جوانب الالتقاء والتمايز بين معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث
جوانب الالتقاء والتمايز بين معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث
بحث مقدم لصالح مشروع إحياء نظام تربوي أصيل
إعداد
د. مصدق الجليدي
أنجز في:
20 محرم 1431 هـ / 06 يناير 2010م
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمشروع
ومسجلة رسميـًا ومحمية بموجب القانون
من أجل تربية استخلافية متجدّدة [1]
مدخل تمهيدي
1– توطئة
أ- تمهيد:
تتواتر الأدلّة والشواهد على تفوّق المسلمين التاريخي على الأوروبيين في مجال العلوم والفلسفة والحضارة بصفة عامة. “فالعرب كانوا معلمي ومربي الغرب اللاتيني” كما نوه بذلك بوضوح مؤرخ وفيلسوف العلوم ألكسندر كويريه في كتابه “دراسات في تاريخ الفكر العلمي“، ولم يكونوا مجرد نقلة ووسطاء للعلم اليوناني إلى العالم اللاتيني كما يؤكد نفس المؤرخ، بل مستوعبين أذكياء ومبدعين حقيقيين أضافوا لرصيد التراث العلمي العالمي ما لا ينكره إلا جاهل أو مكابر. ولقد وصل الافتتان بالنموذج العلمي والتربوي الإسلامي من قبل الأوروبيين إلى أن قلّد علماؤهم المهاجرين إلى الجامعات الإسلامية في الأندلس علماء المسلمين في لباسهم وهيئتهم، ولا تزال آثار من ذلك قائمة في ساحات فلورنسا بإيطاليا إلى يوم الناس هذا. والحديث عن “المعجزة العربية” (ماكس غانتاجو) وعن النخبة العلمية الإسلامية والروح الحضارية الإسلامية المتقدمة يتكرر في سياق حديث المؤرخين الغربيين والمستشرقين المنصفين عن علاقة “العقيدة بالمعرفة” (زيغريد هونكه) وعن “بناء الإنسانية” (بريفولت) وغيرها من الكتابات المتعلقة بالإسهام الذي لا مراء فيه للمسلمين في بناء الحضارة الإنسانية، إلى درجة أن عالما أوروبيا متميزا مثل روجر بيكون “لم يملّ قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية ولعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة” (ذكره إقبال في كتابه “تجديد الفكر الديني” نقلا عن بريفولت Briffault في كتابه “بناء الإنسانية” Making of Humahity).
ولكن ثبوت الحقيقة التاريخية الحضارية التي ننوه بها هنا، لا يجعلنا نغفل لحظة عن انقلاب الأدوار والمكانات في عالمنا اليوم. فالغرب الذي كان تابعا أصبح سيدا مطاعا وبعد أن كان تلميذا صغيرا يتهجى حروف المدنية والعلم على يد نوابغ المسلمين أصبح أستاذا لم يجد العرب بدّا من التتلمذ عليه في مجالات العلوم الحديثة والتكنولوجيا وطرق التنظيم والإدارة والاتصال وغيرها من المجالات الحيوية في عالمنا المعاصر. وحيث أن التربية هي المدخل إلى إعادة التأهيل الحضاري الشامل فقد حاولت العديد من المجتمعات العربية من خلال قيادتها ونخبها وأنظمتها السياسية “اللحاق” بالغرب المعاصر باستجلاب طرقه ومناهجه التعليمية والتربوية على علاّتها. ولكن الإحصائيات والاختبارات الدولية في مجال اللغات والرياضات والعلوم، وهي مواد أساسية ثلاث في أي منظومة تعليمية، تشير للأسف إلى تخلف مريع للبلدان العربية وبعدها الشاسع عن مصاف المدارس التربوية العالمية، كالمدرسة الفنلدية والمدرسة النرويجية والمدرسة اليابانية.
ب- الإشكالية:
إن مشكل تراجع أداء النظم التربوية العربية مشكل خطير ويبعث على التفكير العميق والبحث الجدي في الأسباب والحلول معا. ولكن ما يطمْئن في المقابل هو أن هذا المشكل على خطورته لا يمكن اعتباره معضلة ميئوس منها، إذ قد لا يعدو الأمر أن يكون وضعا عارضا ألمّ بالأمة حتى وإن طال مكوثه فينا. والذي يدفعنا إلى مثل هذا القول أمران: أوّلهما عقيدتنا الراسخة في أنه لا يأس من روح الله ومن تعافي جسم الأمة وعقلها من داء التخلف، وثانيهما ما كنا بصدد توضيحه عن التجربة العلمية والحضارية الإسلامية الرائدة تاريخيا، والتي تدلّ على أن الخلل الحاصل في أدائنا العلمي والحضاري الراهن لا يمس في شيء روح الثقافة الإسلامية التي تولدت عنها أصالتنا التربوية والتي كانت مصدر إلهام وإبداع عظيمين طوال قرون مديدة من تاريخ أمتنا المجيد. ومن هنا يتجه تفكيرنا إلى البحث بإيجابية وبتفاؤل كبير عن شروط استئناف فعلنا الحضاري وريادتنا العلمية. والمدخل إلى هذا هو في رأينا القيام بعملية إصلاح عميق وجذري لأنظمتنا التربوية والقيام بعملية مراجعات وتقييمات علمية وموضوعية لها ولتراثنا الفكري التربوي وللتراث التربوي الإنساني الحديث معا، من دون مركبات نقص ولا استعلاء.
وبناء عليه فإننا نطرح في حدود هذه الخطّة العلمية الإشكالية التالية:
ما هي مقومات التربية الأصيلة في الثقافة الإسلامية وإلى أي حدّ تحققت في الفكر التربوي في التراث؟ وما موقع الفكر التربوي الإنساني الحديث منهما معا؟
ج- الفكرة المحورية للبحث
تتمثل الفكرة المحورية للبحث في المعنى التالي:
يوجد في حافظة الأمة (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والذاكرة الثقافية الجماعية النيرة) مثال أسمى عن معنى التربية الأصيلة يرتكز أساسا على فكرة الاستخلاف في الأرض وعلى قيم الفعالية والإبداع والإصلاح والإعمار وحفظ الأمانة التي عرضها الله عز وجل على مخلوقاته فحملها الإنسان، غير أن تحقيق وتجسيد معنى هذه التربية الأصيلة في التاريخ والحضارة ليس أمرا بديهيا ولا نهائيا. أما أنه ليس بديهيا، فلأنه يتم بمقدار وعي الناس به وسعيهم من أجل تكريسه، وهذا الوعي وهذا السعي تفاوتا من مرحلة تاريخية إلى أخرى، فشهد التاريخ الإسلامي فترات ازدهار، كما شهد فترات انحطاط، دون أن يفقد الأمل في النهضة من جديد. كما أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، والصلاح أمر نسبي. ولذا لا يستبعد أن يكون الفكر التربوي الحديث قد أخذ ببعض مقومات التربية الأصيلة كما يستبطنها المثال الإسلامي، وذلك لانطواء هذا المثال على كل ما هو عالمي، وما هو عالمي يكون قاسما مشتركا بين الناس على مختلف مللهم ونحلهم. وأما كون تحقيق معنى التربية الأصيلة ليس نهائيا فلأن المثال الإسلامي مثال مفتوح على عدد لا حصر له من أشكال الاجتهاد التاريخي الذي يكيف المثال مع الواقع والعصر. ولذا فإن هذه الورقة ستبحث عن مثال التربية الأصيلة في النصوص (القرآن والسنة والتراث الفكر التربوي) وفي الممارسة التاريخية للمسلمين من جهة، كما أنها ستبحث في نقاط الالتقاء ونقاط التمايز بين الفكر التربوي الإنساني الحديث مع مثال التربية الأصيلة في الإسلام ومع تعيناته التاريخية في العالم الإسلامي من جهة ثانية.
والغاية من كل ذلك هو استجلاء القيمة المضافة التي يحققها النظام التربوي المنشود.
ومن هنا نطرح الأسئلة التالية:
- ما هي مقومات التربية الأصيلة في الثقافة الإسلامية (القرآن والسنة أساسا)؟
- ما هي المظاهر الحضارية الناتجة عن تشرب المسلمين لمعنى الأصالة التربوية؟
- إلى أي حدّ تطابقت مختلف الاتجاهات التربوية في التراث الإسلامي مع روح التربية الأصيلة في الثقافة الإسلامية؟
- ما هي مقومات التربية في الفكر الإنساني الحديث وإلى أي حدّ تلتقي مع مقومات التربية بمعناها الإسلامي الأصيل من جهة وبمعناها التراثي التاريخي من جهة ثانية (حيث أن الممارسة التاريخية قد تزداد أو تنقص تطابقا مع المثال الإسلامي للأصالة التربوية)؟
- أخيرا ما هي القيمة المضافة التي سيفرزها هذا العمل بناء على كل ما سبق والتي من المنتظر أن يحققها النظام التربوي المنشود.
2– محاور البحث
● مدخل تمهيدي
● القسم الأول: معطيات الفكر التربوي في التراث
- أوّلا: موقع الإسلام من تاريخ البشرية
- التوظيفات البيداغوجية التطبيقية الممكنة للمحور
- ثانيا: أسس التربية الأصيلة في الثقافة الإسلامية ومقوّماتها
▪ توطئة
- تكريم الإنسان وتفضيله
- الأمانة
- استخلاف الإنسان في الأرض
أ- من معاني الاستخلاف
ب- الاستخلاف وقيمة الإنسان الفرد
ج- آثار الاستخلاف
- تسخير الكون للإنسان وتمكينه فيه
- نظرية المعرفة في الإسلام
أ- الولادة على الفطرة والعلم لا يحصل لغير الأنبياء إلا بالاكتساب
ب- تعليم الله للبشر من غير طريق الوحي
ج- التوحيد محاربة للأوهام وإرساء لأول قاعدة بناء علمي صحيح
د- مصادر البناء المعرفي في القرآن الكريم وفي الفكر الإسلامي الأصيل
د-1- الإدراكات الحسية واستقراء جزئيات الطبي
د-2- القلم: المعرفة الرمزية المجرّدة
د-3- جدلية الإدراك الحسي والنظر العقلي
ﮪ- عناصر من نظرية المعرفة عند ابن خلدون
و- توسعة المعارف واتساع مجال العلم في الإسلام
ز- محاربة الأوهام والخيالات العقيمة
ن- التجديد والاجتهاد المتواصلين وكراهة التقليد
- مكانة العلم والعلماء في الإسلام
- الغاية من التربية الإسلامية هي اتجاه النفس إلى الله
- العلم النافع المقترن بالعمل الصالح
- تلازم لزوم الحق والاتصاف بالصبر في النظرية التربوية القرآنية الشاملة
- استنتاجات المحور الأوّل: مقوّمات التربية الأصيلة في الإسلام
ثالثا: معطيات الفكر التربوي في التراث
1- تعدد الاتجاهات التربوية في التراث الإسلامي وتفاوتها في تحقيق معنى الأصالة
– التوظيفات البيداغوجية التطبيقية الممكنة للمحور
2- نماذج من الفكر التربوي الناشد للأصالة في التراث (ابن خلدون/ الطاهر بن عاشور/محمد الخضر حسين/الطهطاوي/محمد رشيد رضا).
– التوظيفات البيداغوجية التطبيقية الممكنة للمحور
القسم الثاني: معطيات الفكر التربوي الإنساني الحديث
- أوّلا: خصائص التربية الحديثة وأهم أفكارها ومبادئها
1- خصائص تربية الحداثة
2- الفروق القائمة بين المدرسة التقليدية والمدرسة الحديثة
3- أهم الأفكار والمبادئ الخاصة بالطرائق النشيطة
- ثانيا: نماذج من الفكر التربوي الغربي الحديث
1- الطرائق النشيطة
2- المدرسة البنائية (بياجيه وفيغوتسكي وبرونر).
3- المدرسة الفنلندية: ما سرّ امتيازها؟
القسم الثالث: مقارنات بين الفكر التربوي في التراث والفكر التربوي الحديث والنتائج المستخلصة منها
- أولا: جوانب الالتقاء بين معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث
- ثانيا: جوانب التمايز بين معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث
1- ما يتميز به الفكر التربوي في التراث عن الفكر التربوي الحديث
2- ما ينقص الفكر التربوي في التراث مقارنو بالفكر التربوي الحديث
- ثالثا: الفكر التربوي الإنساني الحديث في ميزان الأصالة التربوية الإسلامية
1- مقومات التربية الأصيلة في الإسلام (تذكير)
2- الراجحات
3- المرجوحات
- رابعا: القيمة المضافة المرتقبة من النظام التربوي المنشود
- خامسا: كيفية تنزيل سمات الأصالة التربوية على أرض الواقع
1- التنزيل في مستوى سياسات المشروع
2- التنزيل في مستوى منهجيات التدريس والمناهج وتكوين المعلمين
3- التنزيل في مستوى التقويم
4- التنزيل في مستوى التمويل
5- التنزيل في مستوى العلاقة مع المحيط
- سادسا: العوائق التي قد تعيق تنزيل سمات الأصالة التربوية
1- العوائق الاجتماعية-الثقافية
2- العوائق السياسية
3- العوائق المادية الاقتصادية
- سابعا: مدى فاعلية البحث الر اهن في السياق الحضاري المعاصر
1- استراتيجية المقاومة
2- استراتيجية القيام
● خاتمة عامة وتتضمن خلاصة واستنتاجات وتوصيات لصالح النظام التربوي المنشود (القيمة المضافة الحاصلة من المقارنات السابقة).
3– مصطلحات البحث الأساسية
نقدم هنا ستة مفاهيم أساسية للبحث الراهن:
أ- فلسفة التربية الإيمانية فلسفة تربوية أصيلة: وهي تربية مقامة على معاني الاستخلاف والتسخير والصلاح في الأرض وعلى اعتبار العلم سندا للإيمان وفي خدمة الإنسانية، كما أنها تربية توازن بين ضرورات الجسد وحاجات الروح.
ب- الأمانة: إن للأمانة تفسيراتها الخلقية بمعنى الإبداع، ولكن لها معنى سياقيا ذهب إليه المفسرون في شرح طريف للآية ذكر فيه إن المقصود بالأمانة الحرية.
ج- الاستخلاف: الفعل الحضاري في الكون ضمن ما هيأه الله للإنسان من قدرات ووعي يتكافأ وأوضاعه الكونية.
د- نظرية المعرفة في الإسلام: وهي النظرية المبينة لكيفية اكتساب المعارف وبنائها وفقا للمنظور القرآني. وتتلخص في كونها تؤسس لمعرفة استقرائية تجريبية بالعالم، تجمع بين إدراكات الحواس وتنظيم العقل للتجربة الحسية. وهي نظرية منفتحة على الآخر وتقول بضرورة الاستفادة من حكمة الآخرين وعلومهم النافعة وفق المنظور الاستخلافي.
ﮪ- الروح الإبداعية في الحضارة الإسلامية: وهي تحقيق فعلي لعقيدة التوحيد المشتملة على الإيمان بالله البديع والخلاق واقتداء بهاتين الصفتين الإلهيتين في الأرض، وقد تجلت إبداعية المسلم في إنجازاته الحضارية في مختلف المجالات العلمية والفلسفية والعمرانية والفنية والتشريعية.
و- التربية الحديثة: وهي التربية التي تستند إلى قيم الحداثة وتبتعد عن التلقين والتسلط وتجعل من المتعلم محور العملية التعليمية-التعلّمية، وتنطلق في بناء المفاهيم من وضعيات-مشكل لها دلالة لدى المتعلم.
ز- البنائية: هي منهج نفس-تربوي، يؤكّد على دور المتعلم في البناء الذاتي للمعرفة بالتفاعل مع محيطه الطبيعي والاجتماعي والثقافي. وفي البنائية لا يكون دور الكهل (الأبوان أو المعلم مثلا) إلا ميسرا لعملية التعلم الذاتي من قبل الطفل.
4. الدراسات والأدبيات السابقة
من الدراسات والأدبيات السابقة التي سنعود إليها نذكر الأمثلة التالية:
- كتاب الفكر التربوي العربي الإسلامي: الأصول والمبادئ: من إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت)- مكتب التربية العربي لدول الخليج، تونس، 1987.
شارك في تأليف وتحرير هذا الكتاب الضخم (1052 صفحة) عشرون باحثا عربيا أرادوا جميعا، كل على طريقته، تصحيح الرؤية إلى تاريخ الفكر التربوي العالمي بإبراز الإسهام الحضاري العربي الإسلامي المتميز في هذا المجال.
والهدف العام المعلن لهذا العمل هو: « التعرّف الوثيق على التراث التربوي العربي الإسلامي، في مظانّه المختلفة المنشورة والمخطوطة، والتعامل مع النصوص التربوية التراثية ونشرها، ورصد مصطلحاتها الفنّيّة والعلميّة، إلى جانب دراسة الواقع التربوي العربي في الوطن العربي كشفا عن جذوره ومشكلاته واتجاهاته وإسهاما في بناء نظرية تربوية عربية إسلامية متطوّرة»(ص. 7).
لقد جاء هذا العمل في خمسة أبواب كبرى تفرعت عنها عشرات الفصول، وهذه الأبواب هي:
- مدخل تاريخي
- الأسس النظرية للفكر التربوي العربي
- الفكر التربوي العربي الإسلامي في القرآن والسنّة
- التيارات الكبرى في الفكر التربوي العربي الإسلامي
- موضوعات أساسية في الفكر التربوي العربي الإسلامي.
لقد بذل جهد كبير في تحقيق مختلف أغراض هذا العمل، إلاّ أنّ الهدف الجزئي المعلن عنه في الآخر والمتعلق بـ« دراسة الواقع التربوي العربي في الوطن العربي كشفا عن جذوره ومشكلاته واتجاهاته»، لم يحظ بأكثر من 2 بالمائة من مجمل العمل (الفصل الثامن من الباب الأول: ص. 82-102). ولهذا افتقد هذا العمل الكبير إلى البعد الإجرائي واكتسى طابعا تأريخيا أو نظريا خالصا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى اقتصر هذا المؤلَّّّف على دراسة التجربة التاريخية العربية في التربية فكرا وممارسة ولم يربطها بأوضاعنا التربوية الحالية ربطا وثيقا، كما لم يقارن بينها وبين التجارب التربوية المعاصرة.
- أعمال المرحوم محمد الفاضل الجمالي التربوية، كتاب آفاق التربية الحديثة (الدار التونسية للنشر، 1968) وكتاب تربية الإنسان الجديد (الدار العربية للكتاب،1981) وكتاب نحو تجديد البناء التربوي (الدار التونسية للنشر، 1984) وكتاب نحو تربية مؤمنة(الشركة التونسية للتوزيع، 1986).
تعتبر كتابات المرحوم محمّد الفاضل الجمالي كتابات قيمة ومسكونة بهاجس التأصيل التربوي، إذ كثيرا ما حاول العودة إلى قيم الإسلام وأخلاقياته السمحة والمتسامية في مجال تربية الأطفال والشباب، من ذلك مثلا دعوته في كتاب نحو تربية مؤمنة إلى “تجديد البناء القومي على أساس الإيمان” (ص. 7- 20) وإلى تبني رؤية تكاملية للعلم والفلسفة والإيمان (ص. 102- 108). إلى جانب اعتماده المحض على المرجعيات الإسلامية يعود المرحوم الجمّالي إلى الفكر التربوي الحديث معتبرا إياه امتدادا طبيعيا لروح التجديد والفعالية التي غرسها الإسلام في الأمم التي اتصلت به، فيتشهد بأفكار وتجارب رواد التربية الحديثة من أمثال روسو وبستالتسي وجون ديوي وبأبحاث بياجيه حول نمو الذكاء وأعمال ثورندايك حول قوانين التعلم وكذلك نظريات علم النفس الحليلي وروادها فرويد وأدلر ويونغ…الخ. وهذا النهج التوفيقي طبقه الدكتور الجمالي في أغلب كتبه التربوية.
ومما يقوله الدكتور الجمالي منذ وقت مبكر من مسيرته في التأليف التربوي، عن ضرورة التربية الروحية للشاب المسلم: « إن الشاب المسلم الذي يرتاد مدرسة أجنبية لا يتعلم شيئا عن دينه…إن التربية الأجنبية تقصّر كثيرا في مهمتها التربوية حين تترك الشاب المسلم محروما من معرفة أصول دينه» (التربية الحديثة، 1968، ص. 144). وهو يرى أن على التربية أن تساعد الإنسان على أن يؤدي مهمته كخليفة في الأرض كما نص على ذلك القرآن الكريم (المصدر السابق، ص. 149). ومع ذلك فهو يدعو إلى تأسيس المدرسة الحديثة (نفسه، صً.ص.14- 66) ويدعو إلى فلسفة تربوية تطورية، ولا يرى في ذلك أي تناقض مع فلسفة القرآن التربوية.
وفي الحقيقة لا نخفي إعجابنا بفكر المرحوم الجمالي وبنظرته المتوازنة للمعضلة التربوية العربية، بل نوصي بالعودة إليه والاستفادة منه بأكثر مما هو حاصل اليوم، ولكننا مع ذلك نرى أنه بحاجة إلى تطوير من قبل أجيال الباحثين العرب الحاليين، لتقادم بعض مرجعياته من الفكر التربوي العالمي الحديث. من ذلك مثلا تنويهه بقوانين التعلم كما ظهرت لدى ثورندايك، بينما نعلم اليوم أن هذا العالم ينتمي إلى المدرسة السلوكية (Behaviorism بالانجليزية) التي تهتم بظاهر السلوك الحيواني والإنساني وتغفل عن السيرورات المعرفية والوجدانية الخفية التي تمثّل منبع السلوكات الظاهرة ومبدأها المحرك كما دللت على ذلك واهتمت به المدارس السيكولوجية اللاحقة مثل مختلف مدارس التيار العرفاني (Cognitivism) كالمدرسة الجشطلتية (علم نفس الشكل: أي التنظيم العام للإدراكات كما ينبجس دفعة واحدة في الذهن) ومن أعلامها كوهلر وكوفكا ولوفين (علماء ألمان) وكالابستمولوجيا النشوئية لجان بياجيه ونظرية المعالجة الإنسانية للمعلومات…الخ.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، نجد في كتابات فاضل الجمّالي تنويها متكررا بأعلام مدارس البيداغوجيا النشيطة التي تعود إلى أوائل القرن الماضي، وهذا أمر حسن ويجب الاستمرار فيه وحسن استثماره إجرائيا، ولكن وجب كذلك تحيين معرفتنا بالمدارس البيداغوجية الحديثة التي ظهرت بعد الرواد الأوائل من أمثال كلاباريد ومنتسوري وديوي وفرينيه وغيرهم، حيث ظهرت البيداغوجيات البنائية (بياجيه، برونر، فيغوتسكي، دواز، مونيي…الخ) بأنواعها والبيداغوجيات الفارقية (أو التمييزية الإيجابية بحسب عبارة الفرنسي برّينو) البيداغوجيا المؤسسية (لوبرو) وبيداغوجيات التحكّم (بلوم وكرول) وبيداغوجيات النجاح…الخ.
- كتاب في التدريس الأصيل لهاشمي زين العابدين(نشر الشركة التونسية للتوزيع، 1987).
يحتوي هذا الكتاب على حوالي 500 صفحة من الحجم المتوسّط، يحتوي زيادة على المقدمة، على خمسة فصول:
- فصل العلم والتدريس: وقد ركزه المؤلف على خصال المربي الكفء ويبدو فيه الكاتب متأثرا بنموذج ملامح المعلم التي تنبئ بحاصل التلاميذ. كما أنه تعرض لطرق التدريس وصنفها إلى إيجابية وسلبية.
- فصل التربية اللسانية: وخصصه لتدريس اللغة نحوا وصرفا وقراءة وكتابة.
- فصل التربية العلمية: وفيه تعليم الحساب والوسط والتاريخ والجغرافيا.
- فصل التربية الروحية والاجتماعية: وركز فيه على التربية الأخلاقية وتعليم القرآن، وكذلك على التربية المدنية.
- فصل التربية الجمالية: وفيه محاور التربية الفنية والبدنية والموسيقية واليدوية والشعر والمحفوظات.
والملاحظة التي تتبادر مباشرة إلى الذهن هنا هو تبني الكتاب لتصور تكاملي للتربية وهذا أمر نعدّه حسنا.
وقد أكّد المؤلف في مقدمة كتابه أنه سيؤصّل أفكاره التربوية في القرآن الكريم وأنه سيجري فيها روح “الإسلامية” و”العروبية” (ص. 7).
ولو تأملنا طريقة الكاتب في التأليف، فسنلحظ بيسر تأثره بفلاسفة التربية الكلاسيكيين من نوع مونتانيي وروسو، من خلال أسلوب النصح والتأمل والإسهاب والحرص على انتقاء العبارات وجمالية العرض. ولكنه بالغ في عبارات النصح ومناسباته حتى ليكاد كتابه ينقلب إلى محض موعظة. وهذا أسلوب لم يعد متبعا في الكتابات التربوية الحديثة التي تعتمد على الشرح والتحليل العلمي أو على طرح الإشكاليات وتقليب المسائل على وجوهها المختلفة إذا كان مجالها فلسفة التربية. و إذا ما تركنا جانبا مسألة الأسلوب، فن الكتاب يمكن أن يصنف فيما يغرف باختصاص البيداغوجيا الخاصة، لما تضمنه من كلام في تدريس مختلف المواد، ولكنه حاول أن ينطلق بأفكار يمكن أن تدرج في البيداغوجيا العامة. ولكن البيداغوجيا الخاصة تركت مكانها اليوم لما بات يعرف بتعلمية المواد[2]. وبخلاف المنهج الذي اتبعه الكاتب في مؤلفه هذا فإن تعلمية المواد لا تجعل من المعلم مدخلا أساسيا طاغيا لدراسة التمشيات التعليمية-التعلمية وإنما تنوع المداخل إلى ثلاثة: المعلم والمتعلم والمعرفة (العلمية والمدرسية).
أما عن التأصيل في حد ذاته فلا يقصره الكاتب على القرآن والروح الإسلامية والعروبية، بل يوسعه ليشمل الحكمة الإنسانية وتجارب البشرية التي ثبتت جدواها ومطابقتها لروح القرآن ومنهج الإسلام. وهذا رأي نؤيده فيه، إلا أننا نلاحظ أن طريقة تأصيله للفكر التربوي الحديث جاءت عامة والإشارات إلى ما يقابل الأفكار التربوية الحديثة في التراث الإسلامي وردت مقتضبة، والغالب على الكتاب استحضار ضمني لأفكار رواد التربية النشيطة والطريقة الحوارية، من دون إشارة إلى مصادرها، وهو ما كرس أكثر الروح الخطابية للكتاب وأبعده عن الروح العلمية.
- كتاب رواد الإصلاح التربوي في تونس لمصدق الجليدي (دار سحر للنشر، تونس، 2009)
وقد تعرض الباحث في هذا الكتاب لأربع نماذج كبرى في تاريخ الإصلاح التربوي وهي ابن خلدون والطاهر بن عاشور والطاهر الحداد ومحمد الخضر حسين. وأعلن المؤلف أن هدفه من وراء اختياره لهذه العينة إلى سدّ ثغرة في أدبيات تاريخ التربية في تونس، التي عادة ما تقفز من الفترة الرومانية إلى رواد التربية الحديثة في أوروبا، ثم نقد التعليم الزيتوني التقليدي، فإلى إصلاح 1958 والإصلاحات التي تليه، وكأنه لم يظهر في التاريخ العربي الإسلامي من نقد أحوال التعليم الديني التقليدي أو لم يظهر من داخل الزيتونة ذاتها من ثار على طرقها التعليمية البالية، مثلما فعل الرواد الذين اعتزمنا دراسة آثارهم الإصلاحية التربوية…
كما أن الهدف من هذا العمل لا يتوقف على هذه الغاية النظرية فحسب، بل له كذلك غاية عملية تتمثل في محاولة الإسهام في إضعاف حالة المقاومة للتجديد التي تُلمس لدى أعداد كبيرة من المدرسين وتأصيل فعل التجديد البيداغوجي في نفوسهم من خلال تأصيله في تراثهم الذي يعتزون به.
- كتاب الفكر التربوي عند العرب، لإبراهيم النجّار والبشير الزريبي، الدار التونسية للنشر (1985)
يضم هذا الكتاب الضخم (حوالي 800 صفحة) نصوصا تربوية تراثية عربية شملت سبعة محاور أدرجت في سبعة أبواب هي التالية: الهياكل التعليمية (بيوت الحكمة والمكاتب ودور العلم والمدارس والمعاهد والجوامع ومجالس العلم والكتاتيب وغيرها)- التعليم (أهدافه ومحتوياته ومناهجه)- المعلم (آداب التعليم وأصناف المعلمين ومنزلة المعلم والطرق التعليمية)- المتعلم (ملكات المتعلم وتأثير الوسط العائلي فيه وآداب المتعلم واختلاف طبائع وميولات المتعلمين وآداب المناظرة)- التربية العقلية (الإدراك والاستيعاب والحفظ والاستنباط وأهمية الهندسة في تكوين العقل والفطرة والاكتساب…الخ.)- التربية الأخلاقية (فضائل النفس وطلب العلم والحياء والصداقة وآداب السلوك والإحساس الفطري بالجمال ودور الموسيقى في تهذيب النفس…الخ.)- التربية اللسانية (علوم العربية والمنطق والنحو واللغة عند الصبي …الخ.).
“فهي نصوص تم الوقوف عليها موزعة بين شتى المراجع والمصنفات في الأدب والتراجم، والتاريخ، والفقه، وفلسفة العلوم، والسياسة، والأخلاق، والتصوف، وأدب المناظرة، وكتب الحكم، والمواعظ، وقليل منها ما انتظم في كتاب خاص بالتربية” (الفكر التربوي عند العرب، ص. 41).
وكما ذهب إلى ذلك المؤلفان، قامت في كل الأطوار الماضي التاريخي للعرب، وبكل صقع من الأصقاع التي هي لهم بالإرث أو آلت إليهم بالفتوحات، نماذج تربوية عملية، موجهة بنظرة معينة للحياة ومعززة بتقاليد محددة للسلوك المطلوب من الطفل والشاب وفق ضوابط للعيش المشترك والصراع الحيوي من أجل توفير الضروري والكمالي من مقومات الحياتين الطبيعية والأدبية. ثم حين ظهر الإسلام انضاف إلى الحكمة العربية التشريع السماوي بأصلية القرآن والسنة، ذلك التشريع الذي أقر العديد من المعايير الجمالية في بلاغته اللغوية، والكثير من المعايير السلوكية الاجتماعية المتداولة إذ الإسلام إلى ذلك يمثل ثورة تجديد عصفت بالكثير من القيم ونادت بالكثير مما هو مغاير تمام المغايرة لما ألفه الناس من الفكر وخلق ومعاملة وحياة.
“ففي هذين المصدرين التشريعين رصيد مرجعي جديد للتربية العربية، منه ماهو موجه للتأمل الفلسفي الغيبي والنظر الماورائي للوجود ككل من حيث بدؤه ومعاده، ومنه ماهو موجه إلى دراسة الطبيعة و تدبير عوالمها النباتية والحيوانية والإنسانية، ومنه ما هو موجه إلى ضبط صلة الإنسان بنفسه، وصلته بأسرته، وصلته بمجتمعه، وصلته بالإنسانية قاطبة، وصلته بواجب الوجود في الحال والمئال. فبانتشار الإسلام وامتزاج الثقافات وتلاقح المواهب جد الاهتمام بالقراءة والقراءات والقرّاء وبالكتابة والكتبة والكتاب والكتّاب وزادت العناية بالعلم والمتعلمين والعلماء والمعلمين وحلقات دراسة علوم القرآن وعلوم السنة، وأصبح طلاب العلم من التعلق به إلى حد المهاجرة بالترحال في طلبه، و تلقيه ممن اشتهروا بالرواية أو الدراية أو بكليهما. وانه بالرغم من الحرص على حفظ القرآن الكريم وتلقي السنة الشريفة ودراسة الفقه بالمساجد التي بنيت أساسا لعبادة الله، إلا أن المدرسة بالمفهوم الاجتهادي والتربوي قائمة في أذهان أهل الذكر حين يقولون مثلا ” مدرسة الحجاز” و “مدرسة العراق”، و “مدرسة الكوفة” ، و” مدرسة البصرة”، و”مدرسة القيروان”، و “مدرسة قرطبة” وان المدارس لكثير كثرة استدعت تأليف المراجع للتعريف بها وللتفرقة بينها” (ص. 43- 44).
ويشرح المؤلّفان مزايا التربية العربية المستندة إلى هدي القرآن الكريم بقولهما: “وإنه بهذه الملامح الجديدة للتربية العربية في ظل الأخذ بالدستور القرآني لا يمكن اعتبار هذه التربية روحية صرفة على غرار ما تنادي به الديانات التي دأبت على صرف نظر الأحياء عن الحياة وشؤونها وحتى الاستغراق الكلي في عوالم الغيب وإماتة رغبات الجسم في سبيل الظفر بعوالم الخلود الروحي الذي هو دون عوالم الطبيعة الزائفة الزائلة. فالإسلام الذي يعطي للروح منزلة موازية للجسم ونداءاته، يرى بين الحياتين الجسمية والروحية صلة وثقى وبين المصيرين الدنيوي والأخروي ارتباطا متينا، وبالتالي كانت تربيته تربية حياة للحياة وبالحياة ولما بعد الحياة، وفي هذا الاتجاه التوافقي سر نجاح هذه التربية على الوجود القريب والبعيد وتطورها مع المستجدّ من شؤون الأحياء بالفتح والهجرة إلى شتّى الأقاليم” (ص. 45).
وعن سؤال ما إذا كان مفكرو العرب قد سبق لهم أن اهتموا بقضايا التربية الحديثة ؟ يجيب المؤلفان “بأن المواضيع التربوية التي تطرق إليها المفكرون العرب سواء منهم أعلام الفكر بعصور الازدهار أو بعصور الانحطاط، هي كثيرة ومتنوعة ومتفاوتة القيمة من حيث طرافتها وجداولها ومنزلتها في تاريخ التطور الفكري التربوي الإنساني. وان المتتبع لهذه النصوص التربوية، يجد المربي العربي قد بعث قضايا تربوية مل تزال حتى الآن موضوع درس، وما من مرب معاصر إلا وقد أبدى فيها رأي وله فيها وجهة نظر” (ص. 46).
وبخصوص منهج الكتاب يوضح المؤلفان أنه لمن مجرد العاطفة، القول بالتطابق الكامل بين وجهات نظر مفكري العرب مع أعلام مدارس التربية العلمية الحديثة. فلا بد في هذا المقام –كما يؤكدان على ذلك- من أن يُفرّق بين ماهو نتاج معالجة عميقة ذات أبعاد نظرية علمية وأخرى تطبيقية عملية ثم الأخذ بها عاجلا أو آجلا بالمؤسسات والأنظمة السياسية القائمة، وبين ما هو وارد في سياق معالجة قضية تربوية من بين قضايا التكوين الخلقي التي لا بد للمفكر العربي من ان يدلى فيها برأي على غرار ما فعل السلف واقتداء به ليس غير.
ويرى كل من إبراهيم النجار والبشير الزريبي أن النصوص التربوية العربية التي انتقياها في كتابهما تقدم للمرء أوجه نظر حصيفة وصائبة في كثير من القضايا التربوية، لكنها ليست لمفكر عربي واحد، بل هي لعديد من المفكرين المنتسبين لعصور مختلفة وظروف حضارية متباينة وبالتالي فهي لا تنتظم في نسق أو منظومة تربوية واحدة.
فالنصوص المختارة والمصنفة والمعلق عليها في هذا الكتاب، إنما هي تمثل الفكر التربوي العربي بوجهة تاريخية تأليفية –بحسب ما اجتهد المؤلفان في القيام به- ، نظرا لتأتيها عن عصور غابرة ظروف متغايرة الأمر الذي يحتم ربط الآراء المعبر عنها بالأمكنة والأزمنة والأنظمة السياسية التي ظهرت فيها، وأحيانا بالمفكر العربي نفسه دون سواه. أما في العصر الحديث – كما ينوه بذلك المؤلفان- فإن التربية أصبحت علمية أو “بيداغوجيا” تأخذ بمعطيات علوم الحياة، وعلوم الطبيعة، وعلوم النفس، وعلوم الاجتماع، والإحصاء ومختلف الفنون والعلوم الإنسانية على الإطلاق، وذلك بعد أن كانت موجهة بالأفكار دينية ووجهات فلسفية واتجاهات سياسية وأوضاع اجتماعية واقتصادية ومتوارثة بين الأجيال طيلة قرون وقرون بالشرق والغرب على السّواء.
ويورد إبراهيم النجار في خاتمة تقديمه للكتاب رأيا حول مسألة تربوية تاريخية يقارن فيه بين أداء المغاربة بأداء المشارقة في هذا المضمار فيقول: “ما اختصّ به – أو كاد- أعلام الغرب الإسلامي كابن سحنون والقابسي وابن الجزار وابن العربي وابن خلدون، دون أعلام الشرق، من وضع الرسائل والفصول المطوّلة في أصول التربية وطرائق التعليم، يؤكد لدينا الصبغة التعليمية التي تميّز بها جانب غير قليل من تآلف أهل المغرب والأندلس على مر العصور[3]، وهي ظاهرة كثيرا ما غابت عن دارسي البنية الأصولية لمناهج النظر بهذه الربوع.” (ص. 32).
وعن رأينا في هذا الكتاب، نقول بأنه كتاب مرجعي هام لا غنى عنه لكل دارس للتراث الفكري التربوي العربي، لما بذل صاحباه فيه من جهد لتجميع مادة غزيرة وثمينة ونادرة في أحيان كثيرة من ذلك التراث. ولكنه بطبيعة الحال لا يمثل دراسة علمية للتراث التربوي العربي بالرغم من فضله التوثيقي في هذا المجال. وهذا لا يعني خُلُوُّه من أي توجه نظري وافتقاده لأي اختيار منهجي في التعامل مع تراثنا التربوي، بل إن اختياراته وتوجهاته اختيارات وتوجهات تأصيلية لا غبار عليها، وتتميز بالرصانة العلمية وعدم الوقوع في تأثير العاطفة الجامحة، وإنما يمنح لعوامل الزمن والمناخ الثقافي والسياق التاريخي ولحظة الوعي العلمي على المستوى الإنساني دورا واضحا في التأثير على منحى تطور الفكر التربوي لدى الجنس البشري. ومع ذلك فنحن نرى أن عدم اطلاع المؤلفيْن على بعض مجالات علوم التربية المعاصرة، قد فوّت عليهما إدراك مواطن السبق الحقيقية لبعض مفكري الإسلام في عديد المواضيع، كما سنبرهن عليه لاحقا لدى ابن خلدون مثلا. ومع ذلك فنحن نوافقهما الرأي أنّ ميزة الفكر التربوي الحديث هي استناده للتجارب العلمية والمناهج الإحصائية الدقيقة، بينما قد لا تتعدى أفكار التربويين العرب مستوى الحدوسات الصائبة المتأتية من الملاحظة القوية وطول إعمال الروية (ملكة الحكم العملي).
وتتمثل الإضافة النوعية الرئيسية للبحث الراهن مقارنةً بكل تلك الدراسات السابقة في اقتراح تصور مدعوم بأدلة نصية وتاريخية وفلسفية عن معنى الأصالة التربوية في سياق ثقافتنا الإسلامية. فبالرغم من توفر العناصر المكونة لهذا المعنى في عديد الدراسات السابقة، إلا أنها لم تصغ ضمن رؤية منهجية صاهرة انطلاقا من مفهوم الاستخلاف الإلهي للإنسان وما يستتبع ذلك بطريقة منطقية وإجرائية من تحمل للأمانة واستخدام للعقل في الاعتبار من أحوال الأمم والنظر في خلق السماوات والأرض، للتمكن من التدخل الناجع والأخلاقي في الآن نفسه في بناء هذا الكون وتعميره.
كما أن وضع ملامح هذه التربية الأصيلة وإعادة اكتشاف وبناء مقوماتها سيمكننا من تحقيق الإضافة النوعية الثانية والمتمثلة في جعل تلك المقومات معيارا نزن به معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث، ضمن رؤية تأويلية مفتوحة ولكنها مع ذلك مضبوطة بضوابط الشريعة في معناها المقاصدي الذي مفاده «حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه» (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية). والغاية من إقامة هذا الميزان هو تخير ما يمكن أن يكون صالحا لنظامنا التربوي المنشود من القديم والحديث معا، وفق ما يقرّه ميزان التربية الأصيلة.
إضافة نوعية أخيرة تحسب لهذا البحث وهي تخص نوعية التربية التي نأمل أن يضطلع به النظام التربوي الأصيل المجدد لصالح الفرد مقارنة بتربيته في النظم التربوية الحديثة. فإذا كان القاسم المشترك بين المقاربتين هي بناء الفرد ذي التفكير المستقل والفعال، فإن الفرد في النظام التربوي المنشود عضو في الجماعة المؤمنة لا تتغلب عليه نوازع الأنانية والفرداوية Individualism ، وإنما يسخّر قدراته المعرفية وطاقاته الوجدانية والبدنية والروحية لخدمة المجموعة ولخدمة الإنسانية باعتبار أن أحبّنا إلى الله أنفعنا لعباده وهذا مما تستوجبه أخلاق الاستخلاف في الأرض.
القسم الأول:
معطيات الفكر التربوي في التراث
أوّلا: موقع الإسلام من تاريخ البشرية ودوره في بناء رصيدها العلمي
توطئة:
هنالك من يسعى اليوم للأسف وبكل جهد وحرص على دفع الناس إلى اعتبار التراث الثقافي الإسلامي برمته عقبة كأداء أمام أي عمل علمي معاصر صحيح. تستوي في ذلك النظريات العلمية الرياضية والطبيعية للخوارزمي وابن قرة الحفيد والبيروني وابن الهيثم وشمس الدين الطوسي ونصر الدين الطوسي وابن الشاطر والكرخي والخيامي، الذين أنجزوا بدورهم قطائع ابستمولوجية مع هندسة إقليدس وفلكية بطليموس وفيزياء أرسطو وحققوا قفزات نوعية ملفتة للنظر في هذه المجالات[4]، تستوي كل هذه الأعمال بحسب وجهة النظر تلك مع خزعبلات إخوان الصفا وحديثهم عن أنفس الأفلاك العلوية وأساطير ابن عربي[5] وإسرائليات ابن كثير وظنون فخر الدين الرازي وأوهام الزمخشري[6]، وفي اعتقادنا أن هذا الرأي لا يعدو أن يكون مجرد ظن، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا، وإن هو إلا فرضية كسلى توفر على صاحبها عناء البحث العلمي الرصين. ولعل عدم تخصص أصحاب هذا الرأي في الرياضيات والعلوم الطبيعية أو على الأقل عدم توفرهم على ثقافة علمية كافية في هذا المجال هو ما منحهم هذه الثقة الخادعة في ما روي لهم في الجامعات الأوروبية عن تاريخ الفكر والحضارة الإنسانية. يقول الدكتور فتحي التريكي (1992):”… لا يخفى على أحد أن تاريخ العلوم حتى أوائل القرن العشرين قد كوّن فكرة خاصة عن العلم تتمحور حول “غربيّته” المطلقة […]” وهو يتساءل إن كانت حقا “الأفكار والممارسات العلمية المختلفة تنشأ على نسيان العطاء الهائل […] الذي قدمته الحضارات الأخرى إلى الغرب” وعن الطريقة التي يمكننا بها “قراءة تاريخ العلوم قراءة مختلفة بعيدة عن النظرة المركزية الأوروبية في مناخ ثقافي عام تسوده القوى العالمية الغربية على الصعيد السياسي والاقتصادي والأيديولوجي؟”
وفي الحقيقة إن ما قيل لهم ليس خاطئا بالكامل ولكنه قراءة عضينية لتاريخ العالم مغذاة بمركزية حضارة نوعية لا تريد أن تلفت إلى الماضي لأنه يجرح كبرياءها ولا يرضي غرورها. حقا إن الفكر العلمي الغربي قد دشن قطائع ابستمولوجية مع الفكر المدرسي القديم المدعوم كنسيّا، ولكن هذا أمر يتعلق بتاريخه الخاص ولا بتاريخ كوني[7]. إنه يلتقي بعمله ذلك، ببساطة، مع ما أنجزته حركة التصحيح العلمي والعودة إلى روح الوحي الحقيقية في التاريخ الإسلامي. الروح العلمية الاستقرائية التجريبية ولا روح علم الكلام المسلطة على مواضيع غيبية لا طاقة للعقل النظري بالحكم فيها.
- وشهد شاهد من أهلها
يتساءل محمد إقبال في كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام: “ما هي العلامة البارزة في تاريخ العلوم التجريبية في أوروبا ؟ لا شك انه روجر بيكون. ومن أين استقى روجي بيكون (1561-1626) ما حصله في العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس. والقسم الخامس من كتابه (Cepus Majis) الذي خصصه للبحث في البصريات هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب المناظر لابن الهيثم (الذي ترجم للاتينية ونشر سنة 1572) وكتاب بيكون، في جملته، شاهد ناطق على تأثره بابن حزم. لقد كانت أوروبا بطيئة نوعا ما في إدراك الأصل الإسلامي لمنهجها العلمي، وأخيرا جاء الاعتراف بهذه الحقيقة. يقول بريفولت (Briffault) (في كتاب “بناء الإنسانية” (Making of humanity) أن “روجر بيكون درس اللغة العربية والعلم العربي والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه العرب في الأندلس. وليس لروجر بيكون ولا لسميه، الذي جاء بعده، الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. فلم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم المنهج والإسلاميين في أوروبا المسيحية، وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي، هي طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوروبية. وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارا واسعا وانكب الناس، في لهف على تحصيله في ربوع أوروبا (…) ما يدين به هذا العلم إلى الثقافة العربية أكثر من هذا، إنه يدين لها بوجوده نفسه (نقيض القطيعة : الأخذ الكامل). فالعالم القديم، كما رأينا لم يكن للعلم فيه وجود. وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علوما أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم وأخذوها عن سواهم ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج كليا بالثقافة اليونانية… ولم يقارب البحث العلمي نشأته في العالم القديم إلا في الإسكندرية في عهدها الهليني. أما ما ندعوه العلم، فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة ولطرق من الاستقصاء مستحدثة لطرق التجربة، والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان وهذه الروح وتلك المناهج العلمية ادخلها العرب إلى العالم الأوروبي” (ذكره محمد إقبال، 1955، ص. 149 – 150). هذه الشهادة التاريخية الهامة، والتي بإمكان أي واحد منا التثبت من صدقها بعمل صبور دؤوب[8] ترفع لُبسين في وقت واحد. إذ هي تبرز فرادة التجربة الحضارية الإسلامية وانتمائها إلى تاريخ من نوع خاص هو تاريخ الوحي والنبوة (كتعليم للبشر) وتاريخهما وإبعاد ذلك الختم و إستتباعاته، وذلك بتميز تلك التجربة عن التجربة اليونانية بالنظر إلى ما فاتها وتميزها عن التجربة الأوروبية بل وتمهيدها لها بالنظر إلى ما استقبلها[9].
وهكذا يعاد رأب الصدع في وعينا الحضاري ونعود لننخرط في مسيرة التاريخ الفعال مهما ادعى شبنغلر (الألماني) من غربتنا عنه بإقامة حاجز ” الاستقلال الكامل للثقافات عن بعضها البعض ” ومهما حاول البعض إقناعنا بهيغليته “المنحازة” وبقسمته الضيزى: العلم والتكنولوجيا والقوة للغرب والطيبة والوداعة والتسامح والإنسانية للإسلام (انظر مثلا جعيط، 1978).
2. أدبيات ودراسات سابقة حول الفكر العلمي عند العرب
أ- كتاب المعجزة العربية:
هذا الكتاب من تأليف ماكس قانتاجو (نقله عن الفرنسية رمضان لاوند ، ط.2 دار العلم للملايين، 1981). يمكن القول إن أهم ما جاء في هذا الكتاب مما يتصل بموضوع بحثنا هو إبرازه لانفتاح العرب الفكري على اليونان والهنود وحسن استفادته من ثمار الفكر العلمي لدى كليهما استفادة سهّلها لهم عدم فرض القرآن عليهم أي نظريات علمية، بل دعوته لهم إلى النظر الحر “في السماوات والأرض”. لتفسير تلك “الروح الإنسانية الجديدة” التي هبّت على العالم العربي فإن قانتاجو يعزو ذلك إلى ” نخبة يتكوّن غالبها من رجال أذكياء ومثقفون من أمثال هارون والمأمون و الخوارزمي والعلماء الآخرين…” (ص.81) وهو يعبّر عن اندهاشه من ذلك بقوله” الظهور المفاجئ في مثل هذه البرهة من التاريخ وفي هذا المكان لعدد كبير من الرجال الموهوبين الذين يدفعهم فضول متعطش إلى السفر والتثقيف وروح النقد وحاجة ماسة إلى الفهم والإدراك”. (ص.82).
مناقشة
بالرغم من تنويه قانتاجو بالعبقريات العربية (الخوارزمي، ابن سينا، ابن رشد، ابن خلدون…الخ) إلا انه لا يبرّر بما فيه الكفاية نواحي التجديد والإضافة والإبداع في أعمالهم ويحاول في الغالب، مقابل ذلك، أن يجد لها أصولا في الفكر اليوناني أو الهندي أو المسيحي كما انه لم يجد تفسيرا واضحا “لذلك الفضول (العربي) المتعطش للسفر… و(الإحساس) بالحاجة الماسة إلى الفهم والإدراك” والذي لا يمكن أن يكون في النهاية إلا استجابة لدعوة القرآن إلى أن يسيروا في الأرض لينظروا “كيف بدأ الخلق” وأن ينظروا” ماذا في السماوات والأرض” وأن “يسألوا العادّين” وأن يتدبّر” أولوا الألباب”، ثم تأتي بعد ذلك الحركة النفسية المعرفية الذاتية نحو البحث والاستقصاء ومحاولة الفهم. فالإشارات القرآن كانت بمثابة المثيرات-العلامات تستفز العقل للتحول نحو ” مناطق نموّ وشيكة جديدة ” (بحسب عبارة عالم النفس النمائي الروسي فيقوتسكي).
ب- كتاب العقيدة والمعرفة:
وهو للمستشرقة الألمانية: زيغريد هونكه (ترجمة عمر لطفي العالم، دار قتيبة، بيروت، 1987). هذا الكتاب بلغت به صاحبته الذرى التي لا تطال في النقد التاريخي لعلاقة الكنيسة برواد الحركة العلمية في أوروبا فاضحة بذلك الأثر السلبي الذي خلفته مدارس الفلسفة اليونانية واللاهوتية المسيحية، جرّاء النظرة المنحرفة إلى الطبيعة، على تطور البحث العلمي والحياة الفكرية الحرّة عامة. حيث كان يعتبر النظر إلى “الأشياء السفلى” (الطبيعة) خطيئة ومروقا عن الدين وأن المعرفة الحقّة هي معرفة “الله والروح” و”حيثما وضعت المسيحية قدمها، في الإسكندرية وبيزنطة، في اليونان وروما، في فرنسا وبريطانيا، أدت إلى تقلص مروّع في الثقافة” (ص. 23). وأحرقت لذلك كتب نادرة وأغلقت مجامع علمية ونهبت مكتبات وبدّدت وتعُقّّب العلماء والفلاسفة ولحقهم عناء شديد وقتل بعضهم وأحرق “بتهمة السحر والشعوذة” (ص. 25). وقدّم الإنجيل (المحرّف) والآباء الروحيون منذ زمن بعيد معلومات غير صحيحة وغير علمية عن كيفية بناء العالم. الأرض ليست كروية والسماء “لها شكل زوايا الخيمة المقدّسة”. وفي الكتاب المقدس (الإصحاح 22)، بأن “الرب أسدل السماء كما يسدل الستار، ونشرها كما تنشر الخيمة التي يصار إلى السكن فيها. وهذه الخيمة السقف مغطاة بالماء طبقا لما جاء في سفر التكوين / الإصحاح الأول 67″…الخ
تورد زيغريد هونكه هذه المعلومات عن أوروبا المسيحية في ما يفسح القرآن في المجال واسعا للعلماء ليبنوا نظرياتهم حول السماوات والأرض بكل حرّية: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ (يونس: 101).
في مقابل هذا النقد اللاذع لروح الثقافة المسيحية تثمن زيغريد هونكه تثمينا عاليا دور العرب وعقيدتهم الإسلامية في إرساء قواعد صلبة لانطلاقتهم العلمية الجبارة في “إطار من الوفاق بين العلم والإيمان” ولا تخفي إعجابها الشديد بذلك، وتضرب الأمثال العديدة على التصحيحات التي قام بها العرب لأخطاء اليونانيين العلمية وتنوّه باعترافهم بالطبيعة واحترامهم لعلومها وبإضافتهم الذاتية لها.
مناقشة
خلافا للبساطة التي أبداها قانتاجو في محاولة تفسيره للروح العلمية العربية الوثابة وجدت زغريد هونكه السرّ في طبيعة العقيدة الإسلامية التوحيدية (انظر ص. 188) وفي حث القرآن والسنة المسلمين على طلب العلم ومساواته بين العلم والعبادة (ص. 105) وتستشهد على ذلك ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتعتبر أن القرآن هو “محرك العلوم العربية” وهو ما نوافقها عليه إذ لولاه لظل العرب في جهل كبير قرون طويلة أخرى.
ج- دراسات في تاريخ الفكر العلمي
وهو كتاب من تأليف ألكسندر كويري (Gallimard, 1975) A.Koyré.
لقد خصّص كويري مقاطع طوال من هذه الدراسات لتسليط الأضواء على النشاط العلمي والفلسفي خلال المرحلة التي عرفت بالعصر الوسيط.
في فصل :”الأرسطية والأفلاطونية في فلسفة العصر الوسيط “نفي كويري أن يكون العالم العربي “وريث ومطوّر” العالم الهليني قد عرف عصرا وسيطا متوحّشا ومظلما وإنما نهضة حضارية وعلمية وفلسفية مدهشة. كما وصف عرب تلك الحقبة التاريخية بأنهم مربّون ومعلّمون حقيقيون للغرب اللاتيني الذي لولاهم لبقي غارقا لأحقاب أخرى طويلة في لجّة الجهل لعدم قدرته على فهم اللغة العلمية والفلسفية لذلك العصر والتي كانت [في بدايتها] لغة الفلسفة والعلم اليونانيين.
أما ما يُتّهم به العرب والمسلمون من تعصب ومعاداة للفكر الحرّ فإن كويري يعزوه ببساطة إلى الحال التي أصبح عليها العالم الإسلامي بعد الهجمات البربرية المتوحّشة التي تعرّض لها على يد الأتراك والمغول والتي سلبته ثراءه الحضاري وأخفقت إشعاعه العلمي.
مناقشة
ما من شكّ أن كويري قد أنصف العالم الإسلامي والعالم العربي بتأكيده على الدور الريادي الحضاري الذي لعبه ضمن التاريخ العالمي للفكر العلمي إلا أننا نراه يشدّد على مقدرة العالم الإسلامي الفائقة على تمثل التراث الفلسفي والعلمي اليوناني أكثر من تشديده على إضافاته النوعية الخاصة به. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لا نجده ينفذ إلى حقيقة الأسباب التي جعلت من هذه الأمة، في مرحلة من مراحلها تنجب ذلك القدر الوفير من العلماء والفلاسفة ذوي القدر الجليل كما فعلت زغريد هونكه مثلا.
د- مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلام
وهو كتاب للدكتور أحمد سليمان سعيدان، سلسلة عالم المعرفة، عدد 131، 1988.
قدم د. سعيدان في هذه الدراسة رواية يمكن عدّها مقبولة لتاريخ الفكر العلمي العالمي بما فيه تاريخ الفكر العلمي في الإسلام: الإغريق و الهنود والصينيون والعرب (مسلمين كانوا أو غير مسلمين) والعصور الوسطى المُظلمة في الغرب والمُشرقة في الشرق وآباء الكنسية في العصر المدرسي وعلماء العصر الكلاسيكي وعصر النهضة ثم عصر التنوير كلهم حاضرون في هذا العمل ومتفاعلون أخذا واقتباسا أو نقدا وتطويرا وتجاوزا عبر جسور التلاقي الحضاري السلمي أو القسري: التجارة، السفر، الحروب الصليبية، حروب الإفرنجة والعرب في الأندلس…الخ.
مناقشة
إننا نعتبر ما قام به د.سعيدان عملا محترما جدّا من الناحيتين المنهجية والمضمونية ولا ينقصه التفسير. فزيادة على تنبيهه إلى الأثر النفسي الايجابي الذي تركه القرآن في نفوس المسلمين فحبّب إليهم طلب العلم وغرس فيهم روح البحث والاستكشاف فإنه لفت نظرنا إلى مصطلح قرآني متطابق مع مفهوم طبائع الكون ونظامه وهو مصطلح “آلاء الله” (الذي ورد بكثرة مثلا في سورة “الرحمان” ضمن إنكار القرآن على بعض أصناف الناس التكذيب بآلاء الله، و المعلوم أنّ التكذيب لا يكون بالنعم وإنما بالحقائق. أما النعم فتجحد ولا تكذب) مما يذكّرنا برأي سبينوزا القائل بأنّ قوانين الطبيعة وإرادة الله شيء واحد (سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة).
ﮪ– أعمال الدكتور رشدي حول تاريخ العلوم عند العرب
لقد ساهم د.رشدي راشد بصفته مديرا لمركز تاريخ العلوم العربية والعصر الوسيط ومديرا للأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي بباريس وعضوا للأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم ومدير تحرير لمجلة “العلوم والفلسفة العربية” (جامعة كامبريدج) في مؤلفات عدّة بالفرنسية والعربية حول تاريخ الرياضيات والعلوم وتعتبر أعماله في هذا المجال من أكثر الأعمال عمقا وتخصّصا ولذلك فقد وجد عددا منها طريقه إلى النشر في عديد الدوريات العالمية المختصة في شكل مقالات باللغات العربية والانكليزية والفرنسية والروسية.
وكمثال على هذه الأعمال كتابه الموسوم “علم الهندسة والمناظر في القرن الرابع الهجري: ابن سهل –القوهي-ابن الهيثم “. والذي صدر ضمن سلسلة ” تاريخ العلوم عند العرب (III)” عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1996. وقد هدف الباحث من وراء هذا العمل إلى تحديد الشروط المعرفية والتاريخية التي مكنت ابن الهيثم من القيام “بأول إصلاح لعلم المناظر ليشمل مواضيع لم يتطرق إليها أسلافه الهيلينستيون ” (ص.11) والى إثبات وجود أسلاف له آخرين عدا بطليموس (السّجزي-ابن سهل-القوهي) والذين برزوا في عصر الدولة البويهية خلال النصف الثاني من القرن العاشر (ميلادي).
مناقشة
ما يميز أعمال الأستاذ رشدي راشد حول تاريخ العلوم، كما يظهر لنا من خلال كتابه “علم الهندسة والمناظر في القرن الرابع هجري ” مثلا، هو ابتعاده عن الأقوال العامة والقراءات الانطباعية. إذ هو يسعى بعمل دؤوب (532 صفحة: 24 صم x 17 صم ) إلى تحقيق أهداف بحثه بالغوص في تفاصيل البراهين الهندسية ونكتها عارضا رسوم ابن سهل والقوهي وابن الهيثم المغرقة في الدقة والتعقيد لإظهار طرافة أعمالهم ونواحي التجديد والإصلاح العلمي فيها مقارنة بأسلافهم الهيلينستيين مع التقصّي التاريخي المدقق لظروف وملابسات ظهور تلك الأعمال والتي تتخلص في طلب السلطات الجديدة (كالبويهيين) لشرعية أدبية تستمدها من احترامها لرجالات الأدب والعلم (ص.156) وهو أمر لم يكن ذا جدوى في رأينا لولا تنزله ضمن فضاء معرفي (ابستمية) تساوى فيها النظرة إلى الدين بالنظرة إلى العقل والى الطبيعة وعلومها. فعكس ما كان يقع في القديم، حيث يستمدّ الخليفة (الأموي أو العباسي أحيانا) سلطته من الدين فقط (من قراءة معينة للدين) فإن مجلس وزير صمصام الدولة، ابن سعدان، كان يسبغ الشرعية الأدبية على حكم البويهيين بضمّه “للفيلسوف المسيحي بن عدي، والفيلسوف ابن مسكويه، والرياضي أبو الوفاء البوزجاني (…) وأبو حيان التوحيدي (…الخ) “.
و- مقارنات حول تاريخ العلوم العربية
وهو كتاب من تأليف الأستاذين محمد الحلواني وفتحي التريكي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ودار البيروني للنشر، 1996.
تضمن هذا الكتاب خمس مقاربات حول تاريخ العلوم العربية: ثلاث منها للأستاذ محمد علي الحلواني وهي:
-مفهوم التجربة في الطب العربي-مصطلح”العلم العملي”-الصناعات وعلاقتها بالعلوم النظرية في الحضارة العربية.
كما تضمن مقاربتين للأستاذ فتحي التريكي وهما:
-العقل والميكانيكا في إحصاء العلوم-الحيل في الفلسفة العربية والإسلامية وارتباطها بالرياضيات.
مناقشة
باستقراء مختلف هذه النصوص أمكننا استنتاج اشتراكها كلها في المسعى نحو التأكيد على أهمية التحولات التي جرت في مستوى مدلولات بعض المفاهيم النظرية والعلمية وفي مستوى المنزلة الابستيمولوجية للعلوم النظرية، التي جرت على يد العرب مقارنة بنظائرهم الإغريق. ومن هنا تأكيدها على المسافة الابستمولوجية النقدية التي أخذتها الأعمال النظرية العلمية العربية عامة عن “التقاليد الأرسطية” بحسب عبارة الأستاذ التريكي.
توظيفات تربوية تطبيقية ممكنة لهذا المحور
زيادة على وظيفته النظرية، يفيد هذا المحور في تعلّمية المواد العلمية والإنسانية، وذلك بتقديم بسطة تاريخية حول تطور مفهوم من المفاهيم العلمية الرياضية أو الفيزيائية أو الطبية أو الجغرافية أو الفلكية أو غيرها، بمناسبة تدريس أي منها. كأن يقع التذكير بأن أوّل من بنى كسور الأعداد العشرية هو الرياضي المسلم غياث الدين الكاشي (باني مرصد سمرقند) وذلك منذ حوالي ستة قرون (ت. 839ﮪ) وأنه هو أوّل من اكتشف أن مدارات القمر وعطارد اهليليجية، وأن أوّل من حاول حلّ المعادلات الرياضية من الدرجة الثالثة هما الكرخي والبيروني، وأن أوّل من فكر في مفهومي السرعة الآنيّة والتسارع (فيزياء) هو البيروني وأن ابن الهيثم هو من أوّل من عالج قضية مجموع القوى ذات الدرجة الرابعة للأعداد الصحيحة المتوالية، وأن من اكتشف مفهوم المشتقة هما الخيامي وشمس الدين الطوسي، وأن من قام بتحديد اللبنات الأولى لتجاوز إقليدس رياضيا وبطلميوس فلكيا هو نصير الدين الطوسي، وأن من اكتشف الدورة الدموية الصغرى هو ابن النفيس. وفي مجال العلوم الاجتماعية يذكر أن ابن خلدون هو أول مؤسس لعلم الاجتماع البشري ولعلم التاريخ على قواعد عقلانية استقرائية أولا ثم استنباطية تاليا…الخ.
والغاية من كل هذا أمران:
- التأكيد على تاريخية المفهوم العلمي وتطوره عبر الزمان واشتراك كل البشر في بناء صرح الحضارة الإنسانية وليس اليونان أو الغربيون فقط.
- غرس روح الثقة في الذات الحضارية التي ينتمي إليها الشاب المسلم وشحذ همته للإسهام في استئناف الدور الحضاري والعلمي الاستخلافي للأمة الإسلامية.
ثانيا: أسس التربية الأصيلة في الإسلام ومقوّماتها
توطئة:
وفقا لتعريفنا للأصالة في مجال التفكير الإنساني بصفة عامة وفي مجال الفكر التربوي بصفة خاصة، فإننا نعتبر القرآن الكريم أوّل مصدر لبلورة تصّور متكامل لمفهوم التربية الأصيلة ومقوّماتها، لأنه يمثل النسخة الأصل للوعي الشامل بالوجود، من حيث هو وعي صادر عن العلم الإلهي، حتى وإن تلبّس في عديد الأحيان بوضعيات وحيثيات مندرجة ضمن سياقات مخصوصة، فالعبرة بعموم المعنى ولا بخصوص اللفظ كما يقول الأصوليون. يقول المرحوم محمد فاضل الجمالي أن المنبع الأصلي للقيم الإنسانية الرفيعة هي “الشرائع السماوية المتتالية التي جاءت لهداية الإنسان والارتفاع به من المستوى البهيمي إلى المستوى الإنساني” (نحو تجديد البناء التربوي في العالم الإسلامي، ص. 25). والتربية هي تربية على قيم. قيم معرفية وأخلاقية وجمالية وغيرها، ومن هنا كان مصدرها الأصلي الشرائع السماوية التي هيمنت عليها (استوعبتها ثم تجاوزتها) الشريعة الإسلامية من خلال القرآن الكريم.
ثمّ تأتي السنّة النبوية الصحيحة المؤكّدة لأحكام القرآن والمفصلة لما جاء فيه مجملا والمخصصة لما ورد فيه عاما. أما التقييد والإضافة فلا نحسب أنهما مما ينطبق في هذا المجال[10]. وبعد هذا وذاك، ومع هذا وذاك يأتي اجتهاد العلماء والمفكرين في فهم معاني القرآن والسنة وإدراك مقاصد الشريعة الإسلامية وفي صياغة منظومات فكرية تربوية إجرائية تقترب من الوضعيات التربوية اليومية، وهذه الاجتهادات منها ما هو في التراث القديم ومنها ما هو من عصرنا الحديث.
بخصوص مصدر الأصالة الأول، وهو القرآن الكريم فننبّه إلى عدم اشتماله على كل التفصيلات المتعلقة بنموذج التربية الأصيل وإنما على إشارات ومبادئ ومقاصد عامة معضودة أحيانا بأمثلة من قصص الأنبياء التي فيها«عبرة لأولي الألباب» أو بأمثلة من حياة الناس اليومية كقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾ (النحل: 92).
وتتمثل إستراتيجيتنا في مقاربة مسألة التربية الأصيلة في البدء بتحديد مكانة الإنسان في العالم من المنظور القرآني، حيث أن الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتربية في هذا المشروع. وتربية الإنسان تختلف حتما عن مجرّد الترويض وإكساب العادات بالتكرار والتعزيز مثل ما يُفعل مع الحيوان، وذلك لمكانته التي بوّأه إياها الله عزّ وجلّ، وللدور المنتظر منه في هذا العالم، الذي فيه من الإبداع والابتكار والبناء الواعي الشيء الكثير. وهذا الدور يمكن تلخيصه في مفهوم الاستخلاف، الذي تتفرع عنه مختلف المهام الجزئية التي ستكون مواضيع التربية التفصيلية. وحيث أن هذا الاستخلاف قد استُحِقّ تبعا لتقبل الإنسان حمل الأمانة، فإن فهم الشروط الموضوعية لتحمل الأمانة (العقل وحرية الإرادة) يستوجب رسم ملامح نظرية المعرفة في القرآن وربطها بالأخلاقية القرآنية التي تنمي ملكة الإرادة الحرة لدى الإنسان حتى يتحرر من قيود الضرورات الطبيعية والغرائز البهيمية من جهة ويتحرر من أغلال الجهل والوهم من جهة ثانية. كما أننا سنسعى إلى التعقيب على كل قيمة من القيم التي يفرزها تحليلنا المتدرج للعناصر السالفة الذكر باستخلاص الدرس التربوي المناسب، أي القيمة التربوية التي يجب التركيز عليها في النظام التربوي المنشود. وبعد قطع مختلف هذه المراحل، نمر إلى استخلاص الأسس والمقومات العامة للتربية الأصيلة التي هي تربية تكاملية بدنية وعقلية وأخلاقية وجمالية في الآن نفسه.
- تكريم الإنسان وتفضيله في القرآن الكريم
لقد أوْلى الوحي الإنسان مكانة متميزة من بين سائر المخلوقات، من ذلك مثلا ذِكره للإنسان خمسة وستين مرة و تسميته لسورة باسمه المفرد(سورة الإنسان) وأخرى باسمه الجمع (سورة الناس). بل إن القرآن الكريم قد نصّ صراحة على تكريم الخالق عزّ وجلّ للإنسان وتفضيله له على كثير ممن خلق: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا﴾ (الإسراء: 70). ولو نظرنا جهة المقاربة الوضعية للإنسان التي هي مقاربة داروينية محضة لوجدناها تموضع الإنسان ضمن المملكة الحيوانية دونما تفضيل نوعي للإنسان على سائر المخلوقات من حيوانات وغيرها، فهو تفضيل بالدرجة والكم (قياس حجم الدماغ مثلا) وليس تفضيلا بالطبيعة: الطبيعة الجسمانية-الروحية التي أقر له بها القرآن الكريم، والتي هي مصدر التفضيل النوعي له.
أما حقوق الإنسان الوضعية فلا تمنح الإنسان هذا التفضيل، كما ينوه بذلك محمد الفاضل الجمالي، بل “تعتبره مخلوقا عاديا، كما أنها لا تمنحه الصفة الروحية” (المصدر السابق، ص. 26).
وتظهر الطبيعة المزدوجة لخلق الإنسان في قوله تعالى:
﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ (ص: 71-72).
ولقد أدرك المسلمون في بعض مراحل الحضارة الإسلامية هذه الحقيقة الوجودية في تكوينهم فانعكست بصفة إيجابية على أدائهم. وعن هذا يقول عماد الدين خليل: “ولقد انعكس هذا التوحّد بين قيم الروح والمادّة بوضوح كامل عبر مسيرة الحضارة الإسلامية التي قطعت القرون الطويلة وهي تحتفظ بتوازنها المبدع بين الطرفين، وأنجزت وابتكرت وكشفت ونفّذت الكثير الكثير من المعطيات الحضارية التي لم تهمل جانبا من الجوانب المرتبطة جميعا ارتباطا متينا، بخلافة الإنسان على الأرض وبدوره الحضاري في العالم…إن القرآن يدعو إلى حضارة تنمو على كل المستويات الروحية والأخلاقية والطبيعية…إن كل آية تتناول مسألة طبيعية أو حيوية أو مادية تنتهي بأفعال التقوى والإيمان والدعوة إلى ربط أي فعالية بالله” (عماد الدين خليل، التفسير الإسلامي للتاريخ، ص. 214-217). والغاية من ذلك هو أن تحافظ الحضارة على «التوازن بين تجربتي الروح والمادّة» (ص. 217).
ولكن ما هي الإضافة التي تحققت للإنسان نفسه مقارنة ببقية المخلوقات الحية؟
إنّ أظهر ميزة فضّل به الإنسان على الحيوان هي النطق ومنه المنطق، أي اللغة والقدرة على استخدام الوظيفة الرمزية للدماغ البشري. فبالكلمات يسيطر الإنسان معرفيا على عالم الأشياء ويستدعيها في الذهن وقت ما شاء لينظر فيها ويتحوّط لها، ومن هنا يأتي التخطيط للمستقبل القريب والبعيد وتنظيم الحياة الفردية والجماعية وصولا إلى أعلى أشكال التنظم التي تتصف بها الدولة. كما أن اللغة تساعد على التواصل مع الآخر بوضوح كاف وتيسر مختلف عمليات التنظيم الاجتماعي وتمنح فرصة كبرى لتطويره، بخلاف أمم الحيوانات التي تتواصل بشكل غريزي نمطي لا يسمح بالانتقال إلى أشكال تواصل وتنظم أرقى. قال تعالى مشدّدا على هذه الميزة التواصلية والمعرفية: ﴿الرحمان، علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان﴾ (الرحمان: 1-4). “أي الكلام الإرادي المقصود ذو الدلالة المعنوية الواضحة.” (عمر محمد التومي الشيباني، “قضايا الإنسان”، في الفكر التربوي العربي الإسلامي: الأصول والمبادئ، ص. 153).
وبما أن فعل الخلق والتعليم نسب للرّحمان، أي الله تعالى من جهة إشرافه على خلقه من خلال سننه الموضوعية في الكون[11]، فإن تعلم الإنسان للغة كان بواسطة قوانين مادية موضوعية وليس وحيا أو إلهاما. وأول هذه القوانين هو وجود الجهاز الصوتي، والأهم منه هو تطور الدماغ إلى حدود القدرة على توجيه ذلك الجهاز الصوتي وترميز الأصوات وفك رموزها كذلك بحسب ما يتم التواضع عليه داخل نفس الجماعة البشرية.
وتأكيدنا على هذه النقطة ليس من باب التوسع في مسألة جزئية بل هو لإبراز موضوعية تعلم اللغة وطبيعتها المادية تشريعا للتدخل التربوي في هذا المستوى واعتبار تعليم اللغة وتعلمها هو تعليم وتعلم لصنعة من الصنائع (بلغة ابن خلدون) وتعلم الصنائع يستوجب الحذق والأخذ بأسباب الإتقان فيها.
ومن هنا يجدر بمشروعنا التربوي الأصيل إيلاء الاهتمام الكبير لما كان به الإنسان إنسانا وبه يدفع سيرورة أنسنته قدما إلى الأمام، ألا وهي اللغة. فبدون التحكم الجيد في اللغة الوطنية ولغات العالم الحية يصاب المجتمع بانحطاط كبير، لعلاقة هذه الوظيفة الرمزية التواصلية بسائر المواد والأنشطة المعرفية والاجتماعية الأخرى.
2. الأمانة
إن أكبر مظهر لتكريم الإنسان وتفضيله على كثير من مخلوقات الله هو جعله قادرا على تحمل الأمانة التي عرضت على مخلوقات كبرى لله فعجزت عن تحمّلها: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا﴾ (الأحزاب: 72).
ولكن ما هو معنى الأمانة التي تحمّلها الإنسان موضوعيا؟ .
يجيبنا عن ذلك حسن صعب بقوله: “إن للأمانة تفسيراتها الخلقية بمعنى الإبداع، ولكن لها معنى سياقيا ذهب إليه المفسرون في شرح طريف للآية ذكر فيه إن المقصود بالأمانة الحرية… وخلافة الإنسان لله هي خلافة الحرية” (الإسلام والإنسان، ص. 86).
ومفهوم الأمانة يفترض وجوبا معنى المحافظة على موضوعها وهو الحرية. ولا تكون الحرية إلاّ بالاختيار العقلي، إذ الاختيار المستند إلى مجرّد الهوى هو خضوع لضرورة الشهوات. ومن هنا لا تثبت منزلة الإنسان في الكون كما أرادها له الله عزّ وجلّ إلا بمحافظته على رصيد الحرية الطبيعية الممنوحة له إلهيا وعدم ارتكاسه إلى الأرض عبدا لشهواته أو لغيره من العباد، وهذا يستوجب تربية الإنسان منذ نشأته الأولى على أخلاق الحرية. وحيث لا حرية إلا مع العقل، كما أسلفنا، تكون التربية العقلية واجبة هي الأخرى من منظور الأصالة التربوية المؤسسة قرآنيا.
وسنعود إلى هذا المعنى لمزيد التعميق والتفصيل ضمن عنصر نظرية المعرفة القرآنية.
كما لا يفوتنا أن نشير ولو بعجالة إلى الأسباب الموضوعية التي جعلت الإنسان حرا. نذكّر أولا بأن هذه الحرية نوعان: حرية عملية وتقع في مستويين وحرية فكرية وتقع في مستويين كذلك. المستوى الأول للحرية العملية يخص حريته الحركية العليا وهي التي امتلكها الإنسان بتحرر يديه (القوائم الأمامية لدى الحيوانات) من الأرض مباشرة بعد فترة الحبو. فهو يحركهما في الفضاء كيفما شاء. وهذا يجعله قادرا على البناء والتعمير وتنويع أشكال الفعل في المادة بدون حدود. والمستوى الثاني للحرية العملية هي حرية الاختيار الأخلاقي للأعمال صالحة كانت أو طالحة: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره﴾ (القيامة: 14-15)، وحرية ما يراه مناسبا له من العالم الذي يعيش فيه في الأكل والمشرب والملبس والعلاقات…الخ. أما الحرية الفكرية فتشمل أولا العقائد، حيث «لا إكراه في الدين»، كما تشمل الأفكار بصفة عامة، كالمذاهب الفلسفية والنظريات العلمية والقناعات الشخصية. وما جعل الإنسان قادرا على التفكير هو طهور الوظيفة الرمزية لديه المتمثلة في القدرة اللغوية، فالفكر واللغة وجهان لعملة واحدة كما يؤكّد علم الألسنية الفرنسي فاردينان دي سوسير.
بناء على ما سبق، نستنتج أن تحرر يدي الإنسان من الأرض وتحرر لسانه من الخرس[12] هما الشرطان الماديان الموضوعيان لاكتسابه ميزة الحرية ومن هنا قدرته الموضوعية على حمل الأمانة. ويوجد شرط آخر موضوعي لحرية الإنسان ولكنه ليس من طبيعة مادية، وهو الجانب الروحي في تكوينه. والروح متحرّرة من ضغوط المادة وضروراتها وبها يتاح للإنسان أن يختار الإيمان، ومن هنا جاء قوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29).
فالتربية اليدوية (تعلم الفنون والصنائع) وتعلم اللغات وإتقانها والتربية الروحية بالقدوة الحسنة والممارسة، كلها أمور مرغوب إدماجها في النظام التربوي المنشود، لما لها من دور خطير في تعزيز جدارة الإنسان بتحمّل الأمانة.
3. استخلاف الإنسان في الأرض
ورد التنبيه إلى وظيفة الإنسان الاستخلافية في الأرض في قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: 30). ومناط هذا الاستخلاف هو العقل وكذلك حرية الإرادة وبهما يخرج الإنسان من الضرورة الطبيعية المفروضة من الخارج إلى الضرورة الأخلاقية النابعة من داخل الوعي الإنساني[13]. أي أن تحمل الإنسان الأمانة التي سبق أن تحدثنا عنها هو ما يجعل منه خليفة في الأرض.
أ– من معاني الاستخلاف
يعرّف المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد الاستخلاف بكونه “الفعل الحضاري في الكون ضمن ما هيأه الله للإنسان من قدرات ووعي يتكافأ وأوضاعه الكونية” (محمد أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، ص. 106).
ولا تعني الخلافة في الأرض الاستغناء عن عبادة الله بالسعي في الأرض أو الاستغناء عن السعي والعمل بالعبادة الصرفة، فالعمل والصلاة كلاهما عبادة، ذا ما أريد بهما وجه الله. يقول الدسوقي في هذا المعنى: “خلافة الإنسان في الأرض تقوم على جانبين وتتم بحركتين:
– الأولى: هي حركة الإنسان في مجال تحقيق العبودية لله
– الثانية: هي حركة الإنسان في مجال تحقيق السيادة على الكون
والحركة الأولى ذاتية وليست مادية بمعنى أن التغير فيها يتم في ذات الإنسان، بينما الحركة الثانية، وإن كانت من فعل الإنسان، إلاّ أنّها تتمّ في المحيط المادي الخارجي” (فاروق الدسوقي، استخلاف الإنسان في الأرض، ص. 46). ونضيف على هذا أن الحركة الثانية قاسم مشترك بين الناس اختلاف اعتقاداتهم ومذاهبهم، أما الحركة الأولى فهي خاصة بالمؤمنين وهي التي تضفي معنى ساميا على الحركة الثانية وتجعلها من نوع العمل الصالح الذي يراد به وجه الله نفع البشر، و”الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله”[14].
ب- الاستخلاف وقيمة الإنسان الفرد
تفترض المكانة الاستخلافية التي بوّأها القرآن الكريم للإنسان أن يكون هذا الإنسان واحدا بالقيمة مع أنه متعدّد بالتعيّن وبالصفات العارضة أو المكتسبة، وهذا ما جعل الرؤية القرآنية للإنسان تقطع مع الرؤية الأفلاطونية التراتبية للأفراد، وكذلك فعلت السنّة. فبدل أمثولة المعادن التي قال بها أفلاطون في “الجمهورية” والتي يتراتب الناس بمقتضاها ذهبا وفضة ونحاسا وقصديرا تراتبا أبديا لا فكاك منه، ذكّر القرآن الكريم بالأصل الطبيعي الواحد لكل البشر: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ (النساء:1) و﴿بدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ (السجدة: 7-8). أما السنة النبوية الشريفة فقد أرجعتنا كلنا لآدم”وآدم من تراب”[15] ونبّهت إلى أنه “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”[16].
أما الحديث «الناس معادن»[17]، فلا يشير إلى حقيقة أنطولوجية (وجودية) وإنّما إلى مجرّد حقيقة أخلاقية اجتماعية. وباب العودة إلى الفضيلة مفتوح للجميع إلا لمن أبى.
والدرس التربوي المستخلص من تساوي الناس في المنشئ الطبيعي هو عدم الاعتقاد بتفاوت الأفراد في الذكاء تفاوتا يعود أصلا ودائما إلى ما وهب كل واحد منهم خِلقة من قدرات ذهنية. بل إن ما نلاحظه من تفاوت بينهم يعود غالبا إلى عوامل المحيط الاجتماعي والثقافي، وهو ما تنبه له ابن خلدون من قبْل بيار بورديو Pierre Bourdieu -صاحب نظرية التطبع ووراثة الرأسمال الثقافي الرمزي[18]– بعدّة قرون. فابن خلدون ينفي تفاوت البشر في الغالب تفاوتا يعود إلى مواهب طبيعية أو هبات إلهية خاصة ببعض البشر دون البعض الآخر[19]، على صعيد الذكاء والقدرة على الفهم، ويعزو أكثر ذلك إلى الاكتساب والاجتهاد في تحصيل المعارف: “وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة في النفس، إذ قدّمنا أنّ النفس إنّما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون [النموّ الذهني] بذلك كيسا [نباهة] لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية فيظنّه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية وليس كذلك. ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس [الفطنة] حتى أنّ البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله وليس لذلك.”.[20]
وأهمية إدراك هذه الحقيقة النفس-معرفية تكمن في أن الوعي بها من قبل المعلمين وأولياء التلاميذ يجنبهم الوقوع في ما يعرف بالنمط العزوي الداخلي لظاهرة الفشل المدرسي، فلا يعزون فشل التلميذ إلى ضعف قدراته العقلية ضعفا متأصلا فيه بحكم أن ذاك هو ما وهبه الله تعالى من ذكاء، وإنما يسعون إلى الأخذ بأسباب تُيسِّر التعلم له بإدخال تعديلات مناسبة على المحيط العائلي أو المدرسي وعلى الطرق البيداغوجية المتبعة وتكييفها بحسب الحاجات الوظيفية الموضوعية للمتعلم ونسقه وأسلوبه المعرفيين. وهذا يقودنا إلى مشكلة الفروق الفردية. وهي فروق لا تعني التفاوت بين الأفراد وإنما الاختلاف الذي يحدث لاحقا تنوعا في الوظائف الاجتماعية ويضفي تعددا في الأذواق ويمنح كثرة في الاختيارات. فهذه الفروق تجب مراعاتها بحكم مبدإ التساوي في القيمة الإنسانية ذاته. وهو ما قد يظهر للبعض مفارقة Paradoxal، وما هو كذلك.
ج – آثار الاستخلاف
مما لا شكّ فيه أن انخراط الإنسان منذ فجر المدنيّة في مشروعه الاستخلافي الموضوعي في الأرض قد ترك آثارا واضحة فيها. وهذه الآثار تكاد لا تحصر. ويعدّد الشيخ البعض منها فيقول: “ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة في الأرض ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبدع ويستكشف ويخترع ويجد ويعمل…أليس من حكمة الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض: يقيم سننه ويظهر عجائب صنعه وأسرار خليقته.” (محمد رشيد رضا، تفسير المنار– الجزء الأول، ص. 260).
ولكن لا يذهبن في ظننا أن آثار الاستخلاف آثار تقنية بحتة، بل هي آثار عمرانية شاملة بالمعنى الخلدوني للكلمة، فتشمل الحضارة كلها وأخلاقها.
والمؤسف اليوم أن تعمير الأرض وركوب الجو والبحر قد برع فيه كثير من أصحاب الديانات والمذاهب غير الإسلامية أكثر مما برع فيه المسلمون واكتسبوا أخلاقا وفضائل تفوق أحيانا أخلاق أغلب المنتسبين للإسلام-والإسلام منهم براء- كالصدق في القول والمحافظة على المواعيد وإتقان العمل وإعطاء الأجير أجره من دون مماطلة واحترام حقوق الإنسان. والدليل على ما نقول هو أن كثيرا من المسلمين يجدون راحتهم في البلدان الأوروبية والأمريكية أكثر مما يجدونها في بلدانهم الأصلية. وهذا إن دلّ على شيء فعلى ضعف وازع الاستخلاف لدى المسلمين اليوم وعدم تقديرهم للأمانة التي استحفظوا إياها حق قدرها. لذا فإن درجة التقدم الحضاري والأخلاقي هي مقياس الالتزام بالميثاق الاستخلافي. قال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (الأنبياء: 105). فواجب إذن تذكير وتبصير ناشئتنا بهذه الحقيقة الوجودية وهذه القيمة الحضارية الإنسانية التي تمنح لوجودهم أكبر وأسمى المعاني وتحرير نظرتهم إلى أنفسهم من مقياسها الضيق المنحصر في بلوغ مآرب بسيطة وعابرة من الدنيا.
4. تسخير الكون للإنسان وتمكينه فيه
يرى محمد إبراهيم حسن أن الاستخلاف يمكن أن يعتبر “مظهرا من مظاهر تنظيم العلاقة بين الإنسان والكون: فالكون مسخر للخدمة وتحقيق المصالح ورعاية أسباب حياة الإنسان ورفاهيته…والإنسان مزود بالقدرات اللازمة لكي يصنع تاريخه الفردي والجماعي ويشكل مصيره اعتمادا علو ما ركب في وجوده من قوى العقل والمسؤولية والإرادة والانفعال والحس، وكلها سبل لتحقيق خلافة الإنسان في الأرض” (دراسات في التاريخ والحضارة، ص. 116). فالعلاقة بين الاستخلاف والتسخير الإلهي للكون لصالح الإنسان علاقة عضوية. ولذلك سنحاول تسليط بعض الأضواء على مفهوم التسخير ومستوياته وآثاره لنفهم أكثر الوظيفة الاستخلافية للإنسان.
الآيات المتضمنة لحقيقة التسخير متعددة، منها قوله تعالى: ﴿ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السّماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (لقمان: 20)، وقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ (البقرة: 29).
وللتسخير مستويات ثلاث:
أولها: القابلية للفهم، وهي متأتية من قدرة العقل على إعادة تنظيم التجربة المعيشة في العالم بحسب بنيته الدينامية المنفتحة. فآيات الله آيات «لقوم يتفكرون» و«لقوم يعقلون» و«لقوم يذّكّرون»، كما يردّد القرآن الكريم في مواضع كثيرة. من ذلك قوله تعالى: ﴿وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره، إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون﴾ (النحل: 12-13).
ثانيها: القابلية للاستثمار، وتكون بتكييف البيئة الطبيعية لحاجاتنا وحاجات البشرية، فنستغلّ عناصرها استغلالا متوازنا، كما في قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخّر البحر لتأكلوا منه لحما طريّا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون﴾ (النحل: 14). أو قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النّشور﴾ (الملك: 15).
ثالث مستويات التسخير هو القابلية للإضافة : وتكون بتعمير الأرض بالمزارع والمدن والمصانع والحدائق والمرافق الميسرة للحياة، وهو ما تضمنه إجمالا قوله تعالى: ﴿اعبدوا الله ما لكم من اله غيره، هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾ (هود: 61). كما في قوله تعالى: ﴿ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون﴾ (الأعراف: 10).
والاستعمار في سياق الآية الأولى هو طلب العمارة بالعمل على بناء واستحداث كل ما يحتاجه الإنسان. يقول الطباطبائي: “فالعمارة تحويل الأرض إلى حال تصلح بها أن ينتفع من فوائدها المترقبة منها كعمارة الدار للسكنى والمسجد للعبادة والزرع للحرث والحديقة لاجتناء فاكهتها والتنزّه فيها والاستعمار هو طلب العمارة بأن يطلب من الإنسان أن يجعل الأرض عامرة تصلح لأن ينتفع بما يطلب من فوائدها.” (الميزان في تفسير القرآن).
وهذا المعنى يقابله التحطيم والتهديم والفساد في الأرض وهو بالتأكيد منهي عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ (الأعراف: 85). وقد ندّد القرآن الكريم بأولئك ﴿الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ (الشعراء: 152). كما شهّر بالذي ﴿إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ (البقرة: 205) و﴿ الله لا يحب الفساد﴾ (نفسه).
والدرس التربوي الذي نستخلصه من هذا هو ضرورة غرس الروح الإيجابية في نفوس الناشئة: روح البناء والتعمير والمحافظة على التوازن البيئي، وتوجيههم نحو ابتكار نماذج تنموية مستدامة.
5. نظرية المعرفة في الإسلام
جاء في عنصر الاستخلاف أن العقل وحرية الإرادة هو مناطا الاستخلاف والتكليف، كما جاء في العنصر السابق أن أوّل مستوى من مستويات التسخير هو القابلية للفهم. فالقاسم المشترك بين الاستخلاف والتسخير هو التفكير والمعرفة والفهم، وهذا يقودنا إلى محاولة التعرف على نظرية المعرفة في الإسلام، إذ على شكل المعرفة وطريقة تحصيلها تتوقف درجة التسخير ومرتبة الاستخلاف.
أ- الولادة على الفطرة والعلم لا يحصل لغير الأنبياء إلا بالاكتساب
يقرر القرآن الكريم حقيقة نفس-معرفية على غاية من الأهمية، وهي حقيقة ولادة الإنسان وليس لديه من المعرفة إلا الاستعدادات الأوّلية لاكتسابها، وهو بهذا ينفي نظرية أفلاطون في أن “المعرفة تذكر والجهل نسيان”. قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ (النحل: 78).
فالإنسان إذن يولد على الفطرة، أي الطبيعة السوية الأساسية المتناسبة مع خلقة والمناسبة لاستمرار نوعه على أحسن صورة: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (الروم: 30).
وقال الرسول(ص) “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه”[21].
وعليه، فإن العلم الحاصل للإنسان لا يكون إلا بالاكتساب، ونستثني من هذا الوحي الموحى إلى الأنبياء والرسل أو ما يهبهم الله عزّ وجلّ من علم لدنيّ: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ (الجن: 26-27). وكما في قوله تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ (هود: 49). وفي موضع آخر ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ (الزخرف: 52). وقال تعالى عن العلم الذي وهبه للعبد الصالح الخِضر: ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ (الكهف: 65).
وبطبيعة الحال لا يكتم الأنبياء والرسل العلم والحكمة والشرائع التي أوحى الله لهم بها، بل هم مطالبون بتبليغها بكل أمانة، ولذلك يحصل للناس علم منها من طريق الأنبياء والرسل: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (الجمعة: 2).
وفي ما عدا ذلك فلا تكون المعرفة إلا بطرق موضوعية لا أصل للغيبيات فيها.
وما يترتب على هذه الحقيقة النفس-معرفية (المتمثلة في البناء الذاتي للمعارف من قبل الإنسان العادي) من الناحية الأخلاقية، فأمر على غاية من الأهمية: وهو أن الإنسان لا يتحمل ما سمته المسيحية بالخطيئة الأولى ويولد وهو محرر من أي وزر ومن أي مسؤولية سابقة على اختياراته وعلى أعماله، وله فرصة مفتوحة إلى أبعد الحدود لبناء ذاته وتشكيل وضعه في العالم وفق ما يشاء في إطار المشيئة الإلهية[22] (السنن الكونية الثابتة التي خلقها الله تعالى).
ب- التعليم الإلهي للبشر من غير طريق الوحي:
قال تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلّمكم الله والله بكلّ شيء عليم﴾ (البقرة: 282). التعليم الإلهي المشار إليه في هذه الآية الكريمة لا يخصّ الأنبياء والرسل فقط، بل يشمل كل العاقلين المتقين، ووسائله طبيعية ولكنها ليست محض مادية، إذ يتدخّل فيها الجانب الوجداني والروحي[23]. وهذا التعليم الإلهي يكون بأمور ثلاث: الملكات والاستعدادات الطبيعية التي وهبها الله تعالى للنوع الإنساني ككل والآيات القوية والحية التي بثّها له في الكون والقدرة على استيعابها ضمن شروطها المادية(من حيث كائن عاقل) وعلى الاعتبار منها ضمن أبعادها الأخلاقية (من حيث هو كائن روحي)، وهذه القدرة تزداد بقدر صفاء الذهن والرغبة في الفهم والفعل الصالح بالمعنيين المادي (النجاعة) والأخلاقي (نفع العباد وتجنب الفساد). والدرس التربوي من كل هذا هو ضرورة اعتماد آيات الله (الظواهر الطبيعية) ومعرفة قوانين الإدراك البشري وأنواع الدافعية وسيرورات اتخاذ القرارات واختيار الأفعال. وهذه اليوم مباحث كبرى في علم النفس المعرفي الذي يدمج بين العرفان والدافعية والوجدان.
ج- التوحيد محاربة للأوهام وإرساء لأوّل قاعدة بناء علمي صحيح
إنّ التوحيد في معناه الكوني هو شرط بناء العلم والتحكم في أسباب الفعل في الطبيعة. وذلك أنه لو آمن الإنسان بوجود آلهة متعددة فإن ذلك يعني إيمانه بتعدد المنظومات الكونية وتداخلها. فكل إله سيسعى إلى فرض قانونه على العالم ومن هنا يتكون التشويش والتناقض في ذهن المشرك الذي هو إنسان ساذج التفكير. إذ عوض أن يسلم بخضوع الطبيعة كلها لقانون واحد تبعا لتجانس الفضاء (كما أكّد على ذلك الفكر الحديث منذ ديكارت بنفسه لفكرة انقسام الكون إلى عالمين: عالم ما فوق القمر، عالم الخير والمثل العليا وعالم ما تحت القمر، عالم الكون والفساد) تجده يؤمن بالخرافات والشعوذات لأنه لا يحكتم في فهم الظواهر الغريبة عنه (وهي غريبة لأنه لم يدرسها سابقا دراسة علمية) إلى عقل علمي موحد وإنما يجوّز ظهور عدّة منظومات كونية متوازية بل ومتداخلة، لتعدّد الآلهة ذات التأثيرات المتفاوتة في العالم كما في اعتقاده الباطل. ومن هنا يصبح التوحيد الذي هو جوهر الإيمان شرطا ابستيمولوجيا (نفسيا-معرفيا) لبناء العلم بل هو أول شرط وبدونه يكون العلم مستحيلا. وكل العلماء في العصر الحديث موحّدون بمعنى لا يؤمنون بتعدّد المنظومات الكونية، فالطبيعة واحدة وتخضع لنفس القوانين في أي نقطة منها. بدأ التوحيد دينيا ولكنّه تحول إلى وعي كوني بديهي لدى كل البشر، باستثناء بعض الجماعات الاثنية المنعزلة في الغابات. الشرك إذن من الناحية المعرفية هو إشراك عدة منظومات في التحكم في سير الحوادث في الكون، والتوحيد معرفيا هو التسليم بخضوع الطبيعة كلها لقوانين واحدة. أما ما يعرف في الابستيمولوجيا الحديثة باختلاف البراديغمات العلمية (النماذج الإرشادية) من رابطة علمية إلى أخرى (مثال براديغم الجزئيات المختلف عن براديغم التموجات في الفيزياء أو البراديغم العرفاني المختلف عن البراديغم السلوكي في علم النفس…) والتي تتنوع فيه نماذج مقاربة الظواهر ماديّة كانت أو اجتماعية أو نفسية أو غيرها فإنها لا تنطلق من فرضية خضوع هذه الظواهر لمنظومات تحكمية متوازية، بل إننا نجدها على العكس من ذلك تسلّم بخضوع كل ظاهرة لقانون واحد يزداد أو يقل تعقيدا ولكن تعدّدها يعكس فقط تعدد زوايا النظر ودرجات العمق والشمولية لنفس الظاهرة.
فنجد مثلا فيزياء ماكسويل تشمل ظواهر مادية لا تحتويها فيزياء نيوتن، وفيزياء آينشتاين تتجاوزهما معا. كذلك الأمر في دراسة الظواهر النفسية فبينما تكتفي المدرسة السلوكية بدراسة الزوج : مثير-استجابة تأتي أبحاث التيار العرفاني لتلج إلى العلبة السوداء وتسلط الأضواء على ما بداخلها من سيرورات نفسية معرفية خفية.
هذا هو معنى الإيمان إذن الذي تفتح به على الإنسان بركات من السماء والأرض وهو التوحيد أي خضوع الكلّ للقانون الواحد. ولكن هذا الشرط الديني الاعتقادي الذي أفرز الشرط المعرفي الأول لإمكان العلم (مصادرة تجانس الفضاء كما أكدها ديكارت) لا يكفي للحصول فعلا على بركات من السماء والأرض، فلا بد من “التقوى”. والتقوى تعني عمليّا الاستقامة ومن الاستقامة عدم إهلاك الحرث والنسل كما جاء في القرآن الكريم. وبالتالي، فإن الإنسان عندما يصبح مالكا لنفسه وسيدا على الطبيعة بفعل الثورة الابستيمولوجية (تجانس الفضاء ووحدة القوانين تبعا لذلك) التالية على الثورة العقدية (وحدة الإله) قد يطغى في تعامله مع ثروات الطبيعة فيبدد العديد من طاقتها في إفناء الجنس البشري ويفسد التوازن البيئي بفعل التلويث بالإشعاعات النووية وغيرها وذلك لكونه يجعل من الربح السريع والتنمية الظرفية ولا المستديمة عمادي خطته في استغلال ثروات الطبيعة. فإذا اجتمع إلى إيمانه (التوحيد) التقوى (الاستقامة والتي منها وقاية نفسه وغيره من مخاطر الاستخدام العشوائي لإمكانات استغلال الطبيعة بفضل وسائله العملية) حصلت له بركات من السماء والأرض أي انتفع بأقصى حدّ ممكن من خيرات الطبيعة، مثل الطاقة الشمسية (من السماء) والمياه (التي تستخدم في عديد الأغراض ولا للشرب فقط، من الأرض) ولم ينفق أموالا وطاقات لإصلاح ما تسبب فيه من أضرار بالمنظومة البيئية.
د- مصادر البناء المعرفي في القرآن الكريم والفكر الإسلامي الأصيل
خلافا للمنهج اليوناني القديم في بناء المعارف، لم تقتصر نظرية الإسلام المعرفية على التأملات المجرّدة، كما أنها لم ترض بالاقتصار على شهادة الحواس التي قد تخطئ في تقدير الأمور ومعرفة الحقيقة الموضوعية، بل وضعت أسس منهج عقلانية تطبيقية استقرائية تجريبية، وهو تقريبا ما انتهى إليه الفكر العلمي الحديث مع روجيه بيكون أوّلا ثم مع غاستون باشلار تاليا.
د-1– الإدراكات الحسية واستقراء جزئيات الطبيعة:
لقد حثنا الله عزّ وجلّ على استخدام حواسنا في معرفة العالم: قال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ (يونس: 101). كما قال ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ (العنكبوت: 20). و”الدين لم يقرر نتائج هذا النظر الذي دعا إليه. ولكنّه ترك هذه النتائج للتجربة والبحث، وجعل الحسّ الإنساني معيار ما يثبت منها وما لا يثبت.” (الفاضل بن عاشور، محاضرات، ص. 277). ولكن علينا أن نحذر هنا أن نفهم من هذا الاعتماد على الحس لوحده من دون مراقبته بالعقل، إذ الحس قد يكون خادعا بالرغم من تأكد إدراكه، فلا يكتمل الإدراك إلا بالعقل، وقد يدرك العقل من الظواهر المادية ما لا تدركه الحواس. ألم تر قوله تعالى مثلا ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾ (الرعد: 2). وهذه العمد هي التي اكتشفها من بعد العالم الفيزيائي إسحاق نيوتن في شكل قانون الجاذبية الكونية. ولقد حصل تبعا للثورة التي أحدثها نيوتن في الفيزياء القول بالتجربة العقلية المؤطرة بحدسي الزمان والمكان المحضين كما نجد في الفلسفة الكانطية. ففي هذه الفلسفة -التي نجدها تتطابق إلى حدّ ما على الأقل مع التصور القرآني لنظرية المعرفة[24]– يدرك العقل العالم بإدراجه ضمن تجاربه الخاصة، إذ “في العالم الفوضى وفي العقل النظام”، كما يقول كانط في كتابه نقد العقل الخالص. وهذه التجارب لا تتم إلا باستقبال مشتتات العالم الخارجي في الحساسية المتعالية بفضل حدسي الزمان والمكان الماقبليين ثم تضمن ملكة الفهم [بعد ذلك] وحدة الظواهر عن طريق بعض المقولات (المكان والزمان والنسبية). وانطباق المقولات على الحدوسات هو ما يحقق اكتمال التجربة في العقل وبدون ذلك لا تتم. فـ«المقولات بدون حدوسات جوفاء والحدوسات بدون مقولات عمياء». من المستحيل على العقل أن يدرك شيئا (الذهن في الاصطلاح الكانطي) إلا وله أصل في التجربة الحسية الخارجية. كل المفاهيم بما فيها الأكثر تجريدا، كان منطلق نشأتها من تفاعلاتها الكثيرة مع العالم المادي. لنعط مثالا على ذلك، إننا نصف الفكر الذي يتسم بالثراء والقدرة الكبيرة على الإحاطة بموضوعه بأنه فكر عميق. مفهوم العمق هذا مفهوم ذو أصل هندسي، اكتسبناه من خلال بنائنا المتدرج منذ طفولتنا الصغرى لشامة (بنية ذهنية أولية) المكان في أبعاده الثلاث الطول والعرض والارتفاع أو العمق، بتوسط حركة الجسم في الفضاء، كالسقوط والقيام والانحناء… الخ. مثال آخر: عندما نقول إن هذا القول صواب. الصواب يتضمن معنى التطابق مع معيار أو التوافق مع أمر آخر، أو النجاعة أي تحقيق الهدف أو إصابة الهدف. والتطابق أو التوافق أو إصابة الهدف لنا معها خبرات حسية طويلة في طفولتنا وما بعد طفولتنا.
ولذلك لا تكتمل المعرفة الحقة إلا بالذهاب والإياب بين العقل وموجودات العالم الحسية، ولهذا لا يفتر القرآن الكريم يؤكّد عليهما معا. من ذلك مثلا قوله تعالى: ﴿وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره، إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ (النحل: 12)، فبعد أن ذكر ظواهر الكون المادية التي تدرك بالحواس، أكّد أنه لا يدرك ما فيها منة حكمة ونظام إلا من نظر فيها بعقله (لقوم يعقلون). ويقول عماد الدين خليل في هذا المعنى: «إن العقل والحواس جميعا مسؤولة، لا تنفرد إحداها عن الأخريات في تحمّل تبعة البحث والتمحيص والاختيار…والإنسان مبتلى بهذه المسؤولية لأنه من طينة أخرى غير طينة الأنعام: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا﴾ (الإنسان: 2).
إن تأكيد القرآن الكريم على استخدام الحواس في مرحلة أولى لمعرفة أشياء العالم يدفعنا إلى القول بضرورة تربية حواس الناشئة وتطوير قدرتها على إدراك موضوعات العالم الخارجي، وهو عين ما أكدت عليه “البيداغوجيات النشيطة” في العصر الحديث. وقد اعتمدت هذه الفكرة مبدأ بيداغوجيا في تعليم الطفل الحساب وبناء الأعداد، كما اعتمدت في الإيقاظ العلمي للمتعلمين الصغار، بل وحتى مع المراهقين وطلبة الاختصاصات العلمية في حصص العلوم الطبيعية والفيزيائية (مرحلة الملاحظة وكذلك في التعرف على خصائص المادة في الكيمياء وعلى خصائص الأجسام وتركيبة الخلايا في علوم الحياة). ومن هنا وجوب الابتعاد الكلّي عن التعليم اللفظي. وكما يقول العالم السويسري جان بياجيه، استنادا على دور الحس والفعل في بناء المعرفة العلمية: «أن نفكر هو أن نفعل». وبالتالي لا بدّ من تمكين المتعلمين من فرص ومساحات واسعة للفعل والتجربة والتلمّس، وعدم الاكتفاء بالإملاء والتلقين، فإنه لا ينفع في بناء العلوم شيئا.
وعلى صعيد آخر يمكن تدريب الحواس على الملاحظة الدقيقة من وضع فرضيات مناسبة لفهم الظواهر الطبيعية، كما يمكن التدريب على التحكم في أعضاء الجسم والسيطرة على حركاتها من التألق في مجالي الأنشطة البدنية من جهة[25] وأداء الأعمال اليدوية بكل حذق من جهة ثانية. وقد نوه القرآن الكريم في أكثر من موضع بأهمية تعلم الصنائع وإتقانها، خلافا للفكر الفلسفي اليوناني القديم الذي يحط من شأن العمل اليدوي.
ونضرب على ذلك أمثلة: قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون﴾ (الأنبياء: 80). واللبوس عند العرب : السلاح كله ، درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا وكانت قبل داود صفائح (تفسير الطبري). وقال تعالى: ﴿ ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنّا له الحديد﴾ (سبأ: 10).
وعلى لسان ذي القرنين قال تعالى: ﴿آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني افرغ عليه قطرا﴾ (الكهف: 96). وتبرز هنا صناعات البناء والحدادة واللحام. أما نوح عيه السلام فقد تعلم صناعة النجارة والفلك: ﴿فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ (المؤمنون: 27). وهذه الفلك لا تشبه تماما مراكب وسفن اليوم كما يتصور ذلك المخيال الشعبي، إذ كانت ﴿ذات ألواح ودسر﴾ (القمر: 13). والدسر قد تكون مسامير وقد تكون حبالا وأليافا نباتية (أغصان طرية ذات ألياف طبيعية)، وهذا أقرب.
د- 2– القلم: المعرفة الرمزية المجردة
قال تعالى: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (العلق: 3-4).
يرمز القلم إلى المعرفة العقلية المجردة، أي غير الحسية. فالقلم يحول المعارف إلى رموز ومفاهيم مجردة. ولذلك فإن ثاني طريق يدلنا عليم القرآن الكريم ويقرّه لتحصيل المعارف والعلوم هو العقل والتفكير المجرد. يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: “إن العقل أساس الحياة كلها حتى العقيدة الدينية” (ومضات فكر، الدار العربية للكتاب، طرابلس/ تونس، ص. 217). ولذلك فإن القرآن الكريم يعلي من شأن البرهان على حساب الجدال المستند على مجرد الظن. فقد جعل القرآن الكريم من البرهان العقلي (المجرد أصلا أو المنتزع من الحس بالتجريد) حكما بينه وبين من يردّ دعوته إلى التوحيد وإلى نظامه الأخلاقي الرفيع، إذ هو حجة موضوعية محايدة، فتواترت الآيات الداعية إليه: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: 111 وانظر كذلك الآيات المؤمنون: 117، النساء: 174، النمل: 64، القصص: 32 و75، الأنعام 38 و149، النحل:111، العنكبوت: 46، الحج: 8).
كما اعتبر الافتقار إلى الدليل العقلي ضعفا في الخطاب والحجة: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنا. إن الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا﴾ (يونس: 36).
د-3– جدلية الإدراك الحسي والنظر العقلي:
عين القرآن الكريم في آية واحدة مصدرين أساسيين للمعرفة: الآفاق والأنفس، وذلك في قوله تعالى:
﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (فصلت: 53).
فالآفاق هي العالم الخارجي وهو نوعان: العالم الطبيعي والعالم الإنساني بلحظاته الزمنية الثلاث: الماضي والحاضر والمستقبل. النظر المنهجي في العالم الطبيعي ينتج عنه بناء العلم الطبيعي، والنظر المنهجي في العالم الإنساني ينتج عنه بناء العلوم الإنسانية. وكمثال على النظرين مجتمعين نذكر علم العمران البشري الذي أسسه ابن خلدون. فابن خلدون نظر في الطبيعة وتدرج الخلق فيها نحو الكمال وأسس عليها نظريته في التاريخ والعمران البشري. فجمع بين النظر في طبيعة الموجودات وفي طبائع العمران على نحو عقلي استقرائي فريد، وهو في كل ذلك قد استفاد من روح القرآن الكريم في الحث على مثل هذا النظر. ومن الآيات المشيرة إلى وجود القوانين الموضوعية للتاريخ، كما أدرك ذلك مبكرا ابن خلدون، قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن اخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (إبراهيم: 5). فأيام الله هي سننه في التاريخ ونماذجه التاريخية الكبرى التي عليها تسير أحوال الأمم. وقوله تعالى: ﴿ولكل أمة أجل﴾ (الأعراف: 34) فيه ذكر للدورة الحضارية والتاريخية، وهي تتبع مدى صلاح الأمة أو فسادها في الأرض.
أما المصدر الثاني للمعرفة المذكور في الآية السابقة فهو الأنفس: أي البناء الذاتي للمعرفة من طريق العقل. وقد تكون الأنفس موضوعا للمعرفة إلى جانب كونها مصدرا وأداة لها، وفي هذه الحالة ينتج عن النظر فيها منهجيا علوم الطب (النظر في الأجسام) وعلم النفس (النظر في الجهاز النفسي) بأنواعه: التحليلي والمعرفي والتربوي وغيره. كما أن الأنفس عندما تكون جماعة تكون موضوعا لعلم النفس الاجتماعي ولعلم الاجتماع وعلم الإناسة (الأنتروبولوجيا) وغيرها من العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وبالعودة إلى قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ (الإسراء: 36). نلاحظ أنه بعد أن ذكر الله عزّ وجلّ العلم ذكر وسائل تحصيله وهي الحواس (السمع والبصر) والفؤاد (ومركزه الدماغ وهو الذي ينظم مشتتات الإدراكات الحسية ويمنحها معنى مخصوصا بحسب السياق والوضعية) وقد فهمه ابن خلدون على أنه الفكر بأنواعه الثلاثة: التصورات الخاصة بالعالم الخارجي والعقل العملي الذي سماه تجريبيا (لما يحصل له من التجارب اليومية) والعقل النظري، وهذا نراه قولا حسنا وجامعا. فمن دون فؤاد لا يكون للمسموعات والمبصرات أي معنى. و الفؤاد له خاصيات متشابهة عند كل الناس وله خاصيات أخرى تختلف من فرد إلى آخر بحسب تجربة الحياة والتربية المتلقاة. ولذلك كما ذكر الفؤاد في القرآن الكريم فردا، ذكر جمعا: «فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم» (إبراهيم/37).
يقول الفاضل بن عاشور: “إدراك هذه الحقائق التي هي حقائق الأشياء الثابتة إنما يكون أولا وقبل كل شيء بالحس، وبتسليط الإدراك الحسي على المحسوسات وتوجيهه إلى ملاحظتها حتى لا تكون المحسوسات مارّة أمام الحواس، والحواسّ غافلة عن إدراكها وتسجيلها. ثم جعل الحسّ مطية إلى الإدراك الفكري، إلى الإدراك العقلي المجرد. وبذلك وصل بين الحسّ والعقل” (المحاضرات، ص.267). وهكذا فإن الواقعية المعرفية الإسلامية تختلف اختلافا بينا عن واقعية المذاهب المعرفية اليونانية التي تشعبت إلى واقعية عقلية وواقعية حاسيّة وواقعية مثالية.
ومن لطائف ما انتبه إليه الفاضل بن عاشور في هذا الباب، هو أنه لما اتخذ المنهج المعرفي الإسلامي الحس مطية إلى إدراك الفكر، “فإنه قد استعمل كلمة “النظر” في ذلك الاستعمال العجيب الذي ساعد عليه الاشتراك الوضعيّ أو الحاصل بالاستعمال في كلمة “النظر” فأصبح “النظر” في دعوة الإسلام يتناول أمرين:
– نظرا ظاهرا هو موضوع الإدراكات الحسية،
– ونظرا باطنا هو موضع المدركات العقلية…
وبذلك تقوى العقل بهذه الدعوة قوّة عظيمة لا عهد له بها من قبل…
…وهذا العقل الذي أعطته الدعوة الإسلامية القوة المطلقة، إنما هو موهبة مشاعة بين جميع البشر على ما بينهم من الخلاف.” (ص. 268- 269).
وبهذا يتقرر عدم إمكان حصول المعرفة الموضوعية بالإلهام، “لأن النظرية الإسلامية أقيمت على أن الإلهام ليس من أسباب المعرفة” (المصدر السابق، ص. 70). وهو ما يسدّ الباب أمام دعاوى الباطنية التي أجمع كبار علماء المسلمين “من أبي بكر بن العربي إلى جمال الدين الأفغاني، على أن نظرية الباطنية والعلم الموهوب ليست إسلامية وإنّما هي دسيسة مدبّرة ضدّ الإسلام.” (المصدر السابق، ص. 272). ولذا وجب الحذر كل الحذر من القول بالعلم الموهوب والعلوم الدنية والإمام المعصوم، الذي يستتبع التلقين والاتباع ولا التفكير والإبداع. وهذا محذر خطير علينا أن نجنبه ناشئتنا.
لقد حقق العقل العلمي الإسلامي قفزة نوعية هائلة بفضل القطيعة الإبستيمولوجية التي دشّنها ذلك العقل مع الفكر والمنهج اليونانيين المستندين إلى محض تأمّلات واستنتاجات مجردة، تهم حتى المجال الطبيعي نفسه، وبفضل توجّه العلماء العرب إلى المنهج الاستقرائي التجريبي. ونحن متفقون هنا تماما مع إقبال[26] ، عندما يوعز هذا التحوّل في الفكر العربي إلى التأثير القرآني: هذه الدّعوة الموجّهة من القرآن إلى الفكر للنظر في العالم المحسوس(الطبيعي والإنساني) وهذه الأمثلة المضروبة بكثرة والمتّصلة بذلك العالم، مع فهم العلماء المسلمين للنظرة القرآنية بخصوص الطبيعة المتغيرة للكون وامتداده اللاّنهائي، كل هذا قاد هؤلاء إلى نقد ودحض الفكر اليوناني(باستثناء المنطق وما صحّ لديهم من رياضيات نقية من شوائب التصورات الميتافيزيقية الخرافية). ولكنهم لم يتوصلوا إلى تحقيق ذلك إلاّ عندما تبيّن لهم أنّ روح القرآن تتعارض بعمق مع النظرات الفلسفية المشدودة إلى التجريدات التخيّليّة العقيمة، كما هو الحال بالنسبة لقسم كبير من الفكر الفلسفي اليوناني القديم، الذي انبهروا وشغفوا به في البداية. ومن المعلوم جدّا الآن أنّ الأنوار والثورة العلمية الغربية لم تكن لتقع لو لم تقطع هي كذلك مع الفكر المدرسي(السكولاستيكي).
هذا التغير الجذري في الفكر العلمي والفلسفي في الفضاء المعرفي الإسلامي، والذي تجسّد لدى علماء من أمثال ابن الهيثم والخوارزمي والبيروني والكرخي الخيامي وابن الشّاطر والطّوسي وابن سهل وابن قرّة وكمال الدين الفارسي والقوهي وابن النفيس وابن تيمية وابن خلدون[27] ، هذا التغير ليس، في نظرنا، إلاّ تعبيرا ثقافيّا عن أحد أكبر الأحداث التاريخية والثقافية والذي هو حدث ختم النبوّة، المعلن منذ قدوم الإسلام بكتابه المنير: القرآن: ﴿ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين، وكان اللّه بكلّ شيء عليما﴾ (الأحزاب: 40) ، والذي بفعله تم توجيه نظر الإنسان إلى مصادر موضوعية لبناء معرفته ووعيه بالعالم بنفسه، مقدمة حقيقية للفعل الناجع والصالح فيه، على هدي من الأخلاقية القرآنية الرفيعة.
ﮪ– عناصر من نظرية المعرفة عند ابن خلدون:
النشاط المعرفي نشاطا طبيعيا مخلّصا من شوائب الماورائيات
يبدأ ابن خلدون بذكر ما يشترك فيه الإنسان مع الحيوان ثمّ يميزه عنه بالفكر، إلا أنه سرعان ما يفاجئنا بفكرة تبدو ثورية في زمانه عندما أعاد موضعة الإنسـان في مجاله الطبيعي الحيوي. يقول ابن خلدون :«وما جبل عليه الإنسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع، فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات…»[28]. فهو هنا بمفهوم الطّباع قد مهد للقول بدور التفاعل مع المحيط المادي في بناء الأفكار والاكتساب المعرفي (التي أكدها بياجيه اعتمادا على الملاحظة العلمية بعده بقرون) وفارق بذلك التصوّرات الميتافيزيقية المعروفة في نظرية المعرفة في عصره وقبله لدى الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا ولدى الفلاسفة اليونانيين كأفلوطين وأفلاطون وغيرهـم. وعن هؤلاء يقول:« وما يزعمه الحكماء الإلهيّون في تفصيل ذواته [ العلم الرّوحاني ] وترتيبها، المسمّاة عندهم بالعقول [ المفارقة ]، فليس شيء مـن ذلك بيقينيّ لاختلال شرط البرهان النظريّ فيه»[29]. وهذا لعمري قطع إبستمولوجي حاد وخط تمايز وافتراق شديد الوضوح مع أفكار الأفلاطونية المحدثة حول العقول المفارقة واتصالها بعقول البشر لتمكينها من المعارف الصحيحة.
بل لـربّما تجـاوز بذلك على هذا الصّعيـد، اللحظـة الديكارتية نفسها التي تفصل بين الفكر والجسد وبين الروح والمادة. وإذا بدا أن تعليقنا الأخير على قول ابن خلدون مجرد تأويل من لدننّا، فهاهو يقول صراحة: “أنّ الإنسان من جنس الحيوانات”[30]. ولكنه بطبيعة الحال كائن حي مكرم بالعقل وبالروح المفطورة على الإيمان بربها. ويقول عن العقل النظري الحاصل له: « هذا الفكر إنّما يحصل له بعد كمال الحيوانية فيه»[31]. فهل بعد هذا الوضوح من وضوح في تقرير وجوب توفر الشرط الطبيعي للأفكار[32] على حساب النظرة الماورائية السائدة في عصره وما بعده لقرون أخرى طويلة! بل إن ابن خلدون يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير عندما يتبنى صراحة نظرة تطورية للكائنات الحية : “إن الذوات التي في آخر كلّ أفق من العوالم مستعدّة لأن تنقلب إلى الذّات التي تجاورها من الأسفل إلى الأعلى، استعدادا طبيعيا كما في العناصر الجسمانية البسيطة، وكما (هو) في النخل والكرم من آخر أفق النبات مع الحلزون والصّدف من (أول)[33] أفق الحيوان، وكما في القردة التي استجمع فيها الكيس والإدراك مع الإنسان صاحب الفكر والرّويّة”[34].
وإنما أمكن لعلم النفس الحديث الظهور عندما أخذ بأفكار شبيهة بهذه. بل إن عالم النفس النشوئي السويسري المشهور جان بياجيه قد بنى نظرية البنائية المعرفية كلها على النموذج البيولوجي الطبيعي فاستقدم منه مفهوم الاستيعاب assimilation و الملاءمة accommodation و التكيّف adaptation .
فيبدو لنا إذن تأكيد ابن خلدون على ضمّ الإنسان إلى المملكة الطبيعية بقوله “وما جبل عليه الإنسان بل الحيوان…” حدسا قويا ومقدمة جريئة للدراسة المادية الطبيعية الموضوعية لظاهرة المعرفة لدى الإنسان. وعبارة المادية هنا نوردها بمعناها الواسع المناقض لما هو ميتافيزيقي لا بالمعنى الحسّي المباشر. ويؤكد ابن خلدون على ذلك بوضوح عند حديثه عن الملكات (القدرات والكفايات العقلية) فيقول “والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغيره كالحساب والجسمانيات، كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم”[35]. ولا يفهم من هذا نفي ابن خلدون للروح، بل التأكيد على التركيبة المزدوجة للإنسان، وأما تربية الروح فقد خصص لها ابن خلدون كتابه “شفاء السائل في تهذيب المسائل”، للإجابة عن سؤال حول مدى الحاجة إلى الشيخ في تعلم التقوى، وقال فيه أن التقوى لا تعلم بل تحصل بالمجاهدة وباتباع القدوة الحسنة.
و- توسعة المعارف واتساع مجالات العلم في الإسلام
وتكون توسعة المعارف بأمور منها:
- السؤال والحيرة العلمية
جاء في الأثر: ‘العلم خزائن ومفتاحها السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر أربعة: السائل والمعلم والمستمع والمحبّ لهم”.
– الانفتاح على الغير: عالمية العلم والمعرفة
ومما يدلّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها”[36]. والمقصود بذلك العلوم الحكمية والتقنية والأفكار النيرة التي تماشى مع واجب حمل الأمانة والاستخلاف.
ز- محاربة الأوهام والخيالات العقيمة
يظهر ذلك أولا من محاربة القرآن الكريم لعبادة الأصنام التي يتوهم لها المشركون حياة وقدرة، كما يظهر من بعض الأحاديث النبوية الشريفة. فقد جاء في صحيح البخاري مثلا: “حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا شيبان أبو معاوية عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله”[37].وهذا الحديث دليل آخر على صدق رسالة محمد (ص)، فلو كان محمد (ص) غير نبيا حقا لأمّن على كلام الناس حتى يقنعهم باطلا باتصاله بالغيب، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يجوّز لنفسه – و ما كان له أن يفعل وهو الصادق المصدوق- أن يضرب قاعدة طبيعية موضوعية من أجل أن يصدق الناس بنبوته، بل إنه كان في انسجام تام مع منهج القرآن التربوي في جعل آيات الله الطبيعية دليلا على وجود الخالق ووحدانيته.
وفائدة هذه الفكرة من الناحية التربوية، هو أن ينتبه المعلمون للتصورات الماقبل علمية لدى المتعلمين ولا يدعونهم يبنون المفاهيم العلمية الجديدة إلا على أنقاض القديمة منها، حتى لا تشوش عليهم فهمهم وتفكيرهم. ولذلك يجدر بالمعلم أن يبدأ درس العلوم باستخراج التصورات ما قبل العلمية بالسؤال والحوار مع التلاميذ، ويجعل منها “هدفا-عائقا” يجب تجاوزه كما نجد في الأدبيات الحديثة في تعلمية العلوم ( جان لويس مارتيناند، في أطروحته للدكتورا سنة 1982).
ن- الاجتهاد والتجديد المتواصلين وكراهة التقليد
يستنكر القرآن الكريم على غير المؤمنين اتباع منهج التقليد والاقتداء بالمثال الجاهز:
﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ (الزخرف: 22).
وفي الآية التي تليها: ﴿إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ (الزخرف: 23).
وليس معنى هذا عدم الاقتداء بالسابق أصلا، وإنما وجوب النظر والتمحيص في القديم حتى لا يقع تكريس الخطإ والضلال وتأبيده. ولا يظنن أن هذا خاض بأهل الملل الأخرى، بل يشمل كل الناس والأمم بما فيها الأمة الإسلامية، ودليلنا على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة عن الرسول ص « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدد لها دينها.»(أخرجه أبو داود في السنن). بل إن الله تعالى الذي لا يعتريه تبدّل ولا تطرأ عليه حاجة ﴿كل يوم هو في شأن﴾. أي من جهة إشرافه وتدبيره لأمر خلقه المتبدّل: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن: 29)، فالتغير والتطّوّر سنّة إلهية كونية. وهذا يستتبع تطوير المعارف وتجديد الفهم بل تطوير طرق التربية ذاتها، لأنها في حدّ ذاتها معرفة ولكنها من طبيعة عملية.
وفي ندب الاجتهاد وتأصيله في الشريعة الإسلامية نذكر على سبيل المثال محاورة الرسول (ص) مع معاذ بن جبل، فحين أرسل معاذ بن جبل- رضي الله عنه- إلى اليمن سأله، فعن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟»، قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا في كتاب الله»؟ قال: اجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله»[38].
وقد نتج عن أخذ علماء المسلمين الأصيلين بالاجتهاد تطور هام في منظومة الفقه الإسلامي على امتداد حوالي سبعة قرون منذ كتابة مالك بن أنس رضي الله عنه للموطإ حتى ظهور كتاب “المقاصد” لأبي إسحاق الشاطبي (كتابه الثالث في مؤلفه الموسوعي “الموافقات”) في أواخر القرن الثامن.
ولا يخص الاجتهاد والتجديد علوم الدين لوحدها بل سائر العلوم، فإذا كانت علوم الدين قابلة للتطوير والتعديل فما بالك بعلوم الدنيا. وأوّل من سنّ سنة التبديل والنسخ هو الله عزّ وجلّ: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير﴾ (البقرة: 106). وقد فعل الله تعالى ذلك مراعاة لتغير أحوال عباده وأحوال المجتمعات.
6. مكانة العلم والعلماء في الإسلام
الآيات والأحاديث النبوية متواترة حول قيمة العلم والعلماء في الإسلام. وها هي أمثلة عليها:
– ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزّمر: 9).
– ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة:11).
– ﴿وقل رب زدني علما﴾ (طه: 114).
والعلم في الإسلام عبادة لقوله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة“[39]. وروى أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعا: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما ، سهل الله له به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارا ، ولا درهما إنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر“[40].
كما أنه لا حدّ لعلم المطلوب تحصيله: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ (الرحمان: 33).
هذا وقد اعتبر علماء المقاصد حفظ العقل من الضروريات في الشرع، ولكن لا يتم إلا بالحاجيات العقلية طلب العلم والقراءة والبحث والتعلم والتفكّر والتفكير المنهجي.
7. الغاية من التربية الإسلامية هي اتجاه النفس إلى الله
قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾ (الانشقاق: 6).
فكل العلوم التي نعلمها للنشء نوجههم بها إلى الله مبدع القوانين الكونية سواء من خلال تنمية روح التدبّر والاعتبار لديهم أو من خلال تمكنهم من أسباب الصلاح في الأرض ونفع البلاد والعباد. ومع أن هذه هي الغاية من التربية ومن طلب العلم، إلا أن الإسلام قد منح الحرية المطلقة للعلماء في البحث العلمي ولم يفرض عليهم أيّ نتيجة مسبقا كما كانت تفعل الكنيسة المسيحية في عصور التخلف الأوروبي.
8. العلم النافع المقترن بالعمل الصالح
لقد وردت في هذا الغرض آيات قرآنية أحاديث نبوية كثيرة منها:
– ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ (يونس: 14).
– ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ (النور: 55).
-﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا﴾ (الإسراء: 9).
– “تعلموا من العلم ما شئتم. فو الله لا تؤجرون بجمع العلم حتى تعملوا”[41].
– “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع و نفس لا تشبع ودعاء لايُسمع “[42].
– “الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله”[43].
ويكون العمل الصالح نحو الذات ونحو العائلة ونحو المدينة أو القرية أو الحارة ونحو المجتمع ونحو الوطن (فحب الوطن من الإيمان) ونحو الأمة ونحو الإنسانية قاطبة.
9. تلازم لزوم الحق والاتصاف بالصبر في النظرية التربوية القرآنية الشاملة
قال تعالى: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (العصر: 3).
جاء في تفسير ابن كثير أن الإمام الشافعي رحمه الله قال: “لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم”. وينسب إليه أيضا أنه قال: “لو لم ينزل من القرآن غير هذه السورة لكفت، لأنها شملت جميع القرآن.”.
فها هو وجه طريف ومفيد من وجوه تدبّرها يعلمنا إياه أبو يعرب المرزوقي:
التواصي بالحق في الاجتهاد والتواصي بالصبر في الجهاد:
“فالتواصي بالحق يجعل الحق حصيلة عمل مشترك بين طلابه فيصبح أصل الأخوة المتعالية على العرق وعلى كل أسباب التمييز بين البشر. والتواصي بالصبر يجعل العمل به خاضعا لنفس المعيار وبنفس التعالي. فلا بد أن يكون العمل مشتركا بين القائمين به حتى يكون عملا حقا…فلا وجود لكنيسة روحية(النخب الدينية) ولا لكنيسة عقلية (النخب العلمانية) بل مؤسسة التواصي بالحق ومؤسسة التواصي بالصبر اللتان تشرفان على الاجتهاد منهجا للنظر بطريقة التواصي بالحق والجهاد منهجا للعمل بطريقة التواصي بالصبر” (المرزوقي، صونا للفلسفة والدين، ص. 202).
10. استنتاجات المحور الأول: مقومات النظام التربية الأصيلة في الإسلام
يخرج من التحليلات السابقة جميعها أن مقوّمات المنهج التربوي الأصيل في الإسلام هي المقومات الخمس والعشرون التالية:
- العمل على إيجاد توازن بين تجربتي الروح والمادّة.
- تربية الناشئة على أخلاق المسؤولية والاستخلاف وتحمل الأمانة الإلهية.
- تدريب المتعلمين على حسن استثمار خيرات الطبيعة المسخرة لهم من قبل الله عزّ وجلّ.
- تنمية روح الإبداع والإضافة لديهم في التعامل مع المحيط الطبيعي والاجتماعي.
- تنشئة الشباب على التواصي بالحق في الاجتهاد (النزاهة والموضوعية العلمية والحياد) والتواصي بالصبر في الجهاد (الجهاد الأكبر: العمل بمقتضى الاجتهاد في إرساء مقومات المجتمع الإسلامي الأصيل وفي التعامل مع الآخر المختلف بروح العدل والتعارف المخصب، والجهاد الأصغر: الدفاع عن شرف الأمة وأرضها وكل ما يعود إليها من حقوق).
- غرس روح الانتماء الحضاري والولاء الكامل للوطن وللأمة.
- التعليم الجيد للغة الأم واللغات الحية لأنها هي المحققة للأنسنة الفعلية للبشر بصفة متواصلة.
- تنمية المدارك العقلية للمتعلمين ليكونوا أهلا للتكليف ولتحمل الأمانة.
- ضرورة تربية حواس الناشئة وتطوير قدرتها على إدراك موضوعات العالم الخارجي بهدف تقوية القدرة على الملاحظة لديهم وتعويدهم على التحكم والسيطرة الدقيقة على حركات الجسم.
- الانطلاق في تعليم الصغار من المحسوس ثم التدرج بهم نحو المجرّد.
- الاهتمام بالتربية اليدوية (تعلم الفنون والصنائع).
- الحث والتدريب على ممارسة العمل المنتج وكسب الرزق بالجهد الفردي وعدم التواكل على الغير بل التوكل على الله والأخذ بالأسباب الموضوعية في المعاش والاستعداد بكل ذلك للمعاد.
- الحرص على تطبيق مقاربة تكاملية شاملة للتربية يعنى فيها بمختلف جوانب شخصية المتعلم ضمن محيطه الأسري والاجتماعي والكوني.
- مراعاة الفروق الفردية في التعلّم.
- اعتماد نظرة بنائية للذكاء تقطع مع نظرية الموهبة.
- تجنب التعليم اللفظي والتلقين واعتماد التجريب وتنمية قدرة الحواس على الملاحظة والإدراك.
- التربية العلمية وبناء العقل العلمي الاستقرائي التجريبي.
- بناء العلوم الإنسانية على أسس عقلية وتجريبية.
- التربية الروحية بالقدوة الحسنة وبممارسة الطاعات ووجوه البر.
- اعتماد السؤال والحيرة العلمية منهجا لليقين: التعلم انطلاقا من الوضعيات المشكل.
- الانفتاح على علوم ومعارف وخبرات غير المسلمين مما يتوافق مع أخلاقيات الأمانة والاستخلاف.
- مساعدة المتعلمين على إزالة الأوهام والخيالات العقيمة من أذهانهم (العوائق المعرفية والثقافية) واعتماد مقاربة الهدف-العائق في التعليم.
- فتح باب الاجتهاد والعمل على التجديد المتواصل في كل ميادين المعرفة والنشاط الإنساني.
- الحرص على اكتساب العلوم النافعة وعلى التربية على العمل الصالح: التربية على المواطنة الصالحة بالمعنين المدني (التزام سلوكات مدنية) والديني (مراقبة الله في كل الأعمال).
- اعتماد مقاربة تربوية شاملة ومتكاملة لكل أبعاد الشخصية الفردية والجماعية.
ثالثا: معطيات الفكر التربوي في التراث:الواقع التاريخي واجتهادات العلماء
توطئة:
نود لفت النظر في هذه التوطئة إلى حقيقة معرفية-ثقافية غائبة عن كثير من الأذهان. ويتمثل ذلك في كيفية نظرتنا إلى تراثنا العربي الإسلامي بوجه عام وإلى تراثنا الحضاري والتربوي بوجه خاص. السائد في هذه النظرة هو طبيعتها المعيارية المثالية، بينما تفيد حقائق التاريخ الموضوعي بتفاوت الأداء الحضاري والتربوي للمسلمين من فترة تاريخية إلى أخرى (انظر مثلا بحث احميدة النيفر ضمن أعمال مشروع “من أجل إحياء نظام تربوي أصيل”).
والسبب في هذه النظرة المؤمثلة للتراث أمران:
أوّلهما: نزوع الإنسان الغريزي نحو الاعتزاز بانتمائه لجماعته العرقية والثقافية والدينية، أيا كان ذلك العرق أو الثقافة أو الدين. وهذا أمر مشاهد في البشر إلا في ما ندر، فلا يحتاج إلى دليل.
ثانيهما: الخلط غير المتعمّد بين نوعية المعلومات المقدمة عن الحضارة في كتب التربية الحضارية والتاريخ في السياق المدرسي وبين ما ينبغي أنة تكون عليه تلك المعلومات عندما تدرج في متون البحوث المتخصصة والموضوعية. فمن المعلوم أن الكتب المدرسية تخضع لعملية نقل تعليمي تُطوّع به المعارف في مجال الإنسانيات والاجتماعيات لخدمة غايات النظام التربوي. وخلال هذا النقل التطويعي تتم عمليات حذف وتغاضي وتضخيم وتحقير بالمرايا المقعّرة والمحدّبة بصفة تداولية. وهذا أمر مفهوم ومقبول إلى حدّ ما، خاصة عندما يتعلق الأمر بتنشئة الشباب على قيم إيجابية معينة. فنذكر لهم بطولات صلاح الدين ونتجاهل خروج آخر ملوك غرناطة من الأندلس مهزوما ذليلا لترتدّ تلك البلاد مسيحية تحريفية إلى اليوم بعد أن مكث فيه الإسلام ثمان قرون زاهرة. ونذكر شهامة العرب ومروءتهم ونخفي عنهم كل أخبار الغدر والخيانة للأمة لصالح مآرب دنيوية فانية…ونضرب لهم الأمثلة عن قمم العلم العربي ونمر سريعا على مهاوي ضلالاتهم وجهلهم ووقوعهم في أسر الأوهام والأساطير (التي شهّر بها رواد النهضة العربية الحديثة مثلا)…الخ.
قلنا أن هذا كله مقبول إلى حدّ ما ومع أعمار معينة للطلاب، ولكن عندما يتعلق الأمر بالبحث العلمي وإرادة تحمل تراثنا تحملا مسؤولا وواعيا، فلا مفر من اعتماد الموضوعية منهجا في العمل: نكشف عن السيّئ لنعي به ونتجنبه ونكشف عن الحسن لنقتدي به وننسج على منواله، روحا لا حرفا، وندفعه خطوات أخرى إلى الأمام.
1– تعدد الاتجاهات التربوية في التراث الإسلامي وتفاوتها في تحقيق معنى الأصالة
لقد انتهى بحث احميدة النيفر حول الأصالة التربوية الفاعلة (ضمن أبحاث مشروع “إحياء نظام تربوي أصيل”) إلى نتيجة مفادها أن الفكر التربوي العربي (ممثلا له بالفكر المغاربي) “لم يخضع لخط سير نسقي واحد يعبر عن تصاعدية أو تراكم بل ظل مشدودا إلى أكثر من مرجع فكري” (ص. 25). ويضرب النيفر على ذلك مثالا يتعلق بكيفية معاملة الصبيان المتعلمين. ففي الوقت الذي ينهى ابن خلدون عن “العسف والقسوة في التعامل مع الصبيان لما يسببه ذلك من فساد ملكاتهم التعلمية الطبيعية…لا يرى ابن سحنون حرجا في ضرب المتعلم…وفي ذلك يتابعه القابسي…” (نفسه).
أما لماذا وجد هذا الاختلاف في الرؤية ضمن نفس الحضارة الواحدة والتاريخ الواحد (الحضارة والتاريخ الإسلاميين) فذلك يعود بحسب النيفر إلى عوامل ثلاثة:
- أوّل هذه العوامل هو “تغير الظروف التاريخية وما يستتبع ذلك من إكراهات ومتطلبات”.
وهذا أمر مفهوم وصحيح فظروف القرنين الثالث والرابع هي غير ظروف القرن الثامن.
- العامل الثاني هو اختلاف المنهج الفكري من منظر تربوي إلى آخر.
وواضح أن المنهج العمراني الخلدوني، الذي يرتكز على طبائع العمران البشري يختلف عن المقاربة المعيارية للمربين والمنظرين التربويين الذين سبقوه.
- ثالث العوامل وآخرها، بحسب النيفر، هو درجة ممارسة النقد الذاتي ضمن كل رؤية إصلاحية للمؤسسة التعليمية أو تجديدها.
وهذا له صلة بقضية المنهج السابقة. المنهج العمراني منهج على درجة عالية من الموضوعية، بالتالي هو يمكن من درجة عليا من النقد الذاتي، وذلك من خلال الكشف عن العوائق الثقافية “الحائلة دون استئناف الفاعلية التاريخية”ّ، وهذا ما تفتقده المقاربات التربوية الماقبخلدونية.
ما توصل إليه النيفر هو عين ما سنبرهن عليه لاحقا في هذا البحث لدى توقفنا عند نموذج ابن خلدون التربوي. كما أنه في الفترة التي عاش فيها ابن خلدون نفسه نلحظ تفاوتا واختلافا في طرق التدريس والمقاربات التربوية من بلد إسلامي إلى آخر. وهو ما ذكره ابن خلدون وأكده لاحقا الطاهر بن عاشور في كتابه “أليس الصبح بقريب؟”.
فعلى سبيل المثال يعقد ابن خلدون مقارنة بين نموذجين من التعليم على عهده منطلقا من مشاهداته لأحوال التعليم في زمانه بأقطار المغرب والأندلس خاصة، فيقول : “وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم”.
أما الشيخ الطاهر بن عاشور فقد أخبر بأن أسلافنا أهل إفريقية كانوا دون الأندلسيين انفتاحا على العلوم العقلية واللّغوية « [فـ]أهل الأندلس [بخلاف أهل إفريقيةلم] يقفوا عند العلوم الدينية بل اقتطفوا من علوم العربية والرياضيات بتردادهم ورحلاتهم إلى المشرق ما غبطهم عليه كثير من المشرقيين وأول من جاء بعلوم اللغة إليهم عبد الملك بن حبيب السلمي حين رجع من رحلته سنة 110 ﮪ أخذ الفقهاء عنه الفقه والشعراء عنه الشعر.” (ص. 59).
ما نخلص في نهاية هذا العنصر هو أن التاريخ التربوي الإسلامي لم يكن تاريخيا خطيا ولا متجانسا لا بصفة دياكرونية (تتابعية) ولا بصفة سنكرونية (تزامنية) بل كان متنوعا ومتموجا، فيه صعود وهبوط وفيه اختلافات وتعدد في الرؤى، وهذا ما يدفعنا إلى التخلص من القراءة المثالية الماهوية والماوراتاريخية للتاريخ، واعتماد مقاربة نقدية له تنزل أحداثه في زمنياتها الخاصة وفي سياقاتها المحايثة للشرط الإنساني المتغير. وهو ما يسمح لنا دائما بمقارنة المثال (القرآني) مع الحال (التاريخي). بمثل هذا المنهج نحافظ على مسافة كافية عن تجربة الآباء والأجداد فنستوعبها بوعي ونتبع أحسنها مقصدا وأعمقها تأصيلا روحا ومنهجا.
التوظيف البيداغوجي التطبيقي لهذا العنصر
يفيد هذا العنصر في الناحية التطبيقية بتخيّر النماذج التربوية والطرق البيداغوجية الأكثر تطابقا مع روح الثقافة الإسلامية. وحيث أن لحظة الوعي التربوي الخلدوني هي الأرقى من بين كل التراث التربوي الكلاسيكي في الحضارة الإسلامية وحيث أن النموذج الأندلسي هو المعبّر الأحسن عن تلك الروح الثقافية بشهادة ابن خلدون وابن عربي(الفقيه المغربي)، فإننا نوصي بتسليط الأضواء على التفاصيل الإجرائية للمشروع التربوي الخلدوني (وهو ما سنحاول الإسهام فيه في العنصر الموالي، إلى جانب ما أنجزه احميدة النيفر في هذا المجال ) كما نوصي بتخصيص بحث يعتني بالمنظومة التربوية في العهد الإسلامي الأندلسي الزاهر الذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية إحدى ذراها الشامخة والتي ما زالت آثارها بادية إلى اليوم. فلا نعتقد أن ما أنجز في تلك الفترة هو من عمل أفراد متفوقين متفرقين، بقدر ما نميل إلى افتراض وجود تقاليد راسخة في تعليم الحرف والصناعات والفنون والعلوم الهندسية والمعمارية والفلكية وغيرها. بل إننا نقترح حتى الانتقال على عين المكان إلى آثار الحضارة الإسلامية في الأندلس ومعاينة هذا لأمر مع مختصين في هذا المجال: معمار المدارس والجامعات الإسلامية – نظمها الدراسية- مستوياتها- اختصاصاتها- محتوياتها- آثارها- علاقتها بالنظام السياسي- علاقتها بالمجتمع المدني لذلك العهد (الوقف وغيره) مع علاقاتها مع الجامعات الأوروبية (جامعة أكسفورد مثلا)…الخ.
إن فكرة استئناف بناءنا الحضاري من اللحظة التي بلغ فيها هذا البناء أوجه (ثم انهار) لفكرة على غاية من الأهمية والطرافة، كما نراها.
أما وقد رسمنا، وإن بعجالة، ملامح فلسفة في قراءة التاريخ التربوي الإسلامي، واستخلصنا العبرة البيداغوجية والتعليمية منها، فإننا نمر الآن إلى التوقف عند نماذج من الفكر التربوي الناشد للأصالة في تراثنا الإسلامي.
- نماذج من الفكر التربوي الناشد للأصالة في التراث
سنتناول في هذا العنصر نماذج فكرية تربوية إسلامية إصلاحية أصيلة وهي من تونس ومن مصر، بادئين بمن تتنازعه أقطار عربية عدّة وهو العلامة ابن خلدون ثم نتوقف عند كل من الطاهر بن عاشور ومحمد الخضر حسين من تونس والطهطاوي ومحمد رشيد رضا من مصر.
أ- الفكر التربوي في مقدمة ابن خلدون
قبل الدخول في صلب تحليل الفكر التربوي الخلدوني، نودّ وإن بعجالة، تنزيل الإسهام النظري التربوي الخلدوني ضمن نظريته العمرانية العامّة.
فمن الجدير بالذكر أن ابن خلدون يعتبر التعليم صناعة ضمن الصنائع التي تنشأ في المجتمعات، وأن ذلك يتم بصفة تدريجية. فبعد الاهتمامات الأولية البسيطة الدافعة إلى الاشتغال بالفلاحة المنتجة للمعاش، والبناء الحامي من القرّ والحرّ والعواصف، تأتي الصنائع الأكثر تعقيدا اللازمة لحد أدنى من الحياة الحضرية، كالحياكة والجزارة والتجارة والحدادة وصولا إلى الصنائع العاكسة لتطور نوعي حقيقي للحياة الحضرية، كالسياسة والصنائع الخادمة للأفكار وانتشارها، كالوراقة وهي معاناة الكتب والانتساخ والتجليد، وتعليم العلم (التربية النظامية) وأمثال ذلك…
أما وقد نزلنا ظاهرة التربية والتعليم لدى ابن خلدون في إطار نظريته العمرانية العامة، فنشرع الآن في عملنا التحليلي للفكر التربوي الخلدوني من خلال أقطاب الوضعية التعليمية-التعلمية الثلاثة: المتعلم والمعلّم والمعرفة (علمية كانت أو مدرسية)، بادئين من قطب المتعلم:
أ-1- المتعلم ذاتا معرفية في فكر ابن خلدون:
لقد تعرّض ابن خلدون لقطب المتعلم في ما لا يقلّ عن خمسة فصول وسنعرض أهم أفكاره على هذا الصّعيد في المستويات الثلاثة التالية:
- طبيعة نشاط المتعلم المعرفي.
- الفرق بين الفهم والملكات (“الكفايات”) المعرفية.
- طبيعة الذّكاء: هل هو فطري وراثي أم مكتسب؟
أ-1-1- النشاط المعرفي نشاطا طبيعيا مخلّصا من شوائب الماورائيات
لقد تعرضنا لهذه الفكرة في الجزء الأول من البحث في سياق تحليل نظرية المعرفة في الإسلام، ونذكر هنا بأهم ما جاء فيها. لقد فارق ابن خلدون التصوّرات الميتافيزيقية المعروفة في نظرية المعرفة في عصره وقبله لدى الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا ولدى الفلاسفة اليونانيين كأفلوطين وأفلاطون وغيرهـم. وعن هؤلاء يقول: “وما يزعمه الحكماء الإلهيّون في تفصيل ذواته [العلم الرّوحاني] وترتيبها، المسمّاة عندهم بالعقول [المفارقة]، فليس شيء مـن ذلك بيقينيّ لاختلال شرط البرهان النظريّ فيه”[44]. وهذا ما اعتبرناه قطعا إبستمولوجيا حادا وخط تمايز وافتراق شديد الوضوح مع أفكار الأفلاطونية المحدثة حول العقول المفارقة واتصالها بعقول البشر لتمكينها من المعارف الصحيحة. ونستشهد على ذلك بقوله “والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ، من الفكر وغيره كالحساب والجسمانيات، كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم”[45].
أ-1-2- القدرات و”الكفايات” المعرفية في فكر ابن خلدون:
إن ابن خلدون عند حديثه عن الملكات، يفرّق بينها وبين الفهم والوعي ويؤكد على ذلك كثيرا: “إن الحذق في العلم والتّفنّن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفنّ المتناول حاصلا، وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي…”[46] .وتأكيد ابن خلدون على هذا الفرق معناه أنه يميّز بين الحالات العابرة العرضية التي يعرض فيها موضوع ما على الإنسان فيفهمه ويعيه وبين حصول قدرة دائمة على إنتاج مثل ذلك الموضوع المعرفي(انتقال أثر التعلّم) والتصرف فيه بالزيادة والنقصان والتطبيق والتحويل، لقوله :”الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه”.
أ-1-3-طبيعة الذّكاء: هل هو فطري وراثي أم مكتسب، لدى ابن خلدون؟
إنّ المنزع البنائي لابن خلدون لفي غاية الوضوح، فها هو ينفي تفاوت البشر في الغالب تفاوتا يعود إلى مواهب طبيعية أو هبات إلهية، على صعيد الذكاء والقدرة على الفهم، ويعزو أكثر ذلك إلى الاكتساب والاجتهاد في تحصيل المعارف: “وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة في النفس، إذ قدّمنا أنّ النفس إنّما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون [النموّ الذهني] بذلك كيسا [نباهة] لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية فيظنّه العامي تفاوتا في الحقيقة الإنسانية وليس كذلك. ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس [الفطنة] حتى أنّ البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله وليس كذلك”[47] .
أ-2- التعليم ومدى تلاؤمه مع خصائص المتعلم النفسية في فكر ابن خلدون
من المعلوم أن التعليم في عهد ابن خلدون تعليم تقليدي يعتمد الحفظ والتلقين ولا يحسب حسابا للمتعلم إلا كمتلق سلبي للمعارف والآداب والصنائع[48]. وهذا أمر مفهوم طالما أن مفهوم الطفل، الذي هو مظهر من مظاهر مفهوم الفرد، مفهوم حديث ولم يولد بعد في الفضاء الثقافي العربي الإسلامي القديم والوسيط، بل ولا حتى في أي مكان آخر من المعمورة في تلك الأزمان[49]. ومع ذلك فقد كان ابن خلدون، على ما نرى، بالاعتماد على شواهد كثيرة واضحة في المقدمة ، سابقا لمونتاني و لروسو وبستولوتزي و غيرهم من رواد التربية الحديثة، في التصدّي للتعليم التلقيني والتعسّف على ملكات الطفل وميولاته التعلمية، وها هي بعض الأدلة على ذلك في الفقرات التالية:
أ-2-1- التدرج في التعليم والتعلّم (أو احترام المراحل النشوئية للمتعلمين):
نجد لدى ابن خلدون إشارات واضحة وقوية إلى ما يسمّى اليوم بالمنهج اللولبي في التعليم والتعلّم[50]. وهو منهج يقضي بأمرين معا: التدرج في التعليم والعودة على بدء مع الارتفاع بدرجة المعارف. وفي الأخذ بهذا المنهج احترام لمراحل النموّ الذهني للمتعلم من جهة وأخذ بمبدأي الترابط ونقطة الارتكاز من جهة ثانية: الترابط بين المفاهيم واتخاذ الصيغ الدنيا لها نقاط ارتكاز للارتقاء إلى صيغها العليا. يقول ابن خلدون: “اعلم أنّ تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا، يلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفنّ [الاختصاص المعرفي] هي أصول ذلك الباب، ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعي في ذلك قوّة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفنّ، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفنّ [الاختصاص المعرفي] وتحصّل مسائله تمّ يرجع به إلى الفنّ ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها… [وهكذا مرة بعد مرة] إلى أن ينتهي إلى آخر الفنّ فتجود ملكته… فيخلص من الفنّ وقد استولى على ملكته”[51] .
ويقول ابن خلدون عن ضرورة احترام المرحلة النّشوئيّة للمتعلّم “وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم… ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه…[وذلك] قبل أن يستعد لفهمها فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا… و[إنّ] المتعلم إذا حصّل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق”[52].
أ-2-2- نقد ابن خلدون للتلقين وللعنف في التعليم
لا يذهبن في ظننا بورود كلمة تلقين في ما سبق من قول ابن خلدون أنه يريد به التلقين بمعنى تمرير المعارف إلى المتعلمين وقبولهم السلبي لها. فهو ينتقد بشدّة التعليم التلقيني ويدعو إلى حثّ المتعلمين على المشاركة في بناء المعارف من خلال وضعيات المحاورة والمناظرة، وهي التي يعبّر عنها الآن بوضعيات التفاعل أو الصراع المعرفي الاجتماعي[53]. يقول ابن خلدون في هذا الشأن منطلقا من مشاهداته لأحوال التعليم في زمانه بأقطار المغرب والأندلس خاصة : “وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرّب شأنها ويحصل مرامها، فتجد الطالب منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة، فلا يحصّلون على طائل من ملكة التصرف [القدرة على نقل أثر التعلم، في المفهوم المعاصر] في العلم والتعليم”[54] .
وإذا كان ابن خلدون لمجرّد التلقين والحفظ من المنتقدين فهو للتربية التعسفية المتجاهلة لدافعيّة المتعلمين أنقد، ذلك أن “إرهاف الحدّ في التعليم مضرّ بالمتعلم سيّما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة، ومن كان مربّاه بالعسف والقهر من المتعلمين… سطا به القهر وضيّق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحميّة والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين”[55] ولا فائدة من التعليق على هذا الكلام فهو من البلاغة والعمق ما يغني عن الزيادة عليه.
أ-3- قطب المعرفة في فكر ابن خلدون التربوي
سنحلل آراء ابن خلدون الخاصة بهذا القطب من خلال ثلاث مسائل، وهي: علاقة حفظ القرآن بتعلم اللغة ومكانة الصناعة في التعلمات و ظاهرة النقل التعليمي.
أ-3-1- رأي ابن خلدون في مدى إسهام حفظ القرآن في تكوّن ملكة اللغة
لقد خاض ابن خلدون في وظائف مختلف العلوم في علاقتها بتكوين عقل المتعلم، من لغة وحساب وهندسة وغيرها إلا أننا سنقتصر هنا على إيراد رأي طريف له حول مدى استفادة المتعلمين من حفظ القرآن في تكوّن ملكة اللغة لديهم. إذ الرأي الشائع إلى يوم الناس هذا أن حفظ القرآن من الأمور الميسرة لاكتساب وحذق اللغة، فيطالعنا ابن خلدون بهذا القول الجريء: “فأمّا أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة، وذلك أنّ القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة كما أنّ البشر مصروفون عن الإتيان بمثله[56]، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها، وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلّة التصرف في الكلام”[57]. ثمّ يستشهد بعد ذلك بمنهج أبي بكر بن العربي (وهو غير محي الدين بن عربي) “ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وأبدأ [يعني قلب الطريقة المتبعة بأن ينتهي إلى دراسة القرآن لا أن يبدأ بها].
…ثم قال [القاضي بن العربي كما يورده ابن خلدون]: ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبيّ بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لم يفهم وينصب [يتعب] في أمر غيره أهم عليه”[58].
أ-3-2- الصناعة كنوع من التعلّمات في نظر ابن خلدون
كمثال على نوع مخصوص من التعلّمات التي تعرّض لها ابن خلدون وخاض فيها على نحو لا يكاد يختلف عن مجلوبات علم النفس المعرفي المعاصر إلا بالاصطلاحات والافتقار إلى التجريب المنهجي ، نذكر المهارات الحسية الحركية، كالصناعة. يقول ابن خلدون عن تعلمها: “اعلم أن الصّناعة هي ملََََكة في أمر عمليّ فكريّ[59]، وبكونه عمليّ هو جسماني محسوس، والأحوال الجسمانية نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل…والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرّره مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته، وعلى نسبة الأصل تكون الملَكة ونقل المعاينة أوعب وأتمّ من نقل الخبر والعلم”.
أ-3-3- اكتشاف ابن خلدون لظاهرة النقل التعليمي
ومن طريف الأفكار التعليمية لدى ابن خلدون، فكرة التفريق بين الاصطلاحات في تدريس العلوم وبين المفاهيم العلمية في حدّ ذاتها. وهو ما يعرف لدينا اليوم في ديداكتيك المواد (تعلّمية المواد) بـ”عملية النقل التعليمي-التعلّمي”[60]. أي، تطويع المادة العلمية لقدرات المتعلمين الذهنية. وهذا النقل أو التطويع يتم في ثلاث مراحل: من المعرفة المشخصنة إلى المعرفة العالمة ، ثم من المعرفة العالمة إلى المعرفة المراد تعليمها( البرامج)، وأخيرا من المعرفة المراد تعليمها إلى المعرفة المعلّمة فعلا ( ويقوم بها المعلم وتسمى النقل الداخلي). وهذا النوع الأخير من النقل هو الذي اكتشفه ابن خلدون ونبه إلى المسافة المعرفية (الإبستيمولوجية) التي تفصله عن المعرفة العلمية الحقيقية. وهذا لعمري ينمّ عن دقّة ملاحظة وحدّة ذكاء لديه، وقد سبق به علوم الديداكتيك بسبعة قرون كاملة. وها هي أقواله في ذلك: “والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلّطة على المتعلّم، حتّى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم. ولا يدفع عنه ذلك إلاّ مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلّمين. فلقاء أهل العلوم، وتعدّد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات، بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرّد العلم عنها ويعلم أنّها أنحاء تعليم وطرق تحصيل”[61]. أي، مجرّد نقول تعليمية لا علوم محضة في حدّ ذاتها.
خـاتمــة
من خلال دراستنا المنهجية للمدونة التربوية الخلدونية المضمنة في المقدمة توصلنا إلى استخلاص أهم ملامح الطرح التربوي الخلدوني، وهي التالية:
- القطع مع الفكر الميتافيزيقي الدوغمائي والتفسيرات الغيبية لعملية اكتساب المعارف الإنسانية: هجر نظرية العقول الفعّالة وأرواح الأفلاك العلوية التي كان يعتقد أنها مصدر تلك المعارف، وتأسيس نظرة طبيعية بنائية لهذا التمشي المعرفي، نظرة تقطع مع تلك الأوهام الماورائية، كما تدحض نظرية الموهبة المتعارضة مع العدالة(الديمقراطية) التعليمية، منوهة بدلا عن ذلك بدور السياق الثقافي والاجتماعي الذي يبني فيه الطفل تعلّماته.
ومن نتائج هذا التصوّر الثوري (بالمعنى الكوبرنيكي) للتمشيات المعرفية:
- الدعوة إلى احترام “المراحل النشوئية” للطفل في العمليات التعليمية-التعلمية والابتعاد عن التعليم التلقيني وإلى عدم القسوة على المتعلمين، وجعل المتعلم بدلا من ذلك طرفا فاعلا في العملية التربوية من خلال وضعيات المحاورة والمناظرة,
- التفريق بين ثلاث أصناف من التعلمات (المعرفية والعملية والوجدانية) وكلها لا تحصل بمجرد التلقين بحسب ابن خلدون، و إنما بالمحاورة والمناظرة (بالنسبة للمعارف النظرية) وبالمعاينة أو التجريب (بالنسبة للمكتسبات العملية) وأخيرا بالقدوة الحسنة( المكتسبات الوجدانية، كالإيمان والتقوى والأخلاق الحميدة).
- أخيرا، نكتشف لدى ابن خلدون وعيا كاملا بالفرق بين المعرفة كما ينتجها العلماء (المعرفة العالمة) من جهة، وبين المعرفة المدرّسة ،من جهة ثانية، و الانتقال من هذه إلى تلك يتم بحسب اختيارات المعلمين، وهو ما يعرف الآن في ديداكتيكية المواد بظاهرة النقل التعليمي.
ب- المشروع الإصلاحي التربوي للشيخ محمد الطاهر بن عاشور: “أليس الصبح بقريب؟”
منذ حوالي قرن من الزمان، شرع الشيخ الزيتوني والأستاذ الصادقي محمّد الطاهر بن عاشور، في تأليف واحد من أهم كتب الإصلاح التربوي العربي في العصر الحديث، بشّر فيه بانبلاج صبح جديد في عالم التربية والتعليم، وقد اعتبره بعض الدارسين البارزين في مجال الحضارة الإسلامية من أفضل ما دوّن لدينا في مجال الإصلاح التربوي، ولا زال يتمتع إلى اليوم بصفة المعاصرة لتفطنه المبكر، وفق المنهج الخلدوني الذي وقع تناسيه، لصلة التربية الوثيقة بالعمران البشري، وباللغة المعاصرة، لصلتها بالتنمية المرتكزة على الذكاء البشري..
ب-1– أسباب السعي إلى الإصلاح
قبل التعرّض بالتفصيل إلى مواطن الخلل في النظام التعليمي النافذ على عهده، بسط الشيخ الطاهر بن عاشور الأسباب العامة التي دفعته إلى تصور مشروع جديد لإصلاح التعليم في العالم الإسلامي عامة وفي تونس خاصة، فطرح صراحة السؤال:”لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم؟”، وبادر إلى الإجابة عليه من مداخل أربعة:
- مدخل فقهي مقاصدي اجتماعي-عمراني: الحاجة إلى تنويع وتجديد العلوم بحسب ما تدعو إليه الحياة الاجتماعية التي هي في تطور مستمر(ص. 7).
- مدخل ثقافي- نفسي: وحيث أن العلوم الحاجية لا تكفي لتحقيق “الكمال النفساني” للفرد، فقد احتيج إلى العلوم الأدبية (الآداب والفنون) لبلوغ تلك الغاية (ص. 8).
- مدخل أخلاقي وسياسي: لكون الغاية من مزاولة التعليم “[…] هي إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها” (نفسُه)،
- مدخل تاريخي-ثقافي: والغرض منه على ما يبدو دفع تهمة البدعة عن نفسه، وذلك في محيط فقهي وديني متصلّب ومعاد للتجديد وأهله، بالتذكير بسنة بعض الأولين من الراسخين في العلم في الإصلاح: “وقد كان أساطين العلماء يهتمون بتحسين أساليب التعليم فهذا القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي قد تكلم في كتاب الرحلة وفي كتاب العواصم على أسلوب التعليم عندهم وانتقد واستحسن وبين طريقا صالحا. وكذلك ابن خلدون. وذكر ابن خلدون شيخه الشيخ محمد ابن إبراهيم الآبلي السليماني فوصفه بشيخ العلوم العقلية وأنه قرأ كتب التعليم وصدق فيه.” (ص. 9).
ولأنّ الشيخ الطاهر بن عاشور واع تمام الوعي بالمناخ الراهن المعادي للتجديد والإصلاح، فقد قرأ حسابا لخصومه وعرض حجتهم في هذا الباب ليمهد بذلك للردّ عليها: “يقول بعض أهل النقد[أي المنتقدين للإصلاح] أن التعليم لا يدخل تحت البحث والقواعد لأنه متوقف أكثره على المعلم لا على القواعد الفنية فلا يمكن سن القوانين له لئلا يوضع المعلم في غير موضعه، ويوكل إليه ما لم يجعل له، ويحرم الفرض من استخدام مواهبه الشخصية.” (نفسُه). فكان مِن ردّه عليهم أن قال: “إني على يقين إنني لو أتيح لي في فجر الشباب التشبع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيرا من مواهبي ولاكتسبت جما من المعرفة ولسلمت من التطوح في طرائق تبين لي بعد حين الارتداد عنها.” ( نفسُه).
والمراد بهذا القول أن المواهب الشخصية لا تكفي لتجويد التعليم، إذ أنّ التعويل عليها وحدها يؤول إلى مجرّد اتباع لمنهج التجربة والخطإ، وليس الاستفادة مما ثبتت جدواه من المعرفة العلمية التربوية.
ب-2– عناصر تاريخية
بما أن الشيخ ابن عاشور قد مهّد لعمله بمقدّمة تاريخية طويلة (حوالي 70 صفحة)، فقد ارتأينا أن لا نفوّت الفرصة للإفادة من بعض المعلومات الطريفة الواردة بهذا القسم التاريخي:
ب-2-1- عن مواضع التعليم [وأحواله]
من طرائف ما ورد في هذا الباب أن أوّل من افتتح مكاتب (هكذا لفظه) لتعليم الصبيان هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. قال صاحب “البشرى الصّبحية”[62]: “فاستمر الناس يعلمون الصبيان القرآن بطرق مختلفة بحسب الإمكان وأول من جمع الصبيان في المكتب عمر بن الخطاب وأقام عامر بن عبد الله الخزاعي أن يلازمهم للتعليم وجعل له رزقا من بيت المال وأمره أن يجلس للتعليم بعد صلاة الصبح إلى الضحى العالي، ومن صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ويستريحون بقية النهار.” (ص. 55).
ومن المعلوم أن أول دروس المسلمين كانت في المسجد، أما المدارس في حدّ ذاتها فيخبرنا عنها الشيخ المصلح بأنها إنما جاءت بعد اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم (نفسُه).
ثمّ تكاثرت المدارس في العاصمة الإسلامية العباسية “فحصل من مجموع هاته المعاهد العلمية ببغداد ما يعبر عنه بعض المؤرخين والكتاب المتأخرين بجامعة بغداد، أو كلية بغداد، تعبيرا سرى إليهم من عبارة إفرنجية يقصد منها مجموع الطريقة العلمية، فترجمها بعض المترجمين بلفظة جامعة أو كلية ترجمة جافة ونقلها المتعلمون عنهم فتصوروها بما يرادف اسم جامعة أو اسم كلية في المصطلح البيداغوجي، فإن التاريخ لم يثبت أن في بغداد مدرسة كلية عامة أو جامعة ولكن مجموع هاته المدارس وتعدد ما يقرأ في كل منها من العلوم يتكون منه تعليم عام من سائر طبقاته بين ابتدائي ومتوسط وعال.
وهكذا القول ما يدعوه الغربيون جامعة قرطبة أو كلية قرطبة، فلا يؤخذ هذا اللفظ على ظاهره.” (ص. 57).
ومما يشدّ الانتباه في العرض التاريخي لمأسسة التعليم في السياق الحضاري الإسلامي، هو الإيمان بالتعدّديّة وتكريسها لصالح مختلف المذاهب الإسلامية، وهو أمر وقع التراجع عنه في عصور الانحطاط إلاّ نادرا[63]. وهذه أمثلة دالة على ذلك: “بنى صلاح الدين مدرستين: الأولى للمالكية سنة 566ﮪ، والثانية للشافعية وتابعه من جاء بعده. وبنى الملك الكامل بالقاهرة دار الحديث المعروفة بالكاملية سنة 622ﮪ وجعلها للمذاهب الأربعة، وتابعه الملوك من بعده مثل الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون وأقام الملك العادل في دمشق المدرسة العادلية، والملك الظاهر في دمشق أيضا المدرسة الظاهرية”. (ص. 59).
ولكن هذه التعددية لم تكن مطلقة، إذ اقتصرت على المدارس التابعة لما يعرف بأهل السنة والجماعة. زد على ذلك أن أسلافنا أهل إفريقية قد كانوا دون الأندلسيين انفتاحا على العلوم العقلية واللّغوية “[فـ]أهل الأندلس [لم] يقفوا عند العلوم الدينية بل اقتطفوا من علوم العربية والرياضيات بتردادهم ورحلاتهم إلى المشرق ما غبطهم عليه كثير من المشرقيين وأول من جاء بعلوم اللغة إليهم عبد الملك بن حبيب السلمي حين رجع من رحلته سنة 110 ﮪ أخذ الفقهاء عنه الفقه والشعراء عنه الشعر.” (نفسُه).
ب-2-2- تعليم المرأة
يفرد الشيخ ابن عاشور بابا لتعليم المرأة في الإسلام، ولكنه يثير هذا الموضوع باحتشام في حوالي ثلاث صفحات(ص.59-62)، مع اتباع منحى فقهي تقريري تقليدي، وهو ما لا نخفي تعجبنا منه، ولعلّ الضاغط النفس-الاجتماعي (تصورات الأرستقراطية المستقرة بحاضرة تونس للمرأة ولدورها الاجتماعي) قد أثر في طريقة تناوله لهذا الموضوع. يقول الشيخ ابن عاشور: “فكان تعليم النساء لا يجاوز به تلقينهن القرآن، وفقه العبادات والمعاشرة وأنواعها من الأدب والأخلاق والكتابة، وذلك قصارى تعليم المرأة من أول ظهور الإسلام، وفي مطالعة أحوال نساء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما يقنع من وصف تلك الحالة، ثم التدريب على قوام المنزل.” (ص. 60).
ولكنا على كل حال لا نشكّ في أنّ الشيخ ابن عاشور كان يريد للمرأة أن تنال حظّها من التعليم كما ناله شقيقها الرجل، إذ هو يرجع هذا التلكّؤ في تمكينها من هذا الحق إلى تباطؤ في الوعي بهذه المسألة على مستوى عالمي، لا على صعيد الثقافة الإسلامية فقط، إذ هو يقول: “وشواهد التاريخ دلت على أنه لم يوجد في تاريخ البشر قبل القرن الثالث عشر الهجري أمّة حاولت إلحاق المرأة بالرجل في المعارف، ولا قبل القرن الرابع عشر إلحاقها به في التكاليف الاجتماعية” (نفسُه)، يعني بذلك خروجها للعمل وتقاسم مسؤولية الإنفاق على العائلة مع زوجها.
ب-3– أسبابُ تأخر التعليم والنظرُ في الإصلاح
فرّع الشيخ ابن عاشور أسباب تأخر التعليم إلى “نوعين: نوعا يرجع إلى الأسباب العامة التي قضت بتأخر المسلمين على اختلاف أقاليمهم وعوائدهم ولغاتهم، ولكن ذلك بحث يشغل بياض مجلدات ومرجعه إلى أسباب التأخر العام في العالم الإسلامي.
ونوعا يرجع إلى تغير نظام الحياة الاجتماعية في أنحاء العالم تغيرا استدعى تبدل الأفكار والأغراض والقيم العقلية، وهذا التغيير قد استدعى تغير أساليب التعليم، ومقادير العلوم المطلوبة، وقيمة كفاءة المتعلمين لحاجات زمانهم، كل ذلك نشأ نشئا سريعا وسار سيرا فسيحا، والمسلمون وخاصة أهل العلوم الإسلامية في سبات عميق حال دونهم ودون إصلاح برامج تعاليمهم” (نفسُه).
على إثر هذا التصنيف لأسباب تخلّف التعليم بالبلاد الإسلامية، يبدي الشيخ ابن عاشور عجبه من الذين يضربون صفحا عن “خلل الأحوال” ويقفون موقف من لا يستشعر خطر الإمعان في التزام القديم، كأن التاريخ لديهم قد توقف عند بوادر أسلافهم أو كأنه لا يوجد تاريخ يتقدّم البتّة، فإذا ما حاول أحد المصلحين نصحهم وإيقاظهم من سباتهم العقائد “يجد قبل كلّ شيء طوائف تنسبه إلى سوء المقصد وتناظره بأن هذا النهج قد أوصل أسلافنا إلى أعلى مرتقى من النجاح، وأنه قد أنجب أساطين للعلم طبقت شهرتهم الآفاق، وربما روجوا بهذه المقدمات الخطابية أو السفسطائية قناعة في أنفسهم وإقناعا للدهماء، وكلهم غافلون أو متغافلون عن اختلاف العصور والأجيال ذلك الاختلاف الذي تغيرت به الأساليب”(ص. 115).
إثر الحديث عن الأسباب العامة في تأخر التعليم بالبلاد الإسلامية، يفصل الشيخ ابن عاشور القول في هذه الأسباب ويعددها حتى يبلغ بها خمسة عشر سببا، نورد أهمها:
- عدم اختيار العلوم الصالحة للعصر عن غيرها من العلوم العاطلة.عدم استقلالية العلماء عن الخلفاء أو الساسة بوجه عام في ديار الإسلام، أو تبعية السلطان الروحي (الرمزي المعنوي) للسلطان السياسي، وهو عائق من أكبر العوائق أمام الإصلاح الجدّي للتعليم، أي لآليات إنتاج المعنى في الدولة.
- سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح في المرتبة العالية وما يقرب منها.
- الغفلة عن إعطاء كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها.
- إهمال التمرين والعمل بالمعلومات كما هو الغاية من كل علم.
- إلقاء المدرسين لدروس لا يفهمون مرادها على وجه اليقين.
- عدم تقارب التلامذة الوافدين إلى التعليم بجامع الزيتونة في الحالة التعليمية التي يفدون وهم عليها، لأنهم يردون من جهات شتى مختلفة في حالة التعليم.
- تفكير التلامذة منذ الابتداء للاستعجال لتحصيل الشهادة من غير تفكير في الأهم من ذلك وهو الكمال العلمي.
- ضعف الملكات اللسانية أي القصور في اللغة.
ب-4– أسباب تأخر العلوم
يوجد سببان جوهريان لتأخر العلوم في البلاد الإسلامية بحسب ابن عاشور، “وهما: وجود مسائل لا حاجة إليها يطال بها التعليم وتتوهم في صورة العلم وما هي منه، وإهمال مسائل وعلوم مهمة. أو قل إن شئت هما الزيادة والنقصان” (ص. 177).
أما الأسباب الفرعية فهي خمسة عشر، وهذه أهمها:
- الوقوف الفجئي الذي عرض للعلوم عند انطفاء مدنية الدولة بما قام من الفتن التي استأصلتها.
- تداخل العلوم وربط بعضها ببعض وخصوصا علم الكلام والحكمة الذي أدمجوه بكل علم.
- المبالغة في البحث في ألفاظ المؤلفين على تأييد المذاهب والآراء لباعث التعصب والتحزب.
- الإعجاب بآراء المتقدمين كيف كانت وتنزيهها على[64]الخطأ فانحصر العلم في نقل واحد عن آخر.
- سلب الحرية عن العلوم بسبب قصر العلم في نظر الجمهور على نقل ما مضى من غير بحث.
- إهمال مراقبة العلوم و وما يدخل عليها من جهل من غير المتمكنين.
- التهاون بعدّة علوم نافعة[…كـ]العلوم العقلية العليا والشرعية كعلم أصول الفقه وعلم البلاغة والتاريخ والعمران وأسرار التكليف ومقاصد الشريعة.
- فساد التأليف، أي الكتب المدرسية.
- سوء التفاهم الذي كان بينهم في خلافياتهم وسرعتهم إلى نبز المخالفين وإلى التشنيع والسباب.
ب-5– المعلمون
لقد أقام لنا الشيخ ابن عاشور صنافة طريفة للمدرسين تنم عن خبرة ودقة ملاحظة، فحصر مراتبهم[65] في خمسة أنواع:
“الأول: النحرير الذي يميز الصحيح من الفاسد بنقد وفهم مصيب مع التضلع في الكتب التي لا تدرس من أصول العلوم وهذا النوع قليل بالجامع الأعظم.
الثاني: المتمرن بكتب التدريس الواقف على اصطلاحاتها المقتدر على تدريس المهم منها بالفهم والإفهام على ما هي عليه من غير خطأ وهذا أكثر من يطلق عليه اسم نحارير المدرسين.
الثالث: نقلة لما في الكتب مكدّون لحوافظهم عند التدريس وليسوا من النقد أو التحرير في شيء ينقلون ما يحتطبونه بالليل على غرة ليأتوا به صباحا، وينالون بإعجاب تقريهم له انشراحا، وهؤلاء أتعب خلق الله عيشا وأقلهم تدريسا لأن اعتيادهم بأن لا يقرروا إلا ما طالعوا يكلفهم نصب السهر والنقل ويمنع من التدريس أقل مانع يعوقهم عن المطالعة في الليل.
النوع الرابع: أناس يفهمون ويدرسون ولكنهم لا يميزون في ذلك الصحيح من الفاسد.
النوع الخامس: طائفة كثيرة دأبها صراح الخطأ، وزلق الخطا[66]، والستر على العيب بغطاء” (ص. 233).
وبديلا عن هذه الصفات الذميمة يذكر ابن عاشور بأن “من أخص واجبات الأساتذة أن يكونوا قدوة لتلاميذهم فمن الواجب أن يعرفوهم حب العمل والسعي لإصلاح أنفسهم وآمتهم وأن ينشؤوهم على خصال المصابرة والشجاعة، والحرية والمروءة، واحترام الحق والعدالة، والعفاف وكرم الأخلاق” (ص. 235)
ب-6– الامتحان والمناظرة
يصف صاحب “الصبح القريب” أجواء الامتحانات والمناظرات بعبارات تنطوي على الكثير من الأسى و الحسرة، لما تنبئ به من خواء الجعاب لأصحاب الجباب الذين لا يكسبون أدنى صفات أولي الألباب، بحيث “يرى حاضر مجلس الامتحان أشباحا تشفُ وجوهها عن فتور، ويسمع أصواتا تنبي عما وراءها من القصور، يسمع دروسا لا يزيد طول أطولها على ثلاثة أدراج يلكوها صاحبها لوك الثلج في الشتاء، ويتهجى الكلمات التي حررها له غيره تهجي صبيان المكتب، ويعيد اللفظ الذي يقوله ليتذكر ما بعده، بحيث أن الذي شهد مجلس الامتحان لا يتمالك أن يملأ الفضاء بزفرات يجيش بها صدره إن كان يعلم عواقب الارتقاء والانحطاط. وقد ذكرنا فيما تقدم ما كان من خلل في كيفية حضور الممتحِنين لإلقاء الأسئلة عليهم.” ص. 237-238).
وعن مسألة التغذية الراجعة وأهميتها في تعزيز قدرات التلاميذ يقول الشيخ ابن عاشور:
“من الإخلال سكوت لجنة الامتحان عن المدح والذم للتلامذة وإغفالها إعلان ما يحصله كلٌّ من الأعداد في النجابة فضعفت الهمة والتنافس في التقدم. فالذي أشهد به أنّ طريقة الامتحان الجديدة التي ابتدأ العمل بها في عام 1317 نافعة جدا لو قُيّض لها اعتناء وتطبيق وقد ظهر بسببها تقدم في علوم مثل الصرف والرسم والبلاغة بعد أن كان كثير من كبار المدرسين لا يلم بمسائل هاته العلوم كما ظهر تقدم في الإنشاء والتعبير، نعم هو كشأن الأشياء في أوائلها محتاج إلى زيادة تحرير، وذلك أمر يسير.” (ص. 243).
إذا ما أردنا أن نلخص هذا العمل وفق الأقطاب الثلاثة الممثلة للوضعية التعليمية-التعلمية، كما فعلنا ذلك مع أفكار ابن خلدون التربوية، فإننا سنضبطه كالآتي:
- في مستوى قطب المعرفة: تعرّض المؤلّف لموضوع المعرفة في التعليم في مستويين:
– في مستوى المعرفة المدرسية المتضمنة في التآليف المعتمدة للتدريس وقد أبرز فيها أنواعا شتى من الخلل، أهمها اثنان، أولهما ذو طبيعة ابستمولوجية، وهو المتعلق بنوعية المعرفة المنتجة، فذكر أنها معرفة تفتقد في عديد الحالات إلى الضمانات الموضوعية لأي معرفة علمية. أما ثاني أنواع الخلل في التآليف (الوثائق والبرامج المدرسية) فيقع في مستوى المحتويات، التي ظلت مفتقرة إلى التنويع المجدد والمنفتح على علوم كاللغة والمنطق والرياضيات والتاريخ والأديان المقارنة وعلوم الطبيعة وعلم الأخلاق…الخ.
– في مستوى العلوم الأم التي تستقى منها التآليف وقد أحصى المؤلّف منها عشرة علوم، وقيّمها خاصة من النواحي المنهجية (العلوم النظرية كعلم الكلام) والوظيفية (كالفقه وأصوله). من الناحية الأولى تم الكشف عن مقدار المبالغات والتجاوزات الراجعة إلى التعصب للمذهب وغياب الموضوعية والعقلانية. أمّا من الناحية الثانية فكشف عن تقصير في الاهتمام بالجوانب النافعة في العلوم العملية (كالفقه) لحياة المسلم اليومية لحساب نظرة أخروية محضة.
- قطب المعلّم: وقداهتمّ به المؤلّف كثيرا وبطرق متنوعة ومن نواحي عديدة.
فعيّن مراتب المدرسين في العلم بحسب تمكّنهم منه فهما وتطبيقا وتمييزا ونقدا وإبداعا، فجاؤوا على خمس مراتب أوّلُهم النّحرير الذي يميز الصحيح من الفاسد بنقد وفهم مصيب، وآخرهم كثير الأخطاء الباحث دائما لستر العيب عن غطاء. وقد أرجع الخلل الحاصل في المراتب الدنيا للمدرسين إلى سوء التقييم وسوء نظام المناظرات، لاعتمادهما خاصة على التكرار الفاقد لروح الفهم والتطويع.
كما عالج قضية تكوين المدرسين ومسألة الموهبة والفن في التعليم، فأكّد أكثر من مرة على جدوى التكوين حتى للمدرس الموهوب، إذ هو يكسبه المزيد من الفعالية والكثير من الوقت الضائع. وعلى صعيد آخر ربط المؤلف مستوى المدرسين بالمناهج المقررة وأن إصلاح المعلمين يتم في جزء منه عبر إصلاح التآليف (البرامج والوثائق المدرسية). وغير بعيد عن هذا الموضوع، حلّل كيفية تعامل المدرسين مع مصادر المعرفة العلمية والمدرسية، وهو ما يعرف الآن بعملية النقل التعليمي الداخلي، وكشف عن قلة درايتهم وكفايتهم في هذا المجال.
وأخيرا تصدّى المؤلف لموضوع أخلاقيات التعليم و غياب المعلم القدوة وفَضَحَ الكثير من مظاهر سوء الأخلاق لدى غالبية المدرسين، كالبطر والعُجب والقسوة وسلاطة اللسان والحسد والبغض، ودعا إلى تصحيح هذه الأوضاع المسيئة لسمعة المربين.
- قطب المتعلّم
لقد حظي قطب المتعلم في كتاب “الصبح القريب” بعدّة أفكار هامة لا زالت تحتفظ بكامل أهميتها إلى اليوم. وهذه أبرزها:
- الدافعية الخارجية والدافعية الداخلية، وضرورة العمل على تقوية النوع الثاني من الدافعية، لأنه الضامن للتحكم الجيد في المهمات التعلمية والتملك الراسخ للمعارف والمفاهيم العلمية والكفايات والمهارات التعلمية (ص. 134).
- التدرج في التعليم (النشوئية)، وذلك بمساعدة المتعلمين على اكتساب كفايات تعلمية متنامية.
- كفايات المتعلمين بحسب نسق تصاعدي: الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والنقد[67] (ص. 127).
- تدريب العقول على الابتكار:ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات، كما ابتكرها الذين من قبلهم (ص. 125). وهذا بالفعل ما نحتاجه في زمن المجتمعات المعرفية والثورة المعلوماتية، حيث تتحول الفكرة من رأسمال رمزي إلى رأسمال مادي بسرعة فائقة.
هذه إذن أهم الأفكار التربوية الإصلاحية التي جاءت في كتاب “أليس الصبح بقريب” وقد جاءت تجسيدا لأرقى ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في مجال العقل العملي: المنهج العمراني الخلدوني والمنهج الفقهي المقاصدي. أي الجمع بين قوانين الترقي الحضاري وغاياته البعيدة الموجّهة لخططه الراهنة معا مع الاستفادة من مجلوبات الفكر التربوي الحديث بما يتوافق مع رؤية الإسلام الأصيلة للمسألة التربوية.
ج- الفكر التربوي لدى الشيخ محمد الخضر حسين
سنعتمد في دراسة الفكر التربوي للشيخ الخضر حسين على المدونة التالية:
- رسائل الإصلاح، طبعة علي الرضا التونسي، المطبعة التعاونية بدمشق، 1971.
- الدعوة إلى الإصلاح، جمع وتحقيق علي الرضا التونسي، ط. 2، 1973.
- تونس وجامع الزيتونة، جمع وتحقيق علي الرضا التونسي، المطبعة التعاونية بدمشق، 1971.
- الرحلات، جمع وتحقيق علي الرضا التونسي، المطبعة التعاونية بدمشق، 1976.
- مجلة الهداية الإسلامية الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع ص70-72.
- مجلة الهداية الإسلامية الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر.
- السعادة العظمى – عدد7 – غرة ربيع الثاني 1322 المجلد الأول، ص97-99.
ج-1– مجالات الإصلاح التربوي لدى الشيخ الخضر حسين
المجال الأساسي للإصلاح التربوي لدى الشيخ الخضر حسين هو مجال التعليم الديني. وهذا الإصلاح ينقسم إلى نوعين متكاملين: أخلاقي وعقدي
ج-1-1 الإصلاح التربوي الأخلاقي
لقد اتبع مفهوم الإصلاح التربوي لدى الشيخ محمّد الخضر حسين منحى أخلاقيا –دينيا بالدرجة الأولى، ففي فصل خصصه للعناية بالتعليم الديني يقول الشيخ: “سنا في حاجة إلى التفصيل ولا التدليل : فان نظرة واحدة إلى مصر – وهي مركز الثقافة الإسلامية – تشعركم بفداحة ما نئن منه اليوم من انحلال في الأخلاق، وتفكك في الجماعات، وانهدام في الأسرة، وانهيار في كل مقومات الأمة”(الدعوة إلى الإصلاح، ص148-149 ).
ج-1-2- الإصلاح التربوي العقائدي
ويتجلى ذلك في محاربته للبدع. ففي رأيه أنه “إذا تلقن شبابنا حقائق الدين نقية من كل بدعة، وابتهجت نفوسهم بحكمته ابتهاج البلد الطيب بالغيث النافع، فقد أعددنا للخوض في غمار الحياة رجالا لا يكتفون بالخطب تلقى على المنابر، ولا بالمقالات تحرر على المكاتب، بل يعلمون فيقولون، ويقولون فيفعلون” (مجلة الهداية الإسلامية الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع، ص.71 و كذلك في الدعوة إلى الإصلاح، ص. 71 ).
وعلى هذا الصعيد، يحمّل الشيخ الخضر حسين ثلاث جهات مسؤولية ما آل إليه أمر شباب العصر من زيغ في العقيدة:
- المدارس الأجنبية المفتوحة في البلدان الإسلامية المستعمرة من قبل الأوروبيين أو تلك التي يؤمّها بعض شباب المسلمين في أوروبا نفسها.
- الآباء المتهاونين عن حماية عقيدة أبنائهم من تأثيرات تلك المدارس الأجنبية.
- الحكومات المسلمة التي لا تراقب جودة التعليم الديني في مدارسها العمومية.
ولكنّ الشيخ الخضر لا ينفي مع ذلك وجود مساع من بين ذلك الشباب نفسه لإصلاح ما حلّ به من فتور في الوازع الديني، فينسّب حكمه قائلا: “ولكنا لم نلبث أن رأينا شبابا في المدارس العالية يحرصون على تلقي دروس علوم الدين، ويتبنون أحكامه وآدابه، ويتصلون بالجمعيات الإسلامية، بل أقول أن للشباب الفضل في إنشاء هذه الجمعيات، أو المؤازرة على نهوضها” (المصدر السابق، ص. 72 وكذلك في مجلة الهداية الإسلامية الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع، ص. 72).
وبخصوص نقد الشيخ الخضر لتأثّر الشباب الإسلامي بالقيم التربوية الأوروبية وبالأوروبيين، فإنه يوضح في “رسائل الإصلاح” بأنه “يجوز محاكاتهم فيما يشتمل على مصلحة دنيوية، ولا يخالف حكما شرعيا أو أدبا دينيا، وهذا مما تأذن الشريعة في الأخذ به، ويتأكد العمل به على قدر ما فيه من مصلحة، وليس من المعقول أن تنهى الشريعة عما فيه خير لمجرد أن قوما من غير المسلمين سبقوا إليه. ويدخل في هذا مجاراتهم في العلوم والصنائع، ووسائل الدفاع، والمرافق التي نحقق بها جانبا عظيما من هناء هذه الحياة. ومن شواهد هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق حول المدينة المنورة، وقد أشار به سلمان الفارسي، وهو من مكايد الفرس في حروبها. وفي أوروبا اليوم نظم إدارية نزنها بقاعدة رعاية المصالح ، فنرى ٳجراءها في بلادنا من قبيل إصلاح الإدارة” ( ص 207). وهذه الأقوال تظهر قدرا من المرونة والحنيفية في تفكير الشيخ الخضر حسين.
كما أنّ تأكيدنا على اهتمامه بالإصلاح التربوي الدّيني أساسا، لا ينفي انفتاحه على غيره من مجالات العلم والتعليم. من ذلك مثلا دعوته إلى تمكّن أبناء المسلمين من كل أنواع العلوم وقدرتهم على توظيفها بكلّ اقتدار في بناء المدنية، حيث يقول على سبيل المثال: “ولا يحقّ لنا أن نفخر بفتيان درسوا الطبيعة والكيمياء، إلاّ أن يعودوا وفي قدرتهم أن يستقلّوا بإدارة مصانع الدّفاع، ومعامل لمرافق الحياة، فإنّا نريد أن نعود كما كان أساتذتنا في العلوم نقلية كانت أو عقلية، نظرية أو مادّية” (رسائل الإصلاح، ص. 140).
ج-2– نقد الشيخ الخضر حسين للتعليم الديني على عهده:
تحت عنوان عيوب التعليم الديني الحاضر، يدرج الشيخ الخضر المثالب والنقائص التالية في التعليم على عهده بمصر:
- ضآلة المحتوى المعرفي الديني
- عدم اعتبار التربية الإسلامية مادّة أساسية.
- سوء العناية بمادّة القرآن الكريم
- عدم الاهتمام بالسيرة النبوية وبالتاريخ الإسلامي.
- الاقتصار بالتعليم الديني على الأحداث دون الكبار.
- التساهل مع المقصرين في أداء الواجبات الدينية والمخالفين لمكارم الأخلاق.
- حصر التعليم الديني في الأزهر وفي المعاهد الدينية.
- نقده للطرق البيداغوجية التقليدية المعتمدة على نظام العقوبات البدنية القاسية.
ج-3– سبل الإصلاح
يضبط الشيخ الخضر حسين طرقا خمسا لإصلاح أوضاع التعليم الديني. ففي رأيه:
– يجب تقرير “تعليم الدين مادّة أساسية، شانه شان بعض اللغات الأجنبية على الأقل”( ص.154).
– “ويجب أن يكون تعليم الدين عاما يشمل كل دور من أدوار التعليم
– و يجب تعديل مناهج التعليم تعديلا يناسب حال التلاميذ في سنهم وتفكيرهم وفي نوع دراستهم ومستقبلهم،
– ويجب أن يكون التعليم عمليا يحمل على التزام الشعائر الدينية مدى وجودهم بالمدرسة” (ص 155).
– “يجب أن يعني بدراسة التاريخ الإسلامي دراسة حية واسعة تطبع في نفس التلميذ طابعا لا يمحى من الاعتزاز بدينه والاعتداد بسلافه والإجلال لأبطال أمته والطموح إلى ترسم آثار السلف الصالح في الوثب والنهوض والشبه بهم في كافة مناحي الحياة الحقة” (ص. 156)
وفي كتابه “تونس وجامع الزيتونة”، يضيف الشيخ الخضر الملاحظات والمطالب التالية:
-“والذي يلاحظ أن ليس في مواد الامتحان علم الحديث والتفسير مع أنهما يدرسان في المعهد، ونحن نود أن يكون هذا العلمان في أول ما يجري فيه الامتحان، ولو أفضى الحال إلى مدّ اجل الدراسة سنتين أو ثلاثا.
– ونود لو أن المشايخ النظار يأخذون بطريقة مناقشة الطلاب في درس الامتحان حتى يتضح مقدار فهم الطالب جليا، ولتكون هذه المناقشة من دواعي مواظبتهم على الدروس وإقبالهم على ما يقرره الأستاذ ليكونوا من كل ما يلقه على بينة” ( ص. 30). كما أنّه دعا
– إلى تدريب الطلاّب على المناقشة والنقد والتمحيص، وهذا يذكرنا بما شجع عليه ابن خلدون من”فتق اللسان بالمحاورة”. وهو ممّا نكبره ونعجب به لدى هذا الشيخ الزيتوني. وهذه عبارته بخصوص هذه المسألة: “والتعليم الذي تؤمن عاقبته وتزكو ثمرته ما اهتدى فيه الطلاّب إلى طريقة نقد الآراء وتمحيصها حتى لا يقبلوا رأيا إلاّ أن يستبينوا رجحانه بدليل” (رسائل الإصلاح[68]، ج. 1. ص. 64). والشيخ الخضر يلتقي هنا مع ما دعا إليه زميله وصديقه الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه “أليس الصبح بقريب؟”، وما أحوج شبابنا اليوم إلى هذه القيمة العقلية التي دعا إليها نجباء الزيتونة لتجنّب التعصب والانغلاق.
أما في كتابه “الرحلات” ، فقد أوصى الشيخ الخضربـ
– “الرفق بالصبيّ وعدم زيارة المعلم إن اضطر إلى ضربه ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة للضرب مثل عصا اللوز اليابس والفلقة” (ص. 51)، وقد سبق ذكره.
ومما جاء في بيانه لمنهج التربية الذي يحبذه والذي هو منهج وسط بين الرأفة والشدّة، قوله في “السعادة العظمى“”لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن ُفْتَكَّ من الصبي سائرَ إرادته، ويُسلب منه جميع عزائمُه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب؛ إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام؛ فيكون ألعوبة بيد معاشريه كالكرة المطروحة يتلقفونه رجلاً رجلاً، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون” ( السعادة العظمى – عدد7 – غرة ربيع الثاني 1322 المجلد الأول، ص.99.).
وإلى جانب الاعتدال في معاملة المتعلمين، يدعو الشيخ الخضر إلى
– التواضع معهم حتى ينشأوا على الثقة في النفس التي تورّثهم الجدّ في طلب العلم أي تقوية دافعيتهم إليه. وهو يقول في هذا الصدد : “أما الأستاذ فلا يتعاظم على طالب العلم، فمن مظاهره الإصغاء إليه عند المناقشة، وإجابته عمّا سأل في رفق، وتلقي ما يبديه من الفهم بارتياح وإنصاف، فإن أخطأ نبهه لوجه الخطإ، وإن قال صوابا تقبله منه بارتياح. وارتياح الأستاذ لآثار نجابة الطلاّب مما يزيدهم جِدّا في الطّلب، ويشعرهم بالاستعداد ليكونوا من النوابغ، وإنّما ينبغ الناشئ متى في العلم متى سطع في نفسه مثل هذا الشعور” (رسائل الإصلاح، ج.1، ص. 156).
كما نبه في ذات الكتاب إلى وجود طرق تعليمية جديدة استحسنها، وهي تعتمد
– الحوار بين المتعلمين: وعن هذا يقول، بمناسبة زيارته لإحدى المدارس في تركيا، بعد أن سرد عدّة أحداث أخرى: “ثم عقدوا محاورات طريفة، منها محاور جرت بين تلميذين في التفاضل بين العلم والمال، ونصّبوا تلميذا ثالثا ينظر في حججهما، ويتولى فصل الخلاف بينهما، وبعد أن نفض كل منهما ما في كنانته، قضي بتفضيل العلم على المال، فإنّ المال من نتائج المعارف، ومن اللطائف في هذه المحاورة أن التلميذ الذي كان يفاضل عن المال قال لمفضّل العلم بعد فصل القضية : أستمنح منك العفو فقد كنت أنازعك وأنا على خطإ، فقال له التلميذ الحاكم : لا تسأله العفو فان المجادلة لم تكن بين شخصيكما، وإنما كانت جارية بين الحق والباطل، ومنها محاورة انعقدت بين تلميذين في المفاضلة بين السيف والقلم، وأحدهما ينطق بلسان القلم، والأخر يفاخر بلسان السيف فصل الحاكم المفاخرة بتفضيل القلم على السيف، وقال تنفيذا للحكومة: قم أيها السيف وقبِّل رأس القلم. ووقعت بعد هذا محاورة باللسان التركي بين تلميذين مثلا فيها أساليب التعليم العتيقة والحديثة” (ص. 77).
مناقشة واستنتاجات
لا ريب أنّ الشيخ محمّد الخضر حسين قد أصاب قدرا من الرّيادة في مجال الإصلاح التربوي خلال النصف الأوّل من القرن الماضي، يظهر ذلك من خلال المعاني التجديدية التي تضمّنتها أفكاره وخواطره التربوية. وهو يلتقي مع الشيخ الطاهر بن عاشور في الدعوة إلى:
- الرفق بالمتعلم ولكن مع إظهار الحزم معه حتى ينشأ قوي الشخصية.
- مراعاة مرحلته النشوئية وقدرته على استيعاب المعارف والمهارات العقلية التي تعرض عليه.
- عدم التعويل على التلقين في التعليم، وإنّما شحذ عقل المتعلم بممارسة النقد والتمحيص وعدم قبول رأي إلاّ بعد ثبوت قوّة حجّته.
- فتق لسانه بالمحاورة والنقاش.
- تطوير طرق التقييم حتى لا تعنى فقط باستظهار المتعلم لما حفظه من معلومات، وإنّما كذلك قدرته على المحاجّة والاستدلال.
وما تفرّد به الشّيخ الخضر حسين هو تأكيده المتواصل على إيلاء التربية الإسلامية مكانة مرموقة في المعاهد الدينية والعمومية على حدّ سواء، لما لهذه التربية من دور في تكوين شخصية الشباب تكوينا متينا يقدره على مواجهة التحدّيات التي تواجه الأمّة، وهي المتمثلة خاصة في الاستعمار الأوروبي للبلاد العربية.
لكن بالرغم من كلّ ما سبق، فإنّ المدوّنة الإصلاحية التربوية للشيخ الخضر، لا تبلغ شمول وعمق العمل الذي قام به الشيخ الطاهر بن عاشور في مؤلفه”أليس الصبح بقريب“، ولا حتى جرأة الطاهر الحدّاد على التجديد والانعتاق من ربقة القديم البالي.
خاتمة
يتفق المصلحون الثلاثة الذين مررنا بهم على نقد التعليم التقليدي الذي ينطلق من تحفيظ الصبية القرآن الكريم، ويعاملهم بشدّة وقسوة ويحاول كل منهم الاقتراب من فكرة الفرد المتعلم وبناء أسس التعليم والبرمجة عليها. يظهر ذلك من خلال إجماعهم على:
- التدرّج بالمتعلم من مرحلة “نشوئية” إلى أخرى، مراعاة لنمائية قدراته المعرفية المختلفة.
- الترفق بالمتعلمين لإكسابهم الثقة بأنفسهم وتهيئتهم نفسيا لمرقى النقد والابتكار والمساهمة في إنتاج المعرفة.
- إجراء عمليات تطويع للمعرفة المختصة حتى تصبح في متناول المتعلمين بحسب مراتبهم التعلمية (عملية النقل التعليمي).
- الاعتناء بالكيف وبتنمية قدرات المتعلمين الذهنية عوضا عن التركيز على الكم وعلى إنهاك الذاكرة بالحفظ الركيك.
- ضرورة إجراء إصلاحات في مستوى المكانة الابستمولوجية للمعارف التقليدية، كالاستغناء عن علم الكلام (ابن خلدون) وجعل الفقه تحت نظر علم المقاصد (ابن عاشور).
- إدخال العلوم الوضعية العقلية والآداب في مواد التعليم، كعلوم اللغة والحساب والعلوم الطبيعية والإنسانية.
- رفع القيود عن الحريات الأكاديمية (النهي عن الظلم المؤذن بخراب العمران جراء كسر شوكة أهل القلم لصالح عمال السيف، لدى ابن خلدون، وحرية البحث والنشر العلمي لدى ابن عاشور).
هذا وقد زاد الشيخ ابن عاشور أمرين آخرين على غاية من الأهمية، هما:
- القيام بإصلاحات في نظام التقييم والمناظرات، بحيث لا يقع الاكتفاء بتقييم القدرة على التكرار والاستظهار وإنما إضافة امتحان المتعلم في قدراته التواصلية والتأليفية.
- الاهتمام بتكوين المدرسين ومدهم بقواعد صناعة التعليم الحديث.
وأخيرا، تميّز الشيخ الخضر حسين بمحاولة رسم معالم طريقة بناء الشخصية الوطنية المعتزّة بدينها والمنفتحة على تجارب الأمم الأخرى في النهضة والتقدّم الحضاري والعلمي، في الآن نفسه.
التوظيفات البيداغوجية التطبيقية الممكنة لهذا المحور :
لقد مر بنا في خاتمة هذا العنصر أن أول أمر اتفق عليه رواد الإصلاح التربوي ابن خلدون والطاهر بن عاشور والخضر حسين هو التدرّج بالمتعلم من مرحلة “نشوئية” إلى أخرى، مراعاة لنمائية قدراته المعرفية المختلفة. وهذا يدفعنا إلى طرح الفكرة التعليمية التالية:
تخير الأهداف والكفايات والمحتويات المناسبة للمراحل النشوئية للمتعلمين. بحيث لا نعامل الطفل على أساس أنه كهل صغير، ولكن نعمل على تلبية حاجاته الوظيفية، أي التي تتطلبها قدراته العقلية وحالاته الوجدانية والروحية. ولكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نقع في فخ التّطفيل المعرقل لنموّ الصبيان (المبالغة في المعاملة الطفلية) وإنما نأخذ بـأيديهم لنساعدهم على الارتقاء درجة أخرى في قدراتهم وكفاياتهم التعلمية وحالاتهم الوجدانية والروحية، لأن المدرسة تمثل إطارا مناسبا لتوفير المثيرات المناسبة لنمو الأطفال. كل هذا يقوم به واضعو البرامج (الأساتذة المختصون في المواد الدراسية وخبراء المشروع) بالتنسيق الكامل مع علماء النفس العرفاني والوجداني. وهذه العملية تسمى عملية النقل التعليمبي- التعلمي، وقد مر بنا أن ابن خلدون قد تفطن إليها منذ عدة قرون.
ويمكن أن نستعين في إطار هذا المشروع مثلا بالباحثين محمد الدرّيج ومصدق الجليدي بصفتيهما مختصين في علم النفس التربوي. كما يجب عند المرور إلى المرحلة الإعدادية للتطبيق انتداب نوعية أخرى من الخبراء وهم المختصون في تعلميات المواد. إذ أن لكل مادة تعلمية خاصة بها، فنجد تعلمية الرياضيات وتعلمية الفيزياء وتعلمية العلوم الطبيعية وتعلمية الفلسفة وتعلمية التاريخ وتعلمية الجغرافيا وتعلمية التفكير الإسلامي…الخ. ونذكر هنا بأن تعلمية المواد هي اختصاص علمي تربوي يعنى بتحليل تمشيات التعليم والتعلم من وجهة نظر المعرفة، سواء كانت معرفة علمية أو معرفة مدرسية، فبراديغم (نموذج إرشادي) تعلمية المواد إذن باراديغم ابستمولوجي. وهاجس تعلمية المواد هو والملاءمة بين البنية المعرفية للعلم والبنية المعرفية للمتعلم، أي التوفيق الدقيق بين ابستمولوجيا العلم وابستمولوجيا المتعلم genetic epistemology.
ولكن قبل المرور إلى عملية النقل التعليمي didactic transposition ، لا بد من النظر في المعرفة المراد تمريرها للمتعلمين في مستواها العلمي ذاته، وخاصة في مجال العلوم الإسلامية الكلاسيكية، كعلم الكلام وعلم أصول الفقه والتفسير…الخ. فقد مر بنا أن ابن خلدون والحداد مثلا يرون أن علم الكلام علم يحتاج إلى مراجعة وتقييم وأن أغلب موضوعاته إن لم تكن كلها مما يمتنع على العقل القطع فيها، وقد ذهب ابن رشد نفس هذا المذهب. ومعلوم أن ابن خلدون وابن رشد يمثلان قمة الشعور العلمي الإنساني والفلسفي الإسلاميين في العصر الوسيط. وعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة من نتائج أعمال ندوة أغادير القادمة (آخر شهر مارس 2010) التي ستنعقد حول موضوع “العلوم الإسلامية: أزمة منهج أم أزمة تنزيل؟”[69] للنظر في الكيفية المناسبة التي سنتعامل بها مستقبلا مع تدريس العلوم الإسلامية على وجه الخصوص. ونذكر بهذه المناسبة أن عملية النقل التعليمي تمر بثلاث أطوار: الانتقال من المعرفة العالمة إلى المعرفة المراد تعليمها (ضبط البرامج والمناهج) ثم المرور من هناك إلى المعرفة المعلمة فعلا، ويسمّى هذا النوع من النقل بالنقل التعليمي الداخلي وهو من مسؤولية المعلم، يقوم به بحسب مستوى تلامذته ونسق تقدمهم في امتلاك الكفايات والمهارات والمعارف. بعد ذلك تقيم مكتسبات التلاميذ وتتخذ التدابير اللازمة للعلاج لدى أصحاب الصعوبات التعلمية. وهذا ما يدفعنا إلى طرح مشكل التقييم المدرسي، وأنواعه. إذ السائد في مدارسنا اليوم هو نوع التقييم المعروف بالتقييم الجزائي، بينما نحتاج في معالجة الحالات الصعبة إلى التقييم المعروف بالتقييم التكويني، حيث لا يكون الهدف منه إسناد علامات ودرجات إلى المتعلم وإنما تشخيص وتعرف مواطن العطالة في تفكيره ومرافقته في عملية تملك الكفايات الجديدة المبرمجة، ببرمجة خطط تدخل تعليمي-تعلمي مناسبة. وللعلم فإن المدرسة الأكثر تفوقا في العالم، وهي المدرسة الفنلندية، كما سيأتي الحديث عنها لاحقا، لا تختبر المتعلمين اختبارات جزائية طوال المرحلة الأساسيةّ، وإنما تكتفي بالتقويمات التكوينية فحسب.
وعلى الصعيد نفسه، يجب أن تكون التقييمات متجهة، كما نوه بذلك الشيخ الطاهر بن عاشور، إلى القدرات المعرفية للطالب ومهاراته أكثر من تركيزها على اختبارات الذاكرة، أي اختبار السيرورات الذهنية العليا ولا مجرد السيرورات الدنيا، ولن تسقط هذه الأخيرة من الحساب عند اختبار المراقي العرفانية العليا، لأنها حاضرة ضمنيا فيها ولكن بشكل وظيفي.
ننتقل الآن إلى قضية أخرى وهي قضية العلاقة التربوية التي يدفعنا إلى التفكير فيها تأكيد الرواد التربويين السابقين على ضرورة تجنب القسوة على المتعلمين لما يورثه ذلك في نفوسهم من مذلة وكذب ونفاق وضعف في الشخصية. نقترح على هذا الصعيد الاستفادة من مجلوبات علم نفس الأعماق وعلم النفس السلوكي والوجداني لضبط طرق التعامل المناسبة مع المتعلمين ذوي الاحتياجات العاطفية أو المراهقين أو المنحرفين، فنكون المدرسين في هذا المجال، كما ننتدب أخصائيين نفسانيين يتابعون الحالات المستعصية عن كثب في المدارس. ولعل ما يميز المقاربة الإسلامية في هذا المجال هو شعور الرحمة الذي يجب أن يغمر إحساس المربي إزاء منظوريه، وكذلك الدور الكبير الذي يلعبه الإيمان في تقوية العزيمة ومواساة أصحاب المحن والاضطرابات النفسية، فوجب عندئذ تذكيرهم بذلك، حيث أن الذكرى تنفع المؤمنين.
ونوصي بهذه المناسبة أن تتضمن القياسات النفسية للمعلمين الذين سيقع انتدابهم للمشروع قياسا للجوانب الوجدانية وللتوازن النفسي للمعلم، حتى نجنب أبناءنا التلاميذ القاسية قلوبهم من المدرسين. ولا يعني هذا أن نكون عاطفيين وإنما أن نرحم من في الأرض، إذ ليس مؤمنا حقا من لم يرحم الصغير ويوقر الكبير، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.
آخر ما نوصي به في هذا المقام هو رفع القيود عن الحريات الأكاديمية: النهي عن الظلم المؤذن بخراب العمران جراء كسر شوكة أهل القلم لصالح عمال السيف، لدى ابن خلدون، وحرية البحث والنشر العلمي لدى ابن عاشور.
د- المفكّرون السلفّيون الجدد في مصر وموقفهم من مسألة التّعليم
توطئة
إذا نظرنا إلى العالم العربي الإسلامي الحديث وخاصّة في البلاد المصرية وجدنا أنّ التعليم فيها وريث- في جملته– تعليم دينيّ راسخ الأصول منذ القدم وممتدّ على أحقاب طويلة من الزّمن وهو سليل الديّانة الإسلامية ورؤيتها للكون.
المشكلة المطروحة على دولة محمد على هي في كيفية التعامل مع منظومة الفكر التربوي الحديث دون المساس بثوابت المنظومة القيمية الإسلامية[70].
والحلّ الذي أوجده محمد علي باشا (ت 1849) هو إرساء قواعد تعليم مدرسي حديث في مصر مواز للتعليم الدّيني يرتكز على العلوم العقلية الصحيحة ويكون وليد إرادة الدّولة، فأنشأ محمد علي المعاهد الفنيّة والعسكرية والطبية العديدة وأسس “دار الألسن” (1836) لترجمة اللغات الأجنبية وعلومها وذلك دون مس جامع الأزهر والكتاتيب التابعة له بأي أذى. وكان لهذا العمل تأثيره الكبير في تحديد نظرة بعض المفكرين المصريين في علاقة التعليم بالدولة والمجتمع وصلة التربية والتعليم بالمصالح القومية العليا ومدى إيمانهم بمركزية التعليم وحق الدولة في الإشراف على تطبيق برامجه حسب فلسفة اجتماعية وثقافية ومناهج تربوية مضبوطة ومقررة.
ومن المفكرين الذين طوروا تفكيرهم التربوي وتجاوزوا نظرية التعليم التقليدي الذي يقوم على تلقين العلوم النّقليّة أساسا من قرآن وفقه ولغة، رفاعة رافع الطهطاوي (ت 1873م) الذي كان متأثرا شديد التأثر باختيارات محمد علي السياسية والاقتصادية.
د-1- أفكار «رفاعة الطهطاوي» التربوية
لقد صاغ الطهطاوي أفكاره التربوية في رسالته “المرشد الأمين للبنات والبنين“. كما خصص كامل الباب الثالث من كتابه “تخليص الإبريز” لموضوع ” التعلم والتعليم” وحاول أن يقدم لنا فيه تحليلا عقلانيا لهذه المسألة مقسّما التعلم إلى ثلاثة أقسام:
- تربية النوع البشري ويعني تربية الإنسان من حيث هو إنسان، أي تنمية مواده الجسمية وحواسه العقلية. وهو تعلم طبيعي يحصل للإنسان من ذكر وأنثى في أيام الصبا وزمن الشبيبة.
- تربية أفراد الإنسان، يعني تربية الأمم والملل، ولا يحصل إلا ” بتعليم الدين” وبالعقل أيضا.
- وتعليم ثانوي تجهيزي وتعليم كامل انتهائي أي عال.
ونلاحظ هنا إصرار الطهطاوي على ضرورة تعليم المرأة تماما مثل الرجل لإعدادها للحياة وهو ما أكده خاصة في “المرشد الأمين“.
د- 2- أهم أفكار رفاعة الطهطاوي التربوية
يمكن تقديم أهم أفكار الطهطاوي في مجال التربية كما يلي:
- تعميم التربية واجب على الدولة للبنين والبنات.
- لابد من مراعاة ميول المتعلم، وذلك بعد الابتدائية والتجهيزية (الثانوية) لمختلف العلوم والصنايع.
- تقسيم العلوم إلى: أولي ابتدائي (لكل الناس غنيّهم وفقيرهم ذكورهم وإناثهم- إجباري)، وتجهيزي ثانوي (ينبغي للحكومة أن تشجّع عليه- اختياري)، وأخيرًا درجة العلوم العالية (اشتغال الإنسان بعلم مخصوص يتبحّر فيه – مقتصر على أصحاب الثروة ليتفرّغوا له).
- خير الناس هم المعلمون، ويأخذ المعلم أجرًا يكفيه المئونة.
- صلة المعلم والمتعلّم هي الحب.
- المعلّم لا يضرب، والذي له الحق في ضرب الصبي هو والده فقط، وفي حدود ضيقة.
– اللعب مستحب للصبي المتعلّم.
- على الصبي احترام أستاذه وسماع أقواله.
- لا يتم الانتقال من علم إلى علم إلا بإتقان العلم السابق.
- تقسيم العلوم حتى يسهل استيعابها.
- المناظرة والمطارحة والحوار، أفضل من الحفظ والاستظهار.
- على الطالب أن يأخذ من الأستاذ (ويحذر الطهطاوي من الكتب إلا في الحديث).
- المرأة أجمل ما خلق الله سبحانه، والتربية أساس صلاح المرأة ومن صفات كمالها، والعلم يصون المرأة عما لا يليق ويزودها بالفضيلة (ويضرب مثلاً بمن كن يعرفن القراءة والكتابة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم).
– يرجع التشدد في عدم تعليم المرأة إلى المبالغة في الغيرة عليها.
وعموما يمكن القول أن الطهطاوي كان من أبرز أركان الإصلاح التربوي الذي كرسته الإرادة السياسية لمحمد علي باشا، غير أن النظام التربوي الجديد المركز لم يلغ المنظومة التربوية التقليدية بالكامل، بل كان هنالك تعايش بين المنظومتين الجديدة والقديمة، ولكنه تعايش مأزوم ونتج عنه تباعد مستمر بين النّمطين من التعليم.
ويجب أن ننبّه إلى أنه لم توجد- حسب رأينا- نظريات تربويّة متكاملة الجوانب خلال هذه الفترة، وكل ما هنالك بعض الرّؤى المتناثرة ربّما جسّمت تيارا معاديا للفكر التربوي الحديث في الغرب أو آخر مناصرا له.
إنّ الفكر التربوي الحديث بدأ ينمو في مصر وغيرها من البلاد العربية في المدارس الجديدة ويفرض نفسه تجاه تنظيم التعليم التقليدي في الأزهر ولكن باستقلال عنه ودون أن يتفاعل معه تفاعلا كاملا. فالنظام التعليمي القديم في مصر ومعقله الأزهر كان يقوم على المحافظة على العلوم النّقلية أساسا. وكان الجامع الأزهر مثل بقيّة المعاهد الدينيّة العليا في سائر البلاد العربية يلقى تشجيعا كبيرا من رجال السلطنة العثمانية من حيث مؤازرة علمائه وفلسفتهم التعليمية بوصفهم سندا لهؤلاء الحكّام في تدعيم وحدة الأمة الإسلامية والتفافها حول السلطان العثماني خليفة المسلمين في كامل أقطارهم. وفقد الاهتمام بالعلوم العقلية لعوامل سياسية وحضارية عامة حتى أصبح ينظر إليها على أنها من علوم الدنيا الفانية، وانخرم دور العقل والعمل ليخلي المكان للحافظة تحشى حشوا بأنواع من العلوم النقلية.
د-3- موقف المفكّرين السلفّيين الجدد من مسألة التّعليم
ولنا أن نتساءل الآن عن موقف التيار الإسلامي المجدّد (أي أصحاب الحركة السلفية الجديدة) عامة من نظام التعليم بالبلاد المصرية والعالم الإسلامي عامة بعدما توفي الطهطاوي سنة 1873 وبلور جملة آرائه التحرّريّة في هذا الميدان في رسالته “المرشد الأمين” المذكورة وبعدما ازداد التعليم العصري انتشارا وكثرت المدارس الحديثة على النمط الأوروبي في عهد محمد علي ثم في عصر الخديوي اسماعيل (1865-1879) وبعدهما خاصة في لبنان ومصر وتونس.
يبدو أن الشيخ محمدا عبده تسلّم زمام القيادة بعد الطهطاوي في نقد المنهج التقليدي في ميدان التربية والتعليم بعدما التقى بالأفغاني الذي نزع من نفسه الروح الصوفية السلبية وغرس فيه روحا متوثّبة إلى الثورة والتجديد. وقد جنح عبده بعد وفاة الأفغاني إلى الإيمان بأنّ الإصلاح لا يكون إلاّ عن طريق التربية والتعليم الدينيين بعد إصلاح موادّهما وتطوير مناهجهما في البلاد العربيّة الإسلاميّة دون الثورة السياسيّة ومواجهة نظام الحكم المطلق في الخلافة العثمانية مواجهة مباشرة على عكس الأفغاني، وقد عمل بقيّة حياته على تجسيم هذا المبدأ في الواقع فانكبّ على إصلاح طرق التّعليم الدّيني بالأزهر.
وقد نادى عبده بتطوير التعليم الإسلامي التقليدي في مصر من وجهتين أساسيتين وهما:
أ-تطهير العقيدة من الخرافات والتقليد وفهمها فهما عصريا بمعرفة ما وازاها من ملل الدّيانات الأخرى ونحلها والاعتصام بها على أنها من مقوّمات المسلم وحضارته.
ب- تطوير اللغة العربيّة وأساليب الكتابة واستغلال العلوم العقليّة الحديثة التي انتشرت في الغرب على أنها من روح الإسلام وأخلاقه وقد كانت مصدر قوته وازدهاره في الماضي.
ونتوقف الآن مع مشروع رشيد رضا متخذين منه نموذجا لموقف المفكّرين السلفّيين الجدد من مسألة التّعليم.
د-4- مفهوما التربية والتعليم عند رشيد رضا
كانت أفكار رشيد رضا التربوية كثيرة التنوع واسعة النطاق إذ تحدّث المؤلف خلال فصول عديدة نشرت في كامل مجلدات “المنار” عن العلم ودور العلماء وطرق التعليم كما كتب عن التعليم الديني في المعاهد التقليدية وبالخصوص في الجامع الأزهر ووظائف علمائه وطرق إصلاح برامجه ثم اندفع إلى النظر في نظام التعليم الحديث الذي انتشر في المدارس الحكومية العصرية بمصر أو في مدارس الإرساليات الأجنبية بسورية ولبنان خاصة وأبرز مواقفه من التعليم الحديث وأربابه في الجامعة المصرية. ولم يكتف المؤلف بالأفكار النظريّة بل سعى إلى التطبيق وذلك بتأسيس مدرسة أنموذجية في التعليم الإسلامي العصري بالنسبة إليه وهي مدرسة “الدعوة والإرشاد” التي بقيت تعمل ثلاث سنوات متواصلة (1912/1915).
ويلمس من جملة كتاباته في مجال التربية والتعليم أنه كان يميل إلى رؤية شيخه محمد عبده في طريقة الإصلاح من حيث أنه اختار الإصلاح عن طريق العمل التربوي والتفكير في صيغ إصلاح التربية والتعليم ولم يشارك في حقل العمل السياسي إلا لماما. فكيف فهم رشيد رضا معنى التربية والتعليم[71] وما هي منزلتهما عنده باعتبارهما وسيلة ومن وسائل النهوض بالأمة الإسلاميّة في العصر الحديث وإصلاح أوضاعها المختلفة؟
د-4-1- مفهوم التربية بالعلم النافع:
يجيبنا رشيد رضا عن هذين السؤالين منذ الأعداد الأولى من مجلّة المنار قائلا:
“قلنا ولا نزال نقول إنّ التربية والتعليم هما الركنان اللذان يقوم عليهما بناء سعادة الأمة والعاملان الرافعان إلى قمة السيادة وهما أمران متلازمان”[72] ثم يعرف التربية بقوله:” هي القيام بشؤون الطفل الصغير حتى يميّز ويقدر على العمل وإرشاده إلى وجه الصواب في العمل (…) حتى يتمّ له رشده ويكمل له عقله (…) وهذا لا يحصل إلا بالعلم النافع”[73].
والعلم النافع عنده إذن هو ما يجعلنا أمة عزيزة سعيدة يحافظ كلّ فرد منها على جامعته الجنسية والدينية والوطنية[74] بمعنى جملة المعارف التي تتجاوز حدود النفع المادي للفرد. وقد عدّد المؤلف المعارف اللازمة في التكوين وهي التي تمثل العلم النافع عنده كما يلي:
-علم أصول الدّين بمعنى دراسة قضاياه الأساسية ووجوه الحاجة إليه (القرآن – السنة – الإجماع – الاجتهاد…).
– وتهذيب الأخلاق وإصلاح العبادات لصيانة العلاقة بين العبد وربّه.
– وعلم الحلال والحرام (أي الفقه) للتعرّف على أحكام العبادات والمعاملات في الإسلام.
– وعلم اجتماع البشر وأحوالهم وتقويم البلدان أي (علم الجغرافية) في المصطلح الحديث.
– وعلم التاريخ وتاريخ الأمة الإسلامية بالخصوص (دراسة العصور الإسلامية الكبرى).
– وعلم تدبير المنزل وهو للبنات بصورة خاصة لأن جهله مخلّ بالحياة العائليّة.
– ثم علما الحساب والصحة لصلاحيتهما في تربية الأطفال وتكوينهم العام[75]
– وأخيرا دراسة العربيّة الفصحى لأنها مقوّم جوهري من مقوّمات الذّاتية الإسلامية.
وقد كان تعريف رشيد رضا التربية شاملا شمول تعريف فلاسفة اليونان وبعض مفكري الإسلام القدامى وذلك عندما يقول :”يجب أن تكون التربية منذ ولادته (…) ونعني بهذا التربية بأنواعها الثلاثة: الجسدية والنفسيّة والعقليّة يبتدأ بها من يوم الولادة”[76] ولكنه لا يحلّل أنواع هذه التربيات ويتركها مبهمة.
د-4-2- انتقاد رشيد رضا طريقة التعليم الدّيني في عصره وتصوّره التعليم المثالي
لا يفتأ المؤلف يذكّر المرّات العديدة بالعلم النافع- الذي سبق أن عرّفه – ويقبل على نقد التعليم الإسلامي المتخلف في عصره من حيث موادّه ومناهجه.
ويعدّد عيوبه وأدواءه القاتلة التي تجعله تعليما عقيما. وهذه العيوب عنده أساسا هي:
- موت اللغة العربية الفصحى وعدم تعليمها تعليما صحيحا يحيي العلم النافع لذاته.
- اختلاف منافع التعليم عند المسلمين المحدثين، فالعلم النّافع يجب أن يكون حسب رشيد رضا مستقى من مصدر واحد لا غير هو الدين الإسلامي والتراث العربي ويلقّن في مدارس إسلامية موحّدة، لأنّ ذلك يساعد على اتّحاد العقول والأفكار والقلوب ولن تكون كذلك إلاّ إذا اتّحدت مصادر التّعليم ومدارسه عنده وهو خلاف ما عليه حالة التّعليم في البلاد الإسلامية في عصره.
- لا يفيد التّعليم – وهو تلقين النّاشئة المعارف في مدارس نظامية –إلاّ إذا كان مقرونا بتربية أخلاقية إسلامية راسخة منذ الصّغر[77].
ويعتبر المؤلّف أنّ إزالة هذه العيوب الجوهرية من التعليم الإسلامي الحديث أمر يكاد يكون مستحيلا لخضوع العالم الإسلامي في معظمه للمستعمر ودواليب ثقافته وتعليمه، ولانّ المسلمين المعاصرين فقراء في المال والعلوم والعقول، وينحو باللائمة على أغنياء المسلمين الذين أبوا – لعدّة أسباب- التّضحية ببعض أموالهم لتأسيس كثير من المدارس الإسلامية تساهم في إزالة هذه العيوب من التعليم.[78]
وكان رشيد رضا يعقد مقارنات بين وضع العرب العلمي والحضاري في السابق ووضعهم الراهن وعقد لذلك فصولا في تمجيد التاريخ العلمي عند العرب أيام العصر العباسي. والغاية من إطنابه في استعراض مآثر العرب العلمية كان من اجل إثبات أن العرب المسلمين آنذاك لم يفهموا العلم بمفهوم التفقّه في الدين بصورة ضيقة الحدود البتّة وإنّما وسّعوا نطاق تصورهم للعلم وقدموا إضافات علمية جديدة إلى التراث العلمي اليوناني والهندي القديم مما اقتبسوه عنهم.
ولم يكتف المؤلف بتعريف العلم والتعليم تعريفا نظريا في فصول عديدة من المجلة، بل سعى إلى تجسيمه في مشروع مدرسة إسلامية أنموذجية بالنسبة إليه في التعليم الديني العصري وهي مدرسة “الدعوة والإرشاد”. وقد خصّص المؤلف لها فصلا إخباريا كاملا أبرز فيه بنود قانونها الداخلي ومواد الدراسة فيها قائلا: ” إنّ إصلاح طريقة التعليم الإسلامي هو الغرض الأول الذي قصدته جماعة الدّعوة والإرشاد من هذه المدرسة”[79].
والناظر في مختلف برامج المدرسة التي أثبتها قانونها الدّاخلي يلاحظ أنّها في جلّها لم تستجب بوضوح لشروط العلم الحديث بصورة كاملة وأنّ المواد قامت جلّها على ممارسة العلوم النقلية المتعاهدة في المدارس الإسلامية القديمة مثل قراءة القرآن وتفسيره ودراسة الحديث وعلوم التوحيد والفقه والفرائض وتعليم العربية بمختلف فنونها المعروفة: البلاغة والنحو والصرف والعروض[80] دون ذكر لعلم التجارة أو علم الاجتماع أو الاقتصاد من العلوم الحديثة مثلا.
أمّا خرّيجوها فتندرج خططهم ضمن الوعظ أو التدريس الديني ويسخّرون للدفاع عن الدين الإسلامي ضدّ هجمات المبشّرين المسيحيّين والمثقّفين “المتفرنجين” من الشباب العربي المسلم.
ولكن هذه التجربة لم تعمر طويلا، وأهمّ أسباب تعثّرها -فيما رواه رشيد رضا نفسه- سبب مالي إذ لم تكن حكومة الاتّحاديّن ولا الحكومة المصريّة تتعهّدانها بالإعانات المالية اللازمة لتسديد النّفقات المختلفة[81].
د-4-3- أهمّ مطالب رشيد رضا الإصلاحية
نتساءل الآن عن أهمّ مطالب رضا الإصلاحية العامّة في حقل التربية والتعليم بعدما هاجم طريقة التعليم الديني القديم بالأزهر والمعاهد التابعة له وبعدما انتقد أيضا تعليم المدارس الحكومية العصرية بما فيها المدارس الأجنبية في مصر وخارجها مبرزا نقائص كل صنف من هذين الصنفين المتعايشين داخل السلطنة العثمانية ومختلف المقاطعات التابعة لها.
إنّ جملة أفكاره الإصلاحية التي كانت موضوع بعض فصوله الأولى في “المنار” في هذا المجال لا تمثل برنامجا تربويا كاملا الجوانب، عميق النظرة وإنما جاءت في شكل مقترحات مبثوثة هما وهناك في مجلّدات “المنار” المختلفة وكان منطلقها ما شاهده رشيد رضا أثناء إقامته بمصر وزيارته الخاطفة إلى مسقط رأسه طرابلس الشام خاصّة من ” انحرافات” و ” مفاسد”.
من اقتراحات رشيد رضا الإصلاحية الأولى اقتراحه المتعلّق بإعادة إحياء دور العلماء.
ومن أعماله الإصلاحية أيضا أنه كان بالمرصاد لكل بادرة حكومية تصدر عن مجلس الشورى المصري وتهدف إلى إصلاح التعليم بوضع قوانين جديدة إذ هو يسرع بالنظر فيها ويقدّم مقترحات إصلاحية عمليّة قبل المصادقة عليها وعرضها على الحكومة للتنفيذ، وهو ما يذكرنا بما كان يفعله الشيخ الخضر حسين بعده مع حكومة الضباط الأحرار. فقد نادى رضا مثلا بوجوب تعليم النصّ القرآني في السنوات الأولى من التعليم وضرورة الزيادة في الحصص الدينية في المرحلة الثانوية وكذلك حتمية وضع كتب مدرسية مبسطة لتعليم العقائد والحلال والحرام في ميدان المعاملات وهي مسائل لم يعرها أصحاب مشروع قوانين التعليم الرسمي بمصر اهتماما كبيرا عندما عرض على مجلس الشورى سنة 1902 .[82]
وكان رضا يقول بوجوب اتباع سائر أفراد الأمة لنخبة من النبغاء ممن استنارت عقولهم بالعلوم العصرية وإدراك مصالح الأمة وطرق رقيها، كما يؤكد وجوب تكثيف عدد أفراد هذه النخبة الحيّة من المتعلّمين وذلك بتكوين جمعيات خيرية إسلامية تؤسّس المدارس لهذا الغرض دون تدخّل الحكومة المباشر في أمر التربية وتنظيم هذه المعاهد وفق سياسة خاصّة[83].
وصفوة القول في خاتمة الحديث عن تفكيره الإصلاحي التربوي عامة أن الشيخ رشيدا رضا قد اعتنق مفهومي التربية والتعليم في بعديها الديني الأخلاقي أساسا ولكنّه لم يكن راضيا عنهما في الصيغة التقليدية بالمدارس الإسلامية القديمة[84] ولذلك نادى بتطوير منهج التعليم التقليدي تطويرا يضمن له الحياة والاستمرار وفعالية التعليم الأوروبي الحديث حتى يزاحم التعليم الإسلامي في صورته المتطورة التربية الأوربية العصرية الجديدة التي شاعت في العالم الإسلامي تحت حكم العثمانيين بسبب الحضور الاستعماري والسيطرة الأجنبية ويجابه تأثيره الفكري القوي في جيل الشباب المسلم مزدوج الثقافة لا سيما في مصر والشام وتركيا وبلدان إفريقيا الشمالية التي كانت تعاني الاستعمار الفرنسي.
وإن جاز لنا أن نقارن هذا الضّرب من التفكير بما كتبه سلفه الطهطاوي (ت1873م) وقد كان هو الآخر يفكّر في نطاق الشريعة الإسلامية وحدودها في رسالته: “المرشد الأمين للبنات والبنين” التي ألفها كما ذكرنا سنة 1873 م، لوجدنا فارقا واضحا بين تفكيري الرجلين، وربما تقهقرا في الرؤية ومحافظة صارمة لدى رشيد رضا إذا ما اعتبرنا التقدّم الزمني وسنّة التطوّر، فبينما جنح الطهطاوي إلى وضع شبه نظرية تعليمية جديدة مقامة أصلا على الربط بين التربية ووجهة الأمة الحضارية واختياراتها القومية في مجال الاقتصاد والجيش والصناعات المفيدة التي يتطلّبها الوطن[85] وجدنا رشيدا رضا لا يفكّر بوضوح كامل في هذه المسائل وهو يسخر سخرية شيخه عبده من التعليم الذي تكون غايته الوظيفية والنفع المباشر للمجتمع، إذ النفع عنده في التربية نفع روحيّ أخلاقي قبل كل شيء وهو المحافظة على شخصية المسلم ومقوّمات ثقافته الأساسية كاللغة والدين والتاريخ الجنس، ذلك أنّ رشيدا رضا كان على عكس سلفه الطهطاوي يخاف من ثقافة الأوربي المستعمر ويحترز منها شديد الاحتراز رغم اعترافه الواضح بتفوّقها العلمي وندائه بالاقتباس عنها في مجال العلوم الصحيحة خاصّة.
وفي رأينا أن اليوم نعيش في أغلب البلدان العربية أوضاعا مختلفة عن الأوضاع التي كانت تعيشها زمن الاستعمار وهو ما يجعلنا نتعامل مع الآخر الأوروبي والغربي عامّة تعاملا أكثر ثقة في النفس وأكثر اتّزانا وبواقعية تختلف عن الواقعية القديمة.
الاستغلالات البيداغوجية التطبيقية الممكنة لهذا المحور :
بالتأمل في أهمة أفكار رفاعة الطهطاوي التربوية تتأكّد لنا ضرورة المضي في التوصيات التطبيقية التي أعقبت العنصر السابق، بخصوص التدرج في تعليم الناشئة وتقسيم العلوم درجات ومناهج حتى يسهل استيعابها، وهو ما عرّفناه بعملية النقل التعليمي الذي يشترك فيع خبراء المشروع والأساتذة الجامعيون المختصون وعلماء النفس التربويون المختصون في تعلميات المواد الذين يفتقر إليهم فريقنا البحثي إلى حدّ الآن.
كما أننا نؤكد مرة أخرى على ضوء أفكار الطهطاوي التربوية، وعملا بتوصيات الدين الحنيف على ضرورة إيلاء العلاقة التربوية ما تستحقه من اهتمام، فنتجنب تربية العنف التي تخلف آثارا عميقة سلبية في شخصية المتعلم، ولكن مع وجوب تكريس أخلاق الاحترام والتوقير للمعلم، وإشاعة روح التعاون والتفاهم والود بين مختلف الأطراف التربوية. وهنا تلقى على عاتق الإدارة التربوية مهمة السهر على تحقيق هذا التوازن الدقيق بين احترام المعلم والرفق بالمتعلم. ومما يساعد على تكريس هذا التقليد العلائقي التربوي الحميد هو تنظيم جلسات حوار بين المربين وتلامذتهم يتصارحون فيها بروح الود مع التزام آداب التخاطب، ولا بأس أن ينظمّ إلى هذه الحوارات أولياء التلاميذ.
وعلى صعيد آخر ننوه بما أكّد عليه الطهطاوي من ضرورة تمتيع الفتيات بحقهن الكامل في التعليم وليس من الضروري أن يتم ذلك في أقسام منفصلة. فنحن الآن مثلا كباحثين لا نجد حرجا في العمل مع بعضنا رجالا ونساء (فريق غزّة مثلا)، والأهم من ذلك هو أن المدرسة إعداد للحياة، بل هي حياة كاملة في حد ذاتها، وفي الحياة لا توجد أرض خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء، وفي الحج نفسه يجتمع الرجال بالنساء، والمهم في كل ذلك هو التزام الأخلاق الفاضلة: أخلاق العفة والعفاف. وعلى كل يمكن أن يتدرّج في هذا مراعاة للتقاليد السائدة عندما تكون شديدة الانغلاق.
غير أننا لا نوافق الطهطاوي في ما ذهب إليه من جعل التعليم الثانوي اختياري والتعليم العالي لمن يقدر عليه ماديا من أبناء الأغنياء. فالظرف قد تغير الآن وأصبح من أوكد واجبات الدولة (أو المتطوعين من أهل الخير واليسار) أن تتحمل واجب الإنفاق على التعليم بكل مراحله. ولا يتذرعنّ أحدهم بتحول التعليم تدريجيا إلى الخوصصة، حيث أن ما يدفع بالدول إلى خوصصة كثير من القطاعات هو عبء الكلفة التي تتحملها المجموعة الوطنية مع ضعف المردودية، وهذا لا ينطبق على التعليم من وجهين:
- أولهما أن مردود التلميذ مردود معنوي في العاجل ومادي ومعنوي في العاجل،
- وثانيهما أن أكثر المدارس تقدما وتميزا في العالم اليوم (المدرسة الفنلندية) تتمتع بالإنفاق الكامل عليها من الدولة، بل وتشمل نفقاتها ححص الدعم والعلاج للتلامذة المتعثرين وأكلاتهم اليومية في الفترة التي يقضونها في المدرسة.
فالتعليم إذن قطاع استراتيجي وأهم ثروة فيه هي ثروة الذكاء البشري وهذه ليست حكرا على الأغنياء فقط، فالعقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس، كما يذكرنا بذلك ديكارت. وعقيدة التوحيد نفسها وقيمة الاستخلاف للنوع الإنساني قاطبة يأبيان أي تفرقة بين الناس. فوجب عندئذ الحفاظ على مبدإ تكافئ الفرص.
أما ما أتى به الشيخ رشيد رضا من حديث عن الأديان وتمييز ما هو أصيل فيها عمّا شابها من تحريف، فنستفيد منه عمليا في بعث اختصاص الأديان المقارنة في جامعتنا الإسلامية ولكن من دون سخرية من أديان الآخرين، بل بمحاولة فهم وجه المعقولية في كل دين، دون الحياد عن مبدإ التوحيد في كل الأحوال، الذي هو مكسب عقلي وعقدي في الآن نفسه. ولا بأس أن نبعث مادة جديدة خاصة بحوار أتباع الأديان التوحيدية الثلاث والمذاهب الإسلامية الكبرى في المعاهد الثانوية المتميزة بتنوعها الديني والمذهبي، كما هو الحال في فلسطين ومصر ولبنان والعراق وسوريا وإيران.
كما نؤكد على ما قاله الشيخ رضا بخصوص تطوير اللغة العربية وطرق تدريسها، مستغلين ما توفر لدينا الآن من وسائل حديثة في التعليم والتوضيح والتمرين على التواصل مشافهة وكتابة، ونمنح للمتعلمين فرصا أكبر للتحاور والتواصل الشفوي بأشكال مختلفة، مثل النقاش حول قضية معينة، أو بالتمثيل والمسرح أو بإلقاء الأشعار، ويمكن توسيع ذلك ليشمل التحاور بلغة الضاد مع أبناء مدارس أخرى في نفس البلد أوخارجه عبر تقنيات التواصل عن بعد.
أما فكرة إنشاء الجمعيات، التي أكد عليها الشيخ رضا، فيمكن استغلالها في المدرسة بتكوين نوادي مختصة في مختلف فروع المعرفة. وعلاوة على دورها التثقيفي والمعرفي يمكن أن نجعلها مجالا للتدرب على النشاط الجمعياتي، فتُبعث فيها هيئة مشرفة منتخبة من قبل التلاميذ وتوزع المهام فيما بينهم ويضبطون برنامجا سنويا أو حتى ثلاثيا بمعية أستاذهم، ويعملون بطريقة المشروع (سيأتي الحديث عنها لاحقا) ويقدمون عروضا لزملائهم في نهاية السنة أوبصفة فصلية، كما يمكنهم بعث نشرية أو إذاعة داخلية لتنشيط المعهد أو المدرسة ثقافيا. وفي مثل هذه الأجواء المفعمة بالنشاط والعمل التلقائي والتنافس الشريف تصقل شخصيات شباب المستقبل ورجالاته ويتدربون على العمل في الفريق ووفق ضوابط يضعونها بأنفسهم ويحترمونها مستلهمين في ذلك قيم الإسلام وأخلاقياته، مغلبين روح المحبة والود والأثرة، دون طمس شخصياتهم وغمط حقهم في إثبات ذواتهم، يساعدهم في ذلك مدرسون متوازنو الشخصية ويتحلون بالصبر البيداغوجي والحماس لتطوير قدرات منظوريهم في كل المجالات، بما يتشبعون به من قيم الاستخلاف في الأرض. وهذا ما يدفعنا إلى طرح قضية تكوين المدرسين. هذا التكوين يجب أن يكون شاملا، ولا يكتفي بمجال المهارات الصناعية، بل يمتد ليشمل التكوين الفلسفي والخلقي: أخلاق المهنة وأخلاق المسؤولية وتحمل رسالة بناء أجيال جديدة تستأنف البناء الحضاري للأمة الإسلامية. ومما نقترحه في هذا المجال هو أن يقع تعهد المعلمين بمحاضرات تعمق تكوينهم الفلسفي التربوي والقيمي وبدورات تدريبية على كيفيات تنشيط المتعلمين بروح الحوار المنفتح وأخلاقيات الاحترام وتثمين السلوكات والمبادرات الإيجابية البناءة، انطلاقا من وضعيات ملموسة ذات صلة بمحاور الدراسة المبرمجة.
أخيرا توجد مسألة أكّد عليها كثيرا كلّ من الشيخ رشيد رضا والشيخ محمد الخضر حسين، وهي ضرورة إيلاء التعليم الديني مزيدا من العناية والاهتمام، فنرى أن يتمّ ذلك في مشروعنا التربوي الأصيل ضمن مقاربة تجمع بين القول والعمل والفكر والممارسة، فتخصص حصة أسبوعية أو حصتان لشرح أصول العقيدة الإسلامية (التربية العقدية) دون خوض في موضوعات الغيب على سبيل التفصيل رجما بالغيب أو تجاوزا لما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وذلك لتجلية معاني التوحيد المختلفة وآثارها على البنية العقلية والوجدانية والروحية للفرد وعلى البنية النفس-اجتماعية للمجتمع وكذلك على بنية العلاقات بين الثقافات والشعوب، وكذلك لتحصين الشباب من الانزياح نحو عقائد غنوصية دخيلة على روح الشريعة الإسلامية، وذلك في حال تماديهم في التقوى والورع إلى درجة التصوف، فيقفون به عند تنبيههم إلى المعاني الأصيلة للتوحيد عند حدوده الشرعية. كما تخصص حصة لمعرفة أساسيات العبادات والمعاملات، ضمن مقاربة قيمية روحية وأخلاقية ودون الخوض في منظومة الجزاءات والعقوبات، لأنها من ناحبة تتبع فقه القانون، وهذا يحتاج إلى تخصص، ولأن الغاية في هذه المرحلة هي فقط مساعدة المتعلمين على معرفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة وتمكينهم مما يحتاجون إليه في حياتهم اليومية من فروض العبادة وآداب التعامل، بالتركيز على معاني التقوى والإحسان والوسطية والحنيفية (المرونة) والشمولية. كما نوصي بتخصيص حصة للتعرف على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومناقبه وأخلاقه القرآنية، ويمكن أن يتم ذلك بالتداول على هذه الأغراض الثلاثة (البناء العقائدي والبناء الشعائري والأخلاقي وبناء الشخصية على مثال الرسول صلوات الله عليه وسلامه). أما العمل فيكون بقدوة المربين ونصح المخالفين تنبيه الغافلين في سائر الأوقات والأحايين. كما يقام في كل مؤسسة تعليمية مسجد تؤدى فيه الصلوات المفروضة والنوافل اللاحقة بها، وذلك في ثلاث أوقات: ظهرا قبل الشروع في دروس الحصة المسائية، وعصرا في وقت الراحة المنصّفة لحصة المساء، وتدوم ربع ساعة بين وضوء (لمن يحتاجه) وصلاة. وهذا يحتاج إلى توفير عدد مناسب من المرافق الصحية وصنابير الماء، ويسهر على نظافتها دوريا كل يوم عدد من المرّات. أما الموعد الثالث فلصلاة المغرب بعد الفراغ من الدراسة. وأما صلاتا الفجر والعشاء فيؤديان في مساجد الأحياء السكنية أو في مساجد المعاهد ذاتها إذا كانت تحوي مبيتات للطلبة البعيدين عن مواطن سكناهم.
وبمناسبة ذكر مساجد المعاهد، نوصي بتركيز مكتبة في كل مسجد، وتشتمل هذه المكتبات زيادة على المصاحف القرآنية، على كتب الحديث الصحيحة وعلى مواد منتقاة من الفقه الميسر والسيرة النبوية المخرجة إخراجا جذابا وبلغة سلسة وذات أبعاد تربوية. كما نوصي بأن تشتمل هذه المكتبات على عناوين خاصة بالحضارة الإسلامية وأخرى خاصة بالحضارة الإنسانية وثالثة تحكي ترجمات علماء المسلمين وعلماء البشرية ورابعة عن أبطال المسلمين وقادتهم ورموزهم. ولا بد أن تتوفي هذه المكتبة على كتب الفكر الإسلامي المستنير. مثل كتابات عماد الدين خليل ومحمد فاضل الجمالي العراقيين، واحميدة النيفر ومحمد الطالبي التونسيين ومنير شفيق الفلسطيني وأبي القاسم حاج حمد السوداني ومحمد إقبال الهندي ومحمد عمارة المصري …الخ. كما يستحسن أن تحوي هذه المكتبة أدبيات رواد النهضة العربية الحديثة: الطهطاوي والكواكبي والأفغاني وعبده وعلي مبارك وشكيب أرسلان وخير الدين التونسي والطاهر بن عاشور وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم من الرواد. ولا بأس أن تحوي هذه المكتبة بعض كتب الحكمة اليونانية والأوروبية مثل كتاب “الجمهورية” لأفلاطون وكتاب “الأخلاق” لأرسطو وكتاب “مقال الطريقة” لديكارت و”أسس ميتافيزيقا الأخلاق” لكانط و”تربية الجنس البشري” للسنج و”رسالة في الأخلاق” لسبينوزا. والأجدر أن تحوي كتاب “فصل المقال” لابن رشد و”المقدمة” و”شفاء السائل” لابن خلدون وبعضا من كتب الغزالي غير المطولة.
ووجود المكتبة التي ذكرناها يفرض أن تبقى المساجد المدرسية مفتوحة من الظهر إلى المغرب فيضبط لقراءة الكتب نظام إعارة ونظام مطالعة عينية ويعين لذلك من يقوم عليه من التلاميذ أو الطلبة أنفسهم وفق آلية الانتخاب والتزكية من إدارة المعهد بعد الانتخاب، فيتداولون على ذلك في أوقات فراغهم. ولا بأس أن يساعدهم على هذه المهمة أحد القيمين.
وما دمنا بصدد ذكر المكتبات فلنواصل تقديم أفكارنا ومقترحاتنا بهذا الشأن. بخصوص مكتبات المعاهد نفسها، يجب أن توفّر فيها أصناف أكثر تنوعا من الكتب العلمية والفكرية والتثقيفية والأدبية والتربوية والتقنية. وتكون هذه المكتبات للتلاميذ والأساتذة معا. دون السماح للأساتذة بأخذ الكتب معهم لأكثر من مدة معينة حتى لا يحرم من الاستفادة منها التلاميذ. وتضاف إلى هذه المكتبات قاعات لبحوث الدراسات العليا كالماجستير والدكتورا، باللغات الثلاث: العربية والانجليزية والفرنسية، وحتى الألمانية إن احتيج إلى ذلك. ويشرف على انتقاء هذه الكتب الأساتذة والمختصون والتربويون.
ويجب أن تكون قاعات المطالعة فسيحة ومضاءة جيدا ومناخها معتدلا وكراسيها مريحة وأن تعرض الكتب على نحو يسمح برؤية عناوينها وأسماء مؤلفيها بيسر ويختار منها المطالعون ما يشاؤون بأنفسهم مع تقييدها لدى المشرفين فورا، وعند الإرجاع يعيدها المشرفون عليها إلى أماكنها وفق ترتيب معين. كما نوصي بتزويد المكتبات بالحواسيب والمطابع الملحقة بها وأن توصل بشبكة الانترنات وتوفر مراجع على محامل رقمية في شتى ميادين المعرفة. ومن المستحسن أن تبعث في كل مكتبة جمعية لأحباء المكتبة والكتاب، تسهر على تقييم احتياجات المكتبة في مختلف النواحي وتضع خططا للترغيب في المطالعة وتحتفي بالإصدارات الجديدة القيمة وتشجع اليافعين على الكتابة والبحث والإبداع وتسند للمتفوقين جوائز، كما تسند جائزة لأحسن قارئ.
القسم الثاني:
معطيات الفكر التربوي الإنساني الحديث
أوّلا: خصائص التربية الحديثة وأهم مبدئها وأفكارها[86]
سنتعرض في هذا المحور إلى خصائص تربية الحداثة وعوامل ظهورها وأهم مبادئها وأفكارها.
1– خصائص تربية الحداثة وعوامل ظهورها
إذا كانت الخاصيّة المميزة للممارسات التربوية المنضويّة تحت ما يصطلح على تسميته حاليا بالتربية الحديثة، هي قيامها على مبدأ الاهتمام بالمتعلم واحترام شخصيّته، فإنّ هذا المبدأ لم يكن غائبا تماما عن الفكر التربوي الإنساني، فقد وجدت فكرة الاهتمام بالطفل كمبدأ تربوي واع وفاعل يقوم على مركزة الفعل التربوي حول حاجاته واهتماماته ومراعاة خصائصه النفسية إمكاناته العقلية والمعرفية. ولكن هذا المبدأ لم يظهر إلاّ ضمن سياق تاريخي محدد هو النهضة الأوروبية، كما لم يتم تمثله بشكل علمي إلاّ بفضل التطورات التي عرفها علم النفس وخاصّة علم نفس الطفل.
إنّ العوامل التي ساهمت في ظهور وتطور الأفكار التي تأسست عليها التربية الحديثة هي:
أ– النزعة الإنسانية وبعض نتائجها التربوية: يمكن اعتبار النزعة الإنسانية ملمحا جوهريا من ملامح عصر النهضة الأوروبية وتعبيرا عن التحولات العميقة الشاملة التي عرفتها أوروبا. والخاصية الأساسية التي تميزها ” هي اهتمامها بالإنسان وتأكيدها على فرديته وقد عكس ذلك في الواقع سمة جوهرية من سمات المجتمع الرأسمالي الذي أكد على أنّ قيمة الفرد كامنة في ذاته وإمكاناته ومواهبه ويمكن النظر إلى النزعة الإنسانية من الناحية التاريخية باعتبارها ثورة فكرية، ورد فعل عنيف على طريقة التفكير وعلى أنماط العيش وطرق التربية التي سادت القرون الوسطى.
وقد مارست الأفكار التي حملتها النزعة الإنسانية تأثيرا عميقا على المستوى التربوي والتعليمي إذ ساهمت، على حد تعبير موريس ديباس في إحداث نهضة تربوية تجلت ملامحها في مظاهر عديدة في بينها :
- ازدهار الكتابات التربوية التي تعكس وتحمل أفكارا جديدة غرضها تكوين الإنسان. وتجسد ذلك من خلال كتابات رابليه، طوماس مور، مونتاني وغيرهم.
- ظهور مؤسسات مدرسية ذات روح جديدة ساهمت في بلورة العمل التربوي.
- إدخال تغييرات على مستوى المواد الدراسية والطرق البيداغوجية من خلال الدعوة إلى تربية” ليبرالية” تعتمد العلوم الإنسانية كمضامين للتعليم وتتجاوز الممارسة البيداغوجية القديمة من خلال التعامل مع التعليم كفن له قواعده وشروطه الخاصة و يهدف أساسا إلى تنمية نشاط الفكر.
لقد ساهمت النزعة الإنسانية إذن، بفضل التحولات التي أحدثتها في مجال التربية و التعليم في توجيه هذا الأخير وجهة جديدة وقع فيها التركيز على الإنسان كذات وعلى ضرورة الاهتمام به وتنمية قدراته الفكرية بفضل التعليم.
ب-تغيير التصور عن الطفل وانعكاساته التربوية: قامت الممارسة التربوية التقليدية على أساس النظر إلى الطفل باعتباره كائنا لا يمكن الثقة به، وذلك بسبب ضعفه وطبيعته الميالة إلى الشر. ولهذا تحدد دور المعلم في ممارسة مراقبة دائمة ومسترسلة عليه، ومنعه من إقامة أي اتصال مع العالم الخارجي، عالم الكبار. ولهذا فقد تميّز الفعل التربوي بكونه فعلا قسريا، يمارس على التلميذ دون أدنى اعتبار لخصوصياته، ويركز على ضرورة خضوعه للأوامر وقبوله لها.
وابتداء من القرن الثامن عشر، ظهر تصور جديد عن الطفل يعترف له باختلافه وتمايزه عن الراشد، وتم الكف عن معاملته كما لو كان رجلا صغيرا وشرعت الأسرة في إعطائه الكثير من الأهمية والعناية مما ساعد على إخراجه من حالة الغفلة والإهمال السابقين اللذين كان غارقا فيهما.
ولقد كان لظهور هذا التصور الجديد للطفولة انعكاسات على المستوى التربوي، إذا ظهرت دعوات لإحداث قطيعة مع الممارسات البيداغوجية القديمة القائمة على قطع الصلات بين التلميذ والعالم الخارجي، واعتماد القسوة والعنف في معاملته. وبالمقابل برز اهتمام بضرورة اعتبار خصوصيات الطفولة وأعطيت أهمية للمواد الدراسية التي تتماشى وفضول الطفل وتستجيب لتساؤلاته التلقائية وتقوم على الملاحظة والتعامل المباشر مع المحيط الخارجي.
وكان الهدف في كل ذلك هو إكساب التلميذ ثقة في نفسه وإمكاناته وتعويده على التفكير النقدي المستقبل. وانطلاقا في كل ذلك تغيير تعامل المدرس ذاته مع التلميذ فتخلى عن الصرامة والقسوة في علاقته به متجاوزا بذلك قيم التربية القديمة.
ج– الطفل مركز الفعل البيداغوجي: استوعب الفكر التربوي التحولات التي تمخضت عنها الحركة الإنسانية، كما تركت فيه التصورات الجديدة حول الطفولة أثرا عميقا، لهذا اتجه للدعوة إلى جعل الطفل محور كل فعل تربوي – تعليمي وقد تجلى كل ذلك في مواقف جان جاك روسو (J.J. Rousseau).
يرى روسو أن طبيعة الطفل خيرة وإيجابية، وأن المجتمع من خلال مؤسساته ومعتقداته، هو الذي يفسدها. كما يؤكد، أن الصفة الأساسية المميزة للطفولة هي الحرية، وبهذا فإن حرمان الطفل من ممارسة حريته يعد منبع جميع المشاكل. فسعادة الطفل تتجسد في انسياقه لميولاته الