياً للدولة. فبغياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي تغيب التنمية، ويصبح التعليم بلا معنى. ولهذا فإن استراتيجية التعليم في اليابان تتجه نحو تنمية المجتمع، أو التعلم من أجل ترقية الاقتصاد وتجديد التكنولوجيا؛ إذ نلفي زيادة مستمرة في مدارس التعليم الثانوي الفني والكليات التكنولوجية، التي ينتسب إليها أكثر من ربع الطلاب اليابانيين. فاليابان وعت مبكِّراً بأن التعليم الفني والمهني هو الطريق إلى التنمية المستديمة؛ مما جعل اليابان قادرة بمنظومتها التربوية على فكِّ رموز التكنولوجيا وابتكار الجديد. إن استراتيجية التعليم في اليابان ما يأتي:

1-إعداد اليد الصناعية الماهرة.

2-تكوين كوادر فنية وإدارية.

3-تكوين قوَّة عاملة بمهارات مطلوبة في السوق.

4-تأهيل علماء مهمتهم مواكبة التطوير التكنولوجي وتقليده وابتكار الجديد.

5-تصميم رجال أسواق أكفاء تكون مهمتهم تسويق الابتكار الياباني بأخلاق عالية تدفع بالمستهلكين إلى التعلُّق بمنتجات اليابان وقيم اليابان وتاريخ اليابان.

ثالثاً-مراحل التعليم في اليابان

 انتقلت التربية في اليابان ما بعد الحرب العالمية الثانية من المركزية إلى اللامركزية، وذلك بتوسيع سلطات الإدارة الإقليمية والبلدية في الإشراف، كما زاد الاهتمام بالتعليم المهني. وقد شمل التغيير المنهجي في هذه الفترة تنمية النزعة الفردية لدى اليابانيين، وتعزيز قيم الحرية، وتقدير الآخرين؛ ولكن بعد انسحاب إدارة الاحتلال الأمريكي أدخل اليابانيون إصلاحات على النظام التربوي، وأضافوا القيم الكونفوشية إلى المناهج التربوية، مثل: تقديس العمل والتفاني فيه، وتحمل المسؤولية، والتعاون، والاعتماد على الذات، وتنمية إرادة التحصيل المعرفي، وبذل الجهد، وتوسيع دائرة الإبداع والابتكار، وتعزيز مكانة الدين والأخلاق في الحياة التربوية والاجتماعية. أيضاً يتلقى تلاميذ اليابان دروساً على مدار 240 يوماً، تتخللها إجازات قصيرة؛ أما عن مراحل التربية والتعليم في اليابان، هي على النحو الآتي:[182]

1-مرحلة الروضة: الروضة اليابانية المعاصرة هي امتداد للروضة اليابانية الحديثة التي أنشئت لأول مرة في السبعينيات من القرن التاسع عشر؛ إذ تعدُّ الروضة تحوُّلاً جديداً في حياة الطفل، فهي بالنسبة للطفل مرحلة استكشافية للعالم الخارجي. ويلتحق بدور الرياض 90% من أطفال اليابان، غالبيتها تنتمي إلى القطاع الخاص، وغالبية الأطفال تترواح أعمارهم بين الثالثة والسادسة. في هذه المرحلة العمرية يتم تعليم الأطفال القيم التي تحض على التعاون، ويتدربون على تنمية النزعة الجماعية لديهم؛ إذ يقضي الأطفال خمس ساعات يومياً في الروضة يتعلمون طرق بذل الجهد عبْر اللعب الذكي. غالباً ما يحتوي الفصل على أربعين طفلاً لكل معلمة، ويستهدف من وراء كثرة العدد تعميق الحس الجماعي لدى الأطفال؛ إلا أنه يتم تقسيم الأطفال الأربعين إلى مجموعات،[183] وكل مجموعة تتكوَّن من عشرة أطفال يتم انتقاؤهم بحسب رغبة الأطفال ليكون التعايش بيهم ذات فائدة، وينمي الذكاء العاطفي، ولا علاقة لهذا التقسم بمهارات الأطفال وقدراتهم العقلية؛ أما المعلمة فيشترط منها أن تكون حاصلة على دراسات عليا أو مؤهلات عالية، وأن تكون متشبِّعة بقيم المجتمع ووفية لتراث الأسلاف. إن تعامل المعلمة مع أطفال المجموعات يكون بمنطق الجماعة، وليس بمنطق الفرد؛ فالجوائز والمكافآت وتوزيع عبارات التشجيع تمنح للجماعة المجدَّة وليس للفرد الماهر؛ ولكن المعلمة تنتبه إلى قدرات الفرد الذكي، وتعمل على تنميتها في إطار جماعي، وتستهدف من وراء ذلك زيادة المنافسة الجماعية. فالأعمال والتدريباب تكون جماعية، وعندما تعطي المعلمة ملاحظات وتوزِّع أوامر تكون هي الأخرى جماعية.  أيضاً الرسومات في الروضة تكون جماعية، بحيث تتفق المجموعة على تقسيم الشيء المرسوم فيما بينها، وكل واحد يمرِّر قلمه أو ريشته على الجزء المخصَّص له، وبذلك يكون الرسم جماعياً. كما يتم العمل الجماعي في حالة نسج حكاية؛ حتى الأسئلة التي تطرحها المعلمة على المجموعة، تكون الإجابة عنها جماعية، وذلك بالتشاور فيما بينهم. أيضاً يتعلم هؤلاء الأطفال طريقة التعاون عبْر الحاجة إلى الشيء، فمثلاً في حصة الرسم تتعمَّد المعلمة إحضار أقلام رسم أقل من عدد المجموعة، فيضطر الأطفال إلى تبادل الأقلام فيما بينهم، فيحدث التفاعل والتعاون بشكل حميمي. كما تُحضر المعلمة لُعباً قليلة، يضطر فيها الأطفال إلى التبادل فيما بينهم، وذلك لتنمية روح الإيثار وتعزيز قيم التعاون.

أيضاً يتعلَّم الأطفال في الروضة أسلوب احترام الآخرين وعدم أذيتهم، فيعمل الطفل ما بوسعه حتى لا يلطِّخ ثياب الآخرين أثناء الرسم بالماء. فالنزعة الفردية لدى الأطفال تنمو داخل الجماعة، فلا تنسج هذه الشخصية الفردية عملاً أو تبدي حركة؛ إلا والجماعة في دائرة اهتمامها ومقاصدها. كذلك تعلِّم المعلمة الأطفال كيف يتحملون المسؤولية من خلال إدارة الصف، واحترام وقت توزيع الشاي، وموعد مغادرة الروضة، بحيث يكون الأطفال على استعداد  لتجميع مستلزماتهم الدراسية، وبذلك لا يضيعون وقتهم أو وقت معلمتهم. أيضاً يتعلَّم الأطفال مسؤولية اتخاذ القرار الجماعي وتنظيف حجراتهم، ومسؤولية قراءة قطعة من حكاية قبل المغادرة.

2-المرحلة الابتدائية: تبدأ الدراسة في المرحلة الابتدائية غالباً في سن السادسة، ونسبة الالتحاق بها تتجاوز 99%، وهي مرحلة إلزامية ومجانية تستغرق ست سنوات، لا يخضع فيها التلاميذ للنجاح أو الرسوب؛ وإنما تتخللها اختبارات دورية الهدف من ورائها امتحان قدرات التلميذ. يتلقى الأطفال في هذه المرحلة العمرية ما يساعد على تنمية قدراتهم الجسمية والعقلية، ويعمِّق روح التعاون لديهم، ويكون ذلك عبْر المواد الأساسية التي يتمُّ تدريسها لهؤلاء التلاميذ، ومعظمها لها علاقة بالحياة اليومية، مثل اللغة اليابانية. وما يزيد من ترسيخ قيم الحياة في ذهن التلاميذ، أن معلماً واحداً هو من يقوم بتدريس جميع المواد.  فكل “أسبوع من أصل 32 فترة دراسية، يكون التدريس على النحو الآتي: ست فترات للغة اليابانية، وخمسة للرياضيات، وثلاثة لكل من العلوم والدراسات الاجتماعية والتربية البدنية، وفترتان للموسيقى والاقتصاد المنزلي، وفترة واحدة للتربية الأخلاقية، والفترات الأخرى تتوزع على اجتماع الصف وأنشطة النادي ونشاطات أخرى.”[184] أما فلسفة الهدف من هذه المرحلة الابتدائية، ما يأتي:

أ-غرس روح المسؤولية الفردية والتعاون الجماعي في مرحلة متقدمة من عمر التلاميذ، وذلك عبْر تدريس التربية الأخلاقية.

ب-ربط التلاميذ بمحيطهم العام، وتنمية قدراتهم على التفكير في قضايا بيئتهم عن طريق التفاني في العمل.

ج-تركيز انتباه التلاميذ على اللغة اليابانية، وعدم إشغالهم في هذه المرحلة المبكِّرة من عمرهم بلغات أخرى؛ مما يؤدي بالتلاميذ إلى إتقان لغتهم القومية واكتساب مهارتها الأربع.

د-تنمية حب الأسرة والتعاون معها، بالتدريس المبكِّر لمادة التدريب والاقتصاد المنزلي.

ه-تنمية مهارة التلاميذ في استخدام عقولهم في العمليات المعقَّدة، مثل الحساب.

و-تدريبهم على التعامل مع الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل.

3-المرحلة المتوسطة: وهي استمرار للمرحلة الابتدائية ولكن بمعدل 35 ساعة تدريس أسبوعياً، وهي الأخرى مرحلة إلزامية ومجانية تستغرق ثلاث سنوات، لا تخضع للنجاح أو الرسوب؛ وإنما تتخللها اختبارات دورية الهدف من ورائها امتحان قدرات التلميذ، ويطلق على هذه المرحلة المتوسطة اسم الثانوية الدنيا، يتلقى فيها التلاميذ مواد أساسية يكون للغة القومية الحصة الكبرى من ساعات التدريس، فضلاً عن النشاطات التعليمية والترفيهية التي عادة ما تتم خارج المدرسة، يكون  الهدف من ورائها مشاهدة التلاميذ لمدن اليابان وآثارها ومعابدها ومتاحفها؛ مما يعزِّز من حب الوطن لدى التلاميذ في سنٍّ مبكِّرة. وفلسفة الهدف من هذه المرحلة المتوسطة، ما يأتي:

أ-تنمية القيم والمهارات التي اكتسبها التلاميذ في المرحلة الابتدائية، وذلك في ظل استمرارية المواد الدراسية التي تلقوها في المرحلة الابتدائية، مثل: اللغة اليابانية، والتربية الأخلاقية، والتاريخ، والجغرافيا، والتدريب المنزلي، والحساب.

ب-تنمية روح التفاني في العمل بتدريس التلاميد مواد عملية، مثل الفنون الصناعية، ومن ثم تدريب التلاميذ على اختيار الوظائف المستقبلية.

ج-تعليم التلاميذ مبادئ احترام المجتمع والدولة، وترسيخ دورهما الإنمائي في أذهانهم.

4-المرحلة الثانوية العليا: تصل الدراسة في هذه المرحلة الثانوية إلى ثلاث سنوات، وهي مرحلة غير إلزامية وغير مجانية، والانتساب إليها يكون بإجراء امتحان القبول. تتوزَّع الثانوية العليا على مدارس ثانوية عليا تتبع نظام الدوام الكلي، ومدارس ثانوية عليا تتبع نظام الدوام الجزئي، ونظام ثانوية عليا يتم التدريس فيها عبْر المراسلة يكون للتلفزيون التعليمي دور كبير في نجاح التلاميذ، أيضاً هناك ما يسمى بالكليات التكنولوجية وهي أعلى مراحل الثانوية العليا. وللغة اليابانية والمواد المهنية والتقنية حصة الأسد في ساعات التدريس؛ إذ يترواح التدريس في الثانوية العليا بين 30 و33 ساعة أسبوعياً؛ أما فلسفة الهدف من هذه المرحلة، هي على النحو الآتي:

أ-تنمية القدرات التقنية لدى التلاميذ.

ب-إعداد التلاميذ للتكيُّف مع مطالب المجتمع والدولة.

ج-تصميم شخصية متعلِّمة ومؤهلة للخدمة العامة.

5-المرحلة الجامعية: مدة الدراسة فيها يكون بين أربع وست سنوات، ويتم الانتساب إلى الجامعة عن طريق إجراء امتحانات معقَّدة وذكية، تتطلب من المقبل عليها أن يتصف بمهارات عالية. وتستهدف هذه المرحلة الجامعية تطوير قدرات الطلاب الأدبية والمهنية والتقنية. وإعدادهم المباشر لوظائف في أجهزة الدولة والشركات الكبرى والبنوك، ويكون ذلك عبْر التكوين الدقيق في تخصصات دقيقة تشغل اهتمامات الدولة والمجتمع والمؤسسات.

رابعاً-المناهج التربوية في اليابان

ما يميِّز خصائص المناهج التربوية اليابانية عن غيرها ويزيدها فاعلية هو أنها من خصائص المجتمع. فهي تهدف إلى تحقيق أهداف الدولة في مجالات التنمية والنهضة. وتراعي الجوانب الثقافية والاجتماعية للشخصية اليابانية، وكما يعرف واضع هذه المناهج ماضي هذه الشخصية فبإمكانه أن يرسم حاضرها ويتنبأ بمستقبلها. ولهذا تتعامل هذه المناهج مع المعارف الأجنبية بدافع التحصيل العلمي والمعرفي الذي يفضي إلى التجاوز وبناء الشخصية. ومن هذا المنطلق فإن المناهج التربوية اليابانية مسؤولة عن تكوين التلميذ في فترة مبكِّرة؛ إذ نلفي التحصيل العلمي والمعرفي لتلميذ الثانوية العليا -الذي درس تسع سنوات من غير إجراء امتحانات القبول- يفوق التحصيل العلمي والمعرفي لطالب غربي في بدايته الجامعية. ويعود هذا التفوق إلى الجهد الذي تبذله وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتقنية، في تفصيل المواد الدراسية وتحديد عدد الساعات. وهناك منهج ياباني موحَّد يشرف عليه مجلس المناهج التابع للوزارة؛ أما المدارس فتتبع هذا المنهج وتبدع فيه. وهذا المنهج قابل للتغيير والتبديل كل خمس سنوات، وذلك تماشياً مع التطوارات الجديدة التي تحصل في المجتمع الياباني والعالم، وحرصاً على تحويل آراء الخبراء التربويين والمعلمين وأولياء الأمور إلى واقع عملي.

تشرف وزارة الخدمة الاجتماعية على دور الحضانة، أما وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتقنية فهي من تقوم بوضع المنهج والمقررات الدراسية، بحيث تشبع حاجات الأطفال في مجالات:[185] اللغة، والفن، والموسيقى، والصحة، والأخلاق، والمجتمع؛ أما مناهج المرحلة الابتدائية[186] فتشمل اللغة القومية، والتربية الأخلاقية، والمواد الاجتماعية، والتدبير المنزلي، والحساب، والتربية البدنية، والموسيقى؛ ومناهج المرحلة المتوسطة تشمل اللغة القومية، والتربية الأخلاقية، والمواد الاجتماعية، والاقتصاد المنزلي، والحساب، والتربية البدنية، والفنون الصناعية، والمواد المهنية، واللغات الأجنبية، ومواد اختيارية أخرى؛ بينما مناهج الثانوية العليا فهي امتداد لمناهج المرحلة المتوسطة، وتكون فيها أغلب المواد اختيارية تنسجم مع قدرات التلاميذ وميولهم الإبداعية، تنضاف إليها العلوم الدقيقة، والهندسة، والمواد التجارية والزراعية، والإنتاج الحيواني وصيد الأسماك، والمواد التقنية، وفن العمارة.

خامساً-ميزات التربية المركَّبة في اليابان

لقد حققت التربية المركَّبة اليابانية المعاصرة إنجازات إنمائية، تميَّزت باستمراريتها وعالميتها، وهذا يرجع إلى أصالتها وجودة خطابها وعمق فاعليتها، وقد تضافرت عوامل أسهمت في تمييزها عن أغلب النماذج التربوية العريقة في العالم. تمثلت المزايا الأساسية للتعليم العام الياباني “في النزعة الجماعية، وإضفاء الطابع الاجتماعي، وبذل الجهد، ورفع المستوى المتوسط، وبلوغ كل الطلاب مستوى متجانساً عالياً، وتحقيق الإنجاز في الحياة اللاحقة استناداً  إلى لنجاح في الامتحانات وغرس عادة التعلم. وهذا النظام ينقل المعرفة ويدعم المهارات؛ وربما كان الأهم من ذلك أنه يعلم القيم الجوهرية الباقية ويشكل المواقف والرؤى وأهداف الإنجاز وأنماط السلوك.”[187]  وأهم هذه الميزات ما يأتي:

1-أصالة النظام التربوي: يتميَّز النظام التربوي بأصالته، فهو لا يزال وفياً للقيم التاريخية، إذ تعدُّ اللغة اليابانية وتعاليم بوذا وقوانين كونفوشيوس الأساس في تنمية الشخصية اليابانية المتعلِّمة. كما ترجع أصالة هذا النظام التربوي إلى مرونته في قيادة المجتمع الياباني والحفاظ على النزعة الجماعية الموحَّدة؛ إذ تجلَّت أصالته بعمق في مقدرته على ترجمة هذه الأصالة إلى فاعلية، وقد تلمسنا هذه المقدرة العالية في عالمية الأنموذج الإنمائي الياباني الذي خرج من رحم التربية المركَّبة التي تجمع بين التحصيل المعرفي، والجهد على إبداع المعرفة. فأصالة النظام التربوي لا تقف عائقاً أمام تحقيق إنجازات تستفيد منها الإنسانية؛ مما جعل أصالة النظام التربوي تندرج في دائرة الإرث الإنساني، الذي هو حق لكل البشرية.

2-جودة الخطاب التربوي: تشكِّل الأخلاق الكونفوشية بنية الخطاب التربوي في اليابان. فالشخصية اليابانية المتعلِّمة مشهودٌ لها عالمياً بالانضباط والاستقامة والولاء. الخطاب التربوي الياباني مزدان بشخصية متعلِّمة مركَّبة من القوَّة، والنفع، والمساواة، والخير، والتأني، والإقبال، والإنفاق، والتفاهم، والعلم، والعدالة، والرضا، والنجاح، والاطمئنان، والحكمة. وهذا لأن في أثناء التفكير في تجويد الخطاب التربوي الياباني تمَّ تغليب الفاعل الأخلاقي على بقية الأفعال الأخرى. فالتربية الخلقية تقف على رأس جودة الخطاب التربوي الياباني، تليها التربية المهنية التي لا تؤدي إلى جودة الخطاب التربوي وحسب، وإنما تمهِّد لعالميته. إن جودة الخطاب التربوي المركَّب من التربية الخلقية والتربية المهنية مكَّنت النظام التربوي والتعلمي في اليابان من تصميم شخصية متعلِّمة لا تُقهر. ومما يزيد من جودة الخطاب التربوي في اليابان هو القلق الذي يبديه تلاميذ اليابان من نوعية الامتحانات الوطنية، وطريقة التفكير في تجاوز هذا القلق، فلا يجدوا إلا الجهد المتواصل والتفاني في المذاكرة طريقاً للتربُّع على عرش هذه الجودة. فبعد أن ينجح التلاميذ ويتخطون عقبة الامتحانات، يتأكد لديهم الشعور بأن ما اكتسبوه طيلة تسع سنوات أو أكثر لم يكن عبثاً معرفياً، وإنما هي معرفة متماسكة خرجت من رحم جودة الخطاب التربوي، وأن طريق الجودة هو الطريق إلى المستقبل. فاليابانيون أسهموا في صناعة مستقبل الإنسانية في جوانبه المضيئة بفضل جودة خطابهم التربوي، الذي أفرز شخصية متعلِّمة مسالمة وواثقة من قدراتها. لقد أفرز هذا الخطاب التربوي شخصيات متعلِّمة حازت على جوائز نوبل وجوائز عالمية عريقة، وبفضل جودة الخطاب التربوي التي يتخذها التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم معياراً للترتيب العالمي بنسبة 10%، حصلت جامعات اليابان العريقة على ترتيب أفضل مائة جامعة في العالم، مثل: جامعة طوكيو التي تراوحت مرتبتها بين 14 و19 من 2003م/1423هـ، إلى 2008م/1428هـ؛ وجامعة كيوتو التي تراوحت مرتبتها بين 23 و30 من 2003م/1423هـ، إلى 2008م/1428هـ، وجامعة ناجويا، وجامعة أوساكا، وجامعة توهوكو، ومعهد طوكيو للتكنولوجيا.

3- سلطة اللغة والوعي بأهمية اللغات الأخرى المبدعة والمبتكرة: اليابان بلد معزول عن العالم جغرافياً ولغته معزولة عن اللغات الأخرى الأكثر انتشاراً في العالم، ومع هذا باتت اللغة اليابانية لغة مبدعة ومبتكرة، لأن اللغة اليابانية هي لغة تدريس المواد العلمية والاجتماعية في اليابان، وفي جميع المراحل التعليمية، وتمتلك سلطة إدارية لا تزاحمها فيها لغات أخرى مهما كانت أهميتها، ولهذا نلفي من يقيم في اليابان لفترة طويلة يضطر إلى تعلم أبجديات اللغة اليابانية، سواء أكانوا سفراء أم أساتذة أم رجال أعمال، فالمكانة السياسية والعلمية والاقتصادية لهؤلاء الشخصيات لا تشفع لهم أمام سلطة اللغة القومية على الشخصية اليابانية المتعلِّمة. لقد أبدعت هذه اللغة في  فترة العزلة، وتماهت مع اللغات الأخرى المبدعة في فترة الانفتاح، ولولا صعوبة تعلُّم اللغة اليابانية لكانت الأكثر انتشاراً في العالم. يرجع تفوق اليابانيين على العالم في الأمور التكنولوجية إلى أنهم يبتكرون بلغتهم، فيحتفظون بابتكارهم لأنفسم لمدة طويلة، لأن أغلب الباحثين والمبتكرين في العالم يجهلون اللغة اليابانية؛ مما يفوِّت عليهم فرص الاستفادة من هذه الابتكارات والإضافة عليها، وعندما تترجم ابتكارات اليابانيين ليستفيد منها العالم تكون اليابان قد ابتكرت شيئاً جديداً. ففائدة التدريس باللغة اليابانية هو تكوين شخصية يابانية متعلِّمة ووفية للوطن، والإمبراطور، والمجتمع، والقيم، والتراث؛ أما فائدة الإبداع والابتكار باللغة اليابانية هو تعميم فائدتها على المجتمع الذي لا تقرأ غالبيته إلا باللغة اليابانية، والحفاظ على المادة المبتَكرة لفترة طويلة لا سيما في ظل أهمية المعلومات وقيمتها الفنية والتقنية. وعلى الرغم من ذلك فإن الشخصية اليابانية المتعلِّمة متعطِّشة للمعارف وواعية باللغات التي أبدعتها، ولهذا نلفي غالبية المثقفين اليابانين يتقنون الكتابة والقراءة باللغة الإنجليزية؛ ولكن لا يحسنون المحادثة بها، نظراً للمشكلة اللسانية التي يعانون منها تجاه تعلم اللغات الأجنبية. فاليابانيون تعلموا اللغات لنقل المعارف والعلوم؛ ولكن ظلَّ لسانهم يابانياً، وقلمهم يابانياً، وتفكيرهم يابانياً.

4- التكامل بين المركزية واللامركزية: النظام التربوي في اليابان هو خليط من المركزية الماثلة في وزارة التعليم ودورها في التخطيط والإنفاق وإدارة المؤسسات التعليمية؛ حتى الخاصة منها. واللامركزية الماثلة في سلطات الأقاليم والبلديات ومسؤولياتها في التنفيذ وإدارة التعليم في مقاطعاتها والإنفاق على المدارس. فوزارة التعليم بمركزيتها تعمل على تعميم التعلم في المجتمع، وتحقيق مبدأ المساواة من خلال وضع منهج واحد لكل المدارس والتلاميذ بلا استثناء، وتحديد عدد الساعات؛ أما سلطات الأقاليم والبلديات بلامركزيتها فتتحمل مسؤلياتها في إبداع هذه المنهج وتجويده.

5-النسق الثلاثي: المعلم والتلميذ والأسرة: لقد فرضت المعادلة الكونفوشية إدخال عنصر الأسرة في العملية التربوية بوصفها عنصراً معلوماً يطمئن إليه الابن الدارس، أكثر مما يطمئن إلى العنصر المجهول (المدرِّس). ووفق هذا الابتكار الأصيل، يكون الحضور الفعلي للأسرة في المنظومة التربوية قد حوَّل فاعلية المدرسة إلى عائلة أصيلة. فإذا كان هدف المدرِّس توصيل المعلومات للدارس؛ فإن هدف العائلة هو تأهيل الابن الدارس لاكتساب هذه المعلومات، وتحويلها من معلومة علمية إلى قيمة عملية، يتعذَّر نسيانها على المدى الطويل. فالمدرسة تُنجِز المعرفة، والعائلة تحفِّز الابن على العمل بهذه المعرفة، بعد أن تضفي عليها طابعاً اجتماعياً، يدفع بالابن إلى تمثُّلها في الأسرة، والشارع ، والجيران، والمجتمع، والدولة، والعالم الخارجي. إذاً، دور العائلة دور تحفيزي يحوِّل المعلومة والمعرفة إلى قيم لدى الابن الدارس؛ بعد أن تُجمِع العائلة على أصالة هذه القيم وفاعليتها، وهي تجتهد في تدريب الابن على ترجمة هذه القيم من معادلة علمية إلى معادلة عملية؛ من صفوة ونخبة إلى جهد وقدرة. وهكذا لا يخرج الابن من البيت (=العائلة)؛ إلاَّ ليتقلَّب في أحضان عائلة أخرى (=المدرسة)، يخرج من الأصالة إلى الفاعلية، ولا يرجع إلاَّ كما أتى، فلا يكسب الابن من هذا الذهاب والرواح؛ إلا قيماً أصيلة وفاعلة، يسهم التليفزيون التعليمي في ترسيخها؛ ومن ثمَّ أنَّى لهذا الابن أن يأتيه الدخيل من القيم، وهو يعيش في عزلة أسرية تستهدف تأهيله وتدريبه وتأصيله، قبل أن يكون قادراً على التعامل مع الجديد؟ وأنَّى للجديد أن يغزوه، وهو في مأمنٍ من كل دخيل؟ هذا فضلاً عن أن قيم الأصالة تحوِّل آلياً كل ما هو جديد إلى فعلٍ فاعل. لقد ظلَّ دور المدرِّس في التربية اليابانية المركَّبة يتمثَّل في تقديم المعرفة بكل أشكالها، من معلومات ومعارف وترجمة، مع التركيز على الجهد لتحفيز الدارس؛ أما العائلة، فتعلَّم الابن الدارس كيف يكون بمقدوره أن يتسلَّق سلَّم المنظومة التربوية، ويحقِّق النجاح في حياته العملية، وذلك بالتركيز على أهمية الجانب النفعي والعملي للعلوم والمعرفة والثقافة، لا سيما وأن التعليم في اليابان لا يَعُدُّ الإنجاز شكلاً من أشكال الموهبة، وإنما يتَّخذ من الجهود والقدرات معياراً للنبوغ؛ وهل النبوغ في اليابان إلاَّ الجهد؟ أوَ ليس تجاوز الامتحانات اليابانية القاسية يكون عن طريق الجهد لا غير؟ فالجهد هو الذي يمنح المعرفة طابعاً عملياً؛ ولعلَّ هذه الخطوات التي يتعلَّمها الابن الدارس من العائلة، لا تنفعه في حياته العلمية وحسب؛ بل تفيده في حياته العملية أيضاً، وتسهم بفاعلية في ترسيخ القيم الأصيلة كلما اصطدمت مسيرة البلد الإنمائية بعناصر التغريب والتشويه. فهدف التعليم في اليابان يتمثَّل في الحفاظ على الهوية والتقاليد والوطنية والتراث. لم تكتفِ العائلة اليابانية بالإسهام في إنجاح المنظومة التربوية؛ بل أسهمت إلى جانب المدرِّس والشخصية المتعلِّمة في تنمية اليابان بشرياً واقتصادياً وتكنولوجياً؛ وهذه غاية ما يطمح إليه صناع القرار التربوي في  اليابان.

6- التربية الأخلاقية وتنمية القيم: لقد ظلت القيم والأخلاق اليابانية تحافظ على ثباتها الأفقي في الوقت الذي زادت فيه التكنولوجيا من وتيرتها العمودية، وذلك لربط التعليم بالمجتمع من جهة، وربط التعليم بالتنمية من جهة أخرى. إن تنمية القيم في اليابان، وفي ظل موت القيم في كثير من البلدان المتقدمة، هو ما يشغل الخبراء والمهتمين بشؤون اليابان التربوية. يعتقد اليابانون أنهم بدون قيم لن تقوم لهم قائمة؛ لأن القيم الأخلاقية هي التي وضعت بلادهم على طريق البناء للمستقبل بعد إقبالهم على تعاليم بوذا؛ والقيم هي التي حققت لهم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي عُدَّ وقتها أكبر انتصار في حياتهم، وكان ذلك طبعاً بعد الاحتكام لقوانين كونفوشيوس؛ والقيم هي التي أعانتهم على الانتصار على قيم الغرب، فحوَّلت وجهتم من التغريب -الذي كان مصيدة لكثير من الدول ذات القيم العريقة- إلى التحديث الذي زاد من الثقة بأهمية التربية الأخلاقية؛ والقيم هي التي  أنقذتهم من إدارة احتلال مجيَّشة بقيم تغريبة إغرائية. اليابان وفية لتاريخها المشرق، وتالياً هي وفية للقيم التي حافظت على هذا التاريخ، ولأن هذه القيم هي نتيجة التربية فلا بد أن تكون التربية الأخلاقية متربِّعة على عرش المنظومة التربوية في بلد يخوض معارك علمية مع أمم ماتت لديها القيم. فميزة التكنولوجيا في اليابان أنها من صنع إنسان يتخذ من القيم والتربية الأخلاقية نبراساً للإبداع والابتكار.

7- التنسيق بين الجهد الجماعي والإبداع الفردي: يشكِّل تعاون الأفراد أحد خصائص التربية اليابانية المركَّبة؛ لأن استثمار إمكانات الفرد تتطلب مجهوداً جماعياً. فالشخصية اليابانية عندما تبدع تضع قيم الجماعة نصب عينيها. فهي لا تبدع بمفردها ولا تبدع ما تفكِّر فيه وحسب؛ وإنما تبدع الشيء الذي بإمكان الجماعة أن تسهم في تحويله إلى قيم عملية. الشخصية اليابانية المبدعة هي شخصية عملية وواقعية، وما هو عملي وواقعي يتطلب التنسيق مع الجهد الجماعي لترجمته إلى فعل وتنمية. لا شكَّ أن الشخصية اليابانية المتعلِّمة تستمد فكرة التوحُّد مع الجماعة أثناء التفكير والإبداع من حكمة كونفوشيوس: “إنك، في الحقيقة، لا تكون أبداً وحدك عندما تعمل. كل عمل تعمله يؤثر حتماً في شخص آخر”.[188]  فأهم ما تتميَّز به التربية اليابانية المركَّبة ذات النزعة الجماعية هو تشجيع روح المبادرة الإبداعية لدى الأفراد والدفع بها إلى التميُّز والتفوُّق، وتشجيعها أيضاً على التنسيق مع الجماعة للاستفادة من جهدها في ترجمة أعمالها الخاصة إلى عمل جماعي تستفيده منه الدولة والمجتمع. فالعمل الفردي في غياب التنسيق مع الجماعة، قد لا يؤتي أكله في موطنه، فأنانية الفرد والبحث عن الشهرة تدفعه إلى الاتجار بعمله واستفادة أمم أخرى منه. وهذا التنسيق بين الإبداع الفردي والجهد الجماعي هو الذي يحفظ الابتكارات اليابانية من السرقة والانفلات. فسر تربُّع اليابان على عرش التكنولوجيا في العالم هو التنسيق بين الإبداع الفردي الذي يتميَّز بمهارات عالية، والجهد الجماعي الذي حوَّل هذه المهارات الفردية إلى مادة قابلة للتسويق المحلي والعالمي. فولاء الفرد الياباني للجماعة رهن بنظرة الجماعة لهذا الفرد، ومن ثم فإن “الولاء للجماعة في المجتمع الياباني يستند إلى حد كبير إلى شعور الفرد بالمشاركة، وأن الرضا الذي يحصل للفرد نتيجة المشاركة في اتخاذ القرارات الجماعية هو الذي يمنح لهذا الولاء معنى.”[189] فالأهداف التربوية التي  يمكن تحقيقها من خلال أنشطة المجموعة يمكن النظر إليها من زاوية الخصائص الآتية:[190]

أ-الجميع يجعل من أهداف النشاط هدفاً واحداً، ويكون لديهم فهم مشرك للأهداف.

ب-يتعاون الجميع على التفكير في الوسائل والسبل التي يمكن بها تحقيق الأهداف.

ج-كل شخص يسهم بدوره، والجميع يكون لديه فهم مشترك لهذه الأدوار.

د-احترام الحاجات النفسية للفرد، والجميع عليه أن يرتبط معها نفسياً.

ه-الشعور والوعي بالوحدة والانتماء لدى المجموعة.

ز-وجود جو من التفاوض الحر في المجموعة.

8-الإبداع والابتكار بالاعتماد على الذات: لقد تخرَّجت الشخصية اليابانية المتعلِّمة من مدارس تربوية تحرِّض على الاعتماد على الذات وتعدُّه أساس تكامل الشخصية المتعلِّمة. فالاعتماد على الذات يكون بعد أن تستقل الشخصية المتعلِّمة عن غيرها بالمعرفة والجهد والإبداع؛ لأن الاعتماد على الذات يصبح مستحيلاً في ظل الاعتماد الإبداعي على الآخرين، وقد حققت الشخصية اليابانية المتعلِّمة إنجازات استفاد منها الآخرون ووقفوا أمامها حيارى. إن الاعتماد على الذات يعد أسلوباً تربوياً يابانياً مبكِّراً، نظراً لطبيعة التربية المركَّبة من المعرفة والجهد، لاسيما وأنه في المدارس اليابانية “لم ينظر أحد للفروق في السلوك والإنجاز على أنها فروق في الموهبة وإنما هي فروق في بذل الجهد.”[191] إن صاحب الجهد لا يطلب مساعدة من غيره. يقول المهاتما غاندي: “يعني الاعتماد على النفس أن تكون قادراً على الوقوف على قدميك بدون مساعدة الآخرين. هذا لا يعني عدم الاهتمام بمساعدة الآخرين أو رفضها، بل أن تكون في سلام مع نفسك، أن تستحق احترامك لذاتك عندما لا تأتيك مساعدة من الآخرين.”[192] لا شكَّ أن الشخصية اليابانية المتعلٍّمة قد تدرَّبت في مراحلها التربوية على تغيير مسار التحصيل المعرفي في تجاه إبداع هذه المعرفة عبْر الجهد لتحقيق التنمية القومية. فسياسة الاعتماد على الذات في الابتكار والإبداع هي وليدة استراتيجية تربوية واضحة في فلسفتها وأهدافها وغاياتها.

سادساً-نظام التقويم والامتحانات في اليابان

إن ما يميِّز المرحلة الابتدائية والمتوسطة في اليابان عن غيرها في العالم، هو أنها لا تخضع لنظام النجاح والرسوب، فكل التلاميذ يتجاوزون هذه المرحلة نتيجة تحصيلهم العلمي، حيث لا يشغل التلميذ نفسه بالخوف من الرسوب؛ وإنما يكون التحصيل العلمي والمعرفي شغله الشاغل في مرحلته العمرية هذه. فالطفل في اليابان لا يتعلَّم من أجل الانتقال من مستوى إلى آخر، بل يتعلَّم من أجل تنمية قدراته، وهذا ما يدفع بالتلميذ إلى حب المدرِّس والمدرسة، فلا يوجد ما يقلقه أو يخيفه، يذهب إلى المدرسة لكي يسمع، والاستماع كل هذه الفترة يشكِّل متعة للتلميذ ويحرِّضه على تنمية التحصيل العلمي والمعرفي لديه؛ أما المرحلة المتوسطة فيخضع التلاميذ إلى امتحان شامل لمجرَّد اختبار قدراتهم العقلية التي تشكَّلت خلال تسع سنوات. وهذه السنوات التسعة إلزامية للتلاميذ، وتستهدف وزرارة التعليم من وراء ذلك تكوين شخصية متعلِّمة وواثقة من قدراتها العلمية، ولا يشترط في هذه السنوات المرور على امتحانات القبول؛ وإنما الهدف يتركَّز على إعداد هذه الشخصية لخدمة المجتمع، قبل أن يصبح تعليمها غير إلزامي وغير مجاني؛ أما الانتساب إلى الثانوية العليا فيخضع فيه التلاميذ لامتحان القبول، وهو امتحان يصعب تجاوزه إن لم يكن التلميذ قد تكوَّن تكويناً عالياً في المراحل الدراسية السابقة، وقساوة هذا الامتحان هو ما يدفع بأولياء التلاميذ إلى الحرص على مراقبة أبنائهم وهو ينتقلون من مرحلة إلى أخرى من غير المرور على الامتحانات، فيسعون مع المعلم إلى تكوين أبنائهم وتنمية قدراتهم العلمية استعداداً لامتحان القبول في الثانوية العامة. فالتلميذ الياباني يدرس تسع سنوات من غير امتحانات، وهو في الوقت ذاته يُعِدُّ نفسه لهذا الامتحان التاريخي الذي يوصف بالجحيم لدى التلاميذ والأهالي نظراً لصعوبة تخطيه. أما الانتساب إلى الجامعة فيخضع فيه تلاميذ الثانوية العليا إلى امتحان يكون على مستوى الوطن، وعلى رأس كل سنة. والقدرات التي يتم اختبارها في الامتحان هي المهارات العملية التي اكتسبها التلاميذ في المراحل المتقدمة من التعليم. ويتطلب الامتحان توافر الجهد والذكاء لدى الممتحنين، ويكون الامتحان في المواد النظرية والتطبيقية؛ وإذا رسب الطالب في الامتحان لا تمنح له فرصة أخرى للتحسين. تكمن أهمية هذا الامتحان كونه يحدِّد مستقبل الطالب؛ لأن الدرجات التي سيحصل عليها هي من تحدِّد له الجامعة التي ينتسب إليها، وكل جامعة لها مكانتها في المجتمع ولدى الدولة. فمن ينتسب إلى جامعة راقية فستكون وظيفته مضمونة، وراقية هي الأخرى.

سابعاً-الإدارة التعليمة وأساليب الإشراف في اليابان

 تربط اليابان مستقبلها الإنمائي بمستقبل التربية والتعليم؛ نلفي الحكومة اليابانية الماثلة في وزارة التعليم تقف على رأس هذا الإشراف التربوي. فمهمة الوزارة مهمة إنمائية تسعى من وراء تحقيق أهداف التعليم تحقيق أهداف الدولة وسياساتها. وعليه تتخذ وزارة التعليم من التخطيط والتوجيه والإرشاد والدعم المالي طريقاً لإنجاح المنظومة التربوية؛ تقوم وزارة التعليم بوصفها إدارة تعليمية عليا تمتلك سلطة وطنية، بوضع المناهج وتأليف المقرارات الدراسية، وتحديد نوعية الامتحانات وإعداد المعلمين وتدريبهم؛ أما على مستوى الأقاليم فإن الإدارة التعليمية لكل إقليم تكون مسؤولة عن إدارة الشؤون التربوية، بحيث تصبح مهمتها تنفيذية لقرارات وزارة التعليم، وهذه الإدارة قابلة للتغيير والتبديل كل أربع سنوات، يكون للمعلمين وأولياء التلاميذ دور في هذا التغيير. بينما الجهة الثالثة في الإشراف هي الإدارة التعلمية على مستوى البلديات، وهذه الإدارة يعين مجلسها رئيس البلدية لمدة أربع سنوات، وتتمثَّل مهمة هذه الإدارة في التوجيه التربوي والنشاط الثقافي والتعاون مع هيئات تربوية غير حكومية.[193]

لا شكَّ أن إدارة الإشراف التربوي تكون مسؤولة عن أساليب التعليم، ولأن مهمة هذه الإدرات الثلاثة هي مهمة إنمائية؛ فإن طريق الجهد -في اعتقادها- هو الطريق الأقصر إلى التنمية، ولهذا نلفي المواد المهنية والتقنية على رأس المناهج التربوية والتعلمية. ويبدأ الاهتمام برسم معالم الجهد من مرحلة الروضة؛ حيث يتعلم الأطفال اللعب الذكي، كما يتعلمون في المرحلة الابتدائية حل المسائل الحسابية المعقَّدة، ويتعلمون في المرحلة المتوسطة كيفية التحكُّم في التقنيات الحديثة، ويسيطرون في مرحلة الثانوية العليا على أبجديات التقنيات المتطورة، وفي المرحلة الجامعية يتهيئون للإبداع والابتكار. فالجهد في إكمال العمل وإتقانه يعدُّ أسلوباً فاعلاً في العملية التربوية اليابنية، وتمنح له الأولوية في امتحان قدرات التلاميذ والتنبؤ بمستقبلها.

ثامناً-تمويل التعليم في اليابان

يتوزَّع التمويل على التعليم في اليابان بين وزراة التعليم وسلطات الأقاليم والبلديات. تقوم وزارة التعليم بتوفير الدعم المالي للمؤسسات التعليمية، وتقدِّم أيضاً منحاً مالية للأقاليم والبلديات، فالإنفاق الحكومي على التعليم يترراوح بين 15 و20% من إجمالي الدخل القومي؛ إذ انتقل من 5.3% سنة 1965م/1384هـ، إلى 7.2% سنة 1980م/1400هـ.[194] أما دور الأقاليم والبلديات فيتمثل في الإنفاق على المدارس وصرف الرواتب والمكافآت للمعلمين. فلا يوجد رسم على المدارس الابتدائية والمتوسطة نظراً لمجانية التعليم في هذه المراحل التعليمية؛ لكن الرسوم تفرض على الثانوية العليا فتفيد في تمويل التعليم؛ أيضاً القطاع الخاص الذي يمتلك أغلب الثانويات العليا يقوم بتمويل هذه المدارس؛ أيضاً الشركات الكبرى تؤدي دوراً كبيراً في تمويل الجامعات عبْر الإنفاق على الأبحاث العلمية التي يقوم بها أساتذة الجامعات وطلابها.

تاسعاً-الإصلاح والتجديد التربوي في اليابان

لقد  أدخلت وزارة التربية إصلاحات على العملية التعليمية، وذلك تماشياً مع متطلبات المجتمع وحاجات السوق؛ إذ دعا تقرير إصلاحات السبعينيات من القرن الماضي إلى التوسع الكمي وتكافؤ الفرص في التعليم، وتحسين نوعيته لتلبية الحاجات الاجتماعية، وإعادة تصميم هيكل التعليم عن طريق الاقتراحات الآتية:[195]

1-توحيد المناهج الدراسية من المرحلة الابتدائية إلى المستويات العليا في المدارس الثانوية.

2-اعتماد أساليب التدريس الحديثة، مثل: التدريس الجماعي والفردي، والقدرة على التعليم المختلط.

3-التنويع في المناهج الدراسية لمدارس الثانوية العليا لتمكين الطلاب من اختيار المقرارات التي تتناسب مع قدراتهم وتطلعاتهم.

4-الفصل بين وظائف التدريس والبحوث في مجال التعليم العالي.

5-ترشيد الإدارة والهيكل الإداري للتعليم العالي.

وقد احتوى هذا التقرير الإصلاحي على أهداف رئيسة، أهمها:[196]

1-التركيز على الفردية.

2-تشجيع الإبداع والتفكير المستقل والإبداع.

3-توسيع فرص الاختيار في مجال التعليم.

4-خلق بيئة علمية أكثر تعاطفاً.

5-التعليم مدى الحياة.

6-العالمية والتكيف مع مجتمع المعلومات.

7-تسهيل حركة التنقل بين الجامعات لأعضاء هيئة التدريس، وتحسين البيئة والرعاية الطلابية.

أما الإصلاحات التربوية التي جرت في الثمانينيات من القرن الماضي، فقد استند مجلس التربية الياباني إلى الآتي:[197]

1-الاهتمام بالقضايا الأساسية في التعليم التي تلبي حاجات القرن الواحد والعشرين.

2-التعليم مدى الحياة وعلاج المشاكل التربوية وتطويرها في الاتجاه الذي يخدم المجتمع.

3-تحسين الفردية في التعليم الياباني.

4- تحسين نوعية المعلمين.

5-التكيُّف مع العالمية.

6-التكيُّف مع مجتمع المعلومات.

7-البحث في وسائل تمويل البرامج التعليمية.

أيضاً، أدخلت وزارة التربية إصلاحات في العشرية الأولى من القرن الجديد، وقد ركَّزت فيها على ضرورة التربية الأخلاقية في ظل المد التكنولوجي الذي ينتصر للفساد الأخلاقي. كما أدخلت التعليم الإلكتروني في منظومتها التربوية سنة 1994م/1414هـ، وذلك عبْر شبكة تلفزيون مجهَّزة بأشرطة فيديو لتغطية مواد دراسية موجَّهة للمدارس والطلبة الذين يرغبون في التعليم عن بُعد. وقبل أن تصبح المدارس اليابانية مجهَّزة بالأنترنت، قامت وزارة التعليم بتوعية التلاميذ بدور الأنترنت وفائدته في التحصيل العلمي السريع، وكيفية التعامل مع أجهزة الكومبيوتر بمهارة وفاعلية، وشرحت لهم أخلاقيات استخدام الأنترنت. وبعد هذه التوعية العلمية والعملية تمَّ إدخال الأنترنت إلى المدارس اليابانية سنة 1995م/1415هـ، بخطة تجديدية أطلق عليها “مشروع المائة مدرسة”، ثم عُمِّم هذا المشروع على مستوى الأقاليم والبلديات سنة 1996م/1416هـ، بعدما تبيَّن للمسؤولين التربويين نجاعة المشروع الجديد وفائدته للتلاميذ في تنوُّع التحصيل العلمي؛ مما تتطلَّب ذلك تشكيل ميزانية حكومية خاصة لإنجاح مشروع التعليم الإلكتروني الذي حقَّق للتلاميذ ما يأتي:

1-تنوُّع المحتوى الدراسي والتجديد في طرائق التدريس.

2-اكتساب مفاهيم جديدة ومهارات جديدة.

3-تنمية التفكير التحليلي والنقدي في ظل الكم الهائل من المعلومات.

4-تنمية قدرات التلميذ الإبداعية نتيجة التنوع المعرفي الذي تزخر به شبكة الأنترنت.

5-تحسين مستوى الاستيعاب لدى التلاميذ.

6-تعميق الفهم لدى التلاميذ نتيجة الصور التوضيحية التي توفرها شبكة الأنترنت.

7-استثمار الوقت بالحصول السريع على المعلومات.

8-اكتساب مهارات التعامل مع الأجهزة الإلكترونية.

9-سهولة التواصل مع المدارس والمؤسسات التربوية.

10- الحب المبكِّر للتكنولوجيا من قِبل التلاميذ.

عاشراً-خصائص التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة

تتميَّز التربية المركَّبة في اليابان المعاصرة بالخصائص الآتية:

1-تستمد التربية المركَّبة المعاصرة أصالتها من قيم المجتمع وتراث الأسلاف.

2-تستمد التربية المركَّبة المعاصرة فاعليتها من الجهد الجماعي والإبداع الفردي.

3-التربية المركَّبة المعاصرة حالة استمرارية للتربية المركَّبة القديمة والحديثة.

4-تتميَّز التربية المركَّبة المعاصرة بالانفتاح على غيرها من غير أن تفقد هويتها.

5-تتميَّز التربية المركَّبة المعاصرة بسلطة اللغة القومية في التدريس والإبداع والابتكار، والانفتاح على اللغات الأخرى المبدعة في حدود التحصيل العلمي والتواصل الإنساني.

6-تعدُّ التربية الخلقية الواجهة الداخلية للتربية المركَّبة المعاصرة.

7-تعدُّ التربية المهنية الواجهة الخارجية للتربية المركَّبة المعاصرة.

8-تتميَّز التربية المركَّبة المعاصرة بقدرتها على تعليم غالبية المجتمع؛ لأنها تربية تركِّز على الجهد في تحصيل المعرفة وإبداعها. فهي تنمِّي قدرات المجد إلى أن يصبح ذكياً، وتهتم بقدرات الذكي حتى يصبح مبدعاً.

9-تمتلك التربية اليابانية المركَّبة القدرة على الانتقال من فلسفة الوجود (العيش في الوجود والتحدث بما هو موجود) إلى فلسفة الفعل؛ حيث التعالي بالإنسان وإبداع أفضل مما كان.

حادي عشر-مقترح حول تأصيل المنهج وغايات التربية في ضوء التربية اليابانية المركب

1.منهج التربية الأصيلة: ما يُفترَض من مشروع إحياء نظام تربوي أصيل هو الالتزام بمنهج دراسي يحرص على التنسيق بين العلوم الإسلامية والعلوم الكونية؛ لأن لذلك أثراً في نشوء الحضارات وانهيارها؛ حيث يتم تطوير هذا النسق عبر التربية المهنية والإبداعية. هذا لأن “العلوم الدينية تقدم أهداف الحياة ومقاصدها؛ أما العلوم الكونية فتقدم الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الأهداف والمقاصد.”[198] إن الهدف من التربية الإسلامية هو تصميم قالب معرفي تتشكَّل بداخله شخصية أصيلة؛ أما التربية الكونية فالهدف من ورائها هو إعداد شخصية فاعلة ونابغة؛ بينما التركيب بين الأصالة والفاعلية يكون عبر التربية المهنية والإبداعية، التي تتوخى تأهيل الشخصية الأصيلة والفاعلة إلى المشاركة العالمية بإبداعاتها وابتكاراتها وإنجازاتها، وطرح البديل الإنساني. و”يتم هذا بأن يحدد القائمون على أمر المناهج في المجتمع الأسس التي ينبغي أن يبنوا المناهج عليها بحيث تجمع بين خاصيتين لابد من من الوفاء بها لوقاية المجتمع من التفكك أو التخلخل: الأولى، هي المحافظة على قيم المجتمع، فهذه القيم هي الهيكل الخرساني الذي يحمي بناء المجتمع من أن ينفرط عقده. والثانية، هي مواكبة التقدم الحضاري المعاصر. والأولى تضع الثانية في إطارها الصحيح وكلتاهما تعملان على إيجاد الطاقات اللازمة لتقدم المجتمع واستثمارها وفق مقتضيات العصر.”[199] وهذه المناهج ما يأتي:

أ. التربية الإسلامية: وهي كل ما يحض على مكارم الأخلاق، وجميل المعاشرة، وإصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والحلم، والإخلاص، والعدل، والعفو، والتضامن، والمسؤولية، والاحترام، والولاء، والطاعة، والعلم، والتدبر، والتأمل، والجهد، والإبداع، والمشاركة، والعالمية. ويمكن تلخيص منهج التربية الإسلامية في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل في حِكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه:[200]

-من حَلم ساد

-ومن ساد استفاد.

-ومن استحيا حُِرم.

-ومن هاب خاب.

-ومن طلب الرياسة صبَر على السياسة.

-ومن أبصر عيب نفسه عَمِيَ عن عيب غيره.

-ومن سلَّ سيف البغي قُتِلَ به.

-ومن احتفَر لأخيه بئراً وقع فيها.

-ومن نسي زلَّته استعظم زلَّة غيره.

-ومن هتك حجاب غيره انتُهكت عوراتُ بيته.

-ومن كابر في الأمور عَطِب.

-ومن اقتحم اللُّجَج غرق.

-ومن أُعجب برأيه ظلَّ.

-ومن استغنى بعقله زلَّ.

-ومن تجبَّر على الناس ذلَّ.

-ومن تعمق في العمل ملَّ.

-ومن صاحب الأنذال حُقِّر.

-ومن جالَس العلماء وُقِّر.

-ومن دخل مداخل السؤء اتُّهم.

-ومن حسُن خُلُقه سهُلت له طُرقه.

-ومن حسن كلامه كانت الهيبة أمامه.

-ومن خشي الله فاز.

-ومن استقاد الجهل ترك طريق العدل.

-ومن عُرِف أجلُه قصر أمله.

تشمل مادة التربية الإسلامية اللغة العربية بمهاراتها الأربعة، والقرآن الكريم وتطبيقاته، بحيث تكون هناك حصص خاصة بالتطبيقات القرآنية سواء في المدرسة، أم في المجتمع، أم في المؤسسات؛ فمثلاً عند الحديث عن الأيتام في القرآن يتطلب من الناشئين وغيرهم زيارة مؤسسة الأيتام، ومثل هذا ينطبق على السنة النبوية. إلى جانب ذلك يدرَّس تراث السلف مقترناً بحصص تطبيقية تعمل على إخضاعه للبيئة والظروف المعاصرة، ويكون ذلك عبْر  مقارنته  بتجديدات الخلف؛ إذ تتحقق هذه المقارنة العملية عن طريق النقاش بين التلاميذ وتشجيعهم على إلقاء محاضرات مصغَّرة تنتهي بأسئلة وأجوبة. وذلك حتى لا يتحول هذا التراث لدى الناشئة إلى ترف معرفي؛ فبإخضاعه للحالة المعاصرة واحتياجات المجتمع العربي والإسلامي، تعمل النخبة المسؤولة والمخلصة والصادقة على تدوينه مرة أخرى، وتنقيته من شوائب التقليد لبيئته وقتذاك، وجعله معاصراً للبيئة الإسلامية المعاصرة، ومجيباً عن أسئلتها ونافعاً لها.

يُفترَض أيضاً في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل تدريس سير الأنبياء والصحابة والتابعين وتابعي التابعين والعلماء والمفكرين والمبدعين. فالإسلام بوصفه سيرة “ليس دين طقوس ومناسك، وليس دين ينحصر في العلاقة الخاصة بين الإنسان وربه، بل  هو دين النظم، نظم الملأ الأعلى ،ونظم الأرض، ونظم الكون، ونظم الفضاء، ونظم الأرض، ونظم الإنسان، ونظم الحيوان، ونظم النبات، ونظم الجماد، والنظم النازلة سواء أكانت نظم أرزاق أو نظم أوامر أو نظم أقدار وقضاء، والنظم الصاعدة سواء أكانت نظم أعمال أو نظم الكلم الطيب والعمل الصالح. تتفاعل النظم الصاعدة مع الهابطة إلى النظم الأدنى الدنيوي، وبعد هذا تتفاعل بين النظم، فتولد نظم جديدة من عمل الإنسان العقلي.”[201] فمن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تتعلم الشخصية المسلمة نظم الوحي، ونظم التغيير الفردي في سرية الدعوة، والتغيير الجماعي في الجهر بالدعوة ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، ونظم البناء ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105)، ونظم الانتشار ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (الفتح: 1)، ونظم النظر ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20) على أن يكون الهدف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هو تعليم النشء أسلوب الحوار وفن الإقناع في مسألة التغيير والبناء والفتح والنظر. كما تتعلم الشخصية المسلمة من سيرة آدم عليه السلام قيمة العلم، وكيف يرفع الله العلم من شأن الإنسان ويجعله عند الله في مرتبة أعلى من الملائكة ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ (البقرة: 33)، ومن هذه السيرة تأتي أهمية التلقي والحفظ والتعقُّل والتعلم والرقي؛ حيث تنمو الثقافة بآلية التقوى والتعليم المستمر للنظم الربانية، فتتعلم الشخصية المسلمة من آدم عليه السلام الأسماء والتفكير الدلالي للأسماء، والتعلم بالمشاهدة كما حدث مع ابن أدم لما رأى الغراب ﴿فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ (المائدة: 31). كما يتعلم الناشئة من سيرة نوح عليه السلام نظم المعاني والمفاهيم، المتمثلة في عبادة الله وحده وبشريعة الدين ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 62)؛ حيث اهتدى بنظم المعاني والمفاهيم إلى تعلم نظم الصناعة ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: 37). أيضا تتعلم الشخصية من سيرة إبراهيم عليه السلام كيف تكون أمة، وكيف تستطيع الجمع بين نظم الأشكال والأسماء ونظم المعاني والمفاهيم، وهذه كلها ساعدته في أن يكون صاحب منهج دعوي عقلاني وإقناعي، وذلك بابتداع طريقة جديدة في التأمل والتدبر والتفكير والمحاججة ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 78)؛

﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُواْ                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنبياء: 63-64)، ومن يوسف عليه السلام تتعلم تحمل المسؤولية، والتمكين في الأرض عن طريق التقوى والعلم والتدبير والصبر؛ ومن سيرة موسى عليه السلام طريقة الحوار مع الطاغوت، ونظم التنزيل التي قهرت الأساطير وفنون السحر والخرافات والجبروت؛ وتتعلم من سليمان عليه السلام نظم الاتصال والتسبيح والتسخير ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (النمل: 20)؛  ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: 18)؛  ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36). كما تتعلم الشخصية المسلمة من سيرة عيسى عليه السلام نظم البينات والتأويل، ومن أيوب عليه السلام دروس الصبر؛ والتسبيح والاستغفار من يونس عليه السلام.. وهكذا.

كما تشمل التربية الإسلامية، ما يأتي:[202]

-التربية السياسية: والهدف منها تدريب الناشئة على كيفية قيادة الأمة وتدبير شؤونها وإصلاحها لما فيه خيرها في الدنيا والآخرة.

-التربية الاجتماعية: تدريب الناشئة على العمل واحترامه، والانخراط في المجتمع والتعامل معه باقتدار واحترام.

-التربية الاقتصادية: تعليم الناشئة المهن والحرف التي تنفعهم في مستقبلهم، وتعليمهم قيمة اكتساب المرء من عمل يده، وتوعيتهم في مسائل تتعلق بأهمية الادخار والاستثمار، وتدريب الناشئة على التعامل الذكي والمسؤول مع الأسواق.

-التربية التكنولوجية: توعية الناشئة بأهمية التكنولوجيا وتدريبهم على جديدها ، وتعريفهم بتاريخ العرب والمسلمين الذي أغنوا الحضارة الإنسانية بإنجازات علمية وتقنية كبرى.

-التربية الجنسية:  وتكون هذه في شكل نصائح عامة تتخذ شرعيتها من القرآن الكريم، والسنة النبوية، والعبر، والقصص، والجرائم الجنسية.

-التربية النفسية: وذلك بترسيخ فضائل حميدة في الناشئة، مثل: عظم النفس، والإرادة القوية، والهمة العالية، والإيجابية، والخلو من الأمراض النفسة.

-التربية الجسمية: مثل النظافة، وممارسة الرياضة، والوقاية، والعلاج من الأمراض، وغسل اليد قبل الطعام وبعده، واللعب الذكي.

-التربية الروحية: الحرص على تربية الطفل تربية روحية إيمانية، مثل: التدريب على الصلاة، والتعود على رؤية المسجد والصلاة فيه، وذكر الله سبحانه وتعالى، والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول الصدق وبغض الكذب، وتلقينه حب الجنة وبغض النار، وتدريبه على الصيام، والشفقة.

-التربية الخلقية: تدريب الناشئة على الأخلاق الحسنة وإبعادهم عن أخلاق الرذيلة، وتعويدهم على فعل الخير والنفور من أفعال الشر، وتربيتهم على التعاون والأمانة والحياء والأسلوب المهذَّب.

-التربية الثقافية: تعليم الناشئة القراءة والكتابة، وتعريفهم بأخبار العالم العربي والإسلامي، وزيارة المتاحف والمصانع والمساجد القديمة، والاشتراك في أحد المكتبات، وتكوين مكتبة خاصة بالأطفال، واطلاعهم على مجلات الأطفال الهادفة.

ب.التربية الكونية: مثل: الرياضيات، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الوراثة، والإلكترونيات، والتكنولوجيا العالية، والمهارات. بحيث يرتبط تدريس هذه العلوم بالإحساس بالمسؤولية والحاجة أو الدافع للاتصال بالآخرين، وذلك حتى تكون طريقة التدريس أصيلة ومختلفة عن دوافع الأمم الأخرى في تدريس أبنائها لهذه العلوم، فعن طريق” التفتح على الخبرات الجديدة وبفضل الحاجة للاتصال الاجتماعي يمكن للمبدع أن ينظر لإبداعاته لا بصفتها مجموعة من الأفعال الجديدة المبتكرة فحسب، بل أن يوجهها وفق منظور اجتماعي أشمل يساعده على تعبئة طاقته نحو إبداع أعمال أو وسائل أو مكتشفات جديدة تساعد على التقدم بحياة الناس، وتخفيف آلامهم.”[203] أيضاً يكون هدف الناشئة والنخبة التفكير في الإبداع والتطوير من داخل القيم السديدة وبرؤية مختلفة، فقد تبيَّن للعارفين بقضايا الكون والإنسان أن “كل تطور هو ثمرة انحراف.”[204]

ج.التربية المهنية والإبداعية: وهي بمثابة التركيب بين التربية الإسلامية والتربية الكونية بشكل أصيل وفاعل ومبدع؛ إذ تبدأ هذه التربية مع الناشئة حتى تترسخ لديهم أساليب المهنة والإبداع، وتستمر معهم وهم نخبة وقادة. وهي أن يتعلم الناشئ كيف يكون حساساً للمشكلات المعرفية والعلمية والبيئية، بحيث يمتلك المقدرة على الأداء الجيد، وإبداع شيء معلوم من شيء مجهول. والتربية المهنية والإبداعية، هي كل ما يقود الفرد والجماعة “إلى إنتاج يتصف بالأصالة والإبداع والقيمة والجدة، والفائدة من أجل المجتمع.”[205] ولن تؤتي التربية المهنية والإبداعية أكلها إن لم تتواصل مع مؤسسات المجتمع الفاعلة وسوق العمل، فيكون ذلك بمثابة التطبيق ومعاينة الحاجات الإبداعية المستقبلية. فمنهج التربية المهنية والإبداعية سيكون بلا معنى إذا تمَّ حصرة في المدرسة ومعامل التدريس. فمثلما تنمو قدرات التلاميذ عن طريق التواصل بين المعلم وأولياء التلاميذ، فكذلك تتطور التربية الإبداعية والمهنية في ظل التواصل بين المؤسسة التعليمية والمؤسسات العلمية والابتكارية والشركات المانحة. وعلى التربية المهنية والإبداعية في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل أن لا تبحث عن التلاءم مع احتياجات السوق وحسب؛ بل تفكر في الهندسة الاجتماعية حاجات السوق، وأن تسعى إلى “تحقيق المصلحة العامة حتى لو لم تخلق قوى السوق الحوافز والدوافع المناسبة.”[206]

أما عن الأهداف العامة للتربية المهنية في مرحلة التعليم الأساسي ما يأتي:[207]

-مساعدة الطالب على النمو السوي جسمياً وعقلياً واجتماعياً وعاطفياً وروحياً.

-إتاحة الفرص لاكتشاف ميول وقدرات الطالب.

-إكساب الطالب مهارات علمية وتطبيقية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية نافعة.

-مساعدة الطالب على فهم القواعد الصحية والغذائية السليمة.

-إكساب الطالب مهارات مهنية تمكنه من استغلال الوقت في أعمال نافعة.

-تشجيع الطالب على التعاون والعمل ضمن فريق.

-تعريف الطالب بالموارد الاقتصادية المتاحة في بلده.

-تنمية عادات واتجاهات إيجابية لدى الطالب، مثل: الصبر، والدقة، والترتيب، والتعاون.

أما عن أهم مبادئ التربية المبدعة، فهي على النحو الآتي:[208]

-الإيمان بأن استعدادات الفرد يمكن أن تنمو وتزدهر أو تطمس وتختفي أو تغير وجهتها، فإما إلى الخير أم الشر.

-الإيمان بأن الإنسان يمتلك قدرات عقلية لا متناهية يستطيع بها أن يلحق المعجزات إذا توفرت له الظروف المؤاتية.

-الإيمان بأننا في عصر الثروات البشرية، فمن يمتلك ناصية العلم يمتلك ناصية العالم.

-يجب أن يكون هدف التربية خلق المواطن العصري الذي يتمتع بالعلم والإيمان، صاحب الشخصية المتكاملة في عناصرها الجسمية والنفسية والاجتماعية والخلقية والعقلية والروحية.

-ضرورة تطبيق سياسة علمية موضوعية في التوجيه التربوي والمهني؛ حيث يوضع الشخص المناسب في المكان التعليمي المناسب الذي يتفق مع كم وكيف ما يملك من ذكاء، ومقدرات واستعدادات وميول وسمات شخصية وخبرات ومؤهلات.

-ضرورة الاهتمام بالتعليم الفني التقني المتوسط والعالي وجعله عصرياً ورفع مستواه ومستوى خريجيه ومعلميه.

-ضرورة تمشي المناهج الدراسية من حيث محتواها ومستواها مع مستويات التلاميذ العقلية واهتماماتهم النفسية.

-مراعاة القواعد السيكولوجية في طرق التدريس وفي معاملة التلاميذ والابتعاد عن أساليب الشدة والقسوة والعنف والعقاب البدني أو التدليل والفوضى.

-ضرورة الإيمان بجعل التلميذ إيجابياً فعالاً في العملية التعليمية.

-الاهتمام بشخصية التلميذ ونمو قدراته واستعداداته وميوله واتجاهاته بدلاً من توجيه الاهتمام الزائد نحو “حشو أذهان” التلاميذ بالحقائق العلمية المكدسة، وعدم تقديس المادة في حد ذاتها.

-العمل على نقل أثر ما يتعلمه الطفل في مادة معينة إلى بقية المواد الأخرى، وما يتعلمه في قاعات الدرس إلى الحياة العامة خارج المدرسة وتعويده على الربط بين المواد الدراسية والتكامل بينها وتطبيقها في المجالات العلمية.

-الإيمان بوجود فروق فردية واسعة بين التلاميذ ومراعاتها في البرامج التعليمية، وفي طرق التدريس.

-الإيمان بأن القلق والاضطرابات النفسية الأخرى من المعوقات الأساسية للابتكار ولذلك يلزم تخليص التلاميذ منها.

-تنمية حب العمل والجد والاجتهاد والرغبة في البحث عن الحقيقة.

-توفير وسائل الإيضاح الحديثة التي تتناول أحدث مبتكرات التكنولوجيا.

-الاهتمام بالرحلات العلمية والاستكشافية وخاصة زيارة المؤسسات التي تحتوي على الآلات التكنولوجية الحديثة.

-الاعتماد على طرق التدريس الجيدة كطريقة المشكلات حيث تقدم المواد العلمية على شكل مشكلات تتحدى ذكاء التلاميذ وتثير اهتمامهم نحو التفكير ونحو جمع الأدلة والشواهد وغربلتها وفرض الفروض وإجراء التجارب وعمل الملاحظات واستخلاص النتائج وإصدار الأحكام الصائبة.

-تزويد المدارس بالمختبرات والورش ونماذج المصانع والآلات والمشاريع الصناعية وتوفير المواد الخام والخرائط والإحصاءات الحديثة.

-تشجيع المدرسة لمواهب التلاميذ العلمية والفنية واحتضانها ومنحهم الجوائز وتوفير المواد الخام اللازمة لإجراء التجارب.

-تكوين عادات الدقة والموضوعية، والتدريب على أساليب الاستقراء العلمي.

-تدريب التلاميذ على التفكير في حل المشكلات النابعة من حياتهم الواقعية.

-ربط المعلومات النظرية بالمهارات العملية.

2.غايات التربية الأصيلة: إن تحقيق غايات مشروع إحياء نظام تربوي أصيل يكون على النحو الآتي:[209]

أ.نمو التلاميذ في المعارف والمهارات والقيم والاتجاهات، نمواً موجها لصالحهم، ولصالح الجماعة حتى يتمكنوا من التوافق مع المجتمع الذين يعيشون فيه.

ب.تثقيف المجتمع لأفراده الصغار وتشكيلهم على نحو يجعلهم قادرين على حمل هذه الثقافة.

ج.اشتراك الفرد اشتراكاً فعلياً في نشاط المجتمع، والتكيف مع ظروفه، والاستجابة لاحتياجات السوق.

د. إكسابه فن تحصيل المعرفة.

ه.إعداد الناشئ ليعرف كيف يكثف الجهد وكيف يكسب رزقه.

و.إيجاد المواطن الصالح.

ز.تحقيق الذات الإنسانية للإنسان.

ح.تكوين جسم قوي يحسن اكتساب المهارات الرياضية.

ط.غرس الفضائل في نفس التلميذ وتدريبه عليها، حتى يستطيع من خلالها أن يحكم على شؤون الحياة اليومية.

ي.تنمية الذوق الجمالي في نفوس التلاميذ.

ك. توجيه الفرد نحو التثقيف الذاتي والنمو الشخصي المتعدد الجوانب.

ل. إيجاد رابطة قوية بين التربية والحياة وتحقيق رفاهية المجتمع.

م. الكشف عن ميول التلاميذ واستعداداتهم وقدراتهم والعمل على توحيد هذه الميول والقدرات والاستعدادات لما فيه صالح التلميذ والمجتمع.

ن. تنمية روح الجرأة في التفكير لدى المتعلم والعمل على تقوية ميله للتجديد والابتكار.

س. تربية المتعلمين تربية اجتماعية سليمة تبصرهم بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.

ع. تأصيل العادات الطيبة والسلوك الاجتماعي الحميد في التلميذ وتهذيب نفوسهم؛ حتى يكونوا مثالاً طيباً في كل ما يصدر عنهم داخل المدرسة وخارجها.

ف.إعداد التلاميذ لفهم الحياة والاستعداد لمواجهتها بكل إيمان وثقة عن طريق العلم والأخلاق.

المبحث الثالث: المعلم في اليابان وطريقة تدريسه وإعداده وتدريبه

أولاً-مكانة المعلم في النظام التربوي الياباني

يشكِّل المعلم الياباني بنية النظام التربوي. وإذا كانت وزراة التربية تخطِّط وسلطات الأقاليم تنفِّذ؛ فإن المعلم الياباني هو الذي يهندس التربية ويبدعها؛ ولذلك أطلق عليه المجتمع لقب مهندس الأجيال. فما حققته التربية في اليابان من نجاح هو نتيجة جهد المعلم وتفانيه في العمل وإخلاصه في التدريس والتكوين. المعلم الياباني هو مهندس المنهج الدراسي بالإضافة والإبداع، فيجعل المنهج أكثر فائدة للتلاميذ بما ينماز به هذا المعلم من قدرات إبداعية. فنجاح المنهج هو من نجاح المعلم في توصيل المعرفة إلى الطلاب بطريقة ذكية ومقنعة، ولهذا فإن وزارة التربية تثق في أن قدرات المعلم بإمكانها أن تزرع في المنهج روحاً جديدة. إن تكوين الشخصية اليابانية المتعلِّمة هو نتاج إثراء المعلم لما جاء في المنهج الدراسي، وليس نتيجة ثراء المنهج نفسه. وعليه فإن المنظومة التربوية اليابانية تستمد قوَّتها من المعلم أولاً والمنهج ثانياً. فالمنهج الياباني وسيلة متقدمة، والمعلم هو من يتخذ من هذه الوسيلة المتقدمة طريقاً لتنمية القدرات والمهارات لدى التلاميذ عن طريق التحكم الذكي في المنهج وأساليبه التدريسية. وبهذه الطريقة التي يثري بها المعلم المنهجَ تأخذ وزراة التربية بجدية الإضافة النوعية للمعلم فتعمل على مناقشتها وإضافة جديدها إلى المنهج الذي يتغيَّر كل خمس سنوات؛ حيث يؤدي المعلم دوراً محورياً في تنويع مادة المنهج وإثرائه وإنجاحه. إن أخذ آراء المعلم وإضافته وإبداعاته بعين الاعتبار في التخطيط للمنهج يدل على مكانة المعلم في المنظومة التربوية. فالمعلم موضع اهتمام وزارة التربية؛ إذ التشاور معه في حاضر العملية التربوية ومستقبلها مسألة مهمة لا تغفل عنها الوزارة والجهات الإدارية التابعة لها؛ لأن وزارة التربية باتت على يقين أن المعلم الياباني هو مهندس حاضر اليابان ومستقبلها.

إن تشاور وزارة التربية مع المعلم والتنسيق بينهما أدى بالمعلم إلى استيعاب أهداف العملية التربوية وتقدير متطلبات وزارة التربية؛ مما أفضى إلى تبديد قلق الأسرة نحو أبنائها وتحقيق آمال المجتمع. وللاستفادة أكثر من إبداعات المعلم تجري وزارة التعليم دوارات تدريبية مكثفة للمعلم لتقوية قدراته وتجديد معارفه؛ إذ يشعر المعلم الياباني أن هذه الدورات المجانية بمثابة تقدير لمكانته ومكافأة لجهوده واعتراف بعطاءاته، وأن وزارة التربية تثق في أساليبه التدريسية، فتعمل على تطويرها تماشياً مع التطور الحاصل في المجتمع، وهي بذلك تكافئه باطلاعه على الجديد المعرفي والعلمي، وعلى الأساليب المتقدمة في التدريس؛ مما يجعله ذلك يشعر بأنه أكثر تقدماً على زملائه في العالم، ويشعر أنه قادر على تنمية قدرات التلاميذ أكثر من ذي قبل.

ثانياً-علاقة المعلم الياباني بالمحيط الخارجي: تبادل الاحترام

السينسايSensei  هو المعلم أو الأستاذ، وهو لقب ياباني يطلق على شخص يحظى بالاحترام والتوقير، ويكاد هذا اللقب يقتصر على المعلم أو رئيس الجامعة؛ مما يدل أن للمعلم مكانة محترمة لدى التلاميذ والأسرة والمجتمع والدولة.

1-احترام التلاميذ للمعلم: كل تلميذ ياباني يُمني نفسه بأن يصبح سينساي تقديراً لدور المعلم. عندما يدخل المعلم إلى الفصل يقف التلاميذ وينحون احتراما له، ويقولون له: يا معلمنا رجاء أن تتفضَّل علينا وتعلِّمنا. ويستمر هذا الانحناء والاحترام في الشارع أيضاً، ويمنح التلاميذ للمعلم كامل السلطة عليهم.

2-احترام الأسرة للمعلم: يتجلى تقدير الأسرة للمعلم في تعليم الأبناء قيم تقديس المعلم؛ فالأسرة اليابانية تعلم أبناءها أن المعلم يأتي في المرتبة الثانية بعد الإمبراطور، وهي مرتبة مقدَّسة لدى اليابانيين. كما تعلمهم مبادئ احترام المعلم وتقديسه، وأن الاستماع إليه واجب مقدَّس، والالتزام بأوامره مثل الالتزام بأوامر الإمبراطور. ولهذا تحرص غالبية الأسر اليابانية على أن يكون أبناؤها معلمين.

3-احترام المجتمع للمعلم: يحظى المعلم بمكانة عالية في المجتمع؛ إذ يُنظر إليه بوصفه الأب الروحي لنهضة اليابان، وأن ما وصل إليه المجتمع من رقي، هو نتيجة تلقين المعلم قيم وتراث الأسلاف للتلاميذ، وحرصه على ترسيخها في أذهانهم. ولهذا فإن المعلم يحظى بدعم مادي ومعنوي من المجتمع، لا سيما من مؤسسات المجتمع، والشركات الكبرى، والبنوك.

4-احترام الدولة للمعلم: تتعامل الدولة مع المعلم بوصفه قائداً يحظى بمكانة القاضي لديها، ويتقاضى راتب الوزير. فراتبه الشهري من أعلى الرواتب التي تمنحها الدولة للموظفين في قطاعات أخرى، فضلاً عن العلاوات المالية التي تمنح ثلاث مرات في العام، وتشكل خمسة أضعاف راتبه الشهري، إلى جانب علاوات الخبرة والمصاريف الصحية والمصاريف الاجتماعية، وراتب التقاعد. ولهذا نلفي كل خمسة من المتقدمين للامتحان ينجح واحد فقط؛ فنسبة الملتحقين بالتعليم من خريجي الجامعات اليابانية تبلغ 30%. وراتب المعلم في اليابان يتم بناء على تحصيله المعرفي والعلمي.  ففي سنة 1986م/1406هـ “كان راتب معلم الرياضيات في طوكيو، يصل إلى 177 ألف ين في الشهر وبما يعادل 737 دلاور أمريكي، إضافة إلى العلاوات السنوية.”[210] أما سنة 2005م/1425هـ فقد بلغ راتب المعلم حسب الكفاية والخبرة بين 6302847 ين سنوياً بما يعادل 52523 دورلا أمريكي في السنة. وبذلك يأتي راتب المعلم الياباني في المرتبة الخامسة بعد لوكسمبورغ وسويسرا وألمانيا وكوريا الجنوبية. [211]

ثالثاً-مسؤولية المعلم الياباني

يعتقد المعلم الياباني اعتقاداً جازماً أن التعليم رسالة المعلم في الحياة، مثلما كان التعليم رسالة بوذا وكونفوشيوس. وأن جوهر التعليم هو الأخلاق، فعن طريق الأخلاق يستقيم التعليم وتمنح العلوم والمعارف فوائد للإنسانية. يتقلد المعلم الياباني أعلى المسؤوليات في اليابان وأجلها، ويكافأ على ذلك بأعلى الرواتب. فالراتب في اليابان مقياس لقيمة المسؤولية وأهميتها، والمعلم الياباني ليس مسؤولاً عن شركة قابلة للتغيير وربما للإفلاس؛ وإنما هو مسؤول عن مدرسة قابلة للانتعاش والازدهار. ولهذا تقرن الدولة اليابانية مسؤولية المعلم بمسؤولية القاضي. فإذا كانت مسؤولية القاضي هي حماية المجتمع؛ فإن مسؤولية المعلم هي بناء المجتمع. المعلم يبني، والقاضي يحمي.

عندما تضع الدولة اليابانية المعلم في مرتبة القاضي يعني أن المسؤولية الملقاة على المعلم عظيمة؛ فمسؤولية المعلم الياباني لا تنتهي عنذ تخريج التلاميذ إلى عالم الوظيفة؛ بل تظهر نتائجها عندما يُقبِل هؤلاء الخريجون على أجهزة الدولة والمجتمع والسوق. ماذا سيقدِّمون لوظائفهم؟ وهل سيبدعون ويبتكرون؟ إن مسؤولية المعلم الياباني مسؤولية مستديمة، يحدِّد الخريجون فاعليتها من عدمها. مسؤولية المعلم الياباني ليست في التدريس وحسب وإنما في التكوين، وليست في تنمية المدرسة وحسب وإنما في تنمية المجتمع.

أيضاً، تتمثل مسؤولية المعلم الياباني في إعداد أجيال عالمة ونابغة، وذلك بمراعاته للفروق الفردية بين التلاميذ والعمل على تنمية قدراتهم، وغرس الأخلاق في حياتهم وأعمالهم. فمسؤوليته هي استكشاف المبدعين والمواهب وتوجيهها نحو الكمال الإنساني، ونسج علاقة ذكية مع التلاميذ، والاتصال الدائم بالأسرة والتنسيق مع الآباء لإنجاح هذه المواهب، فيقوم المعلم بزيارات دورية إلى بيوت التلاميذ للمراقبة والتأكد من أنهم في طريقهم إلى التحسن والتغير، وبذلك يزرع الثقة في التلميذ بأن معلمه واحد من أفراد العائلة. فللمعلم “أدوار ومسؤوليات، وهي إدارية في الأساس إلى جانب واجباته تجاه التلاميذ؛ إذ يقوم بزيارة أسرتهم للمعاينة والمراقبة، والتشاور مع الأسرة حول الجوانب المعرفية والنفسية والاجتماعية للتلميذ. فشخصية التلاميذ تخضع للمساءلة من قِبل المعلم سواء داخل المدرسة أم خارجها. فعلى سبيل المثال، قبل العطلة يجب على التلاميذ تقديم جداول أعمالهم اليومية ساعة بساعة، يسرد فيها التلميذ الأعمال التي قام بها، مثل: مشاهدة التليفزيون، والمطالعة، والاستيقاظ، وأوقات الدراسة واللعب. بعد ذلك يقوم المعلم بقراءة هذه الجداول الزمنية ويعلِّق عليها، ثم يوقع المعلم وأسرة التلميذ عليها، لتحديد مسؤوليتهما تجاه التلميذ.”[212]

من جهة أخرى تندرج مسؤولية المعلم الياباني في مناقشة الأغراض التربوية للمدرسة وعقد حلقات دراسية لتطوير التعليم وتقديم حلول للمشاكل التي تعترض طريق التجديد التربوي. كما يعمل المعلم الياباني مع الإدارة وينسِّق معها بهدف استكشاف المواهب وتنمية قدرتها، وذلك بكتابة تقارير أسبوعية عن إمكانات التلاميذ الفردية والجماعية، والأساليب المطلوبة لتطويرها. فيعمل المعلم والإدراة معاً على توفير الوسائل التي تعين على ترقية قدرات التلاميذ وجعلها في متناولهم. كما تكمن مسؤولية المعلم في التركيز على جهود التلاميذ وذكائهم؛ لأن الجهود لها فوائد على المدى الطويل، ويكون ذلك برعايتها وتوفير الدعم المعنوي لها.

يمكن إجمال مسؤوليات المعلم الياباني في الآتي:

1-الاهتمام بالتلاميذ بقطع النظر عن قدراتهم العقلية المتفاوتة، مع التركيز على ذوي المهارات العالية؛ ولكن في إطار جماعي.

2-تشجيع التلاميذ على الإبداع والابتكار في سن مبكِّرة.

3-معرفة حاجات التلاميذ وطرائق تفكيرهم ونوعية قدراتهم الإبداعية، مع العمل على تنميتها وترقيتها.

4-العمل مع الإدارة لمراقبة نشاطات التلاميذ، وتحديد الأساليب التي تحسِّن من إمكاناتهم الإبداعية.

6-التنسيق مع الأسرة عبْر الزيارات الدورية لمناقشة وضعية التلميذ في المدرسة، وتقديم المساعدات المطلوبة لتنمية قدراته العقلية وتحفيز مواهبة.

7-المداومة الدورية في أيام العطل وتوفير ساعات إضافية لمساعدة التلاميذ المقبلين على الامتحانات.

8-العمل بجهد وإبداع على إنجاح النظام التعليمي وتطوير برامجه وتحقيق أهدافه.

رابعاً-طريقة المعلم الياباني في التدريس

يبدأ المعلم بالتخطيط للمواد التي يدرِّسها، وغالباً ما يكون هذا التخطيط جماعياً مع أقرانه. وعندما يدخل المعلم للفصل يبدأ الدرس مباشرة، فلا مجال لإضاعة الوقت؛ لأن المعلم يناقش طريقة التخطيط لدروسه مع التلاميذ خارج الفصل سواء قبل الحصة أو بعدها، أو في أيام العطلة، حتى يكون التلاميذ على استعداد للتعامل مع الدروس، فيحضِّرون لذلك في بيوتهم قبل أيام أو شهور من بداية الدراسة. ولإنجاح طريقة التدريس، لا بد من حصول علاقة بين المعلم والتلاميذ، تستند إلى الافتراضات الآتية:[213]

1-المعلِّم يعلم والتلاميذ يتعلمون منه.

2-المعلم يعرف كل شيء والتلاميذ لا يعرفون شيئاً.

3-المعلم يفكِّر والتلاميذ يتعلمون منه طريقة التفكير.

4-المعلم يتحدَّث والتلاميذ يسمعون إليه بخشوع.

5-المعلم يقوم بأعمال والتلاميذ يتصرفون في سلوكهم وفق هذه الأعمال.

6-المعلم يختار محتوى البرنامج الدراسي والتلاميذ عليهم أن يتكيَّفوا مع هذا البرنامج.

7- المعلم هو موضوع عملية التعليم والتلاميذ مجرد كائنات.

في الغالب يقرأ التلميذ أمام معلمه نصاً لمدة خمسة وعشرين دقيقة يومياً. ويعتمد المعلم في تدريس تلاميذه على الحفظ والتلقين من جهة، والتركيز على الفهم والتحليل والنقد من جهة أخرى. إن “التعلم في اليابان عملية استعداد نظري تعتمد على التلقين أكثر منها عملية عقلية، وهذه حقيقة لها أهميتها الكبرى في اليابان. إذ من المفترض أن يتعلَّم المواطن الياباني كيف يندمج في مهارته التي يجعل من إتقانه إياها أمراً لا يحتاج إلى أي عناء أو جهد. وهذا الاتقان لا يعتمد على سيطرته العقلية، وإنما على توحده مع هذه المهارة روحانياً.”[214] أيضاً لعامل الإقناع دور في إنهاء الحصة، فعندما يشعر المعلم بأن التلاميذ قد فهموا وأكدوا ذلك بأنفسهم ينهي الحصة، وقد يبدأ في حصة أخرى، فغالباً ما يكون للمرحلة التعليمية معلم واحد لكل الحصص، لا سيما في الابتدائية التي لا تتطلب مواداً تخصصية. كذلك يمتلك المعلم سلطة إدارية في التعامل مع المنهج، فلا يخضع لتعليمات الإدارة الشهرية أو السنوية في الموضوعات التي تدرَّس، إذا كان يدرك أن خطة الإدارة لا تنسجم مع رغبة التلاميذ؛ فأهم ما يشغل المعلم الياباني في التدريس هو احترام الوقت، وإثراء المنهج، وتنمية قدرات التلاميذ. فكلما حقَّق هذه الأهداف تنازلت له الإدارة عن سلطتها في تنظيم سير الدروس. ويسلك المعلم الياباني في التدريس، الأسلوب الآتي:[215]

1-يقرأ المعلم النص ثم يتبعه التلميذ بعد ذلك، ويقوم المعلم بتتبع قراءة التلميذ ويعمل على تصحيح الأخطاء.

2-يتوقع المعلم دائماً بأن التلميذ سينجح في مادته وسيحسِّن طريقته في القراءة.

3-التلميذ يظل متعلقاً بالمعلم الذي يمتلك مهارات عالية، ويعتمد عليه في تحسين قدراته في القراءة.

4-يقوم المعلم بتقديم نماذج حية في المهارات التي تساعد على تحسين قدرات التلاميذ، ثم يقومون بتقليد هذه المهارات.

5-لترسيخ هذه المهارات في ذهن التلاميذ، يجعل المعلم مهمة التلاميذ صعبة وشاقة؛ مما يتطلب منهم بذل الجهد.

6-بذل جهد مكثف من قِبل التلاميذ، ويقوم المعلم بتقدير هذه الجهود التي تكون ضرورية لاستكمال المسار الدراسي بنجاح.

7-يسعى المعلم إلى خلق توازن وانسجام لدى التلاميذ عبْر نسج علاقات عاطفية معهم؛ حتى لا تؤدي هذه الجهود المكثفة إلى اليأس في حالة ما يتطلب تحسين القدرات وقتاً طويلاً.

 أيضاً يأخذ تخطيط المعلم الياباني لدروسه بعين الاعتبار القدرات العقلية للتلاميذ، لا سيما وأن عدد التلاميذ قليل في الفصل، فنلفي تسعة عشر طالباً لكل معلم ابتدائي، وستة عشر لكل معلم إعدادي، وستة عشر لكل معلم ثانوي؛ مما يساعد المعلم على التركيز في درسه، وإشباع رغبة التلاميذ في التحصيل المعرفي والعلمي. فالمعلم “يقوم بتوزيع أكبر قدر ممكن من المعلومات الذكية على التلاميذ بهدف استكشاف ذكائهم، مع إدخال عوامل نفسية واجتماعية، مثل: العواطف، والدوافع، والأخلاق، والجهد.”[216]

من أساليب التدريس لدى المعلم الياباني، هي مصاحبة التلاميذ في الفصل وخارجه؛ حتى يتمكن المعلم من دراسة الجوانب النفسية والاجتماعية لتلاميذه، وهذه طريقة جيدة لترسيخ المعارف في عقل التلاميذ؛ لأن عدم الإحاطة  بالجوانب النفسية والاجتماعية للتلاميذ قد يجعل التلقين والحفظ يضيع في زحمة انفعال التلاميذ ومشاكلهم الاجتماعية. فبالإحاطة بهذه الجوانب يدرك المعلم الفروق الفردية، ويكون لعامل التدرج في توصيل المعلومات للتلاميذ بحسب قدراتهم أهمية كبرى في طريقة التدريس. كما يكثر المعلم من كلمات التشجيع، فهي وسيلة حسنة لتقريب مسافة الفروق الفردية بين التلاميذ، وتشكِّل طريقة حكيمة لتنمية القدرات. أيضاً يتخذ المعلم من طريقة العقاب لتوجيه التلاميذ وتهذيبهم، لا سيما وأن المعلم الياباني يمتلك سلطة إدارية مطلقة في الضرب والتأنيب والتوبيخ.

أيضاً، يركّز المعلم على طريقة حشو أكبر قدر ممكن من المعلومات في عقل التلاميذ، لا سيما عندما يكون الطالب مقبلاً على الامتحانات. وهي طريقة منتشرة في اليابان، وتقرها وزارة التربية؛ إذ تقيم للمعلمين دورات تدربية لمدة عام يتدربون فيها على طريقة الحشو، ومن أساليب الحشو أن المعلم يركِّز في تدريسه على شد انتباه التلاميذ من خلال الإيماءات ولغة الجسد، ذلك لأن الفصل يسع أكثر من ثمانين طالباً، والدراسة تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً.

خامساً-التربية المهنية للمعلم: كيفية إعداد المعلم قبل الخدمة بوصفه شخصية متعلِّمة

لا يُستهدف من وراء إعداد المعلم الياباني التشكيك في قدراته العقلية والمعرفية، فمثل هذا شيء مفروغ منه لدى وزارة التربية؛ وإنما الهدف هو تربية المعلم مهنياً لمواكبة التطورات الحاصلة في المجتمع؛ لأن التلميذ ابن مجتمعه. يأخذ هذا الإعداد للمعلم الياباني شكل تطوير المهارات، ليس من أجل تحقيق فلسفة وأهداف وغايات المجتمع وحسب؛ وإنما من أجل إنجاخ استراتيجية التعليم الماثلة في تصميم شخصية يابانية مهنية واقتصادية وتكنولوجية. كما أن التربية المهنية للمعلمين لا تنشغل بالقصور المعرفي والعلمي لخريجي الثانويات العليا والجامعات، فهناك ثقة كبرى في إمكانية هذه الثانويات والكليات والجامعات في أداء واجباتها بكفاية؛ ولكن انشغالات إعداد المعلم تكون بالارتقاء بكفايته إلى ما يحقق حاجات السوق والدولة. فالسوق هو من يحدِّد طرائق إعداد المعلم في اليابان وتوجيهه نحو استيعاب حقيقة التربية المهنية وتحويل مقصدها نحو التنمية المهنية. ولهذا فإن نجاح إعداد المعلم رهن بما يقدمه السوق الياباني من دعم معنوي ومادي لبرنامج إعداد المعلمين. هناك تفاهم حول إعداد المعلم وتحديد المسؤولية، وهذا التفاهم يكون بين وزارة التربية التي تخدم الدولة، والسوق الذي يخدم المجتمع؛ ولعل هذا التركيز على الجهتين اللتين تقومان بإعداد المعلم يفضي إلى احترم الوقت واستثمار الجهد.

تقوم وزارة التربية بإعداد مناهج كليات وجامعات إعداد المعلمين، وذلك بما يتوافق مع حاجات السوق، وبما يفضي إلى تنمية المجتمع، ولهذا تلقى هذه الكليات والجامعات الدعم المادي من الفاعلين في السوق اليابانية. فمواد إعددا المعلم لا تنفصل عن حاجات السوق، ولهذا يتفانى هذا المعلم بعد الالتحاق بالتدريس في تكوين تلاميذ يتفانون في خدمة السوق والمجتمع والدولة. فمثلاً إذا رأت السوق اليابانية ضرورة إدخال نوافذ إسلامية في بنوكها، فستضطر وزارة التربية إلى إضافة مواد اقتصادية إسلامية وفقهية في مناهج إعداد المعلمين، وقد حدث مثل هذا الاضطرارا عندما هرعت وزارة التربية إلى إضافة مواد دراسية تتعلق بنفط العرب بعد حرب أكتوبر 1973م/1392هـ.

يقضي الطالب أربع سنوات في جامعات إعداد المعلم ليصبح أستاذاً في الثانوية العليا؛ أما معلم المراحل الابتدائية والثانوية العامة فيقضي سنتين في الجامعة، وبعد ذلك يحصل على شهادة الصلاحية بعد ستة أشهر من الالتحاق بالخدمة. ويتوزَّع منهج إعداد الممعلمين بحسب المرحلة التي يدرِّس فيها. فإذا كان التدريس في المرجلة الابتدائية والاعدادية فإن المنهج يشمل العلوم التربوية بنسبة 30%، والمواد التخصصية بنسبة 70%؛ أما مناهج إعداد المعلم للثانوية العليا فيشمل العلوم التربوية بنسبة 10%، والمواد التخصصية بنسبة 90%.

سادساً-التربية الإبداعية للمعلم: تدريب المعلم في أثناء الخدمة بوصفه شخصية متعلِّمة

يهدف تدريب المعلم الياباني في أثناء الخدمة إلى اكتساب الفاعلية، وتنمية الخبرات والمهارات، وذلك لزيادة كفاية المعلم الإنتاجية، وزيادة الكفاية الإنتاجية للمؤسسة التعليمية. وغالباً ما تتحدَّد أساليب التدريب في شكل محاضرة، أو ورشة دراسية، أو مؤتمرات، أو زيارة ميدانية، أو حلقات ميدانية، أو حلقات مناقشة؛ وذلك لتقديم النصائح والإرشادات. ويتم تدريب المعلم الياباني الجديد بمعدل يومين في الشهر لمدة سنة.[217] ويكون تدريب المعلم الياباني أمام زملائه وخبراء تربويين. كما تتخذ عملية التدريب شكل الانتقال من مدرسة إلى أخرى، بهدف تبادل المهارات واستكشاف الإمكانات والاستفادة منها. والمعلمون الذين لم يحققوا نجاحاً في التدريب يتم استبعادهم من التعليم مدى الحياة.

أيضاً، هناك مراكز للتدريب يتم فيها تدريب المعلم بشكل دوري، وفي جميع التخصصات. وهناك تدريب طويل المدى قد يصل إلى سنتين، وهو خاص بالمعلمين ذوي القدرات الإبداعية العالية. ولأهمية هذا التدريب تحضره الطبقة المثقفة في اليابان من ساسة وعلماء ورجال أعمال. تشهد وزارة التربية نشاطاً دؤوباً في تدريب المعلمين بشكل دوري، وتزيد حاجات السوق من إثراء هذا التدريب وتنويع مواده الدراسية. فالدعم المادي من رجالات السوق لمراكز التدريب تكاد لا تنقطع فهي سخية إلى درجة كبيرة. وذلك حتى يكتسب المعلم المدرَّب مهارات ابتكارية تكون في خدمة التنمية، فيعكس ذلك على تلاميذه وطلابه؛ فالسوق هو المستفيد الأول من الخريجين، والدولة هي المستفيد الأكبر من تنامي قوَّة العمل وهبوط معدل البطالة. فالتخطيط التربوي الياباني مستمر في تأهيل علماء لخدمة الدولة والسوق؛ إذ شرعت الحكومة اليابانية في الثمانينيات من القرن الماضي “عن طريق المجلس المركزي  للتعليم في خطة مدتها ثلاث سنوات تهدف إلى زيادة تدريب العلماء الممهنين والفنيين إلى 8.000 عالم.”[218]

سابعاً-الجامعات اليابانية المتخصِّصة في إعداد المعلمين وتصميم قيادات تربوية

إعداد المعلم في اليابان ليست جديدة؛ وإنما هي قديمة بقدم الجامعات التي تؤهِّل المعلمين للخدمة، وأهم هذه الجامعات ما يأتي:[219]

1-جامعة طوكيو ككوجي Tokyo Gakugei University: تأسست سنة 1873م/1289هـ، كمعهد لإعداد المعلمين، وهي جامعة تمنح شهادات الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه في التعليم في جميع مراحله.

2-جامعة كيوتو Kyoto University: وهي جامعة خاصة بالتعليم الابتدائي تأسست سنة 1876م/1292هـ، وتتمثل مهمتها التربوية في إعداد معلمي رياض الأطفال، ومعلمي العلوم، والرياضيات، والتربية الخاصة، والموسيقى، وتقنيات التعليم، والتربية البدنية. كما تمنح الجامعة درجة الماجستير في تعليم اللغة الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، وتقنيات التعليم والعلوم الاجتماعية، والتربية البدنية.

3-جامعة نارا للتربية   Nara University of Education: تأسست سنة 1888م/1305هـ، كمعهد لإعداد المعلمين، وهي جامعة تهتم بأساليب التدريس، وتشمل هذه الجامعة كليات تدريس الرياضيات، واللغة الإنجليزية، وتقنيات التعليم، والتربية البدنية، والموسيقى.

4-جامعة إيتشي للتربية Aichi University of Education: وهي جامعة تقوم بتدريب رجالات المستقبل، وتدرِّس التخصصات الآتية: العلوم التربوية والتطبيقية، والعلوم الطبيعية، والتربية البدنية، والعلوم الاجتماعية.

5-جامعة تالنين Tallinin Pedagogial University: وهي جامعة لإعداد المعلمين تم إنشاؤها سنة 1919م/1337هـ، وتهتم بتدريس مواد الليسانس، والماجستير، والدكتوراه في جميع التخصصات.  

6-جامعة مياجي للتربية   Miyagi University of Education: تأسست سنة 1965م/1384هـ، وتتميَّز هذه الجامعة بتقديم شهادات دبلوم في التخصصات الآتية: دبلوم في تعليم الصم، والتخلف العقلي، والأطفال المعاقين بدنياً، فضلاً عن إعداد معلمي الابتدائية والإعدادية والثانوية العليا في حميع التخصصات.

ثامناً-الجامعات اليابانية المتخصِّصة في تكوين قيادات مهنية وإبداعية

تتميَّز جامعة طوكيو Tokyo University بتكوين قادة ومسؤولين كبار في الدولة، فقد “صدر في 1887م/1304هـ، أمر إمبراطوري يمنح خريجي الحقوق في جامعة توداي، وحدهم، الحق في أن يتقدموا للالتحاق بالمراتب الوظيفية العليا، وهو امتياز ما يزالون يتمتعون به حتى اليوم”.[220] أيضا جامعة وسيدا Wasida University مختصة بتخريج إعلاميين وصحافيين ومفكِّرين. هناك أيضاً أكاديمية جديدة لإعداد قادة المستقبل في اليابان، يطلق عليها أكاديمية كايو، وهي ممولة من قبل الشركات اليابانية الكبرى، يصل التدريس فيها إلى ست سنوات وبأسعار خيالية، وتهدف هذه الأكاديمية إلى تعليم الأشخاص الذين يكونون قادرين على قيادة اليابان في المستقبل؛ أما الطلبة فهم موظفون شباب تختارهم لهذه المهمة الشركات التي موَّلت هذا المشروع التعليمي الجديد، ويتطلب من هؤلاء الأشخاص العيش في منازل المشرفين عليهم، وتمنعهم من استعمال وسائل التسلية، ولا يمكن لهم مغادرة الأكاديمية إلا بإذن وبمرافقة شخص مصرَّح له بذلك.[221]

تاسعاً-سمات المعلم الياباني

1-قوَّة الشخصية.

2-الحزم في المسائل المعرفية والعلمية الحاسمة.

3-بناء علاقات متميِّزة مع التلاميذ والأسرة والمجتمع والدولة والسوق.

4-القدرة الفائقة على توصيل المعلومات.

5-الموضوعية والعدل والإخلاص والالتزام بآداب المهنة.

6-احترام شخصية التلاميذ والانفتاح على سلوكهم.

7- التميُّز بمهارات نفسية واجتماعية عالية.

8-الصبر مع نفسه والتسامح مع التلاميذ.

9-المرونة والانفتاح على كل جديد.

10- الإحاطة بالجوانب الحضارية للأمة اليابانية.

11-المهنية والاحترافية في مجال تخصصه.

12-القدرة على التعلم مدى الحياة.

عاشراً-مقترح لتأصيل المعلم في ضوء التربية اليابانية المركَّبة

إن المعلم المفترَض تصميمه من داخل إحياء نظام تربوي أصيل هو على النحو الآتي:

1.أن تكون رسالته نبوية، وتبدأ بإتمام مكارم الأخلاق، اقتداء بالرسول صلى الله عايه وسلم. عن أي هريرة رضي الله عنه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنما يعث لأتمم حسن الأخلاق.”[222]

2.أن تكون مهمته تزكية النفوس لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164).

3.أن لا يكون فظاً غليظ القلب لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159). هذا لأن القسوة تزيد الشخصية المتعلمة قساوة وتدفعها إلى التمرد، ولهذا فإن ضرورة وجود مربي هادئ وماهر مسألة في غاية الأهمية، وعليه فإن “صفاً نشيطاً يقوده معلم ماهر يستطيع بكل تأكيد أن يعالج كل اعوجاج أو نقص. وعلى كل حال، ففي مثل هذا الصف نرى نوعاً من الشخصية الاجتماعية تُبنى في وجوه؛ ودون أن يهيمن على تلك الشخصية نظام تقليدي يعتمد من ناحية الراشد على سوء الظن والقسوة، ومن ناحية الطفل على الملاحقة الدائمة والمبادرة بالظلم. وهكذا فبفضل الوسائل التربوية الناشطة يحصل التلميذ الصغير على كل حاجاته لبناء شخصيته وتقدمها. وبهذا تكون قيمته قد ارتفعت.”[223]

4. أن يكون داعياً ومربياً وقدوةً، لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب :46).

5.أن يتسم سلوكه تجاه المتعلمين بالحوار والصبر وإثارة السؤال، فذلك يكسبه صداقة المتعلمين، والتجرؤ عليه في أمور علمية. لقوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 215).

6.أن يكون متمكناً من علومه وأساليب تدريسه، فهو بذلك يعلم الناشئين الاقتداء به في ضربين: العلم والتعليم. فالناشئ يكبر وهو يأمل في أن يصبح مثل معلمه محيطاً بعلمه، وفي الوقت نفسه يسعى لأن يلم بأساليب التعليم أسوة بمعلمه.

7.أن يكون المعلم مبدعاً موهوباً، بحيث لا يتعلم منه الناشئة حشو المعلومات وحسب؛ وإنما يتعلم منه الناشئة طريقة التفكير، وطريقة إثارة السؤال والإجابة عنه، كما يتعلمون منه أصول النقد الذاتي والموضوعي؛ لأن مثل هذه الطرق لا يحسنها كل معلم، بل هي موهبة وفن وإبداع.

8.أن يكون المعلم عملياً ومجداً؛ إذ لابد من تحويل مادته التدريسية إلى تطبيقات في أغلب الأحيان، ويكون الهدف من وراء ذلك هو تكثيف الجهد وفتح أفق الناشئة على عالم الإبداع، و”إشراك الطلاب في بعض الأنشطة التي تشجعهم على التفكير والتفاعل مع ما يتعلمونه، حيث ثبت أن بإمكان الطلاب تحقيق أفضل مستوى من التعلم عندما يقومون بالحديث عما يتعلمونه والكتابة عنه ورسم بعض الأشكال التوضيحية والربط بينه وبين خبرات ومواقف سابقة والقيام بتطبيق كل ما يتعلمونه على حياتهم اليومية.”[224]

9.أن يكون المعلم مسؤولاً، وذلك بالاعتناء بالمتفوقين وذوي المهارات العليا، وإعدادها للمستقبل، ويكون ذلك أيضاً بالتنسيق مع الإدارة، والمؤسسات العلمية في المجتمع، مع توجيه الرعاية لمن هم دون المستوى؛ فالزمن كفيل بتحويلهم هم الآخرين إلى متفوقين ومهارة، ولن يتحقق هذا الأمر إلا بتنسيق المعلم مع أولياء الأمور. كما لا تتحقق مثل هذه المسؤولية لدى المعلم والمدرِّب إلا إذا كانت نسبتها عالية، وغالباً ما نلفيها تتجسَّد في تفرغ المعلم وأمانته. من أهم صفات المدرب أو المعلم الفاعل، إلى جانب النسبة المطلوبة، كما يراها المدربون، هي: “التفرغ 85%؛ الحماس 70%؛ الأمانة 70%؛ مهارات الاتصال 60%؛ اللطف والأدب 60%؛ الإبداع 60%؛ الاستماع 60%؛ القدرة على الإقناع 60%؛ حسن المظهر 60%؛ الاهتمام بالآخرين 60%؛ الحيوية 50%؛ الاستعداد 50%؛ النظام 50%؛ مراعاة الأفراد 50%؛ القدرة على التقييم 40%؛ المرونة 40%؛ الحكمة 40%؛ التنويع 40%؛ الصبر 40%؛ حساسية المشاعر 30%.”[225]

المبحث الخامس: الدروس المستفادة لمشروع إحياء نظام تربوي أصيل

أولاً-النتائج المستخلصة من التربية اليابانية المركَّبة

1.فيما يتعلق بالدين والفلسفات الأخلاقية والإنسانية: تستمد التربية اليابانية المركَّبة قيمها من البوذية والكونفوشية والشنتوية، وقد أسهمت هذه الأديان بقيمها التربوية في جلب الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لليابان، مثل: التعلم، والعمل، والاحترام، والطاعة، والولاء. وقد كانت مهمة هذه الأديان مهمة تربوية بالأساس، وهو تكوين شخصية يابانية فردية مسؤولة، وشخصية جماعية مخلصة. فقيمة الولاء مثلا ليست كلمة محصورة في المجال السياسي، بل تمتد إلى الجانب التربوي والتعليمي. فالتحصيل المعرفي إذا هولم يتم في إطار الولاء لتراث الأسلاف، فلا يعدو ترفاً معرفياً، وخيانة لقيمة الولاء. لقد كان الدور التربوي لأديان اليابان هو إقامة علاقة بين التربية والتنمية، بين العلم والعمل؛ إذ ترجمت القيادة اليابانية -على مستوى مراحلها التاريخية- تعاليم هذه الأديان إلى عمل، غلب فيه الجهد على التنظير. أما عن سبب نجاح أديان اليابان في تنمية اليابان وتكوين شخصية يابانية نابغة، ليس التعاليم الناضجة لهذه الأديان وحسب؛ وإنما يرجع الفضل العظيم إلى الدولة اليابانية التي أخرجت هذه الأديان من ضيق التلقي إلى فسحة العمل بها. فيما يتعلق بالمشروعات في حضارات الشرق بعامة واليابان بخاصة، نلفي “التنوع فيما بين هذه المشروعات قائما، حسب نسبة مختلفة من العوامل التي صاغت خصوصيتها عبر التاريخ. ولكن الساحة المشتركة -أي الجوهر- يكاد يكون واحداً. أولوية الجماعة والروح الجماعية بدلاً من الفردية والفردانية. الثبات والاستمرار، وكذا الوثبة والإبداع لا سبيل إليها إلا بالتعبئة الواسعة، ومن هنا أولوية معاني الحضارة والدين والثقافة والأمة والقومية والوطن والأسرة… وإذ بدت أولوية الجماعة والروح الجماعية، أي المنهج الجماعي في بداية الأمر نوعاً من الاتجاه المحافظ، فقد أدرك أن هذه الجماعية نجحت في حماية معظم الجماعات المشرقية المستهدفة بادئ ذي بدء، إلى أن أتاحت لها معاني الامتياز في مجالات التنمية والإنتاج.”[226] فلا نعجب أن الكونفوشية والبوذية والشنتوية نجحت عبر مراحل التاريخ القديمة والحديثة والمعاصرة؛ بينما الإسلام لم ينجح إلا فترة تعد قصيرة مقارنةً بعظمة الإسلام. لا نعجب من القول: أن أديان اليابان المتعددة نجحت بالقيادات اليابانية، والإسلام تراجع بتراجع القيادات الإسلامية.

2.فيما يتعلق بفلسفة التربية: تشكل البوذية والكونفوشية والشنتوية بنية التربية اليابانية المركَّبة، بحيث تسهم هذه البنية المتماسكة في ترجمة مخرجات التربية إلى تنمية. ففلسفة التربية تستهدف بناء شخصية يابانية مبدعة ومنتجة. فكلما زاد ولاء التربية للقيم الدينية زادت وتيرة التنمية التي تتناغم مع مجتمع متدين ومتخلق. وفي ظل هذا الانسجام حققت فلسفة التربية اليابانية المركَّبة أهدافها العليا؛ فالقيم التربوية الدينية متغلغلة في أعماق الشخصية اليابانية المتعلِّمة. يقول المفكر السياسي إيشيهارا -محافظ طوكيو الأسبق-: “العامل الآسيوي يغمره شعور بأنه يعمل حمداً للآلهة ولبوذا على البركات التي حلت في حياته. إننا، نحن الآسيويين، نشعر بأن العمل التزام مقدَّس.”[227]

3.فيما يتعلق بالتنظيم الإداري للتعليم وتمويله: تتفق المراحل التعليمية في اليابان على تنمية الشخصية اليابانية بحيث تصبح فاعلة ومبدعة ومنتجة، وهذا يشكل هاجساً إدارياً في اليابان. إن التنظيم الإداري التربوي لا يقتصر على التربية في المدارس؛ وإنما يتعدى ذلك إلى ربط الإدارة التربوية بإدرات الدولة، ومؤسسات المجتمع، وسوق العمل؛ مما يؤدي ذلك إلى التقسيم الإداري التربوي المتناسق، فيكون التعامل مع المعارف والمهارات والابتكارات حسب المراحل التعليمية، بحيث كل مرحلى تعليمية تستوعب حركية التنظيم التربوي-الإنمائي. ومثل هذا التنظيم المبكر بين الإدارة التربوية، والإدارة الإنمائية في المجتمع وسوق العمل أوجد نوعاً من التوازن الحكيم بين العرض التربوي، والطلب الإنمائي. مثل هذا التنظيم الإداري المزدوج قد أسهم في إيجاد حلول لمشاكل الإنفاق التي تعترض كثيراً من الدول؛ مما أدى ذلك إلى تنوع مصادر التمويل التي تأتي أغلبها من قوى السوق.

4.فيما يتعلق بالمنهج الدراسي: يعمل المنهج الدراسي في اليابان على الجمع بين الحداثة والتراث؛ إذ ظلت فكرة المنهج قائمة على أن تحديث اليابان هو امتحان للقيم التاريخية ولتراث الأسلاف. وفي إطار هذه المنافسة بين الجديد و القديم، تشكلت منطقة التعلم والتحصيل المعرفي والجهد والإبداع والابتكار، وداخل هذه المنطقة التي راهن عليها المنهج التربوي الياباني امتزجت قيم التحديث بقيم الأسلاف، لتكون هي الأخرى خير سلف لخير خلف. إن بناء المنهج من داخل المشروع الحضاري؛ حيث سيمثله مشروع إحياء نظام تربوي أصيل، يتطلب الآتي:[228]

أ.إن الانتقال من إشكالية “التراث والتجديد” إلى إشكالية “النقل-التقليد”-في مقابل “الإبداع”-يمثل، في جوهر الأمر الانتقال من مرحلة تبعية أمتنا إلى مرحلة التحرك من أجل التحرر والسيادة. وتحديد مكانة متميِّزة في قلب النظام العالمي المتميز.

ب.انطلاقاً من الأرضية نتساءل بادئ ذي بدء: ما هي مكانة أمتنا العربية من المقومات التاريخية والاجتماعية التي تحدد إمكان الإبداع على مستوى واسع وفعال؟

ثانياً-الدروس المستفادة من التربية اليابانية المركَّبة للمشروع

الإنسان الياباني قد لا ينفع إلا نفسه، نظراً لنسقه الثقافي واللغوي المغلق، إلى جانب عزلته وأنانيته؛ لكن مع ذلك يحترم غيره بطريقته الخاصة، وهذا الاحترام هو المحفِّز على الإفادة من جهوده. على عكس الإنسان الغربي الذي قد ينفع غيره؛ ولكن بحساب ومن غير احترام تسبَّبت فيه عقدة المستعمِر والمستعمَر. وهذا اللااحترام هو الذي جعل المسافة ما بين المفيد والمستفيد ضيقة، وغير منتجة، وغير فاعلة. مما أدى إلى فشل العالم العربي والإسلامي في استلهام تراث الغرب وإبداعه.

لا شك أن الشرق ما زال بخير، ولا يزال يتمتع بصحة إبداعية عالية. هذا لأن الشرق المعاصرة هو صنيعة تعليمه وجهده لا غير. وإذا كان التعليم ينمو فإن الجهد لا يشيخ ولا يُستنزَف. فليس عبثاً أن أُطلق الإصلاح على إعادة البناء في الغرب؛ بينما أُطلق الإحياء -أوساي فوكو- على إعادة البناء في اليابان بخاصة وفي الشرق بعامة، وذلك لأن الشرق مأخوذ بأسطورة الفنيق، ذلك الطائر الذي كلما شاخ ذهب بعيداً واحترق ليعود عبر رماده شاباً جديداً. فإذا كان الإصلاح الذي يشغل العالم لا يتم إلا في إطار غربي-هيجلي؛ فإن الإحياء مفهوم شرقي خالص يتبنى “مفهوم دورات الموت والبعث العريق في التقاليد الدينية الآسيوية.”[229]

إن الدرس المستفاد من التربية اليابانية المركَّبة يتجلى في ثلاثة مرتكزات، نراها -من الناحية العملية- تدفع بمشروع إحياء نظام تربوي أصيل إلى تفعيل أصالته، وتكوين شخصيات نابغة ومبدعة ومبتكرة، وهذه المرتكزات، هي:

1. نفعية التحصيل المعرفي: طريقة الشخصية اليابانية المتعلمة في التحصيل المعرفي شبيهة بطريقته وهو تلميذ؛ إذ يلخص المادة التعليمية في مذكرته بالشكل الذي يراه مناسباً لاستيعاب الدرس، وتمكينه من اجتياز الامتحان بجدارة. فيتخذ من ثلاثية المعرفة والعمل والنفع طريقة في التعامل التربوي اليومي. ومثل هذا الفعل الذكي قد انعكس على طريقته في نقل المعرفة والتكنولوجيا؛ فهو نفعي في حدود ما يخدم الدولة والمجتمع والسوق. ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يساوم الأسرى؛ ففداء الأسرى مشروط بتعليم المسلمين القراءة والكتابة. فالتحصيل المعرفي هنا هدفه نفعي، والحصول على ما ينفع المسلمين بقطع النظر عن عقيدة المعلم، وما ينفع المسلم سينفع المدينة ومجتمعها ودولتها وسوقها، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسس فكرة الديوان من الفرس، وهذا لأنه وجد فيه ما ينفعه في تنظيم الحالة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، وهناك حالات كُثر في التاريخ الإسلامي. نرى أن التحصيل المعرفي في مجتمع المسلمين فرضته المنفعة في أبعادها القيمية والأخلاقية والإنسانية، وظل حال المسلمين قائماً على هذا المبدأ النفعي؛ حتى زاحمته الفلسفة الأجنبية وتعددت مذاهبها وطرقها، فتحولت المنفعة المعرفية إلى ترف معرفي، ومن ثم كان السقوط التربوي للمسلمين مدوياً. فجاء ابن خلدون وتحدث في مقدمته عن العلوم النافعة وعدَّ الفلسفة وغيرها –كما عاينها في عصره- أن “ضررها في الدين كثير.”[230] وقد استشعر الشاطبي هذا الخطر فألَّف كتابه الموافقات. يقول: “كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعاً.”[231]

إذا كان لمشروع إحياء نظام تربوي أصيل أن يؤسس للتربية الأصيلة، فإنه يفترض منه الآتي:

أ.أن تكون مناهجه التربوية مختلفة تماماً عن المناهج المعاصرة، ولا سيما في المسائل النظرية والمعرفية، فمثل هذا التوجه التربوي الصارم أمكنه أن يتعامل مع التحصيل المعرفي الإنساني بمبدأ المنفعة الأخلاقية المسؤولة والمخلصة والأمينة.

ب.أن يتخذ -إلى جانب كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعاليم السلف الصالح- من مقدمة ابن خلدون والموافقات للشاطبي، منهجاً لتحديد ما ينفع من العلوم وما يضر؛ لأن المؤلفين عاشا لحظة السقوط التربوي في العالم الإسلامي؛ فلا شك وهما يبدعان في لحظة الإماتة والسقوط كانا يؤسسان لمرحلة الإحياء والنهضة.

ج.ربط مؤسسات مشروع إحياء نظام تربوي أصيل بحاجات المجتمع والسوق، بحيث تصبح هذه المؤسسات التربوية الأصيلة منتجة، والمجتمع يصبح مستهلكاً، والمعرفة المحصلة هي المادة المنتجة، والناشئة هم الموزِّعون. وهذا يتطلب وقتاً طويلاً، إلى جانب الاعتماد على الذات؛ إذ “يشير الدافع التحصيلي إلى الرغبة أو الطموح لدى الأفراد في إنجاز أو التحصيل، كالتحسين أو البروز في الإنجاز الأكاديمي، أو أي فعل علمي.”[232]

د.إدراج مادة “طرق التحصيل المعرفي الإنساني” في المناهج الدراسية، بحيث يتم اختيار المعارف الإنسانية المبدعة، ويقع هذا الاختيار على معرفة معينة، وتُدرَّس على مدار السنة أو السنوات، على أن يكون المنهج القرآني والنبوي والخلدوني والشاطبي بمثابة مصفاة للناشئة في طريقة التحصيل المعرفي والنافع والمسؤول والأمين والمبدع.

2.بذل الجهد: لقد بات الجهد في اليابان أسلوباً تربوياً وتعليمياً، شأنه شأن المعارف والعلوم. فالجهد في اليابان يُتعلَّم ليُتقَن، والمعرفة تُكتسَب لتُمارَس. ومن ثم فإن الجهد والمعرفة في حالة ممارسة دائبة، فهما توأمان تربويان. إن التنوير الذاتي والاعتماد على الذات قد أسهما في تحويل الجهد المبدع إلى معرفة مبدعة ومجتهدة. وهذا “الجهد التربوي المكثف قد أدخله المعلم الياباني في منهجه التدريسي.”  إذاً، التلميذ يتعلم الجهد من المعلم، قبل أن يمارسه في الوظيفة. فالتلميذ الياباني يحصل على شهادة عملية في تعليم الجهد إلى جانب الشهادة العلمية، وتالياً هو يواجه عالم الوظيفة بسلاحين حادين، هما: المعرفة والجهد. وهذان يشكلان سر نجاح انفتاح اليابان على الغرب ما بعد العزلة، وسر نهضة اليابان السريعة ما بعد الحرب العالمية الثانية. والدرس المستفاد هنا أن كل مشروع جديد يفترَض منه تكثيف الجهد، وإذا كان لمشروع إحياء نظام تربوي أصيل أن يؤسس مدارس أو كليات أو معاهد أو جامعات أو مراكز بحث؛ فإن بذل الجهد ينبغي أن يكون على المنهج التربوي والمواد التعليمية التطبيقية، ويكون تعليم الجهد لدى الناشئة، في مشروع إحياء نظام تربوي، عن طريق الآتي:

أ.توافر ثقافة الجهد هي الشرط الأول في التعاقد مع المربين.

ب.التركيز على التربية المهنية في سن مبكرة.

ج.حصص مكثفة في التدريب الثقافي شبيهة بحصص التربية البدنية.

د.ربط النشاطات المهنية للناشئة بالسوق ومؤسسات المجتمع.

ه.بناء مؤسسات صغرى داخل الحرم التربوي جنباً إلى جنب مع المساجد؛ حتى يتربى النشء على العبادة والعمل معاً.

و.توزيع أدوار عملية بين الناشئة، تتمثل في: التنظيف، والتنظيم، والطهي، والتدريب، والتدريس المصغَّر، والخطابة، وإلقاء المحاضرات، وإجراء الندوات، والآذان، والإمامة.

ز.تقديم جوائز في إتقان العمل تُمنح في حفل بهيج، يبقى راسخاً في ذهن الناشئة، وتحضره شخصيات علمية وعملية في الدولة والمجتمع والسوق.

3.التركيب والبناء: يعجز الياباني عن الإبداع في غياب التركيب؛ ولعل النزعة الاجتماعية اليابانية قد اهتدت إلى هذا التركيب؛ لأن الشخصية اليابانية شخصية مركَّبة دينياً؛ إذ تتخذ من الأقطاب الثلاثة -الإمبراطور، والأرض، والأسلاف- طريقاً للإنتاج والإبداع والابتكار. لا تستطيع الشخصية اليابانية أن تركز على قطب دون غيره، ولا تستطيع أن تخدم أحداً على حساب الآخر، وإذا كانت قد تعلمت من الأرض اليابانية الضيقة بذل الجهد، وتعلمت من الأسلاف طريقة التحصيل المعرفي الذي لا يسيء لتراث الأسلاف؛ فإنها ترى في الإمبراطور العناية الإلهية التي تبارك هذا الجهد وهذا التحصيل المعرفي. فالتركيب في اليابان يستهدف إرضاء الإمبراطور وتحقيق المزيد من العناية الإلهية، ومن ثم فإن العناية الإمبراطورية هي التي تحوِّل هذا التركيب إلى بناء لا يسيء للأقطاب الثلاثة. فالإمبراطور هو رمز الماضي الحي؛ والماضي يعيش في الحاضر والمستقبل. يقول فوكوزاوا: “الحاضر، في نهاية المطاف، هو نتيجة الماضي.”[233]

لعل مشروع إحياء نظام تربوي أصيل قد لا يجد من المفكرين من تحدث عن التركيب والبناء بطريقة حضارية، مثل مالك بن نبي، الذي عدَّ الفكرة الدينية، هي التي تجعل سلوك الإنسان “قابلاً لإنجاز رسالة محضرة.” [234] آمن مالك بن نبي بأن الرسالة الحضارية لكي تحقق غايتها تتطلب عملاً مركَّباً من الإنسان والتراب والوقت، واعتقدَ جازماً أن للفكرة الدينية أثراً في تكوين الحضارة، وعدَّ بذل الجهد هو الطريق الأفضل لصناعة النخب. يقول: “يجب أولاً أن نصنع رجالاً يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى.”[235] والذي “يستخدم” ينبغي أن يبذل جهداً. ويرى مالك أنه إلى جانب الثقافة ورأس المال؛ فإن “العمل وحده هو الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي.”[236] ومن ثمَّ عدَّ مالك أن الإنسان هو الشرط الحضاري الأول؛ لأن الجهد ليس طبيعة ترابية أو زمنية وإنما هو طبيعة بشرية؛ ولكن التراب هو أول من يستفيد من هذا الجهد. ولو أردنا أن نختصر معادلة مالك لقلنا أن الحضارة هي الإنسان الذي يحسن التركيب بين جهده وتحصيله المعرفي، بين ترابه ووقته. فالجهد لا يمكن قياسه إلا بمعرفة حاضر التراب ومستقبله، والتحصيل المعرفي لا يمكن قياسه إلا بمعرفة الوقت الذي استُغرِق في تحويل التحصيل المعرفي إلى إبداع وابتكار. فكلما كان الوقت ممتداً والإبداع منعدماً، فهذا لا يعد تحصيلاً معرفياً؛ بل لا يعدو ترفاً معرفياً؛ أما الفكرة الدينية فدورها تنظيم هذا الإبداع الدنيوي واستثماره أخروياً، كما تكون الفكرة الدينية بمثابة المراقب المسؤول والأمين والمخلص في تحقيق الهدف، وفي عدم تحول التحصيل المعرفي إلى ترف معرفي.

إن توأمة مشروع إحياء نظام تربوي أصيل بالمشروع الحضاري المركَّب لمالك بن نبي، يعد عملاً غير مسبوق في العالم الإسلامي، لاسيما وأن “المشروع الحضاري لمالك بن نبي يدرَّس في جامعة تل أبيب.”[237] لحاجة في نفس يعقوب. وذلك نظراً لما يطرحه مالك من أفكار علمية تتوافق تماماً مع عقلية القرن الواحد والعشرين، التي تتأفف من الكتابات الوعظية والخطابات النارية.

نقترح أن يسلك مشروع إحياء نظام تربوي أصيل الخطوات الآتية:

أ.إنشاء كلية، أو ما شابه ذلك، مختصة بتدريس المشروع الحضاري عند مالك بن نبي، يستهدف تكوين قيادات حضارية.

ب. إدخال مناهج تعليمية للناشئة والكبار تعلِّم طريقة التفكير النقدي، والتعامل مع الفاعلية والأصالة من خلال كتاب “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” و”الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”؛ وطريقة التركيب عبْر الفكرة الدينية من خلال كتاب “شروط النهضة” و”مشكلة الثقافة”؛ وبناء المشروعات الحضارية من خلال كتاب “ميلاد مجتمع” و”حديث في البناء الجديد” و”القضايا الكبرى”؛ وبناء الشخصية المسلمة من خلال كتاب “مذكرات شاهد للقرن” و”دور المسلم ورسالته”؛ والاعتماد على الذات من خلال كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد.” ويمكن الاستعانة في تدريس مؤلفات مالك بشروحات “جودت سعيد.”

ج. منح جائزة مالك بن نبي في البحوث التي تثير أسئلة حضارية عميقة، أو تجيب عن أسئلة حضارية قديمة، أو تضع حلولاً حضارية مناسبة.

ثالثاً-المعايير التربوية الأصيلة لتقويم الدروس المستفادة من التربية اليابانية المركَّبة

أهم هذه المعايير، ما يأتي:

1.إعادة موازنة التعليم: يجب إعادة موازنة التعليم بحيث تنسجم مع تحقيق المبادئ الثلاثة الآتية:[238]

أ.موازنة المناهج الدراسية.

ب.موازنة تدريس هذه المناهج.

ج.التوازن بين التعليم والعالم الأوسع.

2.القيم أولاً والعقل ثانياً: إن الذي يجمع بين التربية اليابانية المركَّبة ومشروع إحياء نظام تربوي أصيل هو القيم. فالتربية اليابانية المركَّبة تفقد مزاياها إذا انحرف منهجها عن تراث الأسلاف؛ بينما المشروع التربوي في العالم العربي والإسلامي فقد مزاياه يوم أن قال الإمام مالك رحمه الله: “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. ويقصد القرآن الكريم والسنة النبوية وحكمة الصحابة. فاليابان نادت بهذه المقولة: “الروح يابانية والمهارة غربية”، وذلك لما اضطرت اليابان إلى الانفتاح على الغرب في منتصف القرن التاسع عشر، وبعد ما وقعت في الاحتلال في منتصف القرن العشرين. إن الرجوع إلى الماضي، بالنسبة لليابان، لم يكن عيباً، ولو كان لأمريكا تاريخ وماضٍ لنادت هي الأخرى بالعودة إلى الماضي. الماضي هو الدين في صفائه والقيم في نقائها. إن العودة إلى الماضي ليست عودة إلى العقل وإنما إلى القيم المتقدمة التي أزَّمها هذا العقل الذي مكانه الطبيعي في الحاضر والمستقبل. فمشكلتنا التربوية ليست عقلية؛ حتى نستنجد بعقل التراث، فذلك زمانه وقد ولى؛ فالتراث مات عقله وبقي قلبه ينبض. إن مشكلتنا التربوية مع القيم المعاصرة التي لا توجد حلول لها، لا من منتجها ولا من مستهلكها؛ وهل ننتظر مع المنتظرين حتى نهلك جميعاً؟ والحل هو الاستنجاد التربوي بقيم القرآن والسنة والتراث النابض، فزمانهم لم يول بعد، فلا زال نهره يتدفق.

ليس العقل هو المسؤول عن تكنولوجيا اليابان وتفوقها. فالعقل في المفهوم الياباني دوره طبيعي جداً، فهو ينبغي أن يشتغل لأنه ملك لإنسان طموحه أكير من عقله؛ وإنما القيم هي التي حرَّضت العقل على الإنتاج والإبداع والابتكار. فبدون قيم تختزن أهدافها وغاياتها، لا يمكن للعقل أن يهتدي للمناسب والملائم من الإبداع والإضافة؛ فالشخصية اليابانية شخصية عارفة وعالمة وواعية بقيمها وتاريخها وتراث أسلافها. ومن ثم إذا كان العقل هو الذي يهندس مشروع إحياء نظام تربوي أصيل؛ فإن القيم هي التي تكشف لهذا العقل عن الطريق التي في ظلها يستمر هذا المشروع وينجح.

3.لا استمرار للقيم في غياب دولة إنمائية تنتصر للقيم: إذا كانت القيم هي الروح فإن الدولة هي المادة. نلفي في اليابان أن المعضلة التربوية ليست معضلة فكرية وثقافية؛ لأن مشروع إحياء نظام تريوي أصيل إذا عدَّ أن المعضلة التربوية تكمن هنا، فسيصطدم مع القرآن والسنة والتراث الأصيل في ظل العولمة التربوية. فلا جدوى من رؤية المشكلة من هذه الزاوية. فهي زاوية نجح الغرب في معالجتها؛ لأنه كان يعاني من مشاكل الدين ورجالاته وموروث القرون الوسطى. فعلى مشروع إحياء نظام تربوي أصيل أن يحذر من اقتفاء أثر الغرب في هذا المجال، ولو كانت نيته حسنة. اليابان لم تعالج مشاكلها التربوية في التاريخ والدين وتراث الأسلاف، بل جعلت هذه الثلاثية طرفاً شريكاً وفاعلاً في عملية الإحياء التربوي. إن معضلتنا التربوية معضلة مادية وليست روحية، والمادة ليست الأشياء وحسب، بل المادة هي التي تمتلك المقدرة على تحويل الأشخاص والأفكار إلى أشياء. إن معضلتنا التربوية مع مادة الدولة. فالدولة عندما تفقد معايير العدل والاستخلاف والمسؤولية والإنماء تتحول إلى مادة تابعة. فالدين والقيم في اليابان ما كان لهما أن ينجحا تربوياً لولا أن الدولة قد تبنتهما في مشروعها الإحيائي. ولهذا نرى ضرورة أن يبدأ مشروع إحياء نظام تربوي أصيل من القمة-الدولة؛ وإلا يكون مصيره أن يعمل في صمت من غير إبداع. فصوت الدولة خطوة أولى أمام استمرار مشروع إحياء نظام تربوي أصيل؛ فأطول الأسفار تبدأ بالخطوة الأولى كما يقول المثل الصيني. لقد ترعرعت القيم التربوية اليابانية في أحضان دولة مستبدة؛ ولكنها دولة إنمائية؛ أما إذا كانت الدولة مستبدة وغير إنمائية، فلا ينفع معها الإحياء التربوي، فذلك عدوها.

4.حسن اختيار القيم التربوية التي لا تصطدم مع إيديولوجية الدولة: لقد اختارت اليابان القيم الكونفوشية التي تدعو إلى التعلم، والعمل، والاحترام، والطاعة، والولاء، والإخلاص، والمسؤولية، والعدالة، والأمانة، والثقة؛ فكانت غاية التربية في اليابان تكوين شخصية نابغة ومبدعة، ووفية للإمبراطور والأرض وتراث الأسلاف. فالدولة في شخص الإمبراطور استفادت من هذه القيم لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ففلسفة التربية في اليابان كانت عملية، وكل ما هو عملي لا يصطدم في أغلبه مع ثوابت الدولة الإنمائية. وعليه فإن القيم التي يُفترَض من مشروع إحياء نظام تربوي أصيل تبنيها لتكوين شخصية مسلمة مبدعة ومنتجة والفوز بثقة الدولة، هي: النفع، والمساواة، والخير، والتأني، والإقبال، والإنفاق، والتفاهم، والعلم، والنجاح، والعدالة، والرضا، والاطمئنان، والحكمة، والمسؤولية؛ وكل ذلك من أجل القضاء على المؤشرات السلبية المفككة للمشروعات التربوية، والتي عبرت عنها آيات قرآنية: الضعف (النساء: الآية 28)، والضرّ (يونس: 12)، والظلم (إبراهيم:34)، والشرّ (الإسراء:11)، والعجلة (الإسراء: 11)، والإعراض (الإسراء: 83)، والقتور (الإسراء: 100)، والجدل (الكهف: 54)، والجهل (الأحزاب: 72)، والطغيان (العلق:6)، والكنود (العاديات:6)، والخسر (العصر:2)، والهلع (المعارج:19)، والفجور (القيامة: 5)، والغرور (الانفطار: 6)[239].

5.التخطيط لبناء شخصية مبدعة بالتغيير: لقد انشغلت التربية اليابانية المركَّبة ببناء شخصية مبدعة، نتيجة التحصيل المعرفي وبذل الجهد؛ حيث أصبحت هذه الشخصية المبدعة عوناً للدولة والمجتمع والسوق. ومن ثم أضحت التربية اليابانية بقيمها وتاريخها وتراث أسلافها شريكاً حيوياً في مؤسسات المجتمع لا يمكن الاستغناء عن دورها. كيف وصلت إلى هذا الدور؟ هذا ما يفترض من مشروع إحياء نظام تربوي أصيل الإجابة عنه. إنه الجهد لا غير. إن وجود الرسل في أقوام لا يغيِّر شيئاً، فالتغيير والإصلاح لا علاقة له لكونه رسولاً مبعوثاً من الله؛ وإنما الجهد هو الذي يغير، والرسول قدوة. ولنا عبرة في قصة يونس عليه السلام، فالجهد يتطلب الصبر من أجل الاستمرار والبقاء. فالشخصية اليابانية تختلف عن غيرها في العالم، لكونها عالمة وفاعلة في آن؛ ولكن غيرها لا تعمل إلا عندما تلج عالم الوظيفة، وغالباً ما تفشل أو يظل المشروع الذي تنتسب إليه يرواح مكانه. فالتعلم المقرون بالعمل هو الذي دفع باليابان إلى القمة في فترة قصيرة؛ إنه سحر الجهد التربوي الذي أفرز شخصية يابانية ساحرة. وما على مشروع إحياء نظام تربوي أصيل إلا أن يستمر في هذا الطريق ويتخذه معياراً لتأصيل عمله، وبناء شخصية مسلمة مبدعة عجزت المراحل التاريخية عن إنجابها؛ لأنه غاب عنها تأصيل الشخصية بالجهد وقتذاك، وإن لم يكن كذلك فقد عجزت عن الاستمرار في بذل الجهد. فالشخصية المبدعة لا تتكون بالقيم وحسب؛ وإنما بتكثيف الجهد. ويقاس الجهد بإبداع قيم جديدة؛ لأن التغيير هو تغيير حضاري، ووظيفة حضارية تنضوي تحت لوائها كل الفئات من سلطة ونخبة وعامة. والخروج عن هذا التقليد الحضاري، هو خروج على النصِّ القرآني؛ خروج عن معنى “القوم” حيث لا يستوي المبنى؛ إلاَّ إذا اشتمل على الدعائم والركائز معاً. من يُنتِج عليه أن يغيِّر عقل السلطة وهو يتوجَّه إليه بالنقد، كما يغيِّر ذات العامَّة وهو يرتقي بها إلى مستوى هذا النقد؛ حتى ينتقل من مساحة التنظير إلى فسحة التطبيق. لا ننكر أن النخبة حاولت أن تغيِّر؛ ولكن بمهادنتها للسلطة اتَّجهت بمسار التغيير نحو الأسوأ؛ وكذلك العامَّة مارست التغيير؛ ولكن في ظلِّ ضيق أفقها سلك هذا التغيير اتجاه الشدَّة والإساءة. وكما أشرنا إلى أن التغيير حقيقة ثابتة للتغيير؛ فإن التغيير بوصفه حقيقة، قد سلك اتجاهين :

-الأحسن فتكون نتائجه حسنة تظهر في التنمية والنهضة والسيادة؛ حيث ينطبق عليه الشطر الأوَّل من الآية الكريمة:  ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).                      

-الأسوء  فتكون  نتائجه سيِّئة تظهر في التخلف والهوان والتبعية؛ حيث ينطبق عليه الشطر الثاني من الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (الرعد: 11). فحسب المفهوم من الآية أنّهم غيَّروا ما بأنفسهم إلى أسوأ فأراد بهم الله السوء.[240]

إن التغيير ما بالنفس نقدٌ جريء ومساءلة ووعي. والتعبير عمَّا بالنفس إبداعٌ مضلِّل ومهادن ومزيَّف؛ فالمسيرة التاريخية -في غياب التغيير-  بدت زاخرة بخيبات الأمل، والتغيير المسؤول يجعل الحاضر والمستقبل مليئاً بالخيارات الجميلة. إذاً، مقياس التغيير في تقديرنا تحكمه هذه الشروط:

أ.نقد عقل السلطة من قِبل النخبة بالشكل المناسب والمسؤول والجريء.

ب.الارتفاع بعقل العامَّة إلى مستوى هذا النقد.

ج. استمرارية التغيير إلى جانب المراجعة النقدية.

إن الإبداعات والإنتاجات والإضافات التي تشذُّ عن هذا المقياس، ستلج تاريخياً باب من يحسب أنه يحسن صنعاً، أو يعبِّر عمَّا بنفسه من خلجات وحاجات، لا تضرُّ ولا تنفع؛ بل نراها تؤخِّر ولا تدفع. 

6.المشاركة الشعبية في التربية والتعليم والإبداع: لقد جاء التغيير ناجحاً في اليابان؛ لأنه امتدَّ إلى قطاع واسع من الشعب من غير تمييز، شاركت فيه السلطة والنخبة والعامة، وأفرزت هذه المشاركة العريضة فهماً موحَّداً في القيم التربوية. فلم تقف السلطة عائقاً في وجه توظيف النخبة المتعلمة؛ لأن السلطة تعلمت هي الأخرى جنباً إلى جنب مع النخبة ولا مجال للخوف منها؛ كما أن النخبة لم تحتقر العامة المتعلمة؛ بل ظلت محط اهتماماتها في خطاباتها وإبداعاتها، فاستفادت النخبة من العامة أنها كسبت قرَّاء ونقاداً، كما استفادت العامة من النخبة أنها نمَّت معرفتها فنضج وعيها. ومن ثمَّ فإن مشروع إحياء نظام تربوي أصيل يفترَض منه مخاطبة النخبة وأبناء السلطة جنباً إلى جنب مع أبناء العامة، ويكون ذلك بالتسويق التربوي، وتكثيف الجهد لإيصال الرسالة التربوية الأصيلة إلى قطاع واسع من الشعب. وأول ما “يتجلى التعاون الإبداعي بصورة بينة عندما يعمل أصحاب مهن وقدرات مختلفة معاً. وقد أدى هذا التعاون، المرة تلو المرة، إلى التوصل إلى حلول ناجحة للمشاكل، وطرق ثورية لرؤية ومعالجة صراعاتنا اليومية، في الفنون والعلوم على حد سواء. إن الإبداع صفة أساسية يجب تنميتها في كل الناس، وليس في الفنانين والعلماء وحدهم. فحرية التعلم، والخلق، والمغامرة، والإخفاق، والتساؤل، والنضال، والنمو، هي الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه الولايات المتحدة الأمريكية. ونشر الإبداع بين كل الناس، من كل المواقع والفئات الاقتصادية والأصول العرقية، ضروري للمصلحة العامة.”[241]

إن اختزال مشروع إحياء نظام تريوي أصيل في قطاع شعبي معيَّن سينتقص من أطراف المشروع ولا يحقق غاياته وأهدافه، وهو الإحياء؛ فالإحياء مسؤولية الجميع، والتركيب الشعبي -السلطة، والنخبة، والعامة- ضروري؛ لأن يرسم مستقبل المشروعات التربوية المركَّبة، لاسيما في ظل العولمة، وتربُّص الذئاب العالمية. فعن أبي عبد السلام ، عن ثوبان ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها “، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: ” بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن”، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن ؟ قال: “حب الدنيا، وكراهية الموت.”[242] وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قرية دون حمص قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ما من ثلاثة نفر في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.”[243]

7.مركزية المتعلم في المنظومة التربوية المركَّبة: لقد ظل المعلم الياباني يشكل قيمة في المجتمع والسوق، وقيمته قيمتان: روحية تتمثل في دوره التربوي العظيم، وقيمة مادية تتمثل في راتبه الكبير، وعلى الرغم من هذه القيمة التي تشجع المعلم على التفاني في عمله والإسهام الأكبر في المشروعات التربوية؛ فإن المتعلم احتفظ بذاته ورفض أن يكون موضوعاً للمعلم يشكِّله كيف شاء. فالطبيعة العملية للأسرة والمجتمع والسوق هي التي غرست مبكراً قيمة الجهد في الطفل، وهو يقلِّد ويلاحظ ويمارس ذلك مع ألعابه. وما إن يقف بين يدي المعلم؛ حتى يتفتق جهده ذكاءً. فالطفل ابن بيئته، ويعود الفضل في ذلك إلى الأسرة ورياض الأطفال. يتعلم الطفل من الأسرة أساليب التوفيق بين العلم والعمل. ولهذا فإن المعلم الياباني يستكشف قدرات التلميذ مبكراً، فيعمل على تطويرها وتنميتها وإعدادها للمهنة التي تتناسب مع عطاءاتها، ولهذا فإن التربية المهنية تدرَّس مبكِّراً، ويبدأ التحضير للتخصص في المدرسة الإعدادية مبكِّراً أيضاً. ومن ثم فإن كل تلميذ يلتحق بالمهنة التي تتناسب مع قدراته؛ مما أدى ذلك إلى التوازن بين العرض التربوي والطلب الوظيفي. لقد أسهم الجهد المبكِّر الذي اكتسبه الطفل من الأسرة ورياض الأطفال في التنمية السريعة للمعرفة التي اكتسبها لاحقاً. وبناءً على ذلك فإنه يفترض من مشروع إحياء نظام تربوي أصيل إنشاء علاقة مبكِّرة مع الأسر ورياض الأطفال، ويكون ذلك بالترويج للقيم الأصيلة وتسويقها على شريحة كبرى من العائلات، تتخذ طابع الإحصاء والتشخيص والمعاينة، ومن ثم تأهيل الطفل للالتحاق بمدارس مشروع إحياء نظام تربوي أصيل. فتكون الأسرة بمثابة المرحلة التمهيدية. وقد لا يكون أمام مشروع إحياء نظام تربوي أصيل إلا إنشاء رياض الأطفال، بحيث يعمل على تكوين شخصية مسلمة واعية بنفسها في وقت مبكٍّر. فمستقبل المشروع مرتبط بمؤسسات رياض الأطفال، وليس بالأطفال وحسب.               

رابعاً-شروط نجاح النظام التربوي الأصيل المنشود في ضوء المعايير التربوية الأصيلة

تتمثل الشروط في الآتي:

1.تكثيف الجهد الجماعي وتشجيع المبادرات الفردية.

2.التنسيق بين السلطة والنخبة والعامة بهدف التأصيل الجماعي.

3.استثمار جهود أعضاء فريق مشروع إحياء نظام تربوي أصيل في الحاضر والمستقبل.

4.بناء مشروعات تربوية غير ربحية.

5.الاستمرار في الإنجاز والتغيير.

6.الإخلاص وتحمل المسؤولية.

7.الإيمان والثقة بالله تعالى.

8.الصبر والثقة بالنفس.

خامساً-أبعاد التطبيق وإمكاناته المستقبلية.

1.النية: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.”[244] فالنية هي المسؤولة عن نجاح المشروع من عدمه، والمسؤول هو الإنسان وليس المشروع. ويخطئ من يقول أن المشروع مسؤول عن عمل أشياء وتحنب أشياء أخرى؛ بل الإنسان. فكثيراً ما ينجح مشروع ما في بلد ما، ويفشل في بلد آخر؛ ولكن في الحقيقة ليس المشروع هو من فشل ومن نجح؛ وإنما الإنسان هو من أنجز ومن أخفق. ولهذا يعد كانت Kant أن “النية حامل التخلق، وإنها هي الحامل الوحيد الذي يمكن تصوره. وعنده أن النية تختلف عن المشروع. لأن النية استعداد باطني لدى الفاعل. أما المشروع فإنه فكرة طراز تحقق هذا الاستعداد. فعلى ذلك تكون النية، لا المشروع، حامل القيمة الأخلاقية، وأن القيمة هي التي يمكن أن تكون صالحة أو طالحة.”[245]

2.الإرادة: هناك مثل فرنسي يقول: “إذا أردتَ تستطيع”؛ أي تخلق من أشياء صغرى بالإرادة أشياء كبرى بالاستطاعة. فالإرادة هي ترجمة لفعل النية، والإرادة لا تتحول إلى فعل إلا إذا كانت النية تشكل فعلاً هي الأخرى. فالإرادة ليست أن يتمنى المرء ويرجو؛ وإنما هي حرية واقتدار، فعل ومشاركة. فالإرادة هي نتيجة عن استعداد صحيح للحياة، وهي ترجمة لما تربَّت عليه الشخصية في طفولتها. فالإرادة تربية هي الأخرى. والشخصية التي تفتقد إلى فعل الإرادة تفتقد إلى فعل التربية. والتربية التي تفتقر إلى المعاش والأخلاق لا تعرف ماذا تريد وكيف تريد. والشخصية التي تنقصها المفاوضة والمشاركة ستخطئ الطريق لما تريد؛ إذ تعوزها النية التي هي وليدة المشاركة، طبقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة من شذ شذ إلى النار.”[246] ولكي تكون الإرادة فاعلة نرى أنه من الضروري أن تمعن النظر في هذه المراحل السبع: “الوضع الراهن الذي سيرصع به عمل المرء، وموضوع هذا العمل؛ المضمون الذي يجب تحقيقه، أي نتاج العمل؛ أثر العمل في الواقع؛ إرادة هذا المضمون، بدرجاتها المختلفة التي تقود من النية إلى التنفيذ عبر المشروع، والمذاكرة والتصور السابق؛ إرادة الفعل، أي جملة الفاعليات الهادفة إلى تحريك الجسد؛ الاحساسات والعواطف التي تصحب هذه الفاعليات؛ التحقيق بالمعنى الصحيح، أي التنفيذ؛ أحوال الشعور الناجمة عن ذلك.”[247]

3.العمل: يأتي العمل ليجعل النية والإرادة في المحك، ومن ثم فإن العمل يكون بحسب الغاية التي يتوخاها مشروع إحياء نظام تربوي أصيل. فالتركيز على هذه الغايات الساميات، هو الذي يجعل العمل مثمراً ويحقق أهدافه. يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105). فالغاية هي إرضاء الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرى العمل ويباركه. لا نرضي الله إلا بعمل مسبوق بنية حسنة، وإرادة محسنة. وعلى هذا فإن “النية الحقيقة التي يمكن أن تولِّد هذا التداخل بين الأفعال هي النية التي تتحول إلى عمل. والتي تتبدل من حال النية-المنتجة إلى حال النتاج.”[248]

4.بذل الجهد: يتكاثف فعل العمل بفعل الجهد. فالجهد إبداع عضلي. الذي لا يبدع مادياً وفيزيقياً لا يستطيع أن يبدع روحياً وفنياً. وفي غياب الجهد يصبح العمل مشدوداً إلى حاضره وغير متطلع إلى مستقبله، ومن ثم فإن الجهد هو الذي يجعل العمل يتعرَّف على مستقبله ويتفحص ملامحه بالجهد. إن مستقبل مشروع ما ليس نتيجة عمله، فالكل يعمل؛ ولكن مستقبله في جهده. فالجهد لا يمكن قياسه إلا إذا أصبح للمشروع مستقبل. وعليه فإن مشروع إحياء نظام تربوي أصيل مستقبله قائم على الجهد، مثلما قام مستقبل المشروع التربوي مع الرعيل الأول من المسلمين؛ ولعل ما وصل إليه حال المسلمين من تردٍّ تربوي يرجع إلى غياب الجهد، وليس العمل فحسب. يقول الله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61).

5.الإبداع: لا يأتي الإبداع إلا من الجهد. فالجهد هو طريق مشروع إحياء نظام تربوي أصيل نحو الإبداع؛ لأن الإبداع لا يأتي من فراغ. فالأمم المتردية تعمل، فهل أبدعت؟ الأمم التي تجتهد في مشروعاتها الإنمائية والتربوية هي التي تبدع. فمثلاً الدراسة عمل، ولكن وحدها غير كافية للإبداع، فجاءت الامتحانات لتنقل الدراسة بوصفها عملاً إلى جهد، ومن يبذل جهداً أكثر ينجح في الامتحانات، فيصبح النجاح في الامتحانات إبداع؛ لأنه جاء نتيجة الإجابة عن أسئلة صعبة وذكية. ومن ثم فإن الإبداع هو الذي يتولَّد من المحاولة وبذل الجهد. هذا لأن “البيئات الإبداعية تتيح للناس الوقت للمحاولة، والفشل، والمحاولة مرة أخرى، والاكتشاف، واللعب، والاتصال وسط عناصر بادية التباين. هذا التجريب أو البحث قد لا يؤدي إلى إنتاج فني أو تطبيقي علمي قبل عدة سنوات، تماماً كما تخرج الأفكار والمنتجات الأصيلة من فترة أولية على التجريب أو التسكع. ويبدو هذا أحياناً بلا هدف، لكنه في جوهره عملية إبداعية.”[249]

6.الاستمرار في الجهد والإبداع: قال الله تعالى ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: 30)، و﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170). إن الذي لا يستمر في جهده وإبداعه، وهو مسلم، فلا شك أن توقف نتيجة قنوطه من رحمة الله تعالى، أو يأسه من عمله وإصلاحه؛ بينما الله يعده بأن عمله وجهده وإبداعه، مهما كان مقداره، هو مأجور عليه، ويزداد أجره كلما استمر فيه. فلو يأخذ المسؤولون عن مشروع إحياء نظام تربوي أصيل بهذا المنطق الاستمراري فسيتضاعف أجرهم؛ مما سيشجعهم على الاستمرار في عملهم وجهدهم وإبداعهم. فلا شك أن مستقبل المشروع يتوقف على مسألة الاستمرار في الجهد والإبداع؛ لأن ذلك هو من يغيِّر وجهة النية والإرادة في اتجاه الهدم أو البناء. الشخصية المتعلِّمة المطلوبة في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل، والتي من المفترض أن تحمل لواء الاستمرار، هي التي لا تقتصر في تعلمها على النظري من المعرفة، بل “لابد من تعليم الطالب تعليماً مهنياً عملياً حسب ميوله ومواهبه مع ضرورة تعريف الطالب بطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يلم بمشكلاته وآماله وآلامه، وأن ندربه على تحمل المسؤولية والقيادة الإيجابية والأخذ والعطاء.”[250]

خلاصة

ما نستخلصه من التربية اليابانية المركَّبة أن القيم الأخلاقية والإنسانية هي التي تصنع للشخصية المتعلِّمة قالبها. فالقيم الجماعية تدفع بهذه الشخصية إلى مزيد من بذل الجهد، الذي يعدُّ خصيصة فريدة من خصائص التراث الكونفوشي؛ أما القيم الفردية التي تنتصر للتحصيل المعرفي، فترى في القيم الجماعية أفضل حليف -وليس منافس- لتحويل هذا التحصيل المعرفي الفردي إلى إبداع عبْر الجهد الجماعي؛ لأن التفكير الجمعي لدى الشخصية الفردية هو الذي يجعل إبداعها يتناغم مع حاجات المجتمع، وعليه فإن المجتمع في شخصيته المتعلِّمة الدينامية يحوِّل هذا الإبداع الفردي المحلي إلى إبداع جماعي عالمي.

هذا التناغم بين الفرد والجماعة في اليابان يتَّجه نحو التماس المزيد من بركات بوذا والأسلاف والإمبراطور، ولهذا فإن التربية اليابانية المركَّبة من الجهد والمعرفة تتميَّز بسمات أصيلة وفاعلة. وتكمن أصالتها في أنها تربية تراثية تنهل من منابع بوذا الزاهد وكونفوشيوس الحكيم؛ أما فاعليتها فتكمن في أن هذه التربية هي تربية رسمية. ولهذا عندما يصطبغ التراث التربوي بالصبغة الرسمية، يتودَّد إليه المجتمع والمؤسسات وقوى السوق؛ وهذه قمَّة الفاعلية. فالتربية اليابانية المركَّبة تمتح فاعليتها من رسمية التراث التربوي الأصيل.

تتمثَّل الإضافة النوعية لهذا البحث في أن القيم البوذية والكونفوشية في التربية اليابانية المركَّبة، ليست قيماً دينية خالصة، وأن التربية اليابانية ليست تربية وثنية تتعارص مع أصالة الإسلام ووحدانيته، بدليل أن الشخصية اليابانية المتعلِّمة هي شخصية علمانية تفصل بين الدين والعلم؛ ولكن تصل العلم بالعمل. فالشخصية اليابانية المتعلِّمة شخصية عملية وليست دينية؛ وكل ما هو عملي فهو أخلاقي وإنساني. فلا عجب، إذا ألفينا هذه القيم التربوية اليابانية العملية والأخلاقية والإنسانية تلتقي في كثير مع مبادء الإسلام وتعالميه، لا سيما في مجال المعاملات؛ إذ التربية معاملة أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون ديناً؛ وماذا ينفع إذا حضر الدين وغابت المعاملة؟ جاء في الأثر: “الدين المعاملة.” ولفهم هذه الحكمة الإسلامية فهماً عملياً يتطلب الغوص عميقاً في التراث التربوي الكونفوشي، فلا نلفيه يتعارض عملياً وأخلاقياً وإنسانياً مع الدين المعاملة.

قد لا نلفي المعاملة الحسنة إلا في الدين الإسلامي، وعليه لا يستحسن بمشروع إحياء نظام تربوي أصيل أن يتعامل مع الكنفوشية على أنها دين؛ بل يعدُّها فلسفة أخلاقية وعقلية وإنسانية. من هذا المنطلق يتم تنزيل خصائص التربية اليابانية المركَّبة على أرض الواقع الإسلامي. ويتحقَّق هذا التنزيل في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل عبْر آليات علمية وعملية، وهو أن يكون القائم بهذا التنزيل على علم بحقيقة السنن الإلهية والسنن الكونية في قيام المشروعات التربوية وانهيارها. فالتربية اليابانية أتت فاعلة لأنها أخذت بالسنن الكونية، ومن يأخذ بهذه السنن حري به أن يحتل موقعاً محترماً في مشروع إحياء نظام تربوي أصيل.

لا شكَّ أن الخصائص الأصيلة للتربية اليابانية المركَّبة ستسهم في تحقيق غايات المشروع وأهدافه؛ لأنها خصائص تستمد فاعليتها من استراتيجة “بذل الجهد”، وأعتقد أن مشروع إحياء نظام تربوي أصيل لن يجد صعوبة في تنزيل هذه الاستراتيجية؛ لأنها ليست علمية بل عملية؛ فما أصعب أنْ نعمل أو نبذل جهداً؟ يتطلب هذا التنزيل استراتيجية إحيائية طويلة المدى، وتالياً فإن اقتطاف ثمرة الخصائص الأصيلة للتربية اليابانية المركَّبة ليس آنياً بل طويل المدى؛ ولكن أطول الأسفار تبدأ بالخطوة الأولى.

إن الذي يجمع بين التربية اليابانية المركَّبة وإحياء نظام تربوي أصيل، هو الاتفاق على أن القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، تشكِّل البنية الأصيلة والفاعلة في كل مشروع تربوي يبغي تحقيق المزيد من الإنجازات، وأن التراث الأصيل هو الطريق المفضَّل لكل إحياء نظام تربوي أصيل؛ لأن الإبداع التربوي المعاصر لا يستطيع أن يغوص عميقاً إذا لم يكن محيط الترث أكثر عمقاً. فإثراء العصر من ثراء التراث. وهذا ما يدفع بمشروع إحياء نظام تربوي أصيل إلى الاطمئنان على حاضره ومستقبله؛ ولكن التراث الأصيل لا يُستنطَق إلا بفاعلية بذل الجهد؛ وإلا فإنه يفضِّل الإماتة على الإحياء.. ولنا في المشروع التربوي الياباني -القديم والحديث والمعاصر- عبرة وعظة.

المصادر والمراجع

1.اللغة العربية

آبادي، العظيم. عون المعبود شرح سنن أبي داوود. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1423هـ/2002م.

الأحمر، عبد السلام. المسؤولية أساس التربية الإسلامية: محاولة في التأصيل. ط1. الرباط: طوب بريس، 1428هـ/2007م.

الأندلسي، أحمد بن محمد بن عبد ربه. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. تحقيق: محمد إبراهيم سليم. د.ط. القاهرة: مكتبة القرآن، د.ت.

ابن الفضل، الراغب الأصبهاني أبو الحسين القاسم بن محمد. تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين: الإنسان وجوداً وقيمةً وغايةً. تقديم وتحقيق: عبد المجيد النجار. ط1. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1408هـ/1988م.

ابن أنس، مالك. الموطأ. ط1. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1997م.

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. ط1. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1419هـ/1999م، ج1.

ابن منظور، محمد. لسان العرب. اعتناء وتصحيح: أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي. ط3. بيروت: دار إحياء التراث العربي ، 1999م.

ابن نبي، مالك. شروط النهضة. ترجمة: عمر كامل مسقاوي، وعبد الصبور شاهين. ط4. بيروت: دار الفكر المعاصر، 1407هـ/1987م.

ــــــ. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. طبعة جديدة. بيروت: دار الفكر المعاصر، 1420هـ/2000م.

ــــــ. ميلاد مجتمع. طبعة جديدة. بيروت: دار الفكر المعاصر، 1420هـ/2000م.

أبو الفتوح، هالة. فلسفة الأخلاق والسياسة: المدينة الفاضلة عند كونفوشيوش. القاهرة: دار قباء، 2000م.

أبو صقر، كامل. العولمة التجارية والإدارية والقانونية: رؤية إسلامية جديدة. ط1. بيروت: دار ومكتبة الهلال، 2001م.

أحمد، علي علي سيد. التعليم والمعلمون: غايةً وهدفاً ومنزلةً وشرفاً. ط1. حلب: دار الصابوني، 1418هـ/1997م.

اسليماني، العربي. التواصل التربوي: مدخل لجودة التربية والتعليم. الرباط: شركة نداكوم ديزاين، ط1، 2005م.

إكبلادا، ديفيد. “كيف تبني أمة؟ النموذج الكوري الجنوبي”. ترجمة: فرج الترهوني. الكويت: الثقافة العالمية، ع134، يناير 2006م.

إيزوتسو، توشيهيكو. المفهومات الأخلاقية-الدينية في القرآن. ترجمة: عيسى علي العاكوب. ط1. حلب: دار الملتقى، 1429هـ/2008م.

البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002م.

البرجس، عارف مفضي. التوجيه الإسلامي للنشء في فلسفة الغزالي. ط2. بيروت: دار الأندلس، 1403هـ/1982م.

بارندر، جفري. المعتقدات الدينية لدى الشعوب. ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1413هـ/1993م. (عالم المعرفة: 173).

بالراشد، محمد. “تربية على التنمية المستديمة: الأساسات والإمكانات للمدرِّس والمعلِّم”، بيروت:كتابات معاصرة. ع58، مج15، تشرين الثاني/ كانون الأول 2005م.

براج، هـ. فان. حكمة الصين. ترجمة: موفق المشنوق. ط1. دمشق: الأهالي للتوزيع، 1998م. 

بوشامب، إدوارد. التربية في اليابان المعاصرة. ترجمة وتعليق: محمد عبد العليم مرسي. القاهرة: دار الهداية، ط2، 1405هـ- 1986م.

بوفلجة، غياث. التربية من أجل الفعالية. ط1. وهران: دار الغرب للنشر والتوزيع، 2006م.

الترمذي، أبو عيسى. سنن الترمذي. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002م.

التميمي، عز الدين، وسمرين، بدر إسماعيل. نظرات في التربية الإسلامية. عمان: دار البشير، ط1، 1405هـ/1985م.

جارودي، روجيه. كيف نصنع المستقبل؟ ترجمة وتقديم: منى طلبة، وأنور مغيث. ط1. القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/1999م.

الحاكم، أبو عبد الله. المستدرك على الصحيحين. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1990م.

حاتم، محمد عبد القادر. أسرار تقدم اليابان. ط2. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989م.

حجي، طارق. قيم التقدم. القاهرة: دار المعارف، 2001م.

حسين، كامل يوسف (مترجم). سيرة فوكوزاوا يوكيتشي ومقدمة أعماله الفكرية. أبوظبي: المجمع الثقافي، 1422هـ/2001م.

حمزة، عصام رياض. “الأبعاد الثقافية والعقائدية والإثنية في منطقة المحيط الهادي”، ندوة التجربة الشرق آسيوية في التنمية والتعاون الإقليمي. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. (26/27 ديسمبر 1994م).

خان، نجم الثاقب. دروس من اليابان للشرق الأوسط. ترجمة: مركز الأهرام للترجمة والنشر. ط1. القاهرة: مؤسسة الأهرام، 1993م.

خليل، خليل أحمد. مفاتيح العلوم الإنسانية: معجم عربي فرنسي إنجليزي، بيروت: دار الطليعة، 1989م.

ديورانت، ول وايريل. قصة الحضارة: الشرق الأقصى- اليابان. ترجمة: زكي نجيب محمود. بيروت: دار الجيل، 1419هـ/1998م.

ديوي، جون. الفردية: قديماً وحديثاً. ترجمة: خيري حماد. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت.

رايشاور، أدوين. اليابانيون. ترجمة: ليلى الجبالي. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999م، (عالم المعرفة: 136).

ربيع، حامد. نحو وعي سياسي واستراتيجي وتاريخي. ط1. المنصورة: دارالوفاء، 1999م،

روزنتال وب. يودين (مشرفان)، الموسوعة الفلسفية. ترجمة: سمير كرم. ط5. بيروت: دار الطليعة، 1985م.

زركشي، أمل فتح الله. الاتجاه السلفي في الفكر الإسلامي الحديث بأندونيسا. ط1. كوالالمبور: مركز البحوث بالجامعة الإسلامية بماليزيا، 1430هـ/ 2009م.

زيتون، محيا. التعليم في الوطن العربي في ظل العولمة وثقافة السوق. ط1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005م.

السويدان، طارق. التدريب والتدريس الإبداعي. ط1. الكويت: مطابع المجموعة الدولية، 1426هـ/2005م.

سميث، باتريك. اليابان: رؤية جديدة. ترجمة: سعد زهران. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000م، (عالم المعرفة: 268).

سميث، هوستن. أديان العالم: دراسة روحية تحليلية معمَّقة لأديان العالم الكبرى توضِّح فلسفة تعاليمها وجواهر حكمتها. تعريب وتقديم وحواشي: سعد رستم. ط1. حلب: دار الجسور الثقافية، 2005م.

سيبرت، سامويل. قوة الاعتزاز بالنفس. ترجمة: مكتبة جرير. ط1. نيويورك: مكتبة جرير، 1999م.

الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. شرح وتخريج أحاديث: عبد الله دراز. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1425هـ/2004م.

الشعراوي، محمد متولي. قضايا إسلامية. ط3. القاهرة: دار الشروق، 1400هـ/1980م.

شوق، محمود أحمد. الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية. ط1. القاهرة: دار الفكر العربي، 1421هـ/2001م.

الصالح، مصلح. عوامل التحصيل الدراسي في المرحلة الجامعية. ط1. عمان: الوراق للنشر والتوزيع، 2004م.

الصانع، محمد بن حسن. “رؤية لمستقبل تنظيم كليات المعلمين والمعلمات بالمملكة العربية السعودية”، وزارة التربية السعودية: مجلة المعرفة. عدد 156، (ربيع الأول 1925هـ/مارس 2008م).

الطالب، هشام. دليل التدريب القيادي. د.ط. هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1414هـ/1994م.

العوا، عادل. القيم الأخلاقية. د.ط. د.م: الشركة العربية للصحافة والطباعة والنشر، 1385هـ/1965م.

عايش، أحمد عبيل. التربية المهنية: ماهيتها وأساليب تدريسها وتطبيقاتها التربوية. ط1. عمان: دار المسيرة، 1430هـ/2009م.

عبد الملك، أنور. الإبداع والمشروع الحضاري. د.ط. القاهرة: دار الهلال، 1991م.

ــــــ. من أجل استراتجية حضارية. ط1. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 1425هـ/2005م.

عبيد، إسحاق. المدينة الفاضلة عند جواتمابوذا وأفلاطون والفارابي وتوماس مور وفرانسيس بيكون. ط1، القاهرة: دار الفكر العربي، 1420هـ/2000م، ص 20.

علي، نبيل، وحجازي، نادية. الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة. ط1. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1426هـ/2005م، ( عالم المعرفة: 318).

عيسوي، عبد الرحمن. الإسلام والتنمية البشرية. ط1. بيروت: دار النهضة العربية، 1408هـ/1988م.

ــــــــ. سيكولوجية الإبداع: دراسة في تنمية السمات الإبداعية. د.ط. بيروت: دار النهضة العربية. د.ت.

فوجل، إزرا. المعجزة اليابانية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م.

فينك، دومنيك. علم اجتماع العلوم. الكويت: المجلس الأعلى للثقافة، 2000م.

قطب، سيد. في ظلال القرآن. ط25. القاهرة: دار الشروق، 1417هـ/1996م.

الكناني، ممدوح عبد المنعم. سيكولوجية الإبداع وأساليب تنميته. ط1. عمان: دار المسيرة، 1426هـ/2005م.

الكيلاني، ماجد عرسان. أهداف التربية الإسلامية .ط1. دبي: دار القلم، 2005م.

ـــــــــ. فلسفة التربية الإسلامية: دراسة مقارنة بين فلسفة التربية الإسلامية والفلسفات التربية المعاصرة. ط2. مكة المرمة: مكتبة هادي، 1409هـ/1988م.

ـــــــــ. مناهج التربية الإسلامية. ط1. دبي: دار القلم، 2005م.

كروم، أحمد. “مفهوم البناء وأثره النظري في اكتساب المهارات المعرفية”. الكويت: عالم الفكر، عدد1، مجلد38، (يوليو/سبتمبر 2009).

كريب، إيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرمانس. ترجمة: محمد حسين غلوم. ط1. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1419هـ/1999م، ( عالم المعرفة: 244).

كولر، جون. الفكر الشرقي القديم. ترجمة: كامل يوسف حسين. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1416هـ/1995م، (عالم المعرفة: 199).

كولماس، فلوريان. اللغة والاقتصاد. ترجمة: أحمد عوض. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1421هـ/2000م، (عالم المعرفة: 263).

الماضي،  محمد المحمَّدي.  استراتيجية التغيير التنظيمي: مدخل إسلامي مقارن. ط1. القاهرة: دار النشر للجامعات، 2000م.

المشرفي، انشراح إبراهيم. التربية الإبداعية. ط1. الإسكندرية: مؤسسة حورس، 2005م.

محجوب، عباس. التربية والتعليم في كتب التراث. ط1. عمان: جدارا للكتاب العالمي، 2007م.

محمد، مهاتير، وإيشيهارا، شنتارو. صوت آسيا: زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل. ط1. بيروت: دار الساقي، 1998م.

محمد، وائل صلاح، وآخرون. التنمية المهنية لمعلمي التعليم الأساسي: نماذج تطبيقية. ط1. القاهرة: إيتراك للنشر والتوزيع، 2008م.

مرسي، سيد عبد الحميد. الشخصية المنتجة. ط1. القاهرة: مكتبة وهبة، 1405هـ/1985م.

مرسي، محمد سعيد. فن تربية الأولاد في الإسلام. د.ط. القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1422هـ/2001م.

مفتاح، الجيلالي بن توهامي. “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي”. (رسالة دكتوراه غير منشورة، معهد التربية- الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، 2006م).

موران، إدغار. تربية المستقبل: المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل. ترجمة: عزيز لزرق، ومنير الحجوجي. ط1. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2002م.

ميديسي، انجيلا. التربية الحديثة. ترجمة: علي شاهين ط3. بيروت-باريس: منشورات عويدات، 1982م.

نيسبت، ريتشارد إي. جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف.. ولماذا؟ ط1. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1425هـ/2005م، (عالم المعرفة: 312).

هارتلي، جون (محرر). الصناعات الإبداعية: كيف تُنتَج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟ ط1. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1428هـ/2007م، (عالم المعرفة: 338).

هاشم، أحمد عمر. الإسلام وبناء الشخصية: دراسة تحليلية لشخصية المسلم في ضوء الكتاب والسنة. ط2. بيروت: عالم الكتب، 1417هـ/1997م.

الهمالي، عبد الله عامر. التحديث الاجتماعي: معالمه، ونماذج من تطبيقاته. ط1. مصراته- ليبيا: الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، 1986م.

هوايت، ميري. التربية والتحدي: التجربة اليابانية. عرض وتعليق: سعد مرسي أحمد، وكوثر حسين كوجك. ط1. القاهرة: عالم الكتب، 1991م.

هياشي، تاكاشي، وإيتو، شوجي. “استراتيجية البحث العلمي والتكنولوجي: أهمية التجربة اليابانية”. في: السياسات التكنولوجية في الأقطار العربية. ط1. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985م.

وايدن، بيتر. اليوم الأول: قبل هيروشيما وبعده. ترجمة: هاشم حبيب الله. أبوظبي: المجمع الثقافي، 2002م.

يوسف، ناصر. “مقولات التحديث المعاصرة في التجربة الإنمائية المركبة: الإنجاز والاستمرار والدروس المستفادة إسلامياً”. إسلامية المعرفة. هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سنة14، عدد53، (صيف 1429هـ/2008م).

ــــــ. “مقولات التحديث الإنمائي المشتركة بين اليابان وماليزيا”. الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا: الإسلام في آسيا، مجلد5، عدد2، (ديسمبر 2008م).

2.اللغة الإنجليزية                                                                         

Bones, Chris. The Self-reliant Manager. London: Routledge, 1994. 

Boostrom, Robert. The Foundation of Critical and Creative Learning in the Classroom. New York: Columbia University, 2005.

Chong, Terence. Modernization Trends in Southeast Asia. Singapore: Institute of Southeast Asian Studies, 2005.

David, McClelland. “The Impluse to Modernization”. In: Myron Weiner (ed.), Modernization: The Dynamics of Growth. New York: Basic Books, Inc, 1966.

Dore, Ronald and Sako, Mari. How the Japanese Learn to Work. London: Routledge, 2ed, 1998.

Duke, Benjamin. The Japanese School: lesson for Industrial America. London: Westport, Connecticut, 1986.

Fukuda, Sakiko. Capacity for Development: New Solutions to old Problems. London: Earthscan Publications, Ltd, 2002.

Ishii, Yuri, Development education in Japan: a comparative analysis of the contexts for its emergence, and its introduction into the Japanese school system. New York: RoutlegeFalmer, 2003.

Kamatani, Chikayoshi. “The History of Research Organization in Japan” In: Morris Low (ed.,) Science, Technology and Development in Japan. London: Routledge, 2001, Volume III.

Kiernan, Matthew J. Get Innovation or Get Dead: Building Competitive Companies for the 21st Century. Kuala Lumpur: Synergy Book International, 1996.

Klwyver, Cornelis A.  Strategy: A View from the Top. Newjersy: Prentice Hall, 2003.

Lee, W.O. Social Change and Educational Problems in Japan, Singapore and Hong Kong. London: Macmillan Academic, 1991Technology, 2004.

Marshal, Byron K. Learning to Be Modern: Japanese Political Discourse on Education. Oxford: Westview Prees, 1994.

Passin, Herbert. Society and education in Japan. Tokyo: kodansha International LTD, 1982.

Sato, Nancy. Inside Japanese Classrooms: the Heart of Education. . New York: RoutlegeFalmer, 2004.

Schoppa, Leonard James. Education Reform in Japan: A Case of Immobilitis Politics. London: Routledge, 1991.  

Shinkichi, Eto. Selected on Modern Japan- China Relations. Tokyo: The Toyo Bunko, 2005.

Simmons, Cyril. Growing up and going to School in Japan: traditional and Trends. Philadephia: Open University Press,1990

Sugita, Shoji. Report of National Education Association, Japan.

Tsuneyoshi, Ryoko. The Japanese Model of schooling, London: RoutledgeFalmer, 2001.

White, Merry, the Japanese educational challenge: A commitment to children. New York: The Free Press, 1988.

Willson, Erenst J. The Information Revolution and Development Countries. Massachusetts Institute of

Yoneyama, Shoko. The Japanese high School: silence and resistance. London: Routledge, 1999.

 


[1] Sato, Nancy. Inside Japanese Classrooms: the Heart of Education, 2004.

[2] Ishii, Yuri, Development education in Japan: a comparative analysis of the contexts for its emergence, and its introduction into the Japanese school system, 2003.

[3]Tsuneyoshi, Ryoko. The Japanese Model of schooling, 2001.

[4]Yoneyama, Shoko. The Japanese high School: silence and resistance, 1999.

[5]Duke, Benjamin. The Japanese School: lesson for Industrial America, 1986.   

[6] بوشامب، إدوارد. التربية في اليابان المعاصرة. 1405هـ- 1986م.

[7]  موران. تربية المستقبل: المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل. 2002م.

[8] اسليماني، العربي. التواصل التربوي: مدخل لجودة التربية والتعليم. 2005م.

[9] بالراشد، محمد. “تربية على التنمية المستديمة: الأساسات والإمكانات للمدرِّس والمعلِّم”. 2005م.

[10]Boostrom,  Robert. The Foundation of Critical and Creative Learning in the Classroom, 2005.

[11] بوفلجة، غياث. التربية من أجل الفعالية. 2006م.

[12] مفتاح، الجيلالي بن توهامي. “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي”. 2006م.  

[13] ديوي، جون. الفردية: قديماً وحديثاً. د.ت.

[14] مرسي، سيد عبد الحميد. الشخصية المنتجة. 1405هـ/1985م.

[15] نوح. شخصية المسلم بين الفردية والجماعية. 1989م.

[16] هاشم، أحمد عمر. الإسلام وبناء الشخصية: دراسة تحليلية لشخصية المسلم في ضوء الكتاب والسنة. 1417هـ/1997م.

[17] عبد الملك، أنور. الإبداع والمشروع الحضاري.1991م.

[18] ينظر ابن منظور، محمد. لسان العرب. 5/297.

[19] المرجع السابق. 10/307.

[20]  ينظر كلمة “رَبا” في لسان العرب، مرجع سابق.

[21] ابن نبي، مالك. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ص103.

[22] قطب، سيد. في ظلال القرآن. 6/3848.

[23] كروم، أحمد. “مفهوم البناء وأثره النظري في اكتساب المهارات المعرفية”. ص178-179.

[24] قطب. في ظلال القرآن. 6/3555.

[25] موران. تربية المستقبل: المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل. ص 91-92.

[26]                             

      Bones, Chris. The Self-reliant Manager. p. 5.

[27] هارتلي، جون (محرر). الصناعات الإبداعية: كيف تُنتَج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟ 1: 8.

Kiernan, Matthew J.Get Innovation or Get Dead: Building Competitive Companies for the 21st Century, p. 216. [28]

[29] ربيع، حامد. نحو وعي سياسي واستراتيجي وتاريخي. ص70.

[30] جارودي، روجيه. كيف نصنع المستقبل؟ ص160-170.

[31] كروم. “مفهوم البناء وأثره النظري في اكتساب المهارات المعرفية”. ص179.

[32] ينظر الماضي،  محمد المحمَّدي. استراتيجية التغيير التنظيمي: مدخل إسلامي مقارن. ص 46 وما بعدها.

 Klwyver,  Cornelis A.  Strategy: A View from the Top, pp. 25-26.[33]

[34]David, McClelland. “The Impluse to Modernization”. In: Myron Weiner (ed.), Modernization: The Dynamics of Growth, p. 28.

[35] ينظر الهمالي، عبد الله عامر. التحديث الاجتماعي: معالمه ونماذج من تطبيقاته. ص16.

[36] حجي، طارق. قيم التقدم. ص105.

[37] ينظر كريب، إيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرمانس. ص67.

[38]Chong, Terence. Modernization Trends in Southeast Asia, p. 57.                        

Fukuda, Sakiko. Capacity for Development: New Solutions to old Problems, p. 30.[39]

[40] قطب. في ظلال القرآن. 4: 2203.

[41] التطور هو عملية الحركة الذاتية من الأدنى البسيط إلى الأعلى المركَّب. لمزيد التفصيل، ينظر روزنتال وب. يودين (مشرفان). الموسوعة الفلسفية. ص 129. أيضاً، التطور هو مفهوم “قريب جدّاً من الصيرورة Becoming، ويفترض إسناد أحوال متعاقبة ومتباينة إلى جوهر واحد (ذات)، وإلى مسند واحد، كما يتمُّ إدخال رابطة زمنية (علاقة) بين هذه الأحوال”. ينظر خليل، خليل أحمد. مفاتيح العلوم الإنسانية: معجم عربي فرنسي إنجليزي. ص 115.

[42] يمثل التقدُّم على مستوى المجتمع الشكل المحض للحالة الاجتماعية، فهو مسار تراكمي (للبشر ووسائل الإنتاج والمعارف والمنجزات) داخل مسار تكراري. أما على مستوى الثقافة؛ فإن التقدُّم يتضمن أن للتاريخ معنىً، وأن الإنسان يمدُّه بهذا المعنى، أو أن تجاهاً خاصاً يتحقَّق في التاريخ؛ بينما التقدُّم من حيث المنظومات فيدلُّ على إمكان مفتوح، وهو القيمة والوعي معاً. لمزيد التفصيل، ينظر: خليل. مفاتيح العلوم الإنسانية. ص125.

[43]Shinkichi, Eto. Selected on Modern Japan- China Relations, p. 180.

[44] ينظر سميث، باتريك. اليابان: رؤية جديدة. ص113.

[45] حسين، كامل يوسف (مترجم). سيرة فوكوزاوا يوكيتشي ومقدمة أعماله الفكرية. ص72.

[46] المرجع السابق. ص150.

[47] قوجل. إزرا. ف. المعجزة اليابانية. ص174.

73 ينظر، بوشامب، إدوارد. التربية في اليابان المعاصرة. ص25-26.

74 لمزيد التفصيل ينظر، هوايت، ميري. التربية والتحدي: التجربة اليابانية. ص117.

75 المرجع السابق. ص83 وما بعدها.

[48] رايشاور، أدوين. اليابانيون. ص71.

[49] فوجل. المعجزة اليابانية. ص180.

[50] المرجع السابق، ص181.

[51] رايشاور. اليابانيون. ص71.

80 فينك، دومنيك. علم اجتماع العلوم. ص 317.

81 Willson, Erenst J. The Information Revolution and Development Countries, p. 41.  

82 هياشي، تاكاشي، و إيتو، شوجي. “استراتيجية البحث العلمي والتكنولوجي: أهمية التجربة اليابانية”. ص419

83 Kamatani, Chikayoshi. “The History of Research Organization in Japan” In: Morris Low (ed.,) Science, Technology and Development in Japan, p. 8.

84كولماس، فلوريان. اللغة والاقتصاد. ص90.

85هياشي. “استراتيجية البحث العلمي والتكنولوجي”. ص420.

[52] خان، نجم الثاقب. دروس من اليابان للشرق الأوسط. ص116.

[53] إكبلادا، ديفيد. “كيف تبني أمة؟ النموذج الكوري الجنوبي”. ص153.

[54] المرجع السابق، ص134.

[55] محمد، مهاتير وإيشيهارا، شنتارو. صوت آسيا: زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل. ص20.

[56] المرجع السابق، ص100.

[57] نيسبت، ريتشارد إي. جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف.. ولماذا؟ ص62.

[58] محمد. صوت آسيا. ص86.

[59] المرجع السابق، ص86.

[60] خان. دروس من اليابان للشرق الأوسط. ص37.

[61] حسين. سيرة فوكوزاوا يوكيتشي. ص328.

[62] علي، نبيل وحجازي، نادية. الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة. ص268-269.

[63] رايشاور. اليابانيون. ص192.

[64] حاتم، محمد عبد القادر. أسرار تقدم اليابان. ص 370.

[65] سميث. اليابان: رؤية جديدة. ص85.

[66] حسين. سيرة فوكوزاوا. ص255-256.

[67] مرسي. الشخصية المنتجة. ص101.

[68] وايدن، بيتر. اليوم الأول: قبل هيروشيما وبعده. ص308-309.

[69] رايشاور. اليابانيون. ص182.

[70] المرجع نفسه، ص182.

[71] سميث. اليابان: رؤية جديدة. ص16.

[72] كريب. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس. ص74.

[73] لمزيد التفصيل ينظر كولر، جون. الفكر الشرقي القديم. ص191 وما بعدها.

[74] بارندر، جفري. المعتقدات الدينية لدى الشعوب. ص227.

[75] عبيد، إسحاق. المدينة الفاضلة عتد جواتمابوذا وأفلاطون والفارابي وتوماس مور وفرانسيس بيكون. ص20.

[76] ينظر يوسف، ناصر. “مقولات التحديث الإنمائي المشتركة بين اليابان وماليزيا”. ص41.

[77] ينظر ديورانت، ول وايريل. قصة الحضارة: الشرق الأقصى- اليابان. 5-6: 76.

[78] بارندر. المعتقدات الدينية لدى الشعوب. ص356.

[79] سميث، هوستن. أديان العالم: دراسة روحية تحليلية معمَّقة لأديان العالم الكبرى توضِّح فلسفة تعاليمها وجواهر حكمتها. ص275.

[80] كولر. الفكر الشرقي القديم. ص319.

[81] Simmons. Growing up and going to School in Japan, p. 9.

[82]  سميث. أديان العالم. ص 26.

[83] حمزة، عصام رياض. “الأبعاد الثقافية والعقائدية والإثنية في منطقة المحيط الهادي”، ص3.

[84] براج، هـ. فان. حكمة الصين. ص133.

[85] أبو الفتوح، هالة. فلسفة الأخلاق والسياسة: المدينة الفاضلة عند كونفوشيوش. ص83.

[86] سميث. أديان العالم. ص268.

[87] براج. حكمة الصين. ص 81.

[88]  أبو الفتوح. فلسفة الأخلاق والسياسة. ص87.

[89] براج. حكمة الصين. ص158.

[90] سميث. أديان العالم. ص270.

[91] أبو الفتوح. فلسفة الأخلاق والسياسة. ص101.

[92] المرجع السابق. ص92.

[93] نفسه. ص161.

[94] نفسه. ص111.

[95] نفسه. ص113.

[96] نفسه. ص 114.

[97]  نفسه. ص 114.

[98] نفسه. ص115.

[99] نفسه. ص117.

[100] Duke. The Japanese School, p. 61.

[101] Marshal, Byron K. Learning to Be Modern: Japanese Political Discourse on Education, p. 18.

[102] حسين. سيرة فوكوزازا. ص125.

[103] المرجع السابق. ص125.

[104] Simmons. Growing up and going to School in Japan: Traditional and Trends, p. 11.

[105] رايشاور. اليابانيون. ص240.

 [106]Chimoto, Akiko. “The Improvement of School Education and the Development of Personnel Management in Post-Meiji Japan”, p. 568.

[107] حسين. سيرة فوكوزاوا. ص37.

[108] المرجع السابق. ص39.

[109] المرجع نفسه. ص114.

[110] نفسه. ص114-115.

[111] نفسه. ص119.

[112] نفسه. ص346.

[113] سميث. اليابان: رؤية جديدة. ص123.

[114] أبو الفتوح. فلسفة الأخلاق والسياسة. ص59.

[115] حسين. سيرة فوكوزاوا. ص351.

 [116] Marshal. Learning to Be Modern: Japanese Political Discourse on Education, p. 31.

[117] حسين. سيرة فوكوزاوا. ص356.

[118] Simmons, Cyril. Growing up and going to School in Japan: traditional and Trends, p. 24.

[119] حسين. سيرة فوكوزاوا. ص358.

[120] ضاهر، مسعود. النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج. ص310.

[121] المرجع السابق. ص310.

[122] آل أحمد، جلال. نزعة التغريب. ص138.

[123]  مقابلة شخصية مع ياسويوكي إشيئي Yasuyuki Ishii ، باحث بقسم استراتيجية الملكية الفكرية، الدراسات العليا لإدارة العلوم والتكنولوجيا، جامعة طوكيو للعلوم، 17 أغسطس 2006م- جامعة طوكيو للعلوم.

[124]Hayashi, Takeshi. The Japanese Experience in Technology: From Transfer to Self-Reliance, p. 57.

[125] حسين. سيرة فوكوزاوا. ص377.

[126] بالراشد. “تربية على التنمية المستديمة”. ص78.

[127] ابن نبي، مالك. ميلاد مجتمع. ص45.

[128] مفتاح. “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي”. ص124.

[129] ابن نبي. ميلاد مجتمع. ص53.

[130] مفتاح. “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي”. ص130.

[131] أبو الفتوح. فلسفة الأخلاق والسياسة. ص107.

[132] الأندلسي، أحمد بن محمد بن عبد ربه. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص121.

[133] المصدر السابق. ص121.

[134] المصدر نفسه. ص121.

[135] مفتاح. “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي”. ص112.

[136] بوفلجة. التربية من أجل الفعالية. ص32.

[137] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص125.

[138] لمزيد التفصيل ينظر، ابن الفضل، الراغب الأصبهاني أبو الحسين القاسم بن محمد. تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين: الإنسان وجوداً وقيمةً وغايةً. ص61-65.

[139] المصدر السابق. ص125.

[140] إيزوتسو، توشيهيكو. المفهومات الأخلاقية-الدينية في القرآن. ص304.

[141] البرجس، عارف مفضي. التوجيه الإسلامي للنشء في فلسفة الغزالي. ص138.

[142] الكيلاني، ماجد عرسان. أهداف التربية الإسلامية. ص169.

[143] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص97.

[144] المصدر السابق. ص96.

[145] الشعراوي، محمد متولي. قضايا إسلامية. ص22.

[146] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص97.

[147] ابن الفضل. تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. ص164.

[148] المرجع السابق، ص54.

[149] المصدر السابق. ص96.

[150] المصدر نفسه، ص99.

[151] نفسه. ص99.

[152] نفسه. ص99

[153] نفسه. ص83.

[154] زركشي، أمل فتح الله. الاتجاه السلفي في الفكر الإسلامي الحديث بأندونيسا. ص275.

[155] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص98.

[156] المصدر السابق. ص99.

[157] المصدر نفسه. ص99.

[158] نفسه. ص108.

[159] نفسه. ص92.

[160] رواه البخاري 5/261 برقم (2654) كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ورواه مسلم 1/91 برقم (87) كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.

[161] رواه مسلم 1/556 برقم (810) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.

[162] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص72.

[163] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص95-96.

[164] حسين. سيرة فوكوزاوا يوكيتشي. ص287.

[165] سايمنتن، دين كيث. العبقرية والإبداع والقيادة. ص210

[166] المرجع السابق، ص210.

[167] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص78-79.

[168]الكيلاني، ماجد عرسان. مناهج التربية الإسلامية. ص141.

[169] نيسبت. جغرافية الفكر. ص68.

[170] الأندلسي. تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين. ص93.

[171] المصدر السابق، ص93.

[172] محجوب، عباس. التربية والتعليم في كتب التراث. ص3

[173] المرجع السابق. ص58.

[174] آبادي، العظيم. عون المعبود شرح سنن أبي داوود. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1423هـ/2002م، كتاب الديات، باب 11 ح4521، ج12. ص149.

[175] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002م، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرة والمدن، ح8، ج1، ص213.

[176] ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. 1: 193.

[177] الأحمر، عبد السلام. المسؤولية أساس التربية الإسلامية: محاولة في التأصيل. ص51.

[178] لمزيد التفصيل ينظر، مفتاح. “مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي”. ص171-174.

[179] سايمنتن. العبقرية والإبداع والقيادة. ص124.

[180] الطالب، هشام. دليل التدريب القيادي. ص66.

[181] Lee. Social Change and Educational Problems in Japan, Singapore and Hong Kong, p. 57.

[182] Lee. Social Change and Educational Problems in Japan, Singapore and Hong Kong, pp.  60-64.

[183] Duke. Lessons for Industrial America: The Japenese School, p. 26.

[184] Sato. Inside Japanese Classrooms, p. 48.

[185] Lee. Social Change and Educational Problems in Japan, Singapore and Hong Kong, p. 65.

[186] Sato. Inside Japanese Classrooms, pp. 195-196.

[187]خان، دروس من اليابان للشرق الأوسط. ص59.

[188] سميث. أديان العالم ص271.

[189] Duke. The Japanese School, p. 193.

[190] Tsuneyoshi. The Japanese Model of Schooling, p 27.

[191] خان. دروس من اليابان للشرق الأوسط. ص60.

[192] سيبرت، سامويل. قوة الاعتزاز بالنفس. ص103.

[193]Lee, W.O. Social Change and Educational Problems in Japan, Singapore and Hong Kong, p. 66.  

[194] Ibid., p. 68.

[195] Ibid., p. 151.

[196] Ibid., p. 152.

[197] Ishii, Development Education in Japan, p. 67.

[198] الكيلاني، ماجد عرسان. فلسفة التربية الإسلامية: دراسة مقارنة بين فلسفة التربية الإسلامية والفلسفات التربية المعاصرة. ص292.

[199] شوق، محمود أحمد. الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية. ص97.

[200] الأندلسي. تأديب الناشئين. ص103-105.

[201] أبو صقر، كامل. العولمة التجارية والإدارية والقانونية: رؤية إسلامية جديدة. 2: 470.

[202] لمزيد التفصيل ينظر، مرسي، محمد سعيد. فن تربية الأولاد في الإسلام. 2: 15-44.

[203] الكناني، ممدوح عبد المنعم. سيكولوجية الإبداع وأساليب تنميته. ص146.

[204] موران. تربية المستقبل. ص76.

[205] المشرفي، انشراح إبراهيم. التربية الإبداعية. ص13.

[206] زيتون، محيا. التعليم في الوطن العربي في ظل العولمة وثقافة السوق. ص301.

[207] عايش، أحمد عبيل. التربية المهنية: ماهيتها وأساليب تدريسها وتطبيقاتها التربوية. ص49-50.

[208] لمزيد التفصيل ينظر، عيسوي، عبد الرحمن. سيكولوجية الإبداع: دراسة في تنمية السمات الإبداعية. ص99-100.

[209] لمزيد التفصيل ينظر، أحمد، علي علي سيد. التعليم والمعلمون: غايةً وهدفاً ومنزلةً وشرفاً. ص 42-44.

Duke. The Japanese School, p. 86. [210]

[211] Sugita, Shoji. Report of National Education Association, Japan.

 [212] Sato. Inside Japanese classrooms, p. 59.   

[213] Yoneyama.The Japanese High School, pp. 63-64.  

[214] رايشاور. اليابانيون. ص216.

 Yoneyama.The Japanese High School, p. 63. [215]

[216] Sato. Inside Japanese classrooms, p. 30.  

 [217] Schoppa, Leonard James. Education Reform in Japan: A Case of Immobilitis Politics, p. 145.  

[218] Duke. The Japanese High School, p. 43.

[219] الصانع، محمد بن حسن. “رؤية لمستقبل تنظيم كليات المعلمين والمعلمات بالمملكة العربية السعودية”. ص25.

[220] سميث. اليابان: رؤية جديدة. ص 125.

[221] ينظر: الشرق الأوسط، عدد 10002 (19 ربيع الأول 1427هـ/17 أبريل 2006م).

[222] ابن أنس، مالك. الموطأ. ط1. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1997م، كتاب حسن الخلق، باب ما جاء في حسن الخلق، ح694. ص565.

[223] ميديسي، انجيلا. التربية الحديثة. ص129.

[224] محمد، وائل صلاح، وآخرون. التنمية المهنية لمعلمي التعليم الأساسي: نماذج تطبيقية. ص142.

[225] السويدان، طارق. التدريب والتدريس الإبداعي.ص15.

[226] عبد الملك، أنور. من أجل استراتيجية حضارية. ص101-102.

[227] محمد، وإيشيهارا. صوت آسيا. ص68.

[228] لمزيد التفصيل ينظر، عبد الملك. الإبداع والمشروع الحضاري. ص152-154.

[229] حسين. سيرة فوكوزاوا يوكيتشي. ص199.

[230] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون. 2: 514.

[231] الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. ص28.

[232] الصالح، مصلح. عوامل التحصيل الدراسي في المرحلة الجامعية. ص27.

[233] حسين. سيرة فوكوزاوا يوكيتشي. ص377.

[234] ابن نبي، مالك. شروط النهضة. ص79.

[235] المرجع السابق. ص82.

[236] المرجع نفسه. ص114.

[237] لقد اطلع الباحث على خبر تدريس مؤلفات مالك بن نبي في جامعة تل أبيب في مجلة “المجتمع” الكويتية المشهود لها بالأمانة في نقل الأخبار لقرائها. مع العلم أن الباحث لا يتذكر العدد بالتحديد؛ ولكن كان في أعداد الشهور الأولى من سنة 1424هـ/2003م.

[238] لمزيد التفصيل، ينظر، هارتلي. الصناعات الإبداعية. ص259.

[239] يوسف، ناصر. “مقولات التحديث المعاصرة في التجربة الإنمائية المركبة: الإنجاز والاستمرار والدروس المستفادة إسلامياً”. ص146.

[240] قطب، في ظلال القرآن، 4: 2049- 2050.

[241] هارتلي. الصناعات الإبداعية. ص258.

[242] آبادي، العظيم. عون المعبود شرح سنن أبي داوود. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1423هـ/2002م.  كتاب الملاحم، باب 5، ح4290، ج11. ص239.

[243] الحاكم، أبو عبد الله. المستدرك على الصحيحين. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1990م. باب كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، ح765، ج1. ص330.

[244] البخاري، محمد بن اسماعيل. صحيح البخاري. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 2002م. كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح1، ج1. ص5.

[245] العوا، عادل. القيمة الأخلاقية. ص144.

[246]  الترمذي، أبو عيسى. سنن الترمذي. ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 2000م. كتاب الفتن، باب7، ح 2166، ج1. ص342.

[247] العوا. القيمة الأخلاقية. ص147.

[248] المرجع السابق، ص156.

[249] هارتلي. الصناعات الإبداعية. ص258.

[250] عيسوي، عبد الرحمن. الإسلام والتنمية البشرية. ص112.

زر الذهاب إلى الأعلى