أبحاث المشروع

المدرسة والهندسة الثقافية

المدرسة والهندسة الثقافية:

النظم التربوية العربية والهندسة الثقافية

التربية اليابانية المركَّبة

دينامية الجهد الجماعي والإبداع الفردي في بناء الشخصية المتعلِّمة

بحث مقدم لصالح مشروع إحياء نظام تربوي أصيل

إعداد

مهدي مبروك

أنجز في:

07 شوال 1431 هـ / 16 سبتمبر 2010م

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمشروع

ومسجلة رسميـًا ومحمية بموجب القانون

الباب الأوّل

السياق التاريخي والاطار النظري للتربية والتعليم في البلاد العربية

استهلال

– التوطئة

تفيد جل التقارير التي أعدتها المنظمات الأممية المختصة[1] أن التعليم والتربية في البلدان العربية يتجهان إلى إخفاق ذريع، وإذا كان المقام لا يتسع إلى ذكر أهم ملامح ذلك الإخفاق أو سماته وتجلياته فانه لا ضير من تذكير أن من أمارات هذا الإخفاق ما يلي:

  • انتشار الأمية بشكل ملفت للانتباه وخصوصا الأمية الأساسية والغريب في الأمر أن نسبها عادت للارتفاع في العديد من البلدان في السنوات الأخيرة (العراق، السودان، الصومال، الخ…)
  • العجز عن إنتاج المعرفة وهو عجز يشمل العلوم الصحيحة (نظريات علمية، اكتشافات واختراعات…) والعلوم الاجتماعية والإنسانية (نظريات ومناهج)
  • الإخفاق سواء في استنهاض القيم الأصيلة أو تبني قيم العصر الحاثة على المعرفة تحصيلا أو إنتاجا أو توطينا.

وبقطع النظر عن وجاهة هذا التشخيص ودقته خصوصا وأن البعض قد تحفظ على المنطلقات والمنهج والنتائج لما اكتنف هذه الدراسات أحيانا من تعميمات مخلة و”استشراق” داخلي لم يتحرر من أسر الأحكام المسبقة والصور النمطية، فان لا احد يجادل أن أزمة التعليم والتربية في بلداننا عميقة ومعقدة وهو نفس ما انتهت إليه حتى النخب في الدول المتقدمة ذاتها وأن كان التشخيص والأعراض والحلول المقترحة تختلف عما عليه الحال في بلداننا.

يتزامن هذا التشخيص الموضوعي مع سياق عالمي/معولم أحرج المؤسسة التعليمية تحت وطأة المنافسة التي أضحت تلاقيها من قبل محاميل معرفية جديدة (تكنولوجيات الاتصال وأشكال التعلم عن بعد) مما حدا بالبعض إلى نعي المدرسة (أطروحات نهاية المدرسة) وهو إحراج يتضاعف حينما باتت القيم بما فيها القيم المدرسية تتعولم منفلتة من كافة الحدود والحواجز.

كانت النتائج المستخلصة التي سارع إليها البعض ممن يتحصنون وراء أطروحات الصراع الحضاري توجيه أصابع الاتهام إلى التعليم ذاته باعتباره احد أهم الأسباب التي أججت “التشدد الديني” وعمقت ثقافة الكراهية والبغضاء بين الشعوب والأمم فبادروا بإملاء مواصفات تجفف منابع التدين من المدرسة.

بين تقارير الخبراء ذوي الثقافة المهنية الخالصة الحريصين على جودة التعليم بالمعنى الفني للكلمة: تحصيل المعارف وتطبيقها، التحكم في الكفايات… وبين تقارير الهيئات والمنظمات ذات العلاقة بالشأن السياسي العام والتنمية الإنسانية تبرز معضلتان أساسيتان يستحقان بقطع النظر عن الأسباب أو البدائل الممكنة والحلول المقترحة أن يكونا مجالا للتحليل.

المعضلة الأولى هي تدارك الهدر المعرفي الذي يرتكب في جل المدارس العربية مما جعلها تقترب من مؤسسات محو الأمية (تعليم الكبار) وهي مسائل ذات علاقة بصلب العملية التعليمية منهجا ومحتوى وطرقا وفنيات وتقنيات وهذا الأمر على أهميته يتجاوز اختصاصنا إلى جانب انه لا يمثل هدف هذه الدراسة أصلا أما المعضلة الثانية فهي تتعلق بالقيم التي يفترض أن تكون المدرسة العربية قد عملت على نشرها بين الناشئة فأثرت في تشكيل قناعاتهم وتوجيه سلوكياتهم وأفعالهم وهذا ما تطمح هذه الدراسة إلى التصدي له على شاكلة مقارنة بين ثلاث تجارب عربية : تونس  ومصر وقطر.

وإذ يسارع البعض في عرض البدائل نسفا أو ترميما لما تم تجريبه على امتداد أكثر من نصف قرن من تجارب تربوية عربية فان الحكمة والموضوعية تقتضي أن نقيم الأداء المدرسي/ التربوي العربي في هذه المسالة بالذات بعيدا عن التسرع في عرض الحلول الجاهزة. ولعل وثيقة الخيط الناظم قد قصدت هذه المعاني حينما نصت صراحة في باب تشخيص طبيعة المعضلة التربوية في العالم العربية على ما يلي : ضرورة تحليل أسبابها الفكرية والتطبيقية وانعكاساتها على مستوى تكوين الأجيال العربية وأثرها في أوضاع المجتمعات العربية نهضة وتعثرا.

إشكالية البحث

تذهب بعض التحاليل إلى اختزال أزمة التعليم في جملة من النقائص المتعلقة عادة بالتمويل أو الإمكانات أو المناهج وتقدم تبعا لذلك وصفات ذات منحى تقني وفني يصر على تدارك تلك النقائص غير أن النتائج عادة ما كانت محدودة عند التقييم. أن كل أزمة بنيوية في التعليم كما هو الحال في الوضع العربي لا تعكس سوى أزمة بنيوية في المجتمع.

لكل تلك الأسباب فإننا نعتقد أن أزمة التعليم لها بعدان يقتضيان مزيدا من التحليل البعد الأول مرتبط بقيمة العلم ذاته، فهذه القيمة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تتراجع في سلم مكانات القيم الاجتماعية العام والحال أن كل ما في تراثنا الإسلامي يؤكد إجلال العلم والعلماء أما البعد الثاني فانه مرتبط بما نشرته المدرسة ذاتها من قيم أخرى لا نعتقد أنها مكنت المجتمع من شروط تنميته الإنسانية العامة وساهمت في إنتاج نخب علمية وأخلاقية ذات الق وإشعاع علمي وروحي. لقد تم في الكثير من الأحيان تحويل المدرسة إلى ذراع للدولة تساعدها على تصميم هندساتها الاجتماعية وتنفيذ تصوراتها ورؤاها دون حوار مع المجتمع ونخبه وذلك ما فوت عليها مهامها الأساسية.

الإثبات الصارم لهذه الافتراضات المبدئية والبرهنة على صوابها (أو لربما خطأها) يستوجب لزاما الإجابة عن جملة من التساؤلات لعل أهمها:

– ما القيم التي وجهت النظم التربوية العربية وأي مكانة احتلتها المدرسة والتعليم(المعرفة)؟

– ما المبادئ والأسس التي قامت عليها المدرسة في الدول العربية وخصوصا تونس ومصر   وقطر؟
– ما القيم التي سعت المدرسة العربية في هذه البلدان إلى نشرها؟

-ما هي الخلفيات العقدية التي صاغت على أسسها هذه البلدان هندساتها الاجتماعية؟

– هل من بديل واقعي وممكن بقدم لنا منظومة تربوية شاملة قادرة على السمو الخلقي بالمتعلمين وبلوغ ارقي درجات المعرفة اكتسابا وإنتاجا؟

مبررات اختيار تونس، مصر وقطر حالات للدراسة

سيظل أي اختيار لحالات الدراسة اختيارا فيه بعض من الذاتية والاعتباطية ولكن وحتى يتم تحجيم كل هذه الاعتبارات والحد من آثارها فإننا نقدم المسوغات الآتية وهي التي رجحت هذه البلدان لأن تكون مجالا للدراسة:

تونس : احتلت فرنسا تونس سنة 1881م، وإذ يصعب في مثل هذا البحث أن نستعرض أثار هذا الاحتلال فإننا نكتفي باستعراض أثر هذا الاستعمار على الحركة الفكرية والثقافية ذلك أن هذا الاستعمار قد حل وقد سبقه قيام اندلاع تيار إصلاحي( يسميها المفكر المغربي علي أومليل بالسلفية الوطنية) : الشيخ محمد قبادو، خير الدين التونسي، أحمد بن أبي الضياف، محمد بيرم التونسي… لم يبلور هذا التيار الإصلاحي أطروحات فكرية فحسب بل انه حث على تبني عدة تنظيمات إدارية حديثة تم إدماجها في أجهزة الدولة : الدستور، الإدارة، الجمعيات، الصحافة، الجيش…إلخ خصوصا وأن احتلال الجارة الجزائر قد ألقى درسا بليغا على النخب والعامة مفادها أن الغرب قوي بعلمه وأن المعرفة أساس التفوق.

لقد تولى المشير أحمد باشا الحكم في تونس سنة 1837م وعاصر جل التنظيمات التي تسارعت في السلطنة العثمانية (وتونس إحدى ولاياتها) وكان رغم تكوينه العسكري على انفتاح كبير على النخب الفكرية (علماء، قضاة، مؤرخين…) وفد كان هاجسه الكبير كيفية تدارك التأخر العلمي والتقني ولم ير من وسيلة لذلك سوى التعليم وهو ما حدا ببعث الصادقية فيما بعد كأول مدرسة تونسية عصرية تقف وتنتصب حذو جامع الزيتونة المعمور والذي كاد ان يكون حكرا على تعليم النخبة الحضرية المكونة من أبناء الأعيان والذوات. كانت الصادقية تهدف إلى تقديم تعليم مغاير وهو ما سيؤدي فيما بعد إلى تحديث التعليم الزيتوني ذاته فيما يشبه المنافسة بين النظامين منافسة ستطول المعارف والمناهج والقيم ستكون نتيجتها ظهور نخبة فكرية وإدارية/ سياسية ستوجه تاريخ البلاد على جميع الأصعدة (الطاهر الحداد، الفاضل بن عاشور، فرحات حشاد، بورقيبة) وهو المناخ التحديثي الذي سيطبع مع بعض التلوينات الطفيفة الحركة الفكرية التونسية ولم يكن من قبيل المفاجأة أن تعمد الدولة على إثر سنتين من الاستقلال إلى إلغاء التعليم الزيتوني وتوحيد التعليم النظامي الرسمي لتتولى المدرسة بشكل لافت للانتباه تنشئة الطلاب على مبادئ وقيم اختارتها الدولة في كثير من الأحيان بشكل أحادي وفوقي. لقد تأسست الصادقية سنة 1875م ،وكان هاجس التحديث الاجتماعي والإداري وراء هذه التجربة وهو ما تم بالفعل إذ ستكون النخبة الصادقية هي من سيتولى خلال الاستقلال سنة 1956م بناء الدولة وتسيير أجهزتها إذ يذكر منير الشرفي أن أكثر من ثلثي وزراء بورقية في العشرية الأولى من الاستقلال كانوا من الصادقيين[2]. ولا يمكن فهم التطورات الاجتماعية والسياسية التي ستحكم تاريخ تونس المعاصر إلا بالرجوع إلى هذين المؤسستين    ( الاقتتال فبيل الاستقلال وبعده بين اليوسفيين ذوي التكوين الزيتوني العروبي والبورقيبيين ذوي التكوين الصادقي ثم الفرنكوفيني).

تكمن فرادة التجربة التونسية في رأيي في هذا الشطط التحديثي الذي سخر المدرسة لإرادة الدولة وتوجهاتها حتى تحولت المدرسة إلى مبشر الدولة (Le missionnaire de l’Etat).

مصر : أما مصر فإنها تختلف بشكل كبير على الحالة التونسية، فلئن كان احتلال مصر من قبل بريطانيا قد تم تقريبا في نفس الحقبة قد جد في بداية القرن الثالث عشرة للهجرة وقد عدّ بالنسبة للعديد من المؤرخين التقاءا بالحداثة داميا ودراماتيكيا ولعل قارئ كتابات الطهطاوي يقف على ما تركته حملة بونابرت على مصر وهو الذي كان بامتياز “مثقف الأمير”. ولعل سياسات الابتعاث (بعثات طلابية إلى الخارج، فرنسا وانكلترا) كانت إحدى الدروس المستخلصة في ذلك الالتقاء الدامي فالقوة مشروطة بالمعرفة وهذا هو عنوان الدرس الذي استخلصته النخب المصرية على مختلف أطيافها الفكرية.

كانت مصر أكثر تأثرا بما يحدث في تركيا خصوصا في مجال التعليم حينما بدأت السلطنة في إصلاح التعليم لاعتقادها أن المناهج والأشكال التي كانت سائدة لم تعد قادرة على الاستجابة لتحديات اللحظة التاريخية. فتم إحداث ما عرف بالمدارس الملكية أي المدارس غير العسكرية التي كانت ووظيفتها تخريج موظفين حديثين لمختلف أجهزة الدولة قبل أن تنشأ فيما بعد المدارس المعنية بالتعليم العام. ولكن هذه الأخيرة كانت تنافس مدارس أخرى أكثر تمويلا وجاذبية، إنها المدارس الأجنبية والطائفية. حسن العطار، وتلميذه رفاعة”[3]

لم يكتفي الأزهر بلعب دور الشاهد وهو الذي قاد جل حركات المقاومة الشعبية ضد المظالم ” كان نبغ صغير متسلسل يعتني بالتاريخ والأدب بجانب نبع كبير يعنى بعلوم اللغة والدين فقط. وكان من هذا النبع الصغير الشيخ الجبرتي … وكان الشيخ حسن العطار هذا رجلا ممتازاً، واسع النظر خبيرا بالدنيا، على قلة الخبيرين بها من علماء الأزهر في ذلك العصر ولم يعجبه طريفة الأزهريين في الاقتصار على كتب النحو والفقه والتفسير والحديث”[4]

حين رافق الطهطاوي البعثة الطلابية المصرية إلى فرنسا سنة 1824م ومكث معهم في باريس “مرشدا روحيا” إلى غاية 1930 م ، تأكد لديه أن التعليم كما يجري في مصر آنذاك وأساسه في نواته الصلبة والمركزية (الأزهر) لم يعد في الغالب مجديا لقد كف عن إنتاج المعرفة ولربما الكثير من القيم.( دهشة الطهطاوي تجاه قيم الحرية والمسؤولية والثقة بل وحتى النظافة…).

وإذا كانت مصر تشبه إلى حد كبير تونس في تفطن نخبها الإصلاحية المبكر إلى قصور التعليم التقليدي عن إنتاج المعرفة الحديثة والقيم المعاصرة فإن تجربتها فيما بعد الاستقلال ستكون مختلفة إذ ستبقي الدولة على الأزهر كمنارة للتعليم الديني في حين ستعمد النخبة السياسية في تونس بعد الاستقلال مباشرة إلى إلغاء التعليم الزيتوني نهائيا وهكذا تحتكر الدولة التعليم بشكل شمولي.

لقد جسدت مصر التقاء مؤلما وداميا بين الشرق والغرب أتاح ولأول مرة للفكر الغربي اختراق الشرق الذي كان عنه شبه معزول، غير أن مجريات هذا الاختراق وتداعياته على الحياة الاجتماعية والثقافية كان مغايرا لما حدث في تونس. كان التيار المخترق يجري جنبا إلى جنب مع تيارات ظلت تنساب من عمق الاستمرار التاريخي بالمعنى الأنتروبولوجي للكلمة، يتجاوز التيار التحديثي مع ذلك التيار الذي ظل محافظا على طمأنينته ورسوخه. لقد ظلت الإدارة والتعليم التقليديان يجريان جنبا إلى جنب مع التنظيمات والتحديثات الانكليزية الجارية على مناحي حياة المصريين ولم يكن الأزهر سوى تجسيدا لتلك الاستمرارية التي عجزت عن إرباكها كل مظاهر التحديث. كان بمثابة القلعة والملاذ من يدخله ينعم بالراحة والاطمئنان إلى حين الخروج وذلك شأن لا يعنيه كثيرا.

ولم تتجرأ جل النخب السياسية المتعاقبة على الدولة المصرية أن توغل كثيرا في الشأن التعليمي الأزهري وفوضت تلك المسائل إلى هل مكة الذين هم أدرى بشعابها. وظل الحال كما هو إلى حدود الستينات حيث “تم تحديث التعليم الديني بصورة ملحوظة وتحوله لكي يواكب التطورات العصرية في مجال العلوم.”[5]

لقد كان أمام محمد علي باشا في نقله للحضارة الغربية إلى مصر من خلال التعليم على حد تعبير المرحوم أحمد أمين –طريق الأزهر والكتاتيب …و لما كانت برامج في هذا النظام القديم لا تستطيع نقل هذه الحضارة فقد كان عليه إما أن يصلحها او “دون ذلك أهوال، فالرأي العام الأزهري لا يرضى عن هذا التغيير ويعده إفسادا للأزهر وإفسادا للدين والرأي العام الشعبي يتبعه ويؤيده, وإما أن يترك الأزهر وشانه وينشئ النظام التعليمي الحديث، يقاد فيه المدارس الأوروبية، ولا يكون لهذه المدارس أية صلة بالأزهر( …) وإما أن ينشا هذه المدارس المدنية الحديثة، ويأتي بمعلمين أوروبيين، على أن يجعل هذا ضرورة يتخلص منها في أقرب وقت(…) وعلى هذا الرأي الأخير ، استقر الرأي(…)   وهكذا اختار محمد علي طريق الازدواج التعليمي فقام نظام التعليم الديني والمدني في مصر وعاشا جنبا إلى جنب حتى الوقت الحاضر ولازالا يتقاسمان الإشراف على شؤون التربية والتعليم في مصر.[6]

ظلت حينئذ مصر محتفظة بأنظمة تعليمية مختلفة إنها مزيج يستجيب ربما لخصوصياته الاجتماعية والدينية والسياسية ولم تستطع دولة الاستقلال أن تشذ عن هذا الخط.

وبقطع النظر عن تفاصيل هذا الخيار والحكم على مدى نجاعته فان ما أورده أحمد أمين على غاية من الأهمية لأنه يحيلنا على هاجس التربية المبكر في فكر النهضة ومختلف الرهانات والاستراتيجيات التي حفت بذلك، وهي استراتيجيات لا تتعلق بالخلفيات الفكرية التي كانت تسند تلك الخيارات فحسب وإنما تتعلق أيضاً بالأصول الاجتماعية التي كانت تفق عليها تلك الأطروحات المختلفة.

– قطر: يشهد قطاع التعليم في دول الخليج العربي توسعا هائلا، حيث شرعت بعض الدول ومن بينها قطر بإدخال إصلاحات هيكلية على نظامي التعليم والتدريب[7].

وتقاسم قطر جل الدول المكونة لهذا التجمع الإقليمي، فيما يتعلق بالتعليم السمات الآتية:

-التفاوت بين مستوى التعليم والاقتصاد خصوصا في بعده الاستثماري.

– تدني مستوى التحصيل.

– بيروقراطية الإدارة التعليمية.

– ارتفاع نسب التسرب والرسوب.[8]

كما يذهب البعض في تفسير هذه الأزمة إلى تراجع قيمة المدرسة والعلم الناجم عن فاعلية المصاعد الاجتماعية الأخرى -ذات العلاقة بالطفرة النفطية الحادثة بالبلاد – التي خطفت من المدرسة القدرة على الارتقاء الاجتماعي بالأفراد.

كل هذه السباب أدت إلى التفكير في خصخصة قطاع التعليم يأسا من إمكانية حدوث تحول حقيقي في الأمد المنظور. ويبدو أن اتجاه وزارة التربية القطرية إلى تحويل جميع مدارس وزارة التربية والتعليم إلى مدارس مستقلة في غضون السنوات القادمة دليل على حجم هذه المعضلة.

 

الفصل الاول: الإطار النظري للتحليل والمفاهيم

شهدت العشرية الفارطة اهتماما بالغ الأهمية بالمدرسة وتشهد الكتب المنشورة في الخمس سنوات الأخيرة باللغة الفرنسية والانكليزية وبشيء من الاحتشام في اللغة العربية) على صحة ذلك. فانتشار العنف وأشكال الجريمة والجنوح المتفشية داخل الفضاء المدرسي فد تكون من بين الأسباب الدافعة إلى هذا الاعتناء الاستثنائي بمنزلة القيم في المدرسة.

وإذ تعددت المقاربات والنظريات المعتمدة في فهم وتفسير هذه المسائل، فإننا نرجح اعتماد مقاربة التنشئة الاجتماعية لأسباب موضوعية خالصة، نذكر منها :

– انفتاحها على علوم متعددة: علم النفس، علم الاجتماع، الألسنية، علوم الإعلام…

– إمكانية تطويع هذه المقاربة لدراسة خصوصيات التربية والتنشئة في العالم الإسلامي ففي تراثنا الفكري الأصيل ما يدعم شمولية التنشئة الاجتماعية وتعدد أبعادها.

1- مقاربة التنشئة الاجتماعية

لاشك أن التنشئة الاجتماعية ما انفكت تقدم نفسها كمقاربة تفسيرية لما يحدث في المجتمع من ظواهر (التفكك الأسري، الجنوح، النجاح المدرسي، التسرب المدرسي…). وتنطلق هذه المقاربة من مسلمات لعل من أهمها أن التنشئة الاجتماعية هي من عمل مؤسسات اجتماعية، منها والأساسية والثانوية، التي تلعب دورا حاسما في توجيهها. ولقد توزعت نظرية التنشئة على عدة باراديغمات نذكر من أهمها: المقاربة التحليل-نفسية، المقاربة السوسيوتكوينية للتنشئة، المقاربة الثقافية…

فعلى سبيل المثال يذهب علماه الاجتماع إلى التشديد على دور المؤسسات الاجتماعية في احتكار التنشئة وإدارتها بشكل ضاغط ومكره إلى حد إلغاء أي إمكانية لتمنع الأفراد ومقاومتهم انتصارا التيار (الوظيفي الدوركهايمي من ابرز منظري هذا التوجه ) فهذا الأخير يرى أن “التربية هي التنشئة المنهجية للأجيال الناشئة” ويرتكز/ يستند في هذا المجال على نموذج ثقافي ينقل/ يمرر من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق وعادة ما تستعمل آليات الإرغام.

أمّا علماء علم النفس- فإنهم يذهبون بعض الاختزال الشديد إلى التأكيد على الطابع الفردي للعملية واتسام الشخص ببعض من السلبية والامتثالية في عملية التنشئة، إذ يذهب C.Laterrasse وA.Beaumatin في كتابهما علم النفس الطفل إلى تعريف التنشئة الاجتماعية باعتبارها مساراً شاملاً من خلاله ينخرط الفرد داخل جملة من الممارسات والعلاقات الاجتماعية. وتتدخل في هذا الصدد جملة من الآليات: التماهي، التبني، القسمة والمشاركة، المحاكاة (…) ولكن مقاربة نفسية حركية للتنشئة الاجتماعية تفيد أيضاً أن الفرد لا يمتثل سلبياً لما ينتظر منه المجتمع بل إنه يحتفظ لنفسه بقدر كبير من الحرية والمبادرة والتحفظ”1.

لذلك فإن علماء الانتروبولوجيا والاتنولوجيا يقدم إضافات مهمة استنادا إلى الدراسات الميدانية التي أجروها ولعلنا نذكر هنا A.Kardiner الذي استطاع خلال خمسينات القرن الفارط أن ينحت مفهوم الشخصية العادية في تواصل مع تراث المدرسة الثقافوية الأمريكية (Benedict, Mead…)، وينتهي إلى نتائج مهمة لعل أبرزها أن غالبية الأفراد هم عجينة تأخذ شكل مجتمعاتهم” لذلك فإن النسبية هي السمة البارزة لعملية التنشئة الاجتماعية وعلينا أن نستخلص الحقائق التالية:

  • في رحاب كل مجتمع، تعزز تصرفات ما وتنعت بكونها مخرقة لذلك فإن المجتمع يقوم بوصم أفراد يعتبرهم غير عاديين”
  • علينا أن نولي عناية خاصة بالطفولة المبكرة لأنها هي التي تحدد بشكل كبير صياغة الضمير.
  • إن محرمات وممنوعات مجتمع قد لا تكون هي ذاتها حينما ننتقل من مجتمع إلى آخر (الجسم الزواج…) وهو ما يحرج كونية مراحل النمو التي ينظر إليها بياجي.

فالمجتمع يهيكل الشخصية القاعدية لأفراده وذلك ما يقتضي وجود نواة صلبة للثقافة.

أما لنتون Linton فإنه – وفي ذات الاتجاه “يذهب ليؤكد أن هناك سمات Traits عامة للمجتمعات والمجموعات والشرائح الاجتماعية (فئات وطبقات) هي التي توجه سلوكات الأفراد ومع ذلك فهم يحافظون على حد أدنى من الخيارات الحرة.  

وإذ يشير كاردنير إلى الطابع الحركي/ الديناميكي لعملية التنشئة فإن J.Marrpeu يؤكد على ما ذهبا إليه حينما يعرفها بـ”دخلنة Interiorisation المعايير والقيم حتى تغدو الحياة الاجتماعية إما عملية ذات مسار/ اتجاه واحد بمقتضاها يندمج الفرد في جملة من المعايير أو النماذج الثقافية لمجموعة ما/ بمجتمع ما. وغما أن تكون التنشئة مسارا تفاعليا في مجراه يحافظ الفرد على هامش واسع من المناورة تجاه عملية الدمج وتطبيق القيم والمعايير”2 وأما Neyrand Gerard فإنه، وهو يتفحص المقاربات المختلفة التي تناولت، يؤكد أن “المصطلح يشكل ما نسميه كلمة حقيبة (Mot valise) ذلك أن عدة دلالات تطلق وتداول دون أن تكون لها الصرامة الكافية. إننا أمام حالة من “الإجماع الغامض” وحتى نساهم في إجلاء هذا الالتباس أو التقليص منه على الأقل فإننا نعني بالتنشئة مجال التقاء بين مقاربات نفسية واجتماعية مختلفة ولكنها تفيد إجمالاً تكيف/ تأقلم الفرد مع محيطه عبر مسارات مختلفة تتراوح بين التعليم L’apprentissage والتفاعل العلائقي ودخلنة المعايير الاجتماعية والشفرات الاجتماعية Codes Sociaux وبنية الشخصية الفردية”3.

أما التيار التكويني الذي بلوره في الأصل من عالم النفس التكويني Piaget الذي يصر على تجاوز التناقض الذي افتعله دور كهايم بين المقاربة السوسيولوجية مؤكدا على أن التنشئة الاجتماعية تعني بالأساس مسارات النمو الذهني للطفل وهو مسار يبنى بشكل دينامي متواصل، إنه مسار للتوازن وإعادة التوازن أي المرور/ الانتقال من وضعية/ حالة أقل توازنا إلى وضعية أكثر توازناً. ولكن ذلك تم وفق حركية دائمة تختلف عن المسارات الخطية التي يزعم البعض بأنها بديهية.

أما السمات الأساسية لهذا المسار فهي:

  • رسوخ البنى (أشكال تنظيم النشاط الذهني) وهي إما بنى معرفية (عرفانية) أي داخلية عضوية وإما عاطفية (أي خارج عن الجسم، هي بالأحرى علائقية).
  • استغلال دائم للبنى غير خطّي بالضرورة.

وتأمّن هذه البنى نحو الطفل ولكن ليس على شاكلة ردود أفعال أو في مواجهة للمثيرات الخارجية ولكن على الأرجح باعتبارها تفاعلات بين جسم Organisme الطفل ومحيطه الاجتماعي وذلك ما يقتضي إعادة توازن مستمر ويحقق هذا التوازن عبر طريقتين/ مسلكين:

  • مسلك الاستيعاب assimilation وهو مسلك دخلنة الأشياء والقيم.
  • مسلك التكيف accommodation أي التعديل المستمر للبنى بمقتضى التحولات الاجتماعية.

وتبدأ التنشئة الحقيقية عند بياجي حينما ينتقل الطفل إلى مرحلة الذكاء العملي وهي المرحلة التي تتيح للطفل بناء علاقات تعاون/ تنسيق طوعي. وهي  تتم حسب رأيه وفق ابتكار قواعد جديدة قائمة على مبدأ التنسيق coopération ومع ذلك فهو يعترف أن للتنشئة الاجتماعية تاريخا لا يخلو من الإرغام والإكراه الذي قد يصل أحيانا إلى القمع. ففي حين تنزاح التنشئة الأولى إلى مدارات السلطة والنفوذ فإن الثانية تستند إلى مدارات الاحترام والتقدير وهو ما يعزز استقلالية الفرد وإرادته وكلها تنجم عن التطور الذهني évolution intellectuelle  والخلقي للمجتمع والمجتمع عند بياجي ليس كلاّ موحّدا قامعا وإنما هو “جملة من الروابط الاجتماعية” التي تحتوي على:

  • قواعد (أبعاد عرفانية)
  • قيم (أبعاد عاطفية)
  • علامات (أبعاد تعبيرية)

وهي عناصر التنشئة الاجتماعية التي انطلاقا منها تبنى عملية التنشئة الاجتماعية وهو ما يؤكد الترابط الوثيق بين البنية الذهنية والبنية الاجتماعية.

أما J.Lautery فإنه يذهب أكثر في محاولة الاستفادة من منجزات علم الاجتماع لتجاوز مخاطر التعميم ويعمد إلى إدماج عدة متغيرات مفسرة : كالمستوى التعليمي للأسرة، نمط السلطة الأبوية…

فهي تؤكد أن “ظروف الحياة الاجتماعية والشغل، في ترابط”.

ما يؤاخذ على المقاربة النفسية التكوينية هي تركيزها بشكل مفرط على الفرد  الطفل فهذه الحلقة الانعكاسية لا تفسر كل التنشئة فالطفل ليس مجرد خامات من الذكاء إنما أيضاً استعدادات سلوكية يكيفها المجتمع إلى حد كبير.

2-مقاربة إعادة النتاج

يعد باراديغم إعادة النتاج كما بلوره بيار بورديو و أتباعه من أهم البارديغمات التي تناولت علاقة المدرسة بالتحولات الاجتماعية مما يمننا من فهم أفضل للرهانات المعقودة على المدرسة و جملة الصراعات و المواقع التي يحتلها الفاعلون الاجتماعيون حول عالم الاجتماع الفرنسي المتأثر بالماركسية و البنيوية ان يتجاوز القصور النظري لهذين المدرستين حين تختزل الأولى المدرسة في أداة للسيطرة الطبقية و الثانية حين تجعل منها بنية ثابتة.  فمن خلال دراسته للنسق المدرسي ووظيفته بحث عن إثبات أن المدرسة و النسق التربوي عموما هما من أفعال إعادة الإنتاج لذلك أدرج جملة من المفاهيم  مثل:

  • العنف الرمزي
    • الرأسمال الثقافي
    • استراتيجيا إعادة الإنتاج

يعتبر بورديو ان الصراع  الاجتماعي( الطبقي) جلي و بارز إذا ما انطلقنا من البلدان المتبناة الاقتصاد الرأسمالي . فمن خلال عملية إحصائية لشرائح المجتمع يمكن ملاحظة التدرج الطبقي اعتمادا على المهنة أو الدخل أو حتى المكانة الاجتماعية أو السلم القيمي الذي لا ينفصل كثيرا عن السلم الطبقي التقليدي و الذي اصبح للمدرسة دور حاسم في إنتاجه . وهكذا يمكن معاينة الصراع باعتباره صراعا حادا ومكشوفا بما أن العامل الاقتصادي هو الذي يرسي حسب هذا الباحث حجر الأساس في التفاضل الاجتماعي بحيث يمكن ملاحظة، وبحدود فاصلة، مختلف الطبقات الاجتماعية من الأكثر غنى حتى الأشد حرمانا.

ولكن ثمة رأسمال آخر، و هو إضافة بورديو الكبيرة، يكشف عن صراع أعمق وأشد رسوخا، ومن الملفت للانتباه أنه يشرع التمايز حتى داخل الطبقة الواحدة دون أن يثير حساسية هنا أو هناك. هذا الرأسمال يسميه بورديو بـ “الرأسمال الرمزي ” وهو ذاته ” الرأسمال الثقافي ” المقابل للرأسمال الاقتصادي. هذا الرأسمال بمختلف مكوناته هو الذي يكشف عن هابيتوس Habitusأي طبقة ويجعل الصراع الاجتماعي قائما ليس على أساس التنافس على فائض القيمة، بل على استملاك كل الثروات المادية والرمزية. وعلى هذا الأساس يتنوع رأس المال.

وعند دراسته للحقل المدرسي لاحظ أن تعسفا رمزيا تشرعه القوانين والتقاليد المدرسية التي تشتمل في مكوناتها الظاهرة على عدالة مصدرها تكافؤ الفرص وخضوع الجميع للقانون. وعليه فالسلطة المدرسية تتسلم في واقع الأمر تفويضا من الطبقات المهيمنة لفرض التعسف الثقافي، فعن طريق هذا التفويض يتم تمرير العنف الرمزي بلطف.

فلو أخذنا مثالا للغة و هي قطب العملية التربوية في المدرسة سنجد أن التلميذ الغني مثلا يختزن في ذاكرته رصيدا لغويا هائلا بالمقارنة مع التلميذ الفقير. فالأول يستعمل لغة تجريدية وله بروتوكول وإتيكيت عالي المستوى وله اهتمامات ثقافية ومدى اجتماعي واسع من العلاقات ورصيد من السلوكات والخبرات لم تكن متاحة لزميله المنتمي الى طبقة فقيرة ، وحين يدخلان نفس المدرسة و يجتازان  الامتحانات سيكون من الطبيعي أن تكون فرصة الطالب الغني في النجاح وتحصيل القدر الأكبر من المعدلات المدرسية أرفع  من فرصة الطالب الفقير. هذا الواقع ينطوي على تعسف ثقافي مشروع يعترف به الجميع دون أن يدركوا ظلمه وفداحته حسب هذا الباحث، فليس من العدل حسب اعتقاده أن يخضع التلميذان لامتحان من نفس النوع والمستوى في حين يتمايزان بشدة فيما لديهما من رصيد وفرص للنجاح. ومن الواضح أن التمايز الطبقي واضح على الرغم من أن المدرسة ذات سلط ونظام حياديين.

إن المدرسة في مجتمعنا هي حسب اعتقاده إحدى مؤسسات المجتمع المدني الأساسية التي تنتظم في نسق كلي للمجتمع وفق قواعد محددة، وتخصصت تاريخيا في مجال الممارسة التربوية الثقافية، وتلتقي بذلك في وظيفتها وتتكامل مع الأسرة في مجال التنشئة الاجتماعية الثقافية، ولقد نشأت المدرسة في المجتمع لتكون رديفا للأسرة في الوقت الذي استحال فيه على الأسرة تلقين النشء مختلف المعارف الثقافية، وهي تؤدي دورها هذا المنوط بها تحت هيمنة الدولة، والطبقة السائدة. فهي بحسبه إحدى أجهزة الدولة الإيديولوجية في مجال الفعل التربوي. وقد بقي النظام التعليمي ممزقا وتابعا للمركز الاستعماري على المستوى التنظيمي وعلى مستوى التسيير حتى بعد ان استقلت العديد من البلدان وهكذا فالمدرسة اليوم تلعب دورا أساسيا في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع محققة هيمنة الدولة وسيادتها بواسطة الإقناع والتراضي حسب تعبير غرامشي أو بواسطة عنف وإكراه وقسر يختلف عن عنف الدولة المادي بكونه عنفا رمزيا حسب بيير بورديو.

ان هذه الهيمنة كما يرى بورديو وباسرون، لا ترى أو أنها لا تريد أن ترى العلاقة بين التفاوتات الاجتماعية والتفاوتات المدرسية، إن العديد من الناس و حتى الباحثين و الساسة  يفسرون النجاح المدرسي بكونه تفاوتا بالملكات، فالمدرسة لا تخلو من انعكاس التناقضات القائمة بين النظم السياسية و كل الصراعات الاجتماعية و السياسية القائمة بين القوى الاجتماعية بسبب مواقعها و مواقفها من  الإنتاج المادي والثقافي للمجتمع، تخترق المجال المدرسي وتثوي في مضامين القرارات والمناهج وطرق التلقين، وهذا دليل قاطع على الارتباط الكبير بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي… بالدولة وبالمجتمع المدني.

أن ثقافة المدرسة كما يرى باسرون و بورديو، ليست على نحو مباشر هي “الثقافة البورجوازية” لكنها متساوقة معها بكيفية مباشرة، خصوصا عبر السلوكات الذهنية، واللسانية والثقافة، وتم تصور أشغال المدرسة وخصوصا اشتغال العلاقة البيداغوجية كآلة لإنتاج التفاوتات الاجتماعية، إذ لا يمكن الحديث عن فرصة تساوي الحظوظ ليس لآن المواهب التي تتحدث عنها الطبقات المهيمنة موزعة بكيفية متفاوتة بل لأن المدرسة تشجع التدابير الخاصة بالطبقات المبجلة، إن جل ميكانيزمات المدرسة هي في الأصل أساليب لانتقاء أطفال الطبقة المحظوظة وإقصاء الآخرين. فمدرسة إعادة الإنتاج حسب بورديو لا تنتج جيلا حرا، ذلك ان التفاوتات المدرسية منظور إليها كتفاوتات في الاستحقاق المدرسي  تضفي الشرعية على التفاوتات الاجتماعية التي تصدر عنها وتعيد إنتاجها.

و رغم أهمية هذه المقاربة فان العديد من الدارسين قد اعتبروا أن بورديو قد ضحى بالبعد العلمي و البيداغوجي و ميكانيزمات التعلم من اجل فضح البعد الطبقي للمدرسة و لكن اثبتت بعض التطبيقات العربية لهذا الباراديغم صحة عدة مقولات خصوصا و ان الأنظمة العربية المتسمة بالدولنة المفرطة قد راهنت على توظيف المدرسة من اجل إحكام الرقابة على المجتمع و توجيهه.

الفصل الثاني: مفاهيم البحث وحقولها الدلالية

1 -مفهوم التنشئة الاجتماعية

تبدو علاقة المدرسة بالمجتمع علاقة ملتبسة ومعقدة ولكنها لن تكون في كل الحالات علاقة مرآوية تجعلنا نشاهد ما يحدث في المجتمع في سطح المدرسة ونشاهد ما يحدث في المدرسة في سطح المجتمع. إنها على خلاف ذلك علاقة هولوقرامية hologramme. فالمدرسة على تفردها وخصوصياتها تجسد أصغر وأدق تفاصيل المجتمع وفي أدنى تفاصيل المدرسة وجزئياتها يكمن المجتمع في كلّيته: المجتمع ينتج مدرسة تنتجه.

سيترتب عن هذا الاستنتاج معضلة يعسر حلها اذ كيف نصلح المدرسة/التعليم إذا لم نصلح المجتمع ولكن فبل ذلك هل بالإمكان أصلا إصلاح المجتمع دون إصلاح المدرسة؟

هناك ضرب من الاستحالة المنطقية لتجاوز هذه التشارط المتناقض/ أو المفارق ولكنه أيضاً إذا ما نظرنا إلى الأمر على اعتباره حلقة boucle ثبت لدينا وبما لا يدعو إلى الشك أن أي مبادرة باتجاه احد طرفي هذه الحلقة ينجم عنها تأثير في الطرف المقابل. إذ أي تعديل قد يلحق المدرسة لا بد أن تكون له تداعيات في المجتمع والعكس صحيح فأي تعديل (عميق) في المجتمع ستكون له تداعيات متأكدة في المدرسة.

على التعليم إذا ما أردنا إصلاحه أن يسمو فوق المنظورات التي تختزله باعتباره مهنة، خبرة، وظيفة ومهمة fonction إنه بالنسبة لعالمنا العربي على وجه الخصوص إنقاذ عام لذلك يمكن أن ينظر إليه باعتباره رسالة mission.

إن الغاية الأولى من التعليم/ المدرسة وكما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي Montaigne  هو أن يكون للناشئة رأس جيد وليس رأس ملآنا”mieux vaut une tête bien faite que bien pleine”. والفرق واضح فالمدرسة مطالبة- وتلك رسالتها الأولى، لا أن تحشو جماجم الصبية بالمعارف وتكدّسها وتحسّرها بل أن تكسبهم ملكة التفكير الحرّ. ولن يتأتى لما تبقى من مدارسنا أن تقوم بهذا الدور إلا إذا كانت قادرة على:

  • جعل الناشئة متملكين لتلك الملكة في طرح قضايا ومعالجة المشاكل.
  • اكتساب مبادئ ناضجة تتيح الربط بين المعارف وإعطائها معنى ومغزى (طبيب يلجأ إلى العرافة…) فيلسوف سياسي ينخرط في تنظيم فاشي..إلخ

لقد أكد دور كهايم في كتابه “في التربية البيداغوجية في فرنسا الصادر في أواخر القرن التاسع عشر أن موضوع l’objet التربية الحديثة لا يكمن في تقديم معارف عديدة للأطفال بل “تشكيل/ صياغة حالة داخلية عميقة في ذاته، قطبية/ روحية polarité de l’âme توجهه لمعنى معين لا في طفولته فحسب بل كامل حياته”1.

تفيد التنشئة الاجتماعية تعلم العيش في حياة اجتماعية والتكيف مع المحيط الاجتماعي: مبادئ وقواعد وقيم ورؤى وذلك عبر استيعاب assimilation القيم والمعايير والبنيات الذهنية والفكرية والمعارف العملية للوسط الاجتماعي.

كما تعني أيضاً مسار شامل يتلقى خلاله الفرد/ المجموعة ينخرط داخل جملة من الآليات mécanismes : التماهي، التبني، المشاركة ،المحاكاة، التقليد….و لكن علينا أن نقر في ذات الوقت بديناميكية للنشأة الاجتماعية التي تفيد أن الفرد لا يمثل سلبيا ينظر المجتمع منه بل إنه يحتفظ لنفسه بجملة من ردود الأفعال الايجابية التي قد تذهب إلى حد يعدّل فيه الفرد مسارات تلك التنشئة جنوحا وابتكارا. وتكون التنشئة وثيقة الصلة مع المكانة الاجتماعية والاقتصادية والمستوى التعليمي للأبوين وهو العوامل التي تحدد ممارستهما التربوية مما يجهلها تنعكس بدورها تنعكس على التطور الذهني للطفل” وانتهت إلى نتائج تفيد أن كلما كانت سلطة الأبوين متعسفة ومكانتهما الاجتماعية وضيعة/ دنيا كلما كان نمو الطفل الذهني مرتبكا ومشوشا والعكس صحيح.

وغير بعيد عن المعاني التي حددناها تذهب التقارير الأممية ومن أهمها تقارير التنمية الإنسانية فتعرف التنشئة الاجتماعية بأنها “هي العملية التي يكتسب الأفراد بمقتضاها المعرفة والمهارات والاتجاهات والقيم والدوافع والتجريدات والأنماط التي تؤثر في تكيف الفرد مع بيئته الطبيعية والاجتماعية والثقافية. ورغم أن التنشئة الاجتماعية تمتد لعمليات في مراحل حياة الفرد المختلفة إلا أن مرحلة الطفولة تعد أكثر المراحل حساسية وتأثرا بها وعلى الرغم من مركزية الأطفال في عملية التنشئة، فنادرا ما ينظر لهم كأفراد فاعلين ومؤثرين في هذه العملية، إلا أن هذه النظرة التقليدية بدأت في التغير تدريجيا في أوائل الثمانينات نتيجة للدراسات الاجتماعية والنفسية والأنتروبولوجية التي أكدت أهمية خبرة الطفل الاجتماعية وأسلوب تعلمه واكتسابه للمعرفة في عملية التنشئة”.[9]

أما عن أساليب التنشئة أو أنماطها فإن التقرير ذاته يحدد ثلاث أنماط كبرى: هناك أنواع من التنشئة هي : الأسلوب المتسلط، والمتساهل والحازم أظهروا تكيفا أكبر من الناحية النفسية والاجتماعية وكانت درجاتهم أعلى في التحصيل العلمي وتقدير الذات(…) وتشير الدراسات إلى أن أكثر أساليب التنشئة انتشارا في الأسرة العربية هي أساليب التسلط…” وكما هو معلوم فان كتابات المفكر الفلسطيني هشام شرابي تلقي بظلها في هذا الجانب بالذات على كافة التقارير تلك.( مقولة السلطة البطريكية، مقولة الجندر…). ومع ذلك فان هذا التعميم لا ينطبق أيضاً على العديد من نماذج التنشئة خصوصا تلك التي تستند على خلفية إسلامية عميقة حيث تكون التربية قائمة على مشاعر البر بالوالدين وأواصر مشاعر الحب الأسري.

2- مفهوم القيم

يختلف مفهوم القيم من منظور إلى آخر وإذ يعسر علينا أن نلم بكل ما كتب حول مسالة القيم في مثل هذا المقام فانه يمكن عموما تبين ثلاث اتجاهات كبرى تناولت هذه المسالة : اتجاه المثالي : وينظر إلى القيم باعتبارها مسائل مطلقة واتجاه براغماتي لا يرى في القيم سوى أدوات توصلنا إلى منافع واتجاه واقعي يسعى إلى مزاوجة بين التسامي بالقيم وشدها إلى حياة الناس العملية ومع ذلك يمكن أن نجد أساسا عاما لتعريف هذا المفهوم إذ يمكن أن نعرفها وبصفة إجرائية على أنها مجموعة من الأحكام المعيارية المتصلة عادة بمضامين واقعية : أحداث، أفعال، تصرفات وسلوكات. وعادة ما يتشربها الفرد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، حتى تجد القبول من أوسع الفئات الاجتماعية، ومختلف أوجه التفاعل مع المحيط والخبرات المكتسبة وإذ كانت مصادر القيم متعددة كالتجربة الفردية أو الجماعية أو العقل فان الحضارة الإسلامية فد جعلت من الدين المصدر الأبرز لذلك. وتتجسد القيم عادة في مختلف التعبيرات: اللغة والسلوك والتصرف. وعادة ما تتكفل القيم برسم التوجهات الكبرى للأفراد والمجموعات وتشكل لهم رؤاهم وتصوراتهم لذواتهم والعالم.

والقيم خصوصا الأخلاقية منها هي من بنية رسالة الأديان السماوية لذلك فان الإسلام كدين حنيف قد مد الإنسان بمعايير إلاهية للحكم على الأشياء والأفعال والأحداث فيصبح كلام الله هو الفيصل في الحكم على الحسن والقبيح، وعلى المباح والمحرم، والشرعي والمجرم ، فيكون الحسن ما وافق الشرع ويستوجب الثواب، والقبيح ما يخالف الشرع، ويستلزم العقاب.

وإذ هناك من يفرق بين القيم والمعتقد باعتبار أن الأولى تشير إلى الحسن مقابل الرديء والثانية تشير إلى الحقيقة مقابل الزيف فان هناك من يؤكد وجود ارتباط قوي بين الاثنين. فالمعتقدات تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الوصفي، والتقييمي، والآمر الناهي، والقيمة من النوع الثالث، حيث تبدو “معتقدا ثابتا نسبيا، يحمل في فحواه تفضيلا شخصيا أو اجتماعيا لغاية من غايات الوجود، أو أشكل من أشكال السلوك الموصلة إلى هذه الغاية. والقيم شانها من شانها المعتقدات تحتوي على ثلاثة عناصر، الأول معرفي يتمثل في إدراك الإنسان لما يريده ويرغب فيه، والثاني وجداني يتعلق بشعور الإنسان حيال الأشياء والأعمال والثالث سلوكي يرتبط بحركة الإنسان حيال الواقع المعيش.[10]

وتعمد كل حضارة أو بالأحرى كل منظور إلى إعلاء قيم على حساب أخرى لذلك فان المساواة التامة بين القيم لا يمكن أن تكون قائمة لذلك تعمد الحضارات إلى ابتكار سلم قيم يعكس تراتب هذه الأخيرة.

لقد استعمل مفهوم القيم للدلالة على وجود ما يشبه الحدوس intuitions المترابطة ببعضها بعضا. ويفيد الحدس الأول وجود ما يشبه تراتب كوني للأشياء والكائنات إذ يلازمها أقلية بعض على بعض آخر. وحالة المساواة المطلقة لا يمكن وجوديا أو منطقيا أن تكون قائمة. هذا الحدس يجعل من الأشياء والكائنات تلك أرقى/أو أدنى من بعضها، فتصطف وفق ذلك ضمن سلم تراتبي ما يعده المجتمع (المجموعات) لنفسه مستندا في ذلك على الركائز الكبرى لثقافته: الدين، الأعراف والتقاليد…وهذا ما يثبت الطابع الموضوعي للقيم أي تجسدها خارجيا.

كما أن لمفهوم القيم صيت ذائع حيث تبدو هذه القيم أحيانا بمثابة الضرورة المنطقية والوجودية فهي التي تتيح لنا/ تشرّع لنا جل مشاعرنا المتحررة حول ثنائية : حب/كره فوفق تلك القيم يحب البشر أشياء ويكرهون أخرى. ولنا أن نتصور عبث تلك المشاعر ولا معناها في افتقاد تلك القيم وهذا ما يؤكد أيضاً البعد الذاتي للقيم. ورغم أن هذه التعريفات قد تحيلنا إلى حلقة مفرغة إلا أنها تمنحنا مسلمتين يمكن أن يشكلا قاعدة انطلاق من اجل تعميق مفهوم القيم.

ولمن إذا كان البعض يختزل القيم في القيم الأخلاقية بالذات فان هذه الأخيرة أوسع فهي تغطي أغلب مناشط الحياة. لذلك فإنها جمالية ومعرفية وغيرها.

وتتولى التربية أو بصفة أوسع التنشئة الاجتماعية تحويل القيم من مبادئ مثلى ومجردة راسخة في الذهن كامنة في الضمير أو الوجدان بفعل التراكم المعرفي الشفاهي والتعلم مما يجري في البيئة المحيطة أو في الواقع المعيش.

لقد بينت جل التقارير الصادرة والمتعاقبة (تقرير التنمية الإنسانية العربية من سنة 2002-2009م تربط بين التنمية والمعرفة على قاعدة إدراك جملة من القيم “في العمر الراهن من تطور البشرية” يمكن القول أن المعرفة هي سبيل بلوغ الغايات الإنسانية الأخلاقية الأعلى : الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية”5كما أنها تربط وبشكل مباشر وضيق نشر المعرفة (التحصيل العلمي وإنتاجه) بالتنشئة الاجتماعية “تعتري عمليات نشر المعرفة في البلدان العربية في مختلف مجالاتها (التنشئة والتعليم والإعلام والترجمة) صعوبات عديدة”. إننا أمام تنشئة عربية تكبح فالدراسات تشير إلى أن أكثر أساليب التنشئة انتشارا في الأسرة العربية هي أساليب التسلط والتذبذب والحماية الزائدة مما يؤثر بصورة سلبية على نمو الاستقلال والثقة بالنفس وضعف مهارات اتخاذ القرار لا في السلوك فحسب وإنما في طريقة التفكير، حيث يعوّد الطفل من الصغر على كبح التساؤل والاكتشاف والمبادرة. 

ففي سياق سوسيوثقافي أو حتى فردي خالص يشكل الحكم الأخلاقي والقيمي عموما عنصرا محددا في توجيه السلوك والتصرفات. إن القيم المدخلنة intériorisées تشكل مؤهلات واستعدادات    disposition صلبة نسبيا تكون بمثابة الرقيب الداخلي الذي يجعل تصرفات الفرد متوازنة ومعتدلة أو كما يقول علماء النفس سوية.و عادة ما تنتظم وهذه القيم وفق سلم صاغته جل الحضارات الإنسانية وفق تدرج هرمي : قيم أساسية، قيم ثانوية، إلخ.

وكما أكدنا سابقا فانه لا يمكن اختزال القيم في القيم الأخلاقية رغم أن هذه الأخيرة تعدّ نواتها الصلبة إذ أن أصناف/ أنواع القيم أوسع من ذلك بكثير : فهناك أيضاً القيم الجمالية والقيم السياسية، إلخ وقد تتسم هذه القيم بالنسبية في حين تميل الأولى إلى ما يشبه الثبات رغم ما يطرأ عليها من تبدل أحيانا.

فضرورة التربية تكمن في ترسيخ تربية أخلاقية تستند إلى منظومة قيمية حتى تتيح للناشئة تكوين ملكة الحكم الأخلاقي والقيمي لديهم. فليس المهم تبليغ transmission تلك المنظومة للناشئة وجعلها معروفة بل أن يستند إليها الأطفال عند تعبيرهم للأفعال والتصرفات ويحتكمون إليها بحيث تصبح خيارهم الأخلاقي الحر. علينا أن نحدد ما نعنيه بمفهوم القيم وهو المفهوم الذي يسرد بكثافة خلال هذه الدراسة. لذلك فإننا خيرنا أن نقدم له تعريفا مؤقتا يتيح لنا تبادل الأفكار علنا نعمد في مجرى تقدم البحث إلى تدقيقه ذلك أننا نهدف في النهاية إلى إبراز ما تقدر المدرسة على تغييره من قيم مجتمعية وحدود هذا الأثر.

فالقيم تضفي على المؤسسة الاجتماعية عموماً هيبتها وحرمتها وكلما وهنت القيم ضعفت المؤسسة التربوية بشكل خاص والعكس صحيح أيضاً.

ولعله يمكن لنا أن نميز إجرائيا في تناولنا للقيم والمدرسة ثلاث دوائر أو حقول قيمة:

– القيم المركزية- المدرسية les scolo-contrées أي تلك القيم التي تنبني حول المدرسة ذاتها: قيمة العلم، قيمة العلماء…قيمة المدرسة…

– القيم الجماعية les valeurs Communautaires. أي القيم الاجتماعية العامة التي تحيط بالمدرسة وتخترقها. فلا يمكن أن نعتقد أن المدرسة مهما سيّجت (ماديا ورمزيا) نفسها قادرة على منع وصد قيم المجتمع الذي يحتضنها.

إن النمو الأخلاقي كما صاغتها نظرية Lawrence Kolberg تعطي أهمية حاسمة للتجارب الشخصية في تثمين الأشياء وتعبيرها وحتى تلك النزاعات والتوترات التي تنشأ أثناء الاختبارات الأخلاقية القصوى تعد أمرا إيجابيا. إن التواصل الاجتماعي الحي هو الذي يعطي معنى للقيم التي ينشأ عليها الأفراد في الوسط المدرسي.

فليس المهم في اعتقادنا أن تعلم المدرسة القرارات الأخلاقية الصائبة بل أن تمنح للأطفال فرص تعلم طرق تبرير تلك القرارات والبرهنة justification على صوابها.

إن المدرسة- أحيانا- دون وعي منها – توفر لنا إن لم نقل – تضعنا أمام اتجاهات قيم ومواقف خلقية معينة وعلينا أن نعترف أن هذا الأمر بالذات كان بالغ الأمر في النصف الثاني من القرن الفارط، حيث أوكل للمدرسة العربية في ظل أنظمة سياسية لم تتح لشعوبها مشاركة سياسية واسعة تجعلها شريكا في الاختيارات الاجتماعية/ المجتمعية الكبرى، جملة من المهام والوظائف التي تكاد تستفرد بتوجيه الأفراد والمجموعات ولعل المؤسسة الوحيدة التي كانت تنافسها إلى سنوات قليلة متأخرة هي : مؤسسة العائلة.

فالمدرسة من خلال درسها الثاني (الدرس القيمي، المنهج الخفي) تؤثر على الحياة الاجتماعية والعيش المشترك وكل مجالات الحياة اليومية.

إن القيم هي القناعات التي يعتقد المرء أنها بمثابة بوصلات repères أساسية والتي تصلح لأن تشكل خياراتنا حتى تلك الأصعب وهي التي توجه الجزء الأكبر من أفعالنا وتصرفاتنا. غير أن قيمنا ليست مجرد خيارات فردية خالصة أو آنية محضة إنما هي أيضاً قبل كل شيء ميراث/ إرث نكتسبه من خلال مختلف عمليات التنشئة والتربية التي يتولاها محيطنا الاجتماعي والثقافي: الريف بصفة خاصة، المجموعات الاجتماعية : أصدقاء، اتراب، زملاء، والمؤسسات الاجتماعية : عائلات، إعلام، إلخ…إن لهذه الهياكل الاجتماعية أثر كبير علينا وفق تجارب العيش المشتركle vivre commun.

ويميز المختصون في الدراسات القيمية ما يعنون به بالقيم الأساسية/ الرئيسية وهي جملة القيم التي من فرط تغلغلها في البشر تبدو وكأنها “غريزية” تنغرس في الضمير الفردي والجمعي وإذ يعزيها البعض إلى عمليات برمجة ثقافية- فطرية فإن البعض الآخر يرجعها إلى التنشئة الاجتماعية (دين، أخلاق، تربية) وتتكفل بأن تجعل الحياة الاجتماعية قابلة لأن تعاش (قيمة الحياة، قيمة الحساب، قيمة السلامة، قيمة الصحة..) والقيم الفرعية أو الثانوية.

وتعتبر الأولى القيم التي يصطفيها المجتمع لتيسير الاجتماع البشري وهي من مكونات هوية الفرد والركائز الثابتة لشخصيته. كما تعتبر القيم أيضاً “محركا” لكافة أفعالنا بل ونوايانا وهي ركيزة الثقة في الذات ويرى Schwartz أن القيم هي بمثابة:

  • مفاهيم ومعتقدات ترتبط بشكل وثيق بالنوايا والأفعال والتصرفات إنها تتسامى وتعلو بالأفعال وتشدها إلى غايات عليا. كما أنها تقود الخيارات وتتيح لنا تغيير التصرفات والسلوكات التي يبديها الأشخاص أو توصي بها الأحداث. وعادة ما تنتظم القيم لدى الأفراد والمجتمعات وفق أهميتها باعتبارها مبادئ توجه لنا حياتنا وتعطيها معنى. إن تراتبية القيم أمر لا يمكن نكرانه فالقيم لا تتساوى في قيمتها (مثال قيمة الشرف والعدل،الكرامة والمساواة.

أما الحاجات التي تترجمها القيم في المجتمعات فهي ثلاث حاجات كونية كما يذهب الى ذلك صاحب التحرير والتنوير الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور[11].

  • إشباع الحاجات الأساسية (البيولوجية (للأفراد.
  • إتاحة التفاعل البشري وجعل الحياة/ الاجتماع الإنساني أمراً ممكناً.
  • تأمين السير السليم لحياة المجموعات البشرية.

وتبتكر المجتمعات قيمها وتستوحيها من نصوصها الكبرى (كتب مقدسة، حكمة تجارب، أساطير…) حتى تقدر على ترتيب المسائل التالية:

– الأمن أي سلامة الأفراد والمجموعات: إنه صنف من القيم يرتب الانسجام الاجتماعي واستقرار المجتمعات واستمرارية العلاقة الإنسانية والاجتماعية. ويتكون هذا الصنف من القيم التالية: قيمة النظام (الاجتماعي)، السلامة العائلية، سلامة الوطن، النظافة، الوحدة، الصحة

– السلطة: قيمة السلطة، النفوذ وتتفرع إلى قيم ثانوية : الوجاهة الاجتماعية، الهيبة الاحترام، الاعتراف بالجميل…إلخ

– النجاح: وهي قيمة ترتبط بالنجاح الفردي والجماعي وتتوزع على جملة من القيم الفرعية: الطموح، التوجه نحو النجاح، الكفاءة، الجدارة، التأثير، احترام الذات.

– التجارب المفيدة، رفع التحديات، التجديد، الابتكار، الجرأة، الشجاعة، المغامرة، إلخ.

– استقلالية الذات : قيمة الخيار الحرّ، الابتكار، الاكتشاف وهي قيم تضفي على الفرد خصوصية وتفردا ولا تدرك هذه القيم إلا إذا توفرت القيم المكونة الآتية : الابتكارية Creativité التخيل، الحرية (تفكيرا وممارسة) بما يمكن الفرد من اختيار أهدافه ومشاريع الكبرى الخاصة، فشغف الاطلاع والمعرفة والاكتشاف، الاستقلالية (التعويل على الذات…)، الحق في حياة خاصة.

  • الكونية: إنها الفهم والتسامح وحماية الكون والطبيعة أما القيم المكونة لهذا الصنف من القيم فهي قيم المساواة، السلام وحدة المصير البشري/ الحكمة، الجمال، العدالة، اتساع الصدر ورحابتهن حماية الطبيعة.
  • الخير: حب الخير La bienveillance هي السعي إلى تحسين الأفراد الذين لنا بهم علاقة. أما القيم المشكلة لهذا الصنف فهي: الوفاء، الشرف، الغفران، المسؤولية، الصداقة والحب.
  • التقاليد: وهي التي تعني التطابق مع العادات والأعراف والانخراط في استمرارية التقاليد التي أرستها الديانات والحضارات. ويتكون هذا الصنف من القيم من قيم : الاحترام للتقاليد، التواضع، الدين، الرضا، الاعتدال
  • المحافظة: le Conformisme وهي تجنب الأفعال والسلوكات والنزاعات التي تخدش كرامة الناس وتألمهم وتخرق المعايير الاجتماعية ولا يدرك هذا الصنف إلا إذا أفلح الأفراد في مراقبة ذواتهم في تفاعلاتهم اليومية. أما القيم التي تكوّن هذا الصنف فهي الطاعة، الاحترام، التحكم في الذات، إكبار الأقارب والأجداد.

وعموما فانه لا يمكن للمجتمعات أن تعيش دون وجود ميثاق قيمي charte de valeurs. 

“لا يكاد ينتظم أمر الاجتماع كمال انتظامها ولا ترى الأمة عقدها مأمونا من انفصامه، ما لم تكن مكارم الأخلاق غالبة على جمهورها، وسائدة في معظم تصاريفها وأمورها لان ملاك مكارم الأخلاق هو تزكية النفس الإنسانية، اعني ارتياض العقل على إدراك الفضائل وتمييزها عن الرذائل الملتبسة بها “. [12]

3- مفهوم الهندسة الاجتماعية

تفيد الهندسة الاجتماعية في العلوم السياسية جملة من الممارسات الهادفة إلى تعديل تصرفات وسلوكات مجموعات اجتماعية كبرى.

فهي تعني إدخال تحويرات وتغييرات على مجموعات/مجتمعات بشرية دون أن تعبّر هذه الأخيرة على رغبة في ذلك أو تطالب به. فمنذ عشرينات القرن الماضي بدأ في المجتمعات الغربية اللائكية تعويض الدين تدريجيا كضابط ومنظم للعلاقات البشرية وكان ذلك يتم لفائدة ضابط جديد لهذه العلاقات تمثل في علوم جديدة تعنى تحديدا بدراسة السلوكات الإنسانية من أجل التحكم فيها وتوجيهها (علم النفس التجريبي، البرمجة العصبية اللغوية PNL، التصرف في الموارد البشرية إلخ…). والغرض من هذه الدراسات لا ينحصر في التحليل أو الفهم بل أساسا التعديل وإعادة البرمجة باعتماد جملة من التقنيات المتنامية (الإعلامية، الإشهار، التدريب المرافقة. Coaching في هذه الأساليب الجديدة لإدارة المجتمعات غدت القيم اقتصادا رمزيا بالغ الأهمية.

انتقلت هذه المجتمعات في مجال الضبط الاجتماعي من الاعتماد على الدين واللغة والرموز التقليدية إلى البرمجة السلوكية وذلك عبر تحريك والتلاعب manipulation بالمشاعر والأحاسيس.

إذا كانت السياسة تعني في مفهومها العام والتقليدي فن ادارة المدينة فإنها قد تحولت منذ منتصف القرن الفارط إلى بنّاءة نظام يمكّن من مشاهدة الأشخاص/ المواطنين ومراقبتهم بحيث يمكن توقع ردود أفعالهم. إن الهندسة الاجتماعية بهذا المعنى تعدّ خدعة اجتماعية تزيف أنظمة الإدراك لدى الأفراد. إن تقنيات التلاعب بوعي الناس وإراداتهم قد نمت بفضل الإعلام والاتصال والمدرسة والفنون.

وتسعى الهندية الاجتماعية إلى أمرين أثنين:

  • نمذجة السلوكات والتصرفات وجعلها متماثلة Standard
  • توقيع رقيق لردود الأفعال التي تبديها المجموعات تجاه أحداث وطنية أولية، وهو ما يجني السياسيين المفاجآت.

وعادة ما يحدد هذان الأمران مدى نجاعة أي هندسة اجتماعية.

فالهندسة الاجتماعية تفيد عموما برمجة وتطويع وتكييف المجموعات وفق نماذج جاهزة ومخططات مقدّمة مسبقا.وذلك ما يؤدي في النهاية إلى حالة من التماثل والانسجام والتناغم المطلق مع السياسات والتوجهات الكبرى التي ترسمها الدولة أو بالأصح النخب الحاكمة كيف عاين للهندسة الاجتماعية أن تتغلب على المقاومة/الصدّ الذي تبديه بعض المجموعات الاجتماعية القائمة.

وإذا كان هناك من يعترض على هذا المفهوم الذي يوصي ظاهريا أنه ضرب من التعسف يحمل الناس على تغيير معتقداتهم وتصرفاتهم وسلوكاتهم في إكراهات فوقية فإن قبولا كبيرا لقيمة هذا المفهوم فهو رائج حاليا لنمو وسائل الاتصال وقدرتها المتنامية على تغيير قناعات الناس وتوجيههم إلى منظومات قيمية جديدة (فصول، عرض الحلقات المستجدية، نظام الامتحانات، إلخ…) الشهائد والديبلومات إلخ.

كانت المهمة الأساسية للمدرسة الحديثة وإلى حدود الثلث الأول من القرن العشرين إعادة إنتاج النظام الاجتماعي من جهة وتعليم الناشئة العلوم الحديثة. إنها وظيفة مزدوجة سياسية اجتماعية من جهة وتثقيفية تعليمية من جهة ثانية ولكن لم يشفع لها نزعها من الكنيسة وخصوصا إطارها (مدرسين، قيمين، عملة…)  من أن تضعها الدولة على ذمتها. إنها غدت مدرسة المواطنين وليست مدرسة “المؤمنين/المتدينين” وأصبحت رهانا لتنمية الموارد البشرية وتثقيف المواطن وتعليمه l’instruction du citoyen لذلك غدت قاطرة التنمية والتقدم.

لقد أكد عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوكهايم وهو أحد أبرز منظّري التوجه الوضعي للتربية كما بينا سابقا أن المدرسة هي مصنع الاندماج الاجتماعي بامتياز إنها تقوم بمهمتين أساسيتين:

  • الوظيفة الأولى: المساهمة في توحيد جميع مناحي الأنشطة الاجتماعية حول قيم مركزية من خلال التربية العامة/ التربية العمومية.
  • الوظيفة الثانية: إعداد الأفراد إلى اكتساب المعارف والمهارات الضرورية لممارسة أعمالهم. لذلك فإنه لا يمكن لنا أن نتصور تقسيما اجتماعيا للعمل بالمعنى الحديث للكلمة دون استحضار هذه الوظيفة التوزيعية للمدرسة. فالمدرسة في العصر الحديث غدت مصنعا ثانيا “للأعمال والمهن والكفاءات وهي لا تقوم بهذا فحسب بل تضفي إليه شرعية ومشروعية. إن الاستحقاقية واحتكار الاعتراف العمومي بالمهنة قد غدا مهمة المدرسة بامتياز : يستحق الطبيب أن يكون طبيبا لأنه زاول تعليمه في هذا الاختصاص ونجح وتحصل على ديبلوم…فهو جدير علميا/اجتماعيا بممارسة مهنة الطب. ويستحق الراعي مثلا أن يرعى الغنم لأنه. انقطع عن التعليم ولم يصب منه ما يؤهله لمهنة أخرى (أرقى اجتماعيا).

لكل مجتمع حينئذ هندسته الاجتماعية وقيمه ومعارفه الخاصة ورغم اختلاف رمزياتها فإن الوظائف تظل واحدة : توحيد الأجيال وشدها إلى مرجعية ثابتة تعزز وحدة المجتمع وتخفف قدر الإمكان من احتمالات النزاعات والصراعات ومع ذلك على المجتمع أن يكيف أيضاً المدرسة مع ما يحدث فيه من تطورات وطوارئ حتى تضطلع المدرسة ذاتها بوظيفتها الأساسية : المحافظة على الاندماج الاجتماعي ضد كل النزاعات الصراعية والمفتتة، لذلك أكد دوركهايم مثلا في كتابه L’Education morale التربية الأخلاقية) أن المدرسة مطالبة بتأمين تربية الناشئة على قيم ثلاث مركزية : روح الانضباط، التعلق بالوطن والعقلانية وإذ يبدو اليوم أن هذا المنظور يتراجع فإن تالكوت بارسنز مثلا قد أكد أن المدرسة مطالبة بأن تراتب الناس لتبوؤوا على قاعدة الاستحقاق، مكانات اجتماعية ومعرفية متباينة وذلك من خلال “المعرفي المعقّد” Cognitive complexe أي جملة القيم الكونية المتمحورة حول العقلانية، العلوم والكفاءة على الضفة الأخرى تقف أطروحات موازية ترى أن المدرسة لا يمكن أن تقدم للناشئة قيم مجتمعية ولا أيضاً كونية إنما هي تقدم قيم الدولة أو بالأحرى قيم الطبقة/ النخبة الحاكمة ولعل الكتابات التي دلت مباشرة أحداث ربيع ماي 1968م بفرنسا كلها تذهب في هذا الاتجاه كما أن الغربلة أو الانتقاء التي تقوم به يستند في الأساس على فرز طبقي. فأمام المدرسة لا تستوي حظوظ الأطفال إذ يدخل الأطفال إليها بأرصدة معرفية واجتماعية متفاوتة (كتاب (les heritiers/ الورثة لعالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (P.Bourdieu). فحين تعامل المدرسة الأطفال على قدم المساواة إنما تغذي في الأصل اللامساواة التي قدموا عليها عوض أن تتداركها أو تعالجها. ويمعن هذا التيار في بيان الطابع الرأسمالي للمدرسة الحديثة في كتابهما ( la reproductionإعادة الإنتاج) إذ يبينان أن المدرسة تمارس شتى أنواع “العنف الرمزي” إنها تنتقي ما تراه “مناسبا” من قيم معايير وتجبر الأطفال على استيعابها وكأنها حقائق أبدية أو أزلية في حين أنها ليست سوى إنتاجات نخب وطبقات تحتكر المدرسة وتجبر الأجيال على استيعابها. فالدولة تعمد إلى تفويض المدرسة العديد من صلاحياتها العنفية/ الإكراهية.

وبقطع النظر عما أصاب المدرسة في العقود الأخيرة من اختلالات خطيرة عطلت هذه الوظيفة الثانية، فإن الأصل هو أن توزع المدرسة المواطنين على خارطة المهن الموجودة وتكسبها شرعيتها ومشروعيتها يبدو العمل في تقسيمه الاجتماعي معقولا.

واذ لا يختلف عاقلان في قبول الوظائف المعرفية للمدرسة واستتباعاتها الاجتماعية (الفرز الاجتماعي على قاعدة الاستحقاق المعرفي، الارتقاء الاجتماعي …) فان توظيف المدرسة باسم القيم عادة ما يثير عدة قضايا لا يمكن أن نتجاهلها خصوصا في المجتمعات العربية ذات التنوع الديني أو المذهبي أو حتى الثقافي كما أن المناداة بتحييدها أمر غير ممكن ومع ذلك فان يتم توظيف المدرسة لتغدو مصنعا للحشو الإيديولوجي على حساب التحصيل المعرفي في اعتقادنا أمر خطير يضحي بالقيم والمعرفة معا.

يقول الإمام الطاهر بن عاشور مشددا على التلازم بين العلم والأخلاق.” فالحث على اكتساب العلم تحريك للمقاصد الثلاث: التفكير، وإصلاح العمل، وإيجاد الوازع لان بالعلم تمييز الخبيث من الطيب فهو عند ذلك التمييز تفكير في التمايز. تم هو دليل على الفضائل وقائد إلى الخيرات يرشد إلى التكثير منها وحارس عن النقائص يحذر من الدنو إليها، فيه يعرف العمل الصالح”.[13]

لقد كان الفيلسوف الألماني كانط يردد باستمرار في هذا الصدد “إن الأنوار مرهونة للتربية وإن التربية مرهونة للأنوار. لذلك فإن إصلاح المدرسة/ التعليم لا يمكن أن يتم دون إصلاح الفكر وهنا نسأل عن معضلة الخروج من هذه الحلقة المفرغة وطاحونة العبث : لكي نصلح التعليم علينا إصلاح الفكر ولكي نصلح هذا الفكر علينا أن نصلح التعليم.

4- مفهوم الدرس المضاعف (المنهاج الخفي)

تقدم المدرسة لطلابها درسين : درس نظامي (شكلي) يتمثل محتواه في المقررات والبرامج المعدة والتي يتولى المربي/المدرس إلقائها على الطلاب وتفسيرها حتى ييسر على المتعلمين اكتسابها( معارف ومهارات) وتلقي في ذات الوقت درسا آخر غير منظور non visible في العديد من الأحيان من خلال أساليب التربية وجملة الشفرات الاجتماعية والسلوكية المتداولة سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر : الهندام، الاختلاط، أساليب التعامل، القيم المتداولة داخل حرم المؤسسة، المواطنة…النظافة، المعما، الحوار، تمثيلية الطلاب، إلخ… وهذا هو الدرس الثاني الذي يكون أكثر تأثيرا في مستوى قيم الطلاب ورؤاهم وموجهات أفعالهم وسلوكاتهم. انه درس مستتر لا يقل تأثيرا عن الدرس النظامي والمقررات المدرسية.

خـاتمـة

لا تلعب المدرسة دورا بالغ الأهمية في نشر العلم وإكساب الطلاب المعارف والمهارات فحسب بل تعمد عادة إلى صياغة وجدان الناشئة ورؤاهم من خلال ما تلقيه عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر من قيم ومعايير وتصورات. فهذا الدرس الثاني الذي تقدمه المدرسة لطلابها يوجه في الكثير من الأحيان التاريخ السياسي والثقافي للمجتمعات. إن النخب السياسية والثقافية خريجة المدرسة عموما تعمد إلى الالتفاف على المدرسة ذاتها وتوظفها من اجل نشر قناعاتها وأفكارها. لا يمكن أن تنجو المدرسة وخصوصا المدرسة العمومية من التوظيف وهي عادت ما تكون ذراع الدولة تديرها كمقاول حريص على إنجاح هندسته الاجتماعية. ولعل الفصول القادمة كفيلة من خلال الأمثلة والحالات بالبرهنة على صحة ما ذهبنا إليه.

الباب الثانـي

التربية والتعليم في البلاد العربية التحديث التربوي ومعضلاته

تقديم

لم تشكل التربية (المقترنة بالتعليم) كما راجت اصطلاحا بالمعنى الحديث مبحثا مستقلا خلال العصر الوسيط الإسلامي إلا نادرا وكانت هذه الدراسات قد وفقت على أرضية علمية مخالفة لما سيجري طرحه لاحقا حينما سينظر في فكر النهضة إلى مسالة التعليم على خلفية التدارك التاريخي الذي بدا واضحا من خلال الاستعمار الذي بدا ينهش جسم الأمة.

فخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، برز بشكل استثنائي ثلة من الإصلاحيين مسلمين، عمدوا الى صياغة ونشر موقف ايجابي للإسلام من العلم: سيد احمد خان، وسيد أمير علي في الهند وجمال الدين الأفغاني ونامق كمال في تركيا، والشيخ الطهطاوي ومحمد عبده مصر وخير الدين التونسي وقبادو من تونس… وبقطع النظر عن الأسبقية الزمنية للبعض على البعض الآخر فانه من المرجح ان سيد أحمد خان التركي كان الأسبق بالنظر إلى انه كان قد قام ببعض الجهد في مجال إعادة صياغة” العلوم الإلهية” حتى قبل حدوث ثورة 1857 في الهند.[14]

هؤلاء المصلحون جميعا والذين عاشوا في زمن واحد تقريبا، دافعوا بكل حماس عن تدريس العلوم وتطويرها، كما دافعوا عن عملية اقتباس الذهنية العلمية من الغرب، على الرغم من أن نامق كمال كان الوحيد الذي تلقى علمه في الغرب، حيث درس الفانون والعلوم الاقتصادية. وإذ أدركنا أن هؤلاء الأشخاص –باستثناء الأفغاني ومحمد عبده-لم يلتقوا على الإطلاق مع بعضهم البعض، سيدهشنا كثيرا الإجماع الحاصل لديهم على الوضعية الرثة التي آل إليها حال التعليم والتربية في العالم الإسلامي

وكذلك القواسم المشتركة التي تجمع بين آرائهم وخصوصا جملة الحجج المستعرضة في برهنتهم علي ما دعوا إليه في سياق حضاري وتاريخي كانت النزعة الغالبة فيه معادية لجل الاقتباسات من الغرب. وبالتأمل في المدونة الضخمة التي راكمها هؤلاء نستطيع أن نذكر أهم هذه الحجج:

  1. ان ازدهار العلوم والذهنية العلمية بين المسلمين بين القرنين التاسع والثالث عشر، قد نتج عن الاستجابة لأمر يلح عليه القرآن فمن واجب الإنسان دراسة الكون من حوله باعتبار الكون خليقة الله، خلقه للتدبر والمنفعة وهي مسائل لا تدرك إلا بالعلم.
    1. ان ذهنية البحث والتنقيب قد تدهورت في العالم الإسلامي خلال القرون المتأخرة من العصر الوسيط، مما جعل المجتمع الإسلامي يجمد وتتدهور أوضاعه.
    1. ان الغرب قد طور دراسة العلم التي كان قد اقتبسها على نطاق واسع من المسلمين، فازدهر بفضلها وبهذه العلوم المقتبسة يستول على الأقطار الإسلامية نفسها.
    1. حين يدرس المسلمون، بالتالي العلوم المقتبسة حديثا من الغرب المتطور، انما يستعيدون ما به تميزوا وهم ويستجيبون بالتالي للتعاليم المنسية في دينهم

وتدعم أطروحات رواد فكر النهضة عموما ممن لم يكتبوا في غرض التربية مباشرة هذه الفرضية التي نقدمها خصوصا أطروحة[15] المصلح التونسي خير الدين باشا والمصلح الطهطاوي فالأول عرف انه كان من بين أكثر الرواد عناية بالتعليم هذا إلى جانب فكره الإصلاحي الريادي الذي شكل عمليا “مانيفستو” الحركة الإصلاحية التونسية أما الثاني فلقد كتب في الغرض التربوي مباشرة وهو الشيخ الأزهري المتنور الذي رافق أول بعثة طلابية مصرية إلى فرنسا مرشدا روحيا لها فعاش توترات الحداثة الغازية ولم ينجو من بعض تأثيراتها. “لقد أدرك رواد الإصلاح –في المشرق كما في المغرب- ضرورة النظر في شأن المؤسسات التعليمية التقليدية المشرفة على تدريس العلوم الشرعية حتى يتمكنوا من جديد الرؤية للدين الإسلامي على ضوء التحديات التي عاشها المسلمون منذ أكثر من قرن,، ومن هذا المنطلق جاءت محاولات الإصلاح التعليمي التربوي باعتبارها مدخلا مهما ورئيسيا للخروج من التخلف والضعف والانهيار الذي زحف على البلاد الإسلامية”[16].

الفصل الأول: التربية في الفكر الإصلاحي العربي

سنعمد في هذا الفصل إلى انتقاء بعض النماذج والتجارب الإصلاحية خصوصا تلك التي كان لها الأثر الكبير لا في بلدانها فحسب بل في الفكر الإصلاحي العربي برمته وهو انتفاء لا يخضع لمعايير وميولات فكرية أو إيديولوجية، إنما يخضع بدرجة أولى إلى استجابته لفرضيات البحث وتمثيلية البلدان المشتغلين عليها.

1- خير الدين باشا بتونس

كان للهزيمة النكراء التي تلقاها الجيش العثماني خلال معركة نافارين 1827 Navarin والتي ساهم فيها الجيش التونسي والجيش المصري (الحربيتين التونسية والمصرية) أثرا مؤلما في وعي النخبة السياسية بالبلدين وهو ما عمقه احتلال الجزائر سنة 1830. كان اليقين ان وراء الغلبة العسكرية قوة علم ومعرفة لذلك سيكون طلب العلم مسلكا للتدارك واكتساب القوة المفوّتة.

لقد تأكدت النخب بهذين القطرين أن حالة المعارف والعلوم التي تقدمها المؤسسات “التقليدية” لم تعد كافية هذا إن لم تكن سببا فيما عليه الأمة من وهن وضعف وهو الشيء الذي رسخ حينما تم احتلال تلك البلدان ليقف الناس بشكل مباشر على معارف ومهارات وتقنيات لم يعهدوها: طب، هندسة، طباعة…

“قدم الأطباء، الصيادلة، المهندسون الغربيون لإبراز تفوقهم في مجال المعرفة والعلوم الفيزيائية وتقدمهم أيضاً في مجال المعارف التطبيقية.”

كان أول ما بادر إليه احمد باشا في أول سنة بعد توليه عرش البلاد تأسيس المدرسة الحربية بباردو لأجل تكوين ضباط جيش محترفين ومهندسين تقنيين وموظفين لذلك سميت أيضاً بمدرسة المهندسين حيث تولى إدارتها مستشرق إيطالي ودعي إلى التدريس بها عدة مدرسين من جنسيات مختلفة: ايطاليين، أنقليز، فرنسيين لتدريس مختلف العلوم الحديثة إلى جانب اللغات طبعا إلى جانب العلوم العسكرية.

ولقد دعي الشاعر الكبير الشيخ الزيتوني المصلح محمد قبادو للتدريس بها وعهد إليه مادة العربية والتربية الدينية/ الإسلامية، كما اهتم بترجمة الدروس المقدمة والعلوم العسكرية إلى اللغة العربية.

كان لهذه المدرسة الفضل الأكبر في عقد لقاء مربك ولكنه مثير بين الثقافة التقليدية العربية الإسلامية وبين الثقافة الغربية الحديثة ولقد تولى إدارة هذه المدرسة خير الدين – أحد المماليك الشركس اشتراه من اسطنبول وكان يحذق اللغة الفرنسية-تعلم اللغة العربية وأجادها فيما بعد ولقد كان خير الدين منظرا- كما رأينا- لهذا التيار الإصلاحي.

كان الشيخ قبادو قد تأكد أن وراء النهضة الأوروبية الحديثة تكمن المعارف العقلية والفيزيائية بدرجة أولى التي كان علماء الإسلام يجهلونها وان سبب الانحدار/ الانحطاط الحضاري يكمن في التخلي عنها بعد أن كان المسلمون روادها ومبتكروها.

أما الدائرة الثانية التي احتضنت الفكر الإصلاحي فلقد كانت الزيتونة التي كان يدرّس بها هذا الشيخ حيث كان يحظى باحترام وتقدير كبيرين لدى طلبته وزملائه ومن بين هذه الدائرة سيبرز شيخان لهما أثر كبير على مجرى تطور هذا التيار وهما الشيخان سالم بوحاجب ومحمد بيرم التونسي. أما الدوائر الحكومية فإنها كانت أيضاً واقعة تحت تأثير هذا التيار ولعلنا نذكر هنا صاحب القلم أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب: إتحاف أهل الزمان في تاريخ تونس وعهد الأمان الذي زار باريس صحبة البشير احمد باي.

كان مشروع خير الدين التونسي الإصلاحي التحديثي يقوم على جملة من المبادئ نذكر منها بكل إيجاز ما يلي.

  • نشر المعارف والعلوم
  • النهوض بالفلاحة والتجارة
  • النهوض بالمهن والحرف
  • تخفيف البطالة
  • تحسين ظروف العمل
  • إرساء حكم صالح ورشيد

ولكن خارج هذه الأجندا “المطلبية” ينهض مشروع خير الدين على قناعتين/ منطلقين :

  • الأول سياسي إذ كان خير الدين يعتقد أن العالم الإسلامي يحتاج إلى “حكم مقيد” من شأنه أن يضع حدا للحكم الاستبدادي المطلق ولذلك ستكون تونس أول بلد عربي سيعرق الدستور وستكون الحياة الحزبية المبكرة محكومة بهذا المطلب وليس من باب الصدف أن يسمى اعرق الأحزاب التونسية بالحزب الدستوري .
  • الثاني ثقافي: فهذا المصلح كان يعتقد أن التعليم الجيّد والحديث من شأنه أن يكفل نهضة تمتد إلى الصنائع والحرف والمهن المجاورة. كان الرجل أحيانا يبدو وكأنه من معتنقي نظرية الحتمية التربوية التي ترى في التعليم مفتاحا سحريا للقطع مع بؤس التاريخ ونوازل الدهر.

      شكلت تلك المطالب وعلى هذه الأرضية التي نظر إليها خير الدين التونسي محور الحركة الوطنية اللاحقة( ولعل جلها لا يزال قائما حاليا محاور صالحة للنضال).

كان الربع الأخير من القرن التاسع عشر الذي نضج فيه هذا المصلح خصبا على مستوى الحياة الثقافية والفكرية وهي التي سترسم المسالك التي ستعرفها البلاد وخصوصا نخبها الفكرية والسياسية.

يقدم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه “الحركة الأدبية والفكرية جذور الحركة الإصلاحية بتونس” ،ويعود تحديداً إلى الشيخ الزيتوني محمد قابادو وأتباعه الذي واصلوا على نفس المنهج ويخص بالذكر منهم الشيخ سالم بوحاجب ومحمد السنوسي ورفاقه من أمثال الجنرال خير الدين الذي سيكون له شأن كبير في مجرى الإصلاح السياسي والإداري الذي ستعرفه البلاد ولعل كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك يعبر عن برنامج الإصلاح الذي طمحت إليه تلك النخبة. فالرجل وعلى خلاف بعض القراءات التي تعمد إلى اجتثاثه من بئته الثقافية الإسلامية لتلحقه تعسفا برياح التغريب منخرط في تلك التربة.

لقد كانت هذه الفترة خصبة وهي التي ستمهد لاحقا لنشأة الحركة الأدبية والفكرية التي ميزت تونس ولعل الشاعر الشابي والحداد (قاسم أمين المغرب العربي) وحشاد الزعيم النقابي الذي تم اغتياله في الخمسينات وغيرهم من أبرز هذه الوجوه التي قادت هذه الحركة. ومن المهم أن لا نذكر فقط الرموز الفكرية والقيادات الاجتماعية التي نظرت وأطرت هذه الحركة بل علينا أيضاً أن نثمن الدور الهام والحاسم الذي لعبته المؤسسات التي اشرنا إليها سابقا كالزيتونة والخلدونية والمدرسة الحربية بباردو (1840) والمدرسة الصادقية التي بعثها خير الدين تحت إمرة محمد الصادق باي سنة 1875 وهي التي شكلت حاضنة مؤسسية لتلك الفعاليات.

لقد شكلت المدرسة الحربية بباردو بشكل استثنائي مهد الحركة الإصلاحية بتونس ثم عاضدتها الصادقية التي صاغت لها لجنة مكونة من علماء الزيتونة يرأسها الوزير الأول مناهجها وبرامجها وتم اعتبارها مدرسة عربية دينية حديثة وفي برامجها وسعت المعارف لتشمل اللغات الأجنبية (الفرنسية، التركية، الايطالية إلى جانب معارف الفيزياء والرياضيات والفلك والعلوم الاجتماعية : التاريخ والجغرافيا…).

ويتوزع التعليم على مرحلتين الابتدائي والثانوي. كان التعليم في البداية يتيح لهؤلاء الانتقال إلى الزيتونة وبنفس الدرجة. كما اعتنت نفس اللجنة بإصلاح التعليم الزيتوني من خلال إعادة النظر في برامجه وتوجهاته ومختلف الدرجات العلمية والشهائد الممنوحة وهي مسائل لم تكن موجدة من قبل فتم إدراج: العلوم الفيزيائية والطبيعية ولو بشكل محدود. كما أن انتداب المدرسين قد غدى يتم وفق مناظرة ولقد صدر ذلك في قانون مكوّن من 37 فصل صدر سنة 1876م/1292هـ.

 كان لهذا السياق دلالة بليغة. فالعلوم العسكرية الحديثة التي كانت تدرس إلى جانبها العلوم الإنسانية والاجتماعية (جغرافيا، رياضيات، لغات، تربية بدنية) قد أنجبت فكرا إصلاحيا انعكس على مستوى الذهنيات. ان افتتان الفكر الإصلاحي بالقوة سيدفع إلى التوسل بالعلم. ولعل اللافت للانتباه أن هذه الحركة الإصلاحية قد ضمت منذ النشأة وجوها بارزة من الزيتونة لتلتحق بهم في البدايات الأولى كوكبة من المعهد الصادقي. وليس من الغريب أن يجتمعوا حول صحيفة الحاضرة (1888).

ما يهمنا في هذه التفاصيل والأحداث التاريخية هو ما يلي:

  • إن الحركة الإصلاحية بتونس كما نظر اليها المصلح خير الدين وجل الذين تأثروا به والتي شهدها أواخر القرن التاسع عشر كانت نتاجا لـمؤسسات تعليمية بدرجة أولى: المدرسة الحربية بباردو، الزيتونة، المعهد الصادقي المدرسة الخلدونية…
  • إن المسارب الفكرية الإصلاحية كانت متنوعة تنوعا طفيفا مما جعل الرافد الإسلامي والعربي والتحديثي تتآلف مع بعضها بعضا دون توتر أو إقصاء، فالمدرسة الحربية أو الصادقية كانت تقدم تعليماً حديثاً (مدرسون أجانب، لغات أجنبية، علوم حديثة…) ولكن الزيتونة أيضاً كانت قد قدمت علماء متنورين وكان ذلك نتاج دينامية داخلية بدرجة أولى، زادها التثاقف وهجاً ونضجاً.
  • إن النخب الفكرية، خريجة هذه المدارس بالذات هي التي سترسم المشهد الثقافي والفكري من خلال توزعها على: الصحافة والإعلام، العمل النقابي والسياسي أحزاب وجمعيات، مؤسسات الدولة: إدارة ومسؤوليات[17].
  • كان لبعض الرموز العربية والإسلامية دورها في إذكاء روح الإصلاح لدى هذه الحركة ولعل في زيارة الشيخ محمد عبده لتونس سنة 1905 أبرز ما يترجم ذلك.
  • لقد ساهم الاحتلال الفرنسي فيما بعد بصفة غير مباشرة، وذلك ما سنعود إليه بمزيد من التفصيل، في دفع هذه حركة فلقد كانت إحدى ردود الأفعال عليه ولكنه لا يوجد دليل واضح على أنها كانت مجرد نتيجة من نتائجه. فلد رأينا أن جذور الحركة الإصلاحية تعود إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر في حين أن البلاد لم تحتل إلا سنة 1881.

وعموما فان النتيجة التي تعنينا بشكل مباشر هنا هو ان الاهتمام بالتعليم لدى هذا المصلح في تونس او في غيره من البلدان العربية والإسلامية كان موسوما بنزعة ذرائعية لم تر فيه آنذاك سوى معارف ومهارات وفنون بها يتدراك التأخر التاريخي وخصوصا في مجال الصنائع. ولم يكن وارد لديه مطلقا ما قد يصاحب التعليم من حدوث تغيرات قد تشمل الذهنيات والقيم.

– كان الفكر الإصلاحي التونسي في مسالة التعليم بالذات يستند إلى مرجعية إسلامية تجعل من اكتساب العلم “فريضة” بالمعني الديني للكلمة ولم نجد في المدونة التي اشتغلنا عليها من رأى في الإسلام عقبة تحول دون اكتسابه.

2- الطهطاوي بمصر: المدرسة الحديثة أو تعلم الحداثة

خلال الربع الأخير من القرن الرابع عشر، والسنوات الأولى من القرن العشرين، كان الوسط الثقافي والروحي بالأزهر في مجمله، وسطا شديد المحافظة. يقيناً أن سياسة الملك الخديوي ومناوراته السياسية (حيث ان القصر لو يكن بالتأكيد مناصرا لأفكار الإصلاح الإسلامي) قد لعبت دورها في ما آل إليه وضع تلك المؤسسة. ولكن حتى من دون هذا العامل كان من الواضح أن خطوات التقدم نحو إصلاح التعليم بهذه المؤسسة كانت بطيئة ولا يعود الأمر إلى عجز الوسط المتنفذ عن فهم خلفيات الإصلاح وآثاره المتوقعة بل يعود في اعتقادنا إلى الخوف من كلفة الإصلاح وهي كلفة اجتماعية وثقافية وسياسية بالدرجة الأولى. كان هؤلاء يعلمون أن الإصلاح يدفعهم آجلا او عاجلا للتنازل عن بعض المواقع وخسرانها إلى الأبد ربما وإما البعض الآخر وهم قلة فكان يعتقد أن من شان الإصلاحات تلك أن تنسف الإسلام من أساسه

يعد الطهطاوي (1801-1877) من أهم رموز الفكر الإصلاحي في مصر. إنه مثقف ما بعد ذلك اللقاء الدامي بين مصر ونابليون ولذلك ستكون كل حياته وآثاره متأثرة بتلك التجربة، واقعة لا شك تحت دهشتها. رافق الطهطاوي أول بعثة مصرية إلى فرنسا مرشدا ومؤ طرا روحيا (1824) ولقد مكث هناك ما يقرب عن ست سنوات.

كانت قناعة الطهطاوي التي صاغت رؤيته الإصلاحية كلها أن نابليون لم يهزم مصر بما يمتلكه من عتاد بل بما تمتلكه فرنسا من علوم ومعارف عرفت كيف تحولها إلى قوة. لذلك مثل ربط المعرفة بالقوة فكرة حديثة بعد أن كان التصور التقليدي يربط القوة بمسالة الإيمان أو القناعة.

كانت دهشة الطهطاوي كبيرة حين وطأت قدماه[18] باريس لما وصلت إليه من تقدم معماري واجتماعي وسياسي. فالحداثة لم تترك مجالا من مجالات الحياة إلا واكتسحته. ولم يتمالك عن إبداء إعجابه بكل تلك المظاهر (من آداب الأكل إلى حرية التعبير والتنظيم…).

لم يكتف الطهطاوي بإجراء المقاربات (كانت أحيانا مضنية وأحيانا أخرى ساذجة) بين نمطين من الثقافة والحضارة بل حاول أن يقدم تفسيرا لكل تلك الفوارق (الهوة الحضارية) فلم يتوان عن تأكيد أن ذلك ناجم بالأساس عن تطور المعارف والعلوم في المجتمعات الغربية وهو تطور أمنته المدرسة والتعليم عموما في حين خلل التعليم في البلاد العربية متخلفا عاجزا عن إنتاج معرفة حديثة من شأنها أن تبتكر أو تتحول إلى قوة كما يحدث الأمر في المجتمعات الغربية.

ولكن ما يمثل حقيقة استثناء طهطاوياً هو ذلك الثناء الذي شمل به أخلاق الفرنسيين Moralité La أي تلك الأخلاق المتعلقة بمعاملاتهم فيما بينهم أو فيما بينهم وبين الأجانب فهم عموما كما أورد في كتابه المشار إليه “يحفظون الأمانات ويراعون الجوار ويحترمون المواعيد، ويخلصون في العمل إلخ”…وهو موقف جريء إذ عادة ما يعمد المثقفون التقليديون إلى ذم أخلاق الفرنسيين (الجابرتي على سبيل المثال).كما تميز الطهطاوي عن غيره من رحالة الإصلاحيين (في حدود العشرين تقريبا/ أواخر القرن التاسع عشر) بثنائه المبالغ على المعارف والعلوم التي انتشرت بين النخب وقد خصصوا لها معاهد ومدارس أعدت للغرض. وهي أشياء يعيب الطهطاوي على العرب تغييبها.

ورغم كل ذلك ظل الطهطاوي يعيب على الحداثة الغربية استهتارها الأخلاقي أحيانا خصوصا فيما يتعلق بتعظيمهم للفلسفة وازدراءهم للأديان أو ما آلت إليه المرأة التي من فرط تحررها غدت بنت الحداثة المدللة.

ورغم وجاهة تلك الدعوة التي أكد عليها الطهطاوي فيما يتعلق بضرورة إعادة صياغة التعليم في مصر منهجا ومؤسسات فان شيئا لم يحدث وذلك للاحترازات التي ذكرناها سابقا. فلقد كان محمد عبده فيما بعده يشعر بالخيبة نفسها إزاء إصلاح الأزهر ولكنه أمام اليأس من تدارك حالة جمود البرامج التعليمية فيه-اختار أن ينصح الحكومة المصرية آنذاك، بإقامة كلية مستقلة تتولى إخراج رجال القانون تحت اسم “دار القضاء”، وفي نهاية الأمر حين أرغم عبده على الاستقالة من المجلس الأزهري خلال شهر آذار1905 ” إن نفسي قد توجهت إلى إصلاح الأزهر منذ كنت “مجاورا” فيه بعد التلقي عن السيد جمال الدين الأفغاني، وفد شرعت في ذلك فحيل بيني وبينه، ثم كنت أترقب الفرص، فما سنحت إلا واستشرفت لها وأقبلت عليه، حتى إذا صادفت الموانع وصبرت مسترقباً فرصة أخرى. اما خصمه الشيخ الشربيني، عمدة الأزهر فقد رد عليه ذلك الرد الشهير حين أكد “ان الهدف الذي توخاه إباؤنا من إقامة الأزهر، إنما كان إقامة دار لله، أي مسجد يمكن فيه للناس أن ينصرفوا للتعبد له….أما شؤون الحياة الدنيا والتعليم الحديث فان لا شأن لها بالأزهر على الإطلاق…لقد أراد هذا الرجل (و يعني الشيخ محمد عبده) أن يدمر هذا الصرح النير من صروح التعليم الديني ، وأن يحول هذا المسجد العظيم إلى مدارسة للفلسفة والأدب, وكان الخديوي عباس الثاني ملك مصر، قد قال شيئا شبيهاً بهذا بمناسبة تنصيب الشربيني شيخا للأزهر.[19]

نخلص مما تناولناه بإيجاز في منزلة التعليم في الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي إلى ما يلي :

  • إن هاجس التعليم كان من أوكد الهواجس التي تم التطرق إليها في هذا الفكر.
  • إن التعليم في فكر الإصلاح كان في العديد من الأحيان مرادفا للعلم بالمعنى التقني والعقلي للكلمة وقد حدث ذلك تحت وطأة الرغبة في التدارك التاريخي والحضاري.
  • لم تطرح كما هو متوقع قضية القيم في علاقة بالتعليم لسببين اثنين على الأرجح: اعتقاد أن المسلمين لهم اكتفاء ذاتي قيمي يجعلهم في غنى عن تعلم القيم من الآخرين هذا فضلا عن إمكانية إشاعتها لديهم. أما الفرضية الثانية فهي اعتقادهم أن للمسلمين مؤسسات تربوية حصينة قادرة على تامين تلك الوظائف: العائلة والمسجد.

الفصل الثاني المدرسة الكولونيالية : المبشر والوسيط الثقافي 

كانت المدرسة التي أسسها المستعمر في تونس ومصر وغيرها من البلدان الإسلامية خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر قد بدأت تجني ثمارها في أقل من عقدين عن ذلك التأسيس. كان الخريجون الأوائل لهذه المؤسسات وسطاء ثقافيون Médiateur culturel ولكنهم راحوا يعملون في اتجاه واحد فقلما حملوا الثقافة الاستعمارية الغازية على تعديل قيمها والأخذ من منابع الثقافة الوطنية (العربية، الإسلامية) لمستعمراتها. كان هؤلاء على خلاف ذلك يؤكدون أن المدرسة الكولونيالية هي المعبر الوحيد لدخول أزمنة الحداثة وهم همزة الوصل الوحيدة والممكنة بين ثقافة الحداثة والشعوب المستعمرة الموسومة بالتقليدية والتخلف.

فمع احتلال تونس سنة 1881 سيتغير المشهد كليا حيث عمد Paul Cambon المقيم العام الفرنسي بتونس عند حلوله بتونس سنة 1882 مستلهما من التجربة الاستعمارية المراهنة على التعليم وأساسا المدرسة “لتدجين” الشعب التونسي. لذلك عمد سنة 1883 أي مباشرة بعد الاحتلال العسكري للبلاد إلى بعث الإدارة العامة للتعليم (DIP) وأسس سنة 1884 أول مدرسة عليا للمعلمين.

كان الرهان على المدرسة الكولونيالية كبير فإليها سيوكل نشر الثقافة الفرنسية التي تمر حتما عبر اللغة أداة ووعاء ينضج مفاهيم ورؤى وقيم لقد قال Louis Machnal سنة 1906 “علينا أن نبعث بتونس شبكة من المدارس التي بها يأتي أطفال الأهالي لتعلم لغتنا وإعادة تشكيل عقولهم بالأفكار والمعاني الفرنسية. كان الرجل وهو المدير العام لإدارة التعليم يعي جيدا الوظيفة الخطيرة التي بإمكان المدرسة الحديثة أن تلعبها خصوصا في سياق استعماري. فالهيمنة لا تتدعم إلا إذا ساندتها لغة وثقافة وهي أمور لا تستقيم إلا بالمدرسة. فالعقليات والقيم الفرنسية كما يذهب هذا الرجل لا يمكن أن تتمكن إلا بمن تكلم اللغة الفرنسية.

من خلال هذه الإستراتيجية عمل المستعمر في بداية الأمر على خلق فئة من “الوسطاء” ذوي ساقين: واحدة في الثقافة الفرنسية وأخرى في ثقافة المجتمع المحلي المستعمر. وستوكل إلى هؤلاء طورا بصفة ضمنية وطورا آخر بصفة مباشرة نشر القيم وتأطير الأجيال بإسم تثاقف غير متكافئ أصلا.

كانت المدرسة جزءا من خطاب كامل يشرع للاستعمار ذاته باسم نشر رسالة المدنية الحضارة. لذلك فضّل الاستعمار ومجّد مؤسستين: المدرسة والمستوصف/ المستشفى. فالأول يتولى تعهد العقل وترتيبه وتهذيبه والثاني يتولى ترتيب الجسم وتطبيبه. فالمدرسة الحديثة منذ انغراسها في المجتمع التونسي كانت امتدادا للأجهزة الأيديولوجية للدولة الكولنيالية.

فمن واجب المدرسة أن تدرب هذه الشعوب “ذات الثقافة الدنيا” على حذق قيم العصر والتخلي بآدابه ومعارفه. ولقد كرر الخطاب الكولنيالي باستمرار أن المدرسة الحديثة من واجبها أن تزيل “الظلام” وتبعث دورا جديدا هو نور التقدم الكولنيالي “تشكل المدرسة” أفضل جهاز ايديولوجي للدولة. ومع تيقننا أن ذات المدرسة قد كان لها آثار عكسية تتناقض مع ما رسم لها حينما بثت من روحها وعيا مناهضا للاستعمار ذاته مشدودا لقيم الحداثة وحقوق الشعوب والديمقراطية والاستقلال، فإن جل النخب التي تخرجت من هذه المدرسة كانت امتدادا للثقافة الكولونيالية بل إنها أحيانا ما بينت ازدراء وتنكيلا بالثقافة الوطنية ورموزها ما لم تجرأ عليه القوى الاستعمارية ذاتها.

كانت المدرسة الكولونيالية منذ نشأتها تعي جيدا أن مهمتها مضاعفة فهي من جهة تعلم الحساب واللغة والقراءة والكتابة ولكنها أيضاً تعلم الناشئة الآداب والأخلاق والقيم والمعايير. وهي بهذا الدرس الثاني (الخفي) تشكل وعيا وعقلا جديدين عادة ما كانا في خصام مع الثقافة الوطنية.

وستعمد الإدارة الاستعمارية إلى خلق مناخ تثقافي جديد حيث تم إحداث إدارة التربية العمومية وعلى رأسها مستعرب ولد بالجزائر هو Louis Mahnel ليتسلم مقاليد جميع الأنظمة الثقافية والتربية بما فيها التدخل السافر في شأن التعليم الزيتوني.

فكان أول ما بادر إليه تأسيس معهد وطني/ مدرسة وطنية عليا لتكوين مدرسين تونسيين باللغة الفرنسية وكان مقرها معهد العلوية بالعاصمة. ثم فتحه حصرا على خريجي الصادقية يلتحقون به. كما عمد إلى إلغاء كافة المواد ذات علاقة بالحضارة العربية بمدرسة الصادقية ذاتها والإبقاء على عدد من الساعات المحدودة لتدريس اللغة العربية. وبذلك تم “قطع تكوين التلاميذ مع جذورهم قطعا بين ماضي الأمة وحاضرها وهو ما أصاب هويتهم الوطنية في الصميم”[20]. بعد ذلك توجه إلى التعليم الزيتوني فقطع أيضاً ذلك الممر الذي كان قائما بين الزيتونة والصادقية وألغى من التعليم الزيتوني كافة المعارف الحديثة والكونية كالرياضيات والهندسة والعلوم الطبيعية. وعمد بعد ذلك إلى بعث شبكة من المدارس تدرس اللغة الفرنسية وهو ما خلق ازدواجية خطيرة شعر فيها ذوي اللسان العربي بدونية لازالت آثارها وتعبيراتها حاضرة وبكثافة في المشهد الثقافي والفكري بالبلاد بعد مضي أكثر من قرن ونصف.

كان خريجو هذه المدارس وأساسا المعلمين مبشرين لائكيين بامتياز (missionnaires laïques) ينشرون المعرفة والخير لحمل الناس على حب فرنسا[21].

ومع ذلك أبدى المستعمرون ذاتهم فيما بعد تحفظا شديدا على تعليم التونسيين وخصوصا  أولئك المعمرين الزراعيين الذين نقدوا تعليم التونسيين وعدّوا ذلك خطرا على المدى الطويل. فبتعلم هؤلاء مبادئ الغرب كالحرية والعدالة والديمقراطية قد ينزاح هؤلاء إلى اعتناق مبادئ الوطنية.

وفي خلاصة قد يكتنفها بعض التعميم يمكن أن نذكر أن المدرسة الحديثة الكولونيالية في السياق التونسي قد استطاعت في أقل من نصف قرن أن تقدم جملة من المكاسب وهي التي تحسب لها :

  • توسع من دائرة الشرائح المستفيدة من التعليم والتي ظلت أنظمة التعليم التقليدية عاجزة أو غير راغبة في ضمها: (شبان الأرياف، فتيان الضواحي الحضرية، فتيان المدن…وحتى بعض من أبناء الطبقات الشعبية أو الرثة) وهو ما يحسب لفائدة هذه المدرسة ولا يمكن أن ينكرها عاقل منصف.
  •  أدرجت المدرسة علوما ومعارف درست في إطار التعليم العمومي لأول مرة: الحسابيات، علوم الحياة، التاريخ والجغرافيا…وهي معارف ظلت مقصورة على المدرسة الصادقية.

أما ما يحسب عليها وهو الذي أعاد هندسة البنى الذهنية والاجتماعية للمجتمع التونسي والتي طبعت بشكل يكاد يكون بنيويا فنذكر منه ما يلي:

  • درست هذه المدرسة اللغات الأجنبية وأساسا اللغة الفرنسية في سياق بناء تمايز بالمعنى السويسوليجي للكلمة[22] وقد تكون الإدارة الاستعمارية فد غرست بذلك بذرة الازدواجية اللغوية والثقافية بل والحضارية التي لازالت تشق المجتمع وأساسا نخبه الفكرية والسياسية شقين لدودين مع ما ينجم عن ذلك من الاستحواذ على رصد ورساميل أحيانا غير متكافئة لا ماديا ولا رمزيا وليس من الاعتباطي ان يكون التيار الأكثر عداء حتي لتعبيرات الإسلام  الشعبية هم من ذلك التيار قبل ان تلتحق بهم ولكن في سياقات مغايرة بعض المشارب الأخرى.
  • لعبت المدرسة الكولونيالية دورا ثقافيا خطيرا، حيث ستجهد نفسها في غرس قيم ومعايير جديدة قد لا تنسجم كلها أو بعضها من قيم المجتمع المحلي آنذاك. كان الاستعمار يعي تماما أن للتربية في مدارسه تداعيات أخطر مما يأتيه العسكر لذلك كان عليه أن ينتظر بعض الوقت ليرى أولى دفعات خريجي هذه المدارس ينشرون في جل شرايين الحياة الاجتماعية : العائلات والإدارة والأسواق…
  • أنتجت هذه المدرسة نخبا ثقافية لعبت في بداية الأمر دور الوسيط الثقافي غير النزيه. ولكنها ما إن استقلت البلاد سياسيا حتى مسكت جهاز الدولة واستفردت بهندسة البلاد ثقافيا واجتماعيا مكملة في أحيان كثيرة ما بدأ الاستعمار من مشاريع. وليس من الغريب أن تعمد النخبة السياسية بتونس بعد أقل من سنين إلى إلغاء/ حذف التعليم الزيتوني وهو ما لم تتجرأ عليه السلط الاستعمارية كما أشرنا سابقا.

أما في مصر فإن الأمر لا يختلف عما حدث في تونس وان كانت الخصوصيات قد لعبت دورا في توجيه ما حدث ذلك أن مصر قد عرفت في اقل من نصف قرن تجربتين استعمارين مختلفين : الاستعمار الفرنسي والاستعمار الانقليزي وهو ما كان له الأثر الحاسم على النخب العلمية والفكرية في هذا القطر.

لقد عملت الجاليات الاستعمارية بمساندة القناصل على تشجيع نشأة المدارس الأجنبية الخاصة ولكنها تلونت في مصر بالذات بلون الأقليات الدينية والطائفية، واذ تحتاج العلاقة السببية بين هذين المتغيرين إلى مزيد من التحري فان الثابت أن الأمر ما كان يتخذ تلك الأبعاد لولا تأثير العامل الخارجي المرتبط مباشرة بتلك الجاليات وانخراطها المباشر في ترتيب الشأن التعليمي للمجتمع المصري.

وليس من قبيل الصدفة أن يكون خريجي تلك المدارس مع بعض الاستثناءات النادرة اشد “المثقفين” العرب انسلاخا من امتداداتهم الحضارية.

لقد شهدت مصر في غضون التجربتين المذكورتين بروز نخبتين ثقافتين، الأولى ذات تكوين فرنسي، واصلت تعليمها العالي في فرنسا (متغذية أحيانا من أبناء الأزهر) وكانوا دعاة ليبيرالية غربية أو ماركسية متوترة في الغالب تجاه الثقافة العربية الإسلامية والأخرى انقلوفونية تقاسم الأولى نفس التوتـر، وما كان لهذا الأمر أن يستفحل لولا الحيف الذي كان ينال بعض الأقليات تلك.

وبإيجاز يمكن أن نقول أن المدرسة الكولونيالية في مصر قد أدت إلى النتائج التالية:

  • تعدد المدارس بشكل فسيفسائي مما عدد اطر الانتماء وشتت أحيانا الحد الأدنى من الارتباط الوطني والحضاري للمصريين فلقد وظفت المدرسة لصياغة انتماءات ما تحت وطنية وما فوفقها : انتماء إلى مذاهب وطوائف وقوميات.
  • بناء تناضد اجتماعي- ثقافي افرز تشكيلات طبقية- ثقافية جديد : مدارس أجنبية يؤمها أبناء طبقات ثرية، متخرجون يعززون ثقافيا طبقاتهم، مما أدى في النهاية إلى بروز احتكار للرأسمال الثقافي والمالي على شكل دوائر اجتماعية مغلقة.
  • وصم المدارس الأهلية والدينية وجعلها عمليا لا تستقطب إلا الفئات “الرثة” ودفعها الى التقوقع والتراجع لتكون خارج الرهانات الثقافية والاجتماعية الكبرى مما جعلها في غالبا لا تلعب ألا دور المعقل الهووي الاحتجاجي.


الفصل الثالث رهانات المدرسة بعد الاستقلال التعبئة السياسية والمشروعية

تمهيد

لا تمثل المدرسة بالنسبة للباحث الاجتماعي فضاء لتلقين المعارف، كم بينا سابقا، ولكنها تمثل أيضاً مجال سياسيا وثقافيا للتنشئة كما أكدنا سابقا لأنها تتيح لمجموعات معينة استثمارها لأجل تنشئة الأفراد على قيم وتصورات معينة وفق أهداف إستراتيجية ومشاريع لذلك فان تحليل المشاريع التربوية ورصد مفاعيلها وآثارها وتبعاتها مهمة حاسمة. كان الرهان المعقود على المدرسة خلال العقود الخمسة الأخيرة مصيريا. وهو يماثل الرهان الحالي على المؤسسة الإعلامية، فغير خاف عن الناضر أن المدرسة، فبل انتشار وسائل الإعلام الجماهيرية قد احتكرت صناعة الذهن وتشكيل الوعي.  خصوصا ان المدرسة الوطنية الحديثة في بلداننا قامت في العديد من الأحيان على أنقاض تراث مدرسي وفي ذلك انفصال عنيف وصاخب تتطلب الحسم على أكثر من قرنين.

فالأسرة والمدرسة وهي الوحدات الاجتماعية الأساسية والأكثر فاعلية لها تأثيرات ومسؤوليات متداخلة لا فيما يتعلق بتنشئة الأطفال وتعليمهم فحسب بل فيما يتعلق بإعادة صياغة التشكيلات الاجتماعية والخرائط الرمزية والذهنية للأفراد والمجموعات. وقد تعاظم هذا الأمر في العقود التي تلت استقلال جل الدول العربية ومنها البلدان الثلاث التي نشتغل عليها. “تزود المؤسسة التعليمية المدرسة المؤسسة السياسية بفاعليها ونماذجها الفكرية وتدافع عن خلفيتها الإيديولوجية وتتولى عملية التنشئة السياسية عبر ترسيخ القيم والتصورات السياسية التي تطمح إليها مؤسسة الحكم”[23].

ولقد اتخذت التربية المدرسية صفة الهندسة لأنها شكلت، قي واقه عربي وان كان ذلك ذلك بدرجات متفاوتة، تدخلا حقيقيا فوقيا من اجل إعادة تشكيل نظام الإدراك وهو أخطر ما يمكن أن تقوم به المدرسة إذ تمنح الطلاب مفاتيح قراءة العالم (عالمهم الذاتي أو الموضوعي…) وذلك ما يعبّر عنه في لغتنا المتداولة صياغة قناعات الناس وتوجهاتهم. انه تدخل تشكيلي Interventionnisme reconfigurateur .

فالتعليم باعتباره هندسة اجتماعية هو أيضاً تصرف في أجيال كاملة احتكرتها الدولة العربية في غياب أي حوار وطني حقيقي يجعل من هذا الأمر شانا مجتمعيا، فالتربية والتعليم في جل الدول العربية شأن حكومي ووزاري.

1 – تونس :

عمدت الدولة الفتية الناشئة عند استقلال البلاد سنة 1956 إلى تونسة التعليم وكانت أول ما بادرت اليه هو تونسة التعليم فألحقت إدارة التعليم العمومي بالدارة التونسية ثم تم  توحيد التعليم وإلغاء كافة أشكاله الأخرى وخصوصا الأهلية : الكتاتيب والمدارس القرآنية العصرية (هكذا كانت تسمى قانونيا وإداريا) بعد ان عرفت انتشارا واسعا وتحديثا مهما في المناهج شمل تدريس اللغات الأجنبية وانفتاحها على تدريس الفتيات رغم ما واجهته من عراقيل عددتها إدارة التعليم العمومي الاستعمارية التي اشرنا إليها سابقا) DIP).[24] تم وفي خطوة غير متوقعة سنة 1958 يتم إلغاء التعليم الزيتوني بكافة أشكاله فيمل يشبه حرب التطهير الثقافي على آخر معقل هووي. وإذ تظل الأسباب الخاصة بهذه الضربة الاستباقية من باب التخمين فان الأرجح إن ذلك ورد في سياقات مخصوصة نذكر منها بإسهاب شديد ودون مفاضلة:

  • الصراع الدموي الواصل حد التصفية والاقتتال الذي نشب مباشرة اثر توقيع اتفاقيات الحكم الذاتي سنة 1955 بين رفاق الحركة الوطنية وأساسا بين شقيها العروبي (صالح بن يوسف) والفرانكفوني( بورقيبة) والذي اتهم طلاب الزيتونة باصطفافهم وراء الشق العروبي.
  • التكوين الفرنكفوني للنخبة الحاكمة مما جعلها، بقطع النضر عن تلك الأسباب المباشرة، لا ترى في الزيتونة مهما كان درجة مناعته الفكرية وقدراته التعبوية إلا خطرا يهدد إن آجلا أو عاجلا لا مصالحها فحسب بل مشروعها المجتمعي الذي أوغلت فيه إلى حدود قصوى زايدت أحيانا على العلمانية ذاتها. وهي نخب قامت بربط حلف ثقافي. فعلى مجموع 65 من الإطارات العلمية العليا بالبلاد في مختلف العلوم الإنسانية والصحيحة سنة 1958 لا يحظر خريجي الزيتونة والجامعات العربية الأخرى (مصر، سوريا ، العراق) إلا ب 9 أفراد منتمين للعلوم الشرعية والآداب العربية. أما البقية فهم خريجو الجامعات الفرنسية بالذات، وإذا علمنا أن هذه النخبة هي التي سيوكل إليها بعد سنتين بعث نوات الجامعة التونسية توفنا ماذا سيكزن عليه حجم التوجيه الثقافي الذي سيطال أجيالا كاملة من خريجي هذه المؤسسات والتي ستنتشر في كامل مفاصل وشرايين الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والسياسية.

على خلاف الدول العربية المشابهة لم يحدث تقسيم اجتماعي للعمل (التربوي) تتولى فيها المدارس “التقليدية” تربية أرواح الفقراء وأجسامهم في حين تتولى المدارس الحديثة تربية أذواق الأغنياء وتأهيل أجسادهم بل احتكرت المدرسة في تونس باسم توحيد دولوي شديد المركزية مهمة التربية. يورد محمد عبد الباقي الهرماسي عالم الاجتماع التونسي ووزير الثقافة الأسبق ما أفاد به إدريس قيقة وزير الداخلية في عهد بورقيبة واحد أركان النظام السياسي منذ الأيام الأولى للاستقلال : “منذ الثلاثينات إلى حوالي الخمسينات كان أول تجمع مركزي للشعب التونسي حول الحركة الوطنية التي غذت القومية التونسية التي صارت قاسماً مشتركاً. الرئيس كان شاعرا بان هذا التفتت يشكل خطرا كبيرا على البلاد’ لذلك عمد إلى تجميع السلط والاتجاهات في مركز سياسي، ولقد كان لي شرف إحداث نظام الولاة، وكنت أول مدير إدارة جهوية في البلاد، …لقد كان هدفنا توحيد التونسيين وإيقاف تيار التفرقة، حذفنا القيادات ووضعنا الولايات وفد أثارت هذه العملية الجريئة حساسية كل الذين اعتادوا على نظام القيادات والعروش…أما التنظيم الثاني الذي كان يهدف إلى إنهاء حالة التشتت فهو المدرسة التونسية التي عمت كل تراب الجمهورية. كان علينا أن نختار بين وضع التعليم متأقلم مع مختلف الجهات وبين تعليم موحد، واخترنا الطريقة الثانية، مبدئيا قد نعيب هذه البيداغوجيا، لان ظروف التلاميذ تختلف من منطقة إلى أخرى، ولكننا كنا نهدف إلى توحيد التونسيين…بعد عشرين سنة نجد شبابنا متمتها بنفس التكوين وبنقي الايدولوجيا والهيكلية الذهنية…. وحتى نؤكد على أهمية وسلامة هذه الطريقة، اذكر لكم الحرب التي كانت قائمة بين المدرسين الذين يتعلمون حسب الطرق علمية حديثة والزيتونيين….و سيشهد التاريخ بسلامة النظرية. لذلك أرجعنا الزيتونة إلى وضيفتها الطبيعية كمسجد، أي أنها كلية دينية وليست تعليمية…وحدة التعليم تعني وحدة الأرض ، وليس هناك خطر في اختلاف وجهات النظر بعد ذلك لان المقاييس والقوالب الذهنية والمنهجية هي نفسها, ولاشك أن البلدان العربية التي لم تدرك خطر الإبقاء على نضام المدرستين سيتكون عندها نوعان من الشعب مما سيؤدي حتما إلى أزمات حادة، لان التفاهم بين عقلية المدرستين مستحيل. لهذه العوامل التي هدفت قبل كل شيء إلى توحيد الشعب صار الحكم مركزيا جدا.” [25]

لذلك راهنت النخبة على المدرسة واحتكرت باسم تونسة التعليم وتأميمه وتوحيده تشكيل العقل المدرسي و”الثفاقة العالمة” وتحولت الدولة إلى ما يشبه “المعلم الأكبر” تربي الشعب. هكذا “تكون النموذج التعبوي في ثنايا عمليات بناء السلطة السياسية ومشروع إعادة هيكلة المجتمع. وتبلور بعد أن نجحت القيادة الوطنية في إزالة كل تعبئة منافسة سواء ارتكزت الى الإيديولوجية العروبية (صالح بن يوسف)، أو إلى الإيديولوجية العمالية(الاتحاد النقابي). واثر ذلك، انطلقت النخبة السياسية في عملية إصلاح فعلية وشاملة مظهرة عزيمتها للتدخل في جميع المجالات والنشاطات. وبالطبع قامت بتأميم الجهاز الإداري الاستعماري وسعت إلى إعادة صياغة الهوية الوطنية وذلك عبر تبني مجلة الأحوال الشخصية، وحل الحبس والوظائف التقليدية للمجلس الشرعيين كما قامت بتوحيد وتعميمه وتصفية “الزيتونة” وتقنين وضعية الأراضي الجماعية[26].

كانت الدولة في تونس دولة تدخلية ولم تستثني من ذلك شيئا حتى تفاصيل الحياة الخاصة للأفراد وكانت تعتقد انها تربي شعبها فسخرت الإذاعة والتلفزة في تعليم الناس آداب الأكل والحديث والمشي والاستقبال ولعل التونسيين مازالوا يذكرون تلك الحصص التلفزية في التربية الشعبية التي وجهت لمن لم تستطع الدولة أن تحضرهم إلى “حضيرة المدرسة”: “حميدة وهنيناتو” حصة المرأة “كلمتين خفاف” و”توجيهات السيد الرئيس”. أما من دخل المدرسة فان المدرسة ستتولى تشكيل “دماغه”.

2 – مصر:

 لقد خضعت المدرسة في مصر إلى توظيف سياسي كان في الكثير من الأحيان على حساب و ضيفتها العلمية و لعل تعاقب الأنظمة المشحونة إيديولوجيا هو ما عمق هذا المسار و تذهب جل التحاليل إلى رسم ثلاث فترات متباينة مرت بها المدرسة المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين.

  • الفترة الناصرية حيث وظفت المدرسة توظيفا سافرا لنشر الخطاب الإيديولوجي القومي، و لقد تم تحوير جل المقررات المدرسية مباشرة بعد الثروة  و إذا كانت المدرسة قد ساهمت في نشر خطاب تحرري وطني لا يمكن نكرانه فإنها بالمقابل فد حولت نفسها إلى ذراع إيديولوجي و سياسي للنظام السياسي وفي غياب  حوار و طني يؤدي إلى إجماع أو توافقات حول هذه القضية.
  • الفترة الساداتية و هي التي ستتواصل إلى بداية الثمانينات، قد تم الارتداد على جل المقررات و المناهج المدرسية لتوظف المدرسة بشكل مباشر في تزكية و ترسيخ مقولات الخطاب الساداتي حول “السلام” والإيمان والعلم والانفتاح الاقتصادي والتطبيع …الخ. في هذه الفترة سيبدأ القطاع الخاص في التعليم يبرز بشكل لافت مستغلاً تراجع مستوى المدرسة العمومية.
  • و هي الفترة الحالية و الممتدة من بداية الثمانينات إلى الوقت الراهن. حيث سيتم أيضاً توظيف المدرسة في تعميق الشعور الفطري المصري وثقافة التطبيع و القبول بالانفتاح الاقتصادي و نتائجه الكارثية في تنصل تام من جل القضايا و الالتزامات القومية و الإسلامية. ستحرض المدرسة الناشئة المصرية على الانكفاء وتمجيد كل مزايا الانفتاح الاقتصادي قي شكل من سلعنة المعرفة والعلم بشكل خاص.
  • خلال هذه الفترات بدا يتراجع دور المدرسة في انتاج النخب الفكرية والسياسية و الاقتصادية فهذه الخيرة أصبحت مهمة مدارس أخرى و هيئات أجنبية، يتم تهميش المدرسة بشكل دراماتيكي و هي بذلك تفقد صورتها و وجاهتها.

3 – قطر

تشير الدراسات المنجزة من خلال مؤسسة RAND أو غيرها أن المدرسة في قطر لم تعد تحظى بذلك الإجماع الذي كان حولها إلى أواخر الثمانينات، لقد بدا التبرم واضحا من خلال النسب المرتفعة المقبلة على التعليم الخاص في الداخل و الخارج و يحصل على ذلك شبه اجماع من قبل مختلف مكونات النخب القطرية (عروبية ، اسلامية ، ليبيرالية). لقد استطاعت المدرسة في هذا البلد أن تنتج نخبها المحلية وكان ذلك يتم لفائدة خلق قاعدة ورأسمال بشري ومعرفي للدولة الفتية، تارة باسم القطرنة وتارة أخرى باسم التحديث والنهوض الاجتماعي والثقافي وإذ استطاعت المدرسة أن تربح جزئيا هذا الرهان فان الثمن كان باهضا ولم تسلم المدرسة في كل ذلك من التنازل عن معايير الجودة التربية. ويبدو ان المبادرات الأخيرة سواء الداعية إلى الخوصصة أو إلى إيجاد نمط من الشراكة القائم على ما يشبه عقود البرامج مع الدولة او غيرها تعبير عن حاجات مجتمعية جديدة لم تعد المدرسة الحالية تلبيها.

الباب الثـالــث

الهندسة الثقافية ونتائجها

الفصل الأول: الآثار الناجمة عن الهندسات الاجتماعية والثقافية

كنا خلال كامل هذا البحث معنيين بشكل أساسي بإثبات فرضية البحث التي نهض عليها كامل جهدنا وهي أن المدرسة الحديثة في الأقطار العربية الثلاث المذكورة وذلك ما ينطبق على بقية الأقطار العربية الأخرى وإن كان بدرجات متفاوتة، قد لعبت دورا حاسما في إدخال تعديلات كبرى على بنية المجتمعات تلك سواء كانت بنى اجتماعية أو ذهنية وهو ما عنينا بالهندسة الثقافية كما عرفناها سابقا.

وبعيدا عن المقاربات الكمية والمعطيات الإحصائية التي قد تدعم ما ذهبنا إليه من استنتاجات فإننا فضلنا المقاربة الكيفية التي تؤكد ما غدا بمثابة البداهة: الملاحظات ، التقارير الوطنية والدولية الخ… ونكتفي بإيراد ما يلي :

 1- في المجال القيمي

أولا: التشوه القيمي

لقد كانت المدرسة في جل الدول العربية القناة الأولى في تسريب جملة من القيم الغربية وإذ يكون من الإجحاف أن ننكر ما لبض القيم من تأثير ايجابي على تصورات الناس ونمط إدراكهم وعيشهم فان لا احد ينكر ان هذه المدرسة بالذات قد زرعت بشكل دراماتيكي بذر الازدواجية القيمية يشكل مسقط ومتعسف مما خلف أجيالا كاملة واقعة تحت فصام قيمي عنيف لا يشق الوعي العربي والإسلامي الى نصفين متنابذين بل يشق المجتمع بأسره إلى شطرين متنافيين وعلى خلاف بعض التجارب الأخرى في التثاقف ( اليابان، الصين، وبعض مجتمعات الشرق الأدنى الخ…) ساهمت المدرسة الى حد الآن في نقل القيم وترويجها بعيدا عن روح الاجتهاد والابتكار القيمي، لقد كانت امتدادا للغرب ولربما عمقت حالة التأخر التي عليها العرب والمسلمون المتسمة آنذاك  بإقصاء النخب من دوائر القرار السياسي كما أشار الى ذلك فهمي جدعان، تلك الثنائية القيمية غير المتكافئة دفعت باتجاه الانكفاء التدريجي للمنظومة القيمية الإسلامية وإبداء عجز مريب في ان تكون مرجعا وملهما لسلوكات العديد من القطاعات الاجتماعية.

لقد غدت معاملاتنا السياسية والاقتصادية والفنية والقسط الأكبر من أنشطتنا اليومية محتكمة إلى منظومة قيمية غربية في حين اكتفت القيم الإسلامية بالكاد بمراقبة الأخلاق الشخصية ودوائر العلاقات القرابية والسلوكات الشخصية ولم تستطع مقررات التربية الإسلامية كما تدرس في جل المداري العربية أن تلامس نبض الحياة اليومية.

ثانيا : التفكك المعياري وضعف الأخلاق العامة

كانت النتيجة المتوقعة لما اشرنا إليه سابقا من ازدواجية قيمية عميقة هي التفكك المعياري والمقصود به غياب القواعد الجامعة للسلوك الجمعي للأفراد والمجموعات. لقد ساهمت المدرسة بشكل لافت للانتباه في تسريب ثقافة ريبية تنكر على أي قيمة مشروعياتها، وذلك ما ولد شعورا عاما بافتقاد الحد الأدنى من الإجماع القيمي. تتسم هذه الحالة ب :

  • افتقاد القيم قدراتها على الإقناع
  • انتشار أشكال من التدبر القيمي الفردي : لكل فرد قيمه الخاصة وهي قيم متحولة بسرعة بحساب المصلحة والموقف والسياق.
  • ضعف الأخلاق العامة  (Moralité publique) يقف الملاحظ على حقيقة بينة وهي ان المجتمعات العربية وذلك على خلاف المجتمعات الغربية تشهد أشكالا منتشرة من انحدار الأخلاق العامة. عنف لفظي، غش في جل المعاملات، انهيار قيم العمل، هدر الملك العمومي. اتلاف الممتلكات العامة، تلويث المرافق الجماعية..) واذ يرى البعض ان ذلك يترجم مواطنة سلبية فإننا نرى ان ذلك كان نتيجة لعجز المنظومة القيمية التي تبثها المدرسة ان تكون مرجعا موحدا للأفراد والمجموعات يمدها بقناعات قيمية يستعد الفرد للتضحية بمغانمه مقابل الالتزام بالانتصار لمبادئها. المحصلة في النهاية هي حالة من الفوضى القيمية العارمة. ولقد عجزت الثقافة المدرسية إلى حد الآن عن التأثير الايجابي في الحياة اليومية وأصبح التندر بها جاريا على السن قطاعات واسعة من الجمهور (تعكس المسلسلات المصرية والتونسية هذا بشكل بليغ) فحين يبدي الإفراد والمجموعات حدا ادنى من الالتزام الخلقي ينعتون بأصحاب الأخلاق المدرسية.

2 – في المجال الاجتماعي

ظلت المدرسة لعقود طويلة وسيلة للترقي الاجتماعي وهي من شدة هذه النجاعة كادت تختزل في مصعد يحمل الفقراء إلى أعلى كما أنه من فرط هذا الاختزال أيضاً تم التفريط في العديد من الأحيان في المحتوى المعرفي والقيمي للعملية التربوية ولكن كانت الخسارة مضاعفة وكارثية حين بدأ خريجو تلك المدرسة منذ عقدين تقريبا يخفقون في تسلق سلم للمكانات الاجتماعية تحت وطأة البطالة المتصاعدة. لقد تم تبخيس الشهادة العلمية وازدراء المدرسة ولعل في انتشار ظاهرة العنف تجاه المربين والاعتداء على الممتلكات والمعدات المدرسية (تونس والجرائر ومصر ألخ…) ما يعبر عن تلك الأزمة العميقة.

كانت المدرسة وإلى سنين قريبة قد تولت مع غيرها من المؤسسات وفي سياقات اقتصادية معينة ما يلي:

أولا: تغذية التراتب الطبقي وتعزيزه بتراتب ثقافي يشرع عملية الازدراء الثقافي والتمييز الاجتماعي. لقد دفعت المدرسة بالأجيال الأولى خريجيها إلى تبوأ الوظائف العليا. فكوادر الدولة وجل القطاعات الوطنية من اقتصاد واجتماع وتنمية وصحة هم أبناء تلك المدارس. لقد أدخلت المدرسة على التركيبات الطبقية لتلك المجتمعات ( الهرم الطبقي) تعديلات جوهرية وإذ يحتاج إثبات هذا الأمر إلى جهد مضاعف حينما يتعلق الأمر “بالبلدان العربية النفطية” فان الأمر عكس ذلك على غاية الوضوح في المجتمعات العربية الأخرى، فالطبقات الاجتماعية على هلاميتها وميوعتها في العديد من الحالات تأوي في داخلها مجموعات بشرية منضوية علة قاعدة “المهن المدرسية” بشكل أساسي. إن التمييز القائم بين “المهن الرفيعة” و”المهن الوضيعة” قائم على مبررات ومسوغات الثقافة المدرسية الحديثة التي صاغت تصورات الناس للمهن والاستحقاقات المادية والرمزية الناجمة عنها. لقد تراجعت الموارد الأخرى التي كانت تبوأ الناس مكاناتها الطبقية (ملكية الأرض والقطيع…) ليبدأ الرأسمال المعرفي/ المدرسي يحدد (او يتحالف في الحديد من الأحيان) الرساميل الأخرى.

تراهن الدول في جل المجتمعات العربية على المدرسة من اجل تعديل الهرم الطبقي ويكون الرهان الأكبر في خلق طبقة وسطى تأوي داخلها خريجي المدرسة كما أن نشر القيم الخاصة بتلك الطبقة (أنماط سلوك وتصورات) يقتضي إلى جانب تشغيل أجهزة الإعلام والدعاية توظيف المدرسة كباث دعائي. تشتل المدرسة في العديد من المجتمعات النامية كفرن طبقي. اذ كانت المدرسة في ظل تلك السياقات مصنعا للنخب المهنية فهي تكاد تحتكر إنتاج المهن والهويات المهنية عموماً ، خصوصاً في ظل افتقاد اقتصاديات تلك الدول قطاعات اقتصادية منتجة على شاكلة صناعات ثقيلة أو ما شابهها.

وللأسباب المتعلقة بأزمة البطالة وانفتاح الأسواق وتعولمها يبدو ان الدول العربية قد غدت أكثر عجزا عن المحافظة على تلك “الطبقة المدرسية”. فضحايا العولمة والمتضررين منها غي المجتمعات العربية في جزء كبير منهم ممن مروا بتلك المدرسة وتخرجوا منها.    

ولعل السياسات الوطنية المتبعة غي مجال الموارد البشرية لم تكن لتنجح لولا المدرة الوطنية بالذات، فالتونسة والقطرنة والسعودة كلها مندرجة في كسب الراهنات على المدرسة من خلال ما توفره من موارد بشرية للتنمية.

3.- في المجال السياسي

كنا قد بينا سابقا ان المدرسة كانت ذراع الدولة السياسي بامتياز اذ منذ سياسات تأميم التعليم وتوحيده كانت الأهداف الإستراتيجية المعقودة على الدولة هو ترسيخ الولاء الوطني(بالمعني القطري) للدولة و جراء ذلك قد دخلت أحيانا في بعض المجتمعات اما في أزمة تنافس حاد طورا او تحارب طورا آخر مع المرجعيات الفوق –وطنية كالانتماء إلى الأمة العربية- الإسلامية …لقد كانت تونس النموذج الأبرز الذي سخر المدرسة للانتماء القطري ( مع الإشارة إلى أن المدرسة الطائفية في لبنان قد لعبت دورا مشابها).

وإجمالا فان المدرسة قد جندت لإحكام الهندسة السياسية كما تصورتها النخب الحاكمة وذلك على النحو الآتي:

– أولا: إنتاج النخب السياسية والاقتصادية الموالية ايديولوجيا للدولة وأنظمة الحكم القائمة ولعل من بين الأشياء الأولى التي تعمد أنظمة الحكم غي البلدان العربية الى القيام بها حين تعتلي سدة الحكم هو تغيير مناهج الدراسة.

  •   ثانيا: تمويل الدولة بالموارد البشرية اللازمة (كفاءات واطارات …) حتى تستطيع أن تنفذ خططها وبرامجها التنموية.

ومع ان المدرسة تحولت أحيانا الى فضاء للاحتجاج السياسي فان ذلك تم غالبا على حساب الوظيفة العلمية خصوصا في ظل أنظمة سياسية تصادر الفضاء العمومي وهو ما جعل الفئات الميسرة تبحث عن أشكال خاصة من التعليم سواء في الداخل او الخارج لكونها لم تعد تؤمن اما بالجدوى العلمية لهذه المدرسة او لخشية تبعات ذلك التسيس المفرط.

ولعلنا في حاجة إلى تأكيد ما انتهينا إليه إجمالا وفي هذا تذكير بالفرضيات التي قادت جهدنا البحثي.

استطاعت المدرسة خلال أكثر من نصف قرن أن تساهم إلى حد كبير في إعادة إنتاج المجتمعات العربية وخصوصا البلدان الثلاث التي درسناها تونس، مصر وقطر. وهي إعادة إنتاج تمت استنادا إلى هندسات إجتماعية ثقافية وسياسية في الكثير منها كانت ناجمة عن اختيارات نخب ثقافية سياسية داخلية وهو أمر يختلف نسبيا مع الهندسات الاجتماعية المتبعة ابتداء من منعطف القرن الحالي إلى حيث بدأت القوى العالمية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية تملي وصفاتها الخاصة بهذه الهندسات فعقدت رهانات حاسمة حول المدرسة في العالمين العربي والإسلامي من أجل صياغة إسلام ناعم فتم تحت ضغط هذه القوى إدراج تغييرات عميقة في محتوى البرامج والمقررات الدراسية باتجاه تخليصها مما عد قيم متشددة تغذي التطرف.

وبقطع النظر عن الإنزياحات الأخيرة التي سارت عليها تعديلات النظم التربوية والمدرسية في هذين العالمين فإننا كنا قد انتهينا خلال هذه الدراسة إلى أن المجتمعات الثلاث المدروسة قد خضعت إلى تأثيرا ت عميقة متفاوتة ناجمة عن متغير المدرسة.

لقد استطاعت المدرسة على الصعيد السياسي:

  • أن تخلق إطارا للإنتماء السياسي الدولة/ الأمة حيث ساهمت في توطين الولاء داخل رقعة جغرافية سياسية ما. لقد أوكل إلى المدرسة في غياب تنشئة سياسية يقوم بها الأحزاب والجمعيات تربية النشء على القيم الوطنية كما تمثلتها النخب الحاكمة، وتشهد الكتب المدرسية المتعاقبة في البلدان العربية على ذلك ناهيك عن الطقوس والشعائر المدرسية المرتبطة بها: ترديد النشيط الوطني، التعليق الرسمي للخارطة، تحية العلم، إلخ…
  • أن تغذى النخب السياسية وغيرها بإطارات وطنية ساهمت تدريجيا في الاستغناء من النخب الاستعمارية كما هو الحال في مصر وتونس أو الأجنبية كما هو الحال في قطر. وكانت شعارات التونسة والمصرنة وغيرها تنفخ في الروح الوطنية مما جعل المدرسة رهانا للتعبئة السياسية تلهم في كثير من الأحيان النخب بمخططات من هذا القبيل.

أما على الصعيد الاجتماعي فلقد كانت المدرسة كما بينا مصنعا لبناء الانسجام والتناغم الوطني. وتمثل تونس المثال الأبرز لهذا الأمر فالدولة المفرطة في مركزيتها سخرت المدرسة لقولبة المجتمع وفق نموذج واحد ظهرت فيه التراثات الانتربولوجية المختلفة. فمن خلال المدرسة تم إتلاف العديد من مكونات التراث الاجتماعي والانتربولوجي للبلاد: تراث البادية، تراث الجهات، تراث المدن، إلخ…تم تذويب تلك الاختلافات باسم مجتمع موحد. كانت الوحدة الوطنية مهمة قد تولتها المدرسة بشكل خاص : ازدراء اللهجات مقابل لغة مدرسية، ازدراء التاريخ المحلي والقبلي مقابل تاريخ وطني يكتشف في المدارس حتى كاد أن يكون تاريخا مدرسيا، ففي العديد من الأحيان : لا يثير عواطف إلا التلاميذ، في قطيعة عن مشاعر وذاكرة الجماهير العريضة.

تقدم المدرسة في البلدان المذكورة للناشئة تصورا للتاريخ تختار له بداية ونقطة انطلاق وهي بذلك تصوغ الذاكرة الوطنية وترتب داخلها أحداثا مضيئة وأخرى مظلمة على نحو يؤثث الوجدان الوطني بأحاسيس وانفعالات مشتركة: تكشف لنا المدرسة أن عليسة بنت قرطاج وأن الأهرامات عبقرية فرعونية وروح مصر إلخ…

كما استطاعت المدرسة على الصعيد القيمي أن تحدث – بالتحالف مع غيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الإعلام، الأسرة…إلخ. تحولات قيمية عميقة وإذا كان من المبالغة أن نلحق/ نسند تلك التغيرات إلى المدرسة وحدها، فإن الثابت أن هذه الأخيرة قد تولت خلق الاستعدادات الذهنية والنفسية لقبول كل التعديلات اللاحقة ولعل أبرز التوجهات القيمية التي تم رصدها تكون كالآتي :

  • التوجه نحو الفردانية القيمية: حيث عملت المدرسة على معلمة Monumentalisation الذات. فضمير المتكلم المدرسي ليست مسألة لغوية نتعلم تصريف الأفعال بموجبها بل بوصلة تعلمنا تصريف الأفعال الذاتية والعواطف والأحاسيس على ضوئها، إن الجماعة قد تكون غائبة في الحقل القيمي المدرسي.
  • التوجه نحو الآني:
  •  عملت المدرسة إلى ترتيب الزمن بشكل يصرف الضمير والوجدان نحو اللحظة الآتية وأحيانا العابرة منها على حساب الامتداد نحو الماضي والآتي. فالمدرسة قلما تثير حق الأجيال القادمة في الثروة والزمن القادميين إن المستقبليات ليست مجرد سيناريوات علمية تبنى بل ضمير خلقي وقيمي. أما إذا أثير الماضي فعادة على سبيل التعاظم الكسول.
  • التوجه نحو المتعي :

سعت المدرسة إلى تثمين المتعة والمكاسب خصوصا المادية منها، مما جعل أشكال التعفف والزهد حالات مرضية في الثقافة المدرسية.

ولكن على المشروع أن يتحلى بالموضوعية والنسبية والواقعية في معالجة مسألة القيم إذ أثبتت الدراسات العالمية حول القيم، أن ديناميكية القيم لا تشتغل على أساس تطوري بالمعنى البيولوجي الدارويني. قيم أصيلة تندثر وتموت وأخرى تظهر وتبرز لأنها أكثر قابلية للتكيف والإرتقاء، إذ أن هذه الديناميكية تبرز أن القيم التي تختفي عادة ما تعيد الظهور والبروز مجددا بعد جيل أو جيلين فهناك ضرب من التناوب القيمي.

كما أن إختزال القيم في القيم الأخلاقية يدفع إلى نتيجتين سلبيتين:

  • إما التمسك بالقيم الأخلاقية على أساس المرجعية الإسلامية وتبني القيم الجمالية المعمار، الثياب، التصميم…والقيم السياسية المواطنة، الحرية، الديمقراطية…In facto 
  • وإما تسحب القيم الأخلاق على جميع مناشط الحياة وذلك ما يؤدي إلى مواقف أخلاقوية Moraliste

لا تعطي حدا أدنى من إستقلالية تلك القيم.

سلم القيم المنشود

لا يكفي أن نعترف بأهمية القيم وبالدور الذي تلعبه المدرسة في تبليغها لكي نحصل على تعليمات بسيطة لسياسات التربية. فالقيم والعقليات تبلغ في اغلب الأحيان عن طريق “المنهاج الخفي” أو الدرس المضاعف للمدرسة كما ذكرنا في بداية بل علينا ان نرسم ملامح سلم القيم المنشودة التي على المدرسة أن تعمل على ترسيخها.

استنادا إلى التعريفات السابقة للقيم يمكن للباحث أن يقف على ملاحظتين أساسيتين: الأولى تتعلق بمثالية القيم أي نزوعها إلى الأعمال الإنساني مما يجعلها طلبها يستوجب مشقة بالمعنى الذاتي والموضوعي. أي جملة من التمارين والتدريبات التي يسعى إليها الفرد أو تعمد إليها المجموعة، أما الملاحظة الثانية فإن الفيم نسيج شامل لا يكون الانتقاء منها لغاية بناء سلالم قيمية إلا على غاية من الذاتية والتبرير الواقعي فالفضائل لا تتفاضل فيما بينها كما يقول الفلاسفة.

ان التصنيفات القيمية المعاصرة للقيم ظلت مفككة ومرتبكة ومشتتة ولم نعثر على تصنيف شامل مؤسس على قواعد أو مبادئ فكرية وهو ما يؤكد عادل العوا في احد بحوثه ان الفكر القيمي العربي الإسلامي قد اغتذى من موروث قيمي عربي سابق عن الإسلام “إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق” ومن حكايات وفصص الشعوب والقبائل والحكم وكما نهل من المعين الأغر ألا وهو القرآن والسنة”

كما إن الفاعلية القيمية نشاط وعي ذاتي وحرية اختيار، بل هي نشاط اصطفاء وتخير… لذلك فان انتقاء القيم ضمن سلم قيمي هي ممارسة اجتماعية لا يمكن للبشر أن يتخلوا عنها ولا يعني ذلك مفاضلة.

ان القيم الإسلامية، شانها شان سائر القيم الإنسانية، معان تحظى بالترجيح جدلياً على سواها. فالقيمة بوجه عام، وكما رأينا تفضيل أمر على أمر، أو سلوك على سلوك. وهذا التفضيل يستمد من ضرورات الواقع.

لذلك فإننا نذهب الى ما ذهب اليه حينما رتب القيم الواجب على المدرسة في العالم الإسلامي ان تستحثها عند الناشئة من قيم رئيسية هي عبارة عن نواتات قيمية.

-التكليف والإيمان

ومن البديهي في هذا كله أن ننطلق من أن القيمة أولى التي عليها أن تربي عليها الأطفال يشكل رئيسي هي قيمة الإيمان والتكليف.

فالإيمان إذن قيمة جامعة الاعتقاد والسلوك هي استجابة يقين على التكليف…. الإيمان قيمة المسلم الصحيحة الأولى وهي القيمة الأم التي تترجمها مطالب العقيدة والعمل.

ونجيز لأنفسنا نعدها القيمة الإسلامية الأصلية ونصنفها من حيث أنها ينابيع ثروة لسلوك قيمي يبتغي التكيف مع معطيات الوجود الإنساني جميعا.

-التقوى والبر:

وعلى هذا النحو فان قيمة التقوى والبر وهما منطلق عام متكامل لقيم فرعية تصدر عنها في مستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية قيم كقيمة العدل’ العدل في الأسرة وفي الاقتصاد وفي السياسة مثلا ويصدر عنها ثانيا في مجال الحياة الأخلاقية قيمة أساسية هي المروءة، كما نجد ثالثا في مضمار التصوف قيمة المحبة ونجد رابعا وأخيرا على صعيد المثالية الإنسانية قيمة رفيعة هي قيمة الكرامة. ولا يخفى أن هذه القيم الإسلامية المتميزة شانها شانا لقيم في كل مجال، كما رأينا تتحالف وتتآزر ويرفد بعضها بعضا، فلا تفصل بينها حدود حاسمة، ولا تخوم نابذة، وإنما يرجع نشاطها القيمي إلى مسعى طيب تتعاضد على دروبه اتجاهات متقاربة نحو مزيد دنو من المثل الأعلى، من القيمة القصوى.

ومن من الجائز كم أكد ذلك العوا أن هاتين القيمتين الأساسيتين متكاملتين، بل إنهما أشبه بوجهي قيمة واحدة تبين المطلب الأكثر اتساعا في حقل الأفعال وصلتها بمصدر التقويم أو الأمر الالاهي جهة، وبمسعى ترجمة العقيدة إلى سلوك من جهة أخرى

-العدل

ومن الجلي أن عبارة المشكلة الاجتماعية تطلق اليوم في الحياة الاقتصادية ولاسيما في نطاق التمايز الطبقي، وصراع الطبقات وحقوق العمل وغيره من المشاكل فان قيمة العدل بهذا المهني الاجتماعي من شانها ان تستبعد ما يترتب عن التفاوت المجحف من إقصاء وحقد.

ومع ذلك علينا أن نستلهم أيضاً من القيم الإنسانية المعاصرة كتلك التي صاغتها فلسفات التعاقد الاجتماعي وحقوق الإنسان وغيرها من المواثيق والمعاهدات الدولية. و هي قيم لا يمكن مطلقا أن نتجاهلها أو نتجاهل مدى قدرتها على الإقناع والتجنيد والتعبئة كما أن العديد منها لا يتناقض ضرورة مع مقاصد ديننا الحنيف ولعل في قيمة المواطنة والحرية وغيرها من القيم السياسية والجمالية والأدبية ما هو حري بان نستلهم منه والا تسلل الى ما نتوهم انه محميات قيمية.

الفصل الثاني علاقة المشروع/ المؤسسة بالمحيط

1 – مكونات محيط المدرسة/ المشروع:

عادة ما ينقسم المحيط منهجيا (محيط المدرسة/ محيط المشروع) إلى ست مكونات وهي عادة ما يكون لها أثر بالغ على اشتغال المدرسة/ المشروع:

  • المعطيات الديموغرافية: وهي تلك المتعلقة بالسكان والهرم العمري والفئات حسب المتغيرات الديموغرافية الكلاسيكية ألخ… فعلى المشروع أن يبني قواعد معلومات متعلقة خصوصا بالشرائح العمرية القابلة للتمدرس، أطفال- شبان ونسب الخصوبة…إلخ. فهذه القواعد هي التي ستمنح لإدارة المشروع إمكانية التخطيط وريم استراتيجيات طويلة الامد.
  • القيم والمعايير وأنماط السلوك والأذواق الفنية والجمالية إلخ… يحتاج المشروع إلى فهم هذا المكون حتى يرسم التوجهات العريضة المتعلفة بسلم الأولويات القيمية التي من الضروري الحرص على تعديلها.
  • العوامل القانونية والمؤسسية: فالمحيط يضم جملة التشريعات المتعلقة بالتربية والتعليم في البلد الحاضن للمشروع أو البلدان الأخرى المزمع شملها بهذا المشروع. كما أن التمكن من التشريعات الدولية وجملة المعاهدات العالمية الخاصة بالتعليم والتربية المنظمات الدولية Unesco والالكسو إلخ وجميع الاتحادات المهنية العالمية للمدرسين كالدولية للتربية… إلخ من شانه ان يضمن للمشروع اعترافا دوليا وقدرة على التشبيك عالية ناهيك عن الاستفادة من التعاون المتاح. وهو امر لا يتأتى إلا إذا حرص المشروع عل إعداد يعد قواعد بيانات تخص
  • العوامل التنافسية: في سياق معولم يتسم باقتصاد منفتح ودولة تتخلى تدريجيا بموجب ذلك عن مشمولاتها الاجتماعية واحتداد التبرم من جودة التعليم المتدنية س مع رهانات المجتمعات على المعرفة ستكون التربية والتعليم إحدى القطاعات الأشد تنافسية بين الأمم في العقود القادمة  لذلك على المشروع أن يعد قائمة تحليلية للمؤسسات المنافسة أو المفترض أن تنافسه على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي (جامعات، معاهد عليا، مدارس) للوقوف على نقاط قوتها وضعفها بما يساهم في إقامة مقارنات عملية وواقعية.
  • العوامل الاجتماعية الخاصة بالموارد البشرية للمشروع: تعد ثقافة المشروع وخلفية القائمين عليه مهمة جدا في مكونات المشروع وهي من عماد المكونات “الداخلية” للمحيط  لان ستحدد درجة الانخراط في المشروع وتعبر الثقافة اليابانية عن ذلك بالولاء والانتماء للمشروع ويكون من المفيد للمشروع كما ذكرنا سابقا تخير جملة من القيم الأساسية وجعلها قيم المشروع الرئيسية على غرار عدة جامعات عريقة أو مؤسسات اقتصادية كبرى, كمثال على ذلك  : علم، عمل ، صلاح…
  • العوامل الاقتصادية: ونعني بذلك المنوال الاقتصادي والتنموي المتبع في بلد الاستثمار، الانفتاح، الخصخصة، الدخل الوطني العام، مستوى معيشة الفرد…إلخ. ويكون من الأنسب أن يعمل الفريق على تكوين فواعد بيانات خاصة.

 – 2 سيناريوهات العلاقات الممكنة بين المحيط والمشروع

في غياب المعطيات سبر آراء، دراسات الميول والتوجهات…لا يمكن للباحث أن يبني سيناريوات واردة بشدة. وإذ نسعى إلى ترجيح البعض وترتيبه بحسب احتمال وروده، فإننا كما بينا نعتمد على حدوسات عقلية أكثر من معطيات علمية ميدانية.

  • اولا سيناريو القبول والترحاب:

قد يلاقي المشروع قبولا منقطع النظير خصوصا في الأوساط ذات الميولات العربية- الإسلامية أو الأوساط ذات ثقافة الإسلامية تقليدية مع روافد قبلية وبدوية… فترى في هذا المشروع بديلا لتعليم لم يساهم حسب رأيها سوى في تغريب الناشئة ونشر التفسخ الأخلاقي إلخ…

ولكن علينا أن ننتبه إلى أن الصك الممنوح للمشروع قد يكون ضارا، لأنه قد يصنف المشروع برمته ضمن خانات التطرف الثقافي.

لذلك فإن الحذر في استثمار هذا الترحاب والقبول يعد ضروريا.

كما ان جعل هذا التيار الشعبوي الحاضن “الوحيد” للمشروع من شأنه أن يستعدي بقية المكونات الاجتماعية والثقافية الأخرى الحاضرة في المجتمع المحلي القطري أو غيره من المجتمعات العربية والإسلامية.

لذلك فالمطلوب عمليا التفكير منذ الآن في طمأنة ذوي الميولات العلمانية وغيرهم من خلال التركيز على الطابع المعرفي للمشروع ضمن الجودة التربوية التي ينشدها الجميع.

وقد يكون لمهارات التسويق الثقافي والاجتماعي دور حاسم في ذلك من خلال الحملات الإعلامية للترويج والتسويق.

  • ثانيا سيناريو الرفض:

قد يلاقي المشروع صدا ورفضا لا تبديه الأوساط العلمانية والتYريبة فحسب بل تعبر عنه مجموعات وفئات محلية أخرى من منطلقات ليست بالضرورة إيديولوجية أو عقائدية ولكنها مصلحية. ولا تعبر المصلحة هنا عن محتوى اقتصادي فحسب وهو أمر مهم وإنما تعبر عن جملة الامتيازات الرمزية التي يمكن أن تتقلص أو تفقد كليا.

لذلك فإن المشروع مدعو عمليا بـ :

  • تحديد كافة جيوب الصد المتوقعة.
  • إعداد قوائم في جملة الحجج والبراهين التي يستند إليها هؤلاء.
  • إعداد ردود عليها يتم التعبير عن فحواها في ما يمكن أن يرافق المشروع من جملة إعلامية أو منشورات المشروع وأدبياته بقطع النظر عن نوع المحاميل: ومضات، مقالات…

– ثالثا سيناريو الانقسام:

وهو أن تنقسم ردود الفعل إلى قسمين كبيرين، يحتوي كل قسم منهما تباينات وفوارق داخلية، وإذ لا يمكن أن نتوقع تساوي القسمين، فإن الأرجح أن يتوزع القبول على فئات ذات ثقافة تقليدية أو ميولات إيديولوجية عربية إسلامية تنحدر عادة من أوساط بدوية أو قروية.

وقد يتعمق التحفظ ويشتد او يلين ويتراجع كما بينا لدى الأوساط الليبرالية وبعض دوائر القرار السياسي و “اللوبيات المالية” التي لأسباب إيديولوجية أو اقتصادية أو رمزية قد تبدي تحفظا تجاه المشروع) حينما تتلقى رسائل مطمئنة.

3 – إدارة العلاقة مع المحيط

تفتضي الادارة الجيدة للمحيط الاشتغال على جملة من الواجهات والمناشط نذكر منها:

أولا توطيد العلاقة بين المدرسة/ المشروع والمحيط

  • كنا في بداية هذا الفصل ركزنا/ أشرنا إلى أهمية التواصل كرهان من شأنه أن يوطد العلاقة بين المشروع ومحيطه وخصوصا المحلي ونقل الأسرة والإعلام من أهم مكونات المحيط.

فمنذ التقرير الوزاريين الشهيرين بأنقلترا Newston 1963 وPlowden 1967 بدأت مرحلة جديدة في التفكير التربوي متجاوزة “الأطروحات الشكلانية” للتربية التعليم والتربية داعية في الآن نفسه الى توطيد العلاقة بين المحيط والمدرسة فالوسط المدرسي الداخلي واقع تحت تأثير مناخات المحيط “الخارجي” للمؤسسة التربوية. لذلك فان هذا الذي سيصبح تيارا نظريا قدم جملة من المقترحات نورد منها من نراه ممكنا للمشروع:

  • إسناد بعض الأدوار والوظائف مهام، مسؤوليات تربوية لبعض الأولياء وخصوصا تلك الأدوار المتمثلة في الهيئات الاستشارية المعنية بسلوكات الطلاب وحياتهم المدرسية وفرص تشغيلهم إلخ.
  • فإتاحة الفرص لمشاركة الأولياء في اتخاذ القرار من شأنه أن يدعم المشروع بأحزمة تعاطف اجتماعية مهمة. وذلك ما يعبر عنه بانخراط الوالدين في المشروع Paternal unvolerement
  • إعداد وثيقة مرجعية هو عبارة عن دستور أو عهد المدرسة يكون مرشد لما يجب أن تكون عليه السلوكات وقيم وتصرفات المجتمع المدرسي إدارة، مربون، تلاميذ، أولياء… ويكون تتويجا لجلسات ومشاورات حتى لا يبدو أنه مسقط.

ثانيا  بلورة مخطط مديري للمحيط

يقتضي بناء مخطط عمل من أجل المحيط الشروط الآتية :

  • جمع المعطيات المتعلقة بالمحيط : نخب، مؤسسات، دوائر قرار، شرائح عمومية، فئات، قيم، أذواق…
  • تحليل المعطيات وفق الأهداف الاستراتيجيات للمشروع وأولوياته.
  • قيس الهوة الفاصلة، كميا وكيفيا بين ما عليه المحيط وما يأمل إليه المشروع.

إن صياغة سياسة محيط politique d’environnement يمر بالضرورة بجملة من الخطوات :

  • التعبير عن البديل بشكل مباشر وتجسيد حدوده الدنيا في سلوكات وتصرفات العاملين في المشروع إدارة، مدرسين، طلبة…إلخ.
  • تطوير علاقات شراكة مع المزودين الخارجين وجملة المتدخلين أولياء أسر، جمعيات، هيئات، اتحادات، دول، مجموعات، مؤسسات، أحزاب، ذوات معنوية.
  • إقامة تواصل جيد مع كافة مكونات المشروع الداخلية والخارجية .

ثالثا اختيار تقنيات تنمية العلاقات واستثمارها:

إنه لمن البديهي أن يتفطن المشروع/ المؤسسة إلى أهمية وخطورة الوسائط الجديدة للإعلام والاتصال NTIC. لذلك فإن المشروع حتى لا يختزل هذه الإمكانيات المتاحة والمتوفرة في رؤية أداتية وبراقمادية :

رابعا مخطط مديري الإعلام : وظيفته ضبط السياسة الإعلامية للمشروع وفق أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى، متوسطة المدى، قصيرة المدى والإمكانيات التقنية والبشرية.

أن يعد جملة إعلامية توافق في اللحظة المختارة المشروع وفق تقنيات وأساليب الإعلام الحدثي مع السعي إلى إشراك خبراء مختصين في العرض

الرهان على التقنيات الحديثة في الإعلام والتواصل وفق خطة مدروسة، ناهيك عن ضرورة الاستفادة من البيداغوجيات الجديدة المسندة إلى البيداغوجيات التفاعلية والرقمية إضافة إلى التعلم عن طريق الوسائط. E-Learning

وحتى تسهم في صياغة مقترحات عملية في هذا الغرض فإننا نقترح ما يلي:

  • تخصيص إدارة ضمن الهيكل التنظيمي للمؤسسة/ المشروع تعنى بالعلاقات العامة/ تكون جزءا من إدراة الإتصال والإعلام.
  • ضبط وإعداد قواعد معطيات بالمؤسسات الإعلامية، المؤسسات الاقتصاديةـ شخصيات إعتبارية وتحديد تقنيات الاتصال معهم: محادثات، رسائل،
  • ضبط المناسبات والأحداث على شاكلة رزنامة إعلام : أيام إعلامية، أيام الأبواب المفتوحة، رعاية واستشهار أحداث، معالم، شخصيات إلخ…

خامسا التفكير في صياغة الإعلام الداخلي:

  • نشريات، مجلات علمية، مجلة اجتماعية للمؤسسة journal d’entreprise
  • حلقات الجودة: محادثات، جلسات تبادل الآراء Réunions d’échanges
  • إذاعة داخلية للتنشيط الثقافي والإعلامي توكل إلى هيئات الطلاب والتلاميذ.

سادسا التفكير في صياغة الإعلام الخارجي أي إعداد تصورات للعلاقات مع وسائل الإعلام على مختلف أشكالها وتوجهاتها (ندوات صحفية، أيام للإعلام والدعاية، إشهار…)

سابعا التعليم خارج المؤسسة: وهي أفضل وسيلة وتفنية لتوطيد العلاقة مع المحيط وتأكيد وبث صورة ايجابية للمشروع والمؤسسة، لأنها تثبت أن المشروع مجتمعي وحضاري في الآن نفسه على غرار : ندوات علمية ،محاضرات بحوث وأنشطة علمية وفنية وتطوعية خيرية مع شركاء : وزارات، إدارات ومؤسسات إعلامية واقتصادية واجتماعية.

الخاتمة

لقد عملنا خلال هذا البحث على إثبات أن المدرسة لا تكتفي كما يعتقد البعض بإلقاء درسها المعرفي او التربوي وإنما هي آلة عجيبة تنتج وتعيد إنتاج المجتمعات وفق ما يخترق المجتمع من صراعات رؤى ومواقع ومصالح. ولا يمكن للمدرسة أن تكون محايدة، إنها لا تنجو من التوظيفات وبقدر ما تدار وفق استراتيجيات فإنها تنشئ الأفراد علي إدارة الصراعات وابتكار الاستراتيجيات.

لذلك فإنها تعد من أهم الرهانات في الهندسات الاجتماعية ففي البلدان العربية وخصوصا البلدان التي اشتغلنا عليها واعني تونس ومصر وقطر لم تنجو المدرسة من توظيفات كما ان مساهمتها في رسم ملامح هذه المجتمعات خصوصا تلك التي حكمتها نخب “مدرسية التكوين” فالبنى الاجتماعية( الطبقات والفئات والمهن …) والبنى الرمزية ( القيم وانماط التفكير والصور والأذواق) تماد تكون “صناعة مدرسية خالصة).

غير انه لا بد من الإشارة في خاتمة هذا البحث ان المقاربات الاجتماعية تتجه حالياً الى الحذر من الدور المتعاظم للمؤسسات الإعلامية لا في التنشئة والهندسة الاجتماعية بل في توجيه قناعات الأفراد وميولاتهم وذلك على حساب المدرسة والعائلة.   

المصادر والمراجع

المراجع بالعربية:

ابيض، ملكة : التربية والثقافة العربية والإسلامية في الشام والجزيرة خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة، دار العلم للملايين ،

      جروان، فتحي. (2007). تعليم التفكير- مفاهيم وتطبيقات. الطبعة الثالثة. الأردن، عمان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

    الحارثي، ابراهيم مقبل (2001). الإبداع في التربية والتعليم – مرشد المعلمين والتربويين.(مترجم) الطبعه الأولى . السعودية، الرياض :مكتبة الشقري للنشر والتوزيع.

حامد عمار الغزيرة ومن آخرها : الاصلاح المجتمعي :إضاءات ثقافية وإقتضاءات تربوية، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة،2006

حوراني، منير. (2002). تعليم مهارات التفكير. (مترجم). الأمارات، العين: دار الكتاب الجامعي.

الخطيب، عامر. (2003). أدوار المعلم في التربية الإبداعية بمدرسة الموهوبين. ورقة عمل منشورة مقدمة للمؤتمر العلمي العربي الثالث لرعاية الموهوبين والمتفوقين. الأردن، عمان: المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين.

     دبابنة، خلود. (1998). حاجات ومشكلات الطلبة المتميزين والموهوبين .رسالة ماجستير غير منشور. الأردن، عمان: الجامعة الأردنية.

زحلوق، مها. (1996).  معلم المتفوقين وإعداده. ورقة عمل منشورة مقدمة للورشة الإقليمية حول تعليم الموهوبين. الأردن، عمان: مدرسة اليوبيل.

ستيفنسن، وهو”لنتعلم من المدارس الآسيوية”، مجلة العلوم ، المجلد 9 عدد 7 و8، الكويت ، 1993

– السيد سلامة الخميسي، دراسات في التربية العربية وقضايا المجتمع العربي، عبد الغني عبود، الايديولوجيا والتربية، دار الفكر العربي القاهرة ، 1990

السرور, ناديا. (1998). فاعلية برنامج لتعليم التفكير (الماستر ثنكر) في تنمية القدرات الإبداعية. مجلة مركز.

السرور، ناديا. (2003). مدخل إلى تربية المتميزين والموهوبين. الطبعة الرابعة. الأردن، عمان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

      مكتب التربية لعربي لدول الخليج. (2003). خطة مشروع تطوير مقياس الخليج للقدرات العقلية المتعددة. وثيقة غير منشورة.

     دانييل كيفلس وليروي هود (1997): الشفرة الوراثية للإنسان، ترجمة د.أحمد المستجير، سلسلة عالم المعرفة. الكويت. العدد     (217). ص 362.

      د.جون ب.ديكنسون (1987): العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث، سلسلة عالم لمعرفة. الكويت. العدد (112). ص ص 293 و 309

     توم فورستر (1989): مجتمع التقنية العالية، ترجمة د.محمد كامل عبد العزيز، دار الكتب الأردني، عمان. ص 400.

     تي. بيردسلي (1997): بيانات حيوية، مجلة العلوم. مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، العدد 1، كانون الثاني. ص23.

– علي عبد فتوني،البلاد العربية والتحديات التعلينية-الثقافية المعاصرة، دار الفارابي، 2007.

– زيادة نقولا: المؤسسة التعليمية في الحضارة العربية الإسلامية، مجلة الوحدة عدد، 1، باريس، الرباط، 1985

– شبشوب احمد،علوم التربية، مطبعة الوفاق، تونس1986.

  • ALPE Y., Sociologie d’une innovation pédagogique  : l’enseignement des sciences économiques et sociales au lycée, Thèse pour le doctorat de l’université de Provence, Aix en Provence, 1995
  • (L’) ANNEE SOCIOLOGIQUE, Sociologie de l’éducation, vol. 50/2000, n°2, PUF, 2001, 582 p.
  • BALLION Robert, Les Consommateurs d’école, Paris, Stock, 1982, 320 pages.
  • BALLION Robert, La Bonne école. Évaluation et choix du collège et du lycée, Paris, Hatier, 1991, 259 pages.
  • BALUTEAU F., Les savoirs au collège, Paris, PUF « Education et formation », 319 P., 1999
  • BAUDELOT Christian et ESTABLET Roger, L’École capitaliste en France, Paris, Maspero, 1976, 340 pages.
  • BAUDELOT Christian et ESTABLET Roger, Le Niveau monte  : réfutation d’une vieille idée concernant la prétendue décadence de nos élèves, Paris, Seuil, 1990, 197 pages.
  • BAUDELOT Christian et ESTABLET Roger, Allez les filles !, Paris, Seuil, 1992, 243 pages.
  • BERNARD Michel, Critique des fondements de l’éducation ou généalogie du pouvoir et/ou de l’impouvoir d’un discours, Paris, Chinon, 1989, 276 pages.
  • BERNSTEIN Basil, Langage et classes sociales. Codes socio?linguistiques et contrôle social, Paris, Éd. de Minuit, 1975, 352 pages.
  • BERTHELOT Jean-Michel, Le Piège scolaire, Paris, Presses universitaires de France, 1983, 304 pages
  • BERTHELOT Jean- Michel, École, orientation, société, Paris, Presses universitaires de France, 1993, 192   pages.
  • BERTHIER Patrick, Ethnographie de l’école. Éloge critique, Paris, Anthropos, 1996, 112 pages.
  • BISSERET Noëlle, Les Inégaux ou la sélection universitaire, Paris, Presses universitaires de France, 1974,   208 pages.
  • BOUDON Raymond, L’Inégalité des chances. La mobilité sociale dans les sociétés industrielles, Paris,   Hachette, 1985, 398 pages.
  • BOULOT Serge et BOYZON?FRADET Danièle, Les Immigrés et l’école : une course d’obstacles : lectures de chiffres, 1973,1987, Paris, L’Harmattan,Ciemi, 1988, 191 pages.
  • BOUMARD Patrick et MARCHAT Jean-François, Chahuts. Ordres et désordre dans l’institution éducative, Paris, A. Colin, 1994, 111 pages.
  • BOUMARD Patrick, Le Conseil de classe, Paris, Presses universitaires de France, 1997, 160 pages.
  • BOURDIEU Pierre, La Noblesse d’État  : grandes écoles et esprit de corps, Paris, Éd. de Minuit, 1989, 569  pages.
  • BOURDIEU Pierre, Homo academicus, Paris, Éd. de Minuit, 1992, 304 pages.
  • BOURDIEU Pierre et PASSERON Jean-Claude, Les Héritiers. Les étudiants et la culture, Paris, Éd. de Minuit, 1966, 192 pages.
  • BOURDIEU Pierre et PASSERON Jean-Claude, La Reproduction. Éléments pour une théorie du système d’enseignement, Paris, Éd. de Minuit, 1970, 284 pages.
  • CHAPOULIE Jean-Michel, Les Professeurs de l’enseignement secondaire. Un métier de classe moyenne, Paris, Maison des sciences de l’homme, 1987, 407 pages.
  • CHARLOT Bernard, Du Rapport au savoir. Éléments pour une théorie, Paris, Anthropos, 1997, 112 pages.
  • CHARLOT B., Le rapport au savoir en milieu populaire. Une recherche dans les lycées professionnels de banlieue, Paris, Anthropos Education, 1999
  • CHARLOT B., BAUTIER E., ROCHEX Y., Ecole et savoirs dans les banlieues…et ailleurs, Paris, A. Colin, 1992
  • CHARLOT Bernard et EMIN Jean-Claude, Violences à l’école. État des savoirs, Paris, A. Colin, 1997, 410 pages.
  • CHARLOT B. , (coord.), L’école et le territoire  : nouveaux espaces, nouveaux enjeux, A. Colin, 1994
  • CHERKAOUI Mohamed, Les Paradoxes de la réussite scolaire sociologie comparée des systèmes d’enseignement, Paris, Presses universitaires de France, 1979, 224 pages.
  • CHERKAOUI M., Les changements du système éducatif en France, 1950-1980, Paris, PUR, 1982
  • CHERKAOUI M., Sociologie de l’éducation, P.U.F., 1986
  • CHERVEL A. , La culture scolaire, une approche historique, Paris, Belin, 1998
  • COULON Alain, Ethnométhodologie et éducation, Paris, Presses universitaires de France, 1993, 240 pages.
  • COULON Alain, Le Métier d’étudiant. L’entrée dans la vie universitaire, Paris, Presses universitaires de France, 1997, 220 pages.
  • DEBARBIEUX Éric, La Violence en milieu scolaire  : état des lieux, Paris, ESF, 1996, 180 pages.
  • DEMAILLY Lise, Le Collège. Crises, Mythes et métiers, Presses universitaires de Lille, 1991, 373 pages.
  • DEROUET Jean-Louis, École et justice  : de l’école de la République aux projets d’établissements, Paris, Métaillié, 1992, 380 pages.
  • DEROUET Jean-Louis (dir.), Éducation et sociétés. Pour un nouveau bilan de la sociologie de l’éducation, Actes du colloque de l’Aislf (mai 1993), Bruxelles, De Boeck, à paraître.
  • DE QUEIROZ J.M.,  l’école et ses sociologies, Nathan, 1995
  • DUBAR Claude et Alii, L’Autre jeunesse. Des jeunes sans diplôme dans un dispositif de socialisation, Lille, Presses universitaires de Lille, 1987, 263 pages.
  • DUBET François, Les Lycéens, Paris, Seuil, 1991, 313 pages.
  • DUBET François, FILÂTRE Daniel, MERRIEN François-Xavier, SAUVAGE André et VINCE Agnès, Universités et villes, Paris, L’Harmattan, 1994, 318 pages
  • DUBET François et MARTUCELLI Danilo, À l’École. Sociologie de l’expérience scolaire, Paris, Seuil, 1996,  348 pages.
  • DURKHEIM Émile, L’Évolution pédagogique en France, Paris, Presses universitaires de France, réed. 1990, 403 pages.
  • DURKHEIM Émile, Éducation et sociologie, Paris, Presses universitaires de France, réed. 1992, 136 pages.
  • DURKHEIM Émile, L’Éducation morale, Paris, Presses universitaires de France, réed. 1992, 256 pages.
  • DURU-BELLAT Marie, L’École des filles, Paris, L’Harmattan, 1990, 232 pages.
  • DURU-BELLAT Marie et HENRIOT-VAN ZANTEN Agnès, Sociologie de l’école, Paris, A. Colin, 1992, 233 pages.
  • DURU-BELLAT Marie et MINGAT Alain, Pour une approche analytique du fonctionnement du système éducatif, Paris, Presses universitaires de France, 1993, 200 pages.
  • DUTERCQ Yves, Les Professeurs, Paris, Hachette, 1993, 190 pages.
  • EICHER J.P., Economie de l’éducation et sociologie de l’éducation  : de la confrontation à un certain rapprochement, in Permanence et renouvellement en sociologie de l’éducation, L’Harmattan/INRP, 1992
  • ELIARD Michel, L’École en miettes, Paris, PIE, 1984, 315 pages.
  • ERNY Pierre, Ethnologie de l’éducation, Paris, L’Harmattan, 1991, 204 pages.
  • ESTABLET Roger, L’École est-elle rentable ?, Paris, Presses universitaires de France, 1987, 240 pages.
  • FELOUZIS Georges, Le Collège au quotidien, Paris, Presses universitaires de France, 1994, 240 pages.
  • FELOUZIS Georges, L’Efficacité des enseignants. Sociologie de la relation pédagogique, Paris, Presses universitaires de France, 1997, 208 pages.
  • FORQUIN Jean-Claude, École et culture. Le point de vue des sociologues britanniques, Bruxelles, De Boeck-Wesmael,Éd. universitaires, 1996, 247 pages.
  • FORQUIN J.C., La nouvelle sociologie de l’éducation en Grande Bretagne, in Sociologie de l’éducation, dix ans de recherche, INRP/L’Harmattan, 1990
  • GALLAND Olivier (dir.), Le Monde des étudiants, Paris, Presses universitaires de France, 1995, 256 pages.
  • GIROD Roger, Politiques de l’éducation. L’illusoire et le possible, Paris, Presses universitaires de France, 1981, 264 pages.
  • GIROD R., Problèmes de sociologie de l’éducation  : niveaux réels d’instruction, inégalités des chances, faits et méthodes, Lausanne, Unesco, Delachaux & Niestlé, 1990, 139 pages.
  • GLASMAN D. et Alii, L’École hors école. Soutien scolaire et quartiers, Paris, ESF, 1992, 173 pages.
  • GLASMAN D. et Alii, L’École réinventée ? Le partenariat dans les Zep, Paris, L’Harmattan, 1995, 199 pages.
  • GOBLOT Edmond, La Barrière et le niveau, Paris, Monfort, 1984, 110 pages.
  • GUTH Suzie, Lycéens d’Afrique, Paris, L’Harmattan, 1997, 318 pages.
  • HAMON H. et ROTMAN P., Tant qu’il y aura des profs, Seuil, 1984
  • HENRIOT-VAN ZANTEN Agnès, L’École et le local. Les enjeux des Zep, Lyon, Presses universitaires de Lyon, 1990, 270 pages.
  • HIRSCHHORN Monique, L’ ère des enseignants, Paris, Presses universitaires de France, 1993, 304 pages.
  • ILLICH Ivan, Une Société sans école, Paris, Seuil, 1971, 190 pages.
  • ISAMBERT-JAMATI Viviane, Crises de la société, crises de l’enseignement, Paris, Presses universitaires de France, 1970, 400 pages.
  • ISAMBERT-JAMATI Viviane, Les Savoirs scolaires  : enjeux sociaux des contenus d’enseignement et leurs réformes, Paris, L’Harmattan, 1995, 233 pages.
  • JOSHUA S., L’école entre crise et refondation, La dispute, 1999
  • KELLERHALS Jean et MONTANDON Cléopatre et Alii, Les Stratégies éducatives des familles  : milieu social, dynamique familiale et éducation des préadolescents, Neuchâtel, Delachaux et Niestlé, 1991, 256 pages.
  • LAHIRE Bernard, Culture écrite et inégalités scolaires  : sociologie de l “`échec scolaire ” à l’école primaire, Lyon, Presses universitaires de Lyon, 1993, 310 pages.
  • LAHIRE Bernard, Tableaux de famille  : heurs et malheurs scolaires en milieux populaires, Paris, Gallimard/Seuil, 1995, 297 pages.
  • LAHIRE B., L’homme pluriel. Les ressorts de l’action, Nathan, 1998
  • LANGOUET Gabriel, La Démocratisation de l’enseignement aujourd’hui, Paris, ESF, 1994, 186 pages.
  • LANGOUET G. et LÉGER A., Le Choix des familles. École publique ou école privée ?, Paris, Fabert, 1997
  • LAPASSADE Georges, Guerre et paix dans la classe  : la déviance scolaire, Paris, A. Colin, 1993, 63 pages.
  • LÉGER Alain, Enseignants du secondaire, Paris, Presses universitaires de France, 1984, 256 pages.
  • LÉGER A. et TRIPIER M., Fuir ou construire l’école populaire, Paris, Méridiens-Klincksieck, 1986, 206 pages.
  • LEGRAND L., Les politiques de l’éducation, P.U.F., 1988
  • MERLE Pierre, L’Évaluation des élèves. Enquête sur le jugement professoral, Paris, Presses universitaires de France, 1996, 336 pages.
  • MERLE Pierre, Sociologie de l’évaluation scolaire, Paris, Presses universitaires de France, 1998, 128 pages.
  • MOLINARI Jean-Paul, Les Étudiants, Paris, Éditions de l’atelier, 1992, 141 pages.
  • NAVILLE Pierre, Théorie de l’orientation professionnelle, Paris, Gallimard, 1972, 384 pages.
  • PATY Dominique, Douze collèges en France  : le fonctionnement réel des collèges public, Paris, La Documentation française, 1981, 320 pages.
  • PAUL J. J., (dir.), Administrer, gérer, évaluer les systèmes éducatifs, ESF Pédagogies, 1999
  • PAYET Jean-Paul, Collège de Banlieue. Ethnologie d’un monde scolaire, Paris, A. Colin, 1995, 208 pages.
  • PERRENOUD Philippe, Métier d’élève et sens du travail scolaire, Paris, ESF, 1994, 207 pages.
  • PERRENOUD Philippe, La Fabrication de l’excellence scolaire  : du curriculum aux pratiques d’évaluation, Génève, Droz, 1995, 348 pages.
  • PERRENOUD P. et MONTANDON C., Etre parents et enseignants  : un dialogue impossible. Vers l’analyse sociologique des interactions entre la famille et l’école, Berne, Lang, 1987, 233 pages.
  • PERRENOUD P. et MONTANDON C., Qui maîtrise l’école ? Politiques d’institutions et pratiques des acteurs, Lausanne, Réalités sociales, 1988, 352 pages.
  • PETITAT André, Production de l’école, production de la société analyse socio-historique de quelques moments décisifs de l’évolution scolaire en Occident, Génève, Droz, 1982, 540 pages.
  • PLAISANCE Eric, L’Enfant, la maternelle, la société, Paris, Presses universitaires de France, 1986, 208 pages.
  • PROST Antoine, L’Enseignement s’est-il démocratisé ? Les élèves des lycées et collèges de l’agglomération d’Orléans de 1945 à 1980, Paris, Presses universitaires de France, 1992, 208 pages.
  • PROST Antoine, Éducation, société et politiques. Une histoire de l’enseignement en France de 1945 à nos jours, Paris, Seuil, 1992, 226 pages.
  • RAYNAUD P. et THIBAUD P., La fin de l’école républicaine, Calman-Levy, 1990
  • ROCHEX Jean-Yves, Le Sens de l’expérience scolaire  : entre activité et subjectivité, Paris, Presses universitaires de France, 1995, 304 pages.
  • ROCHEX Jean-Yves et BOUVEAU Patrick, Les Zep, entre école et société, Paris, Hachette,Cndp, 1996, 126 pages.
  • ROSENTHAL Robert A. et JACOSSON Lenore, Pygmalion à l’école. L’attente du maître et le développement intellectuel des élèves, Casterman, 1983, 293 pages.
  • SANSOT Pierre, Cahier d’enfance, Paris, Payot, 1994, 224 pages.
  • SINGLY DE François, Lire à douze ans  : une enquête sur la lecture des adolescents, Paris, Nathan, 1989, 223 pages
  • SIROTA Régine, L’École primaire au quotidien, Paris, Presses universitaires de France, 1988, 200 pages.
  • SNYDERS Georges, École, classe et lutte des classes, Paris, Presses universitaires de France, 1976, 377 pages.
  • TANGUY Lucie, L’Introuvable relation formation/emploi, Paris, La Documentation française, 1986, 302 pages.
  • TANGUY L., L’Enseignement professionnel en France. Des ouvriers aux techniciens, Paris, Presses universitaires de France, 1991, 232 pages.
  • TERRAIL J.P., (dir.), La Scolarisation de la France. Critique de l’état des lieux, Paris, La Dispute, 1997
  • THÉLOT Claude, L’Évaluation du système éducatif, Paris, Nathan, 1993, 160 pages.
  • TOURAINE Alain et Alii, Lutte étudiante, Paris, Seuil, 1978, 384 pages.
  • VAN HAECHT Anne, L’École à l’épreuve de la sociologie  : questions à la sociologie de l’éducation, Bruxelles, De Boeck, Éd. Universitaires, 1990, 263 pages.
  • WOODS P., Ethnographie de l’école, A. Colin, 1990

[1] انظر في هذا الصدد أساسا تقرير التنمية الإنسانية العربية 2004

[2] الشرفي، منير. وزراء بورقيبة. تونس: مطبعة تونس قرطاج،.1993

[3] احمد أمين، فيض الخاطر’ الجزء الخامس، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة،1944، ص 83.

[4] المرجع السابق، ص 70-71.

[5] ابراهيم، مجدي عزيز. منظومة التربية في الوطن العربي. القاهرة: عالم الكتب، .186 ص ،2008

[6] عبد الكريم، احمد عزت. ن تاريخ التعليم بمصر، من نهاية حكم محمد علي إلى أوائل حكم توفيق،1882-1848. الجزء الثالث، وزارة المعارف العمومية، القاهرة،1945 م.ص156-155.

[7] مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. التعليم والعلم العربي: تحديات الألفية الثالثة. أبوظبي، 2000، ص325.

[8] المرجع السابق، ص ض

[9] انظر تقارير التنمية الإنسانية العربية وخصوصاً التقرير الثاني للتنمية الإنسانية العربية بعنوان الصادر بعنوان: “نحو إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية” عن برنامج الأمم المتحدة والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، نوفمبر 2003م، بيروت.

[10] عبد الطيف محمد خليفة، ارتقاء القيم، دراسة نفسية، عالم المعرفة، 160، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992، ص 48-47.

[11] بن عاشور، محمد الطاهر. النظام الاجتماعي في الإسلام. القاهرة: دار السلام، 2005، ص115-116.

[12] المرجع السابق ص116

[13] المرجع السابق ص115-116.

[14] فضل الرحمان ، الاسلام والتحديث، نحو إحداث تغيير في التقاليد الثقافية، ترجمة إبراهيم العريس دار الساقي بيروت 1993

[15]خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، الدار العربية للكتاب،تونس،1998انظر خاصة فصول: مطلب بيان ما كان للأمة من الثروة والشوكة والمعارف. وأسباب اخذ الأمة في التراجع وتراتيب العلم والتعليم بفرنسا.

[16]علي الصولي، الدين والدولة في مواقف وآثار محمد بيرم التونسي، دار الطليعة الجديدة، سوريا،2003

[17] محمود شمام، اعلام من المدرسة الصادقية، مطبعة بوبليسيت، تونس بدون سنة

[18] الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريس

.[19] وزارة الأوقاف تاريخ الأزهر وتطوره-القاهرة- – ،1964ص 20.

[20] نفس المصدر، ص373

[21] Moreau, les missionnaires laïques, Bulletin de l’enseignement indigène,…

[22] انظر ما كتبه عالم الاجتماع الفرنسي المناهض للهيمنة الاستعمارية الفرنسية: كتابيه الشهيرين: La Distinction , les Héritiers

[23] Sraeb(N)”Enseignement, Elites et systèmes de valeurs; le colleges sadiki de tunis, in Annuaire de l’Afrique du Nord , cnrs, Paris,1971

[24]Ayachi Moktar, Ecoles et société en Tunisie, CERES, Tunis, 2003

[25]الهرماسي محمد عبد الباقي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 40 ص 1987

نفس المصدرص109 [26]

زر الذهاب إلى الأعلى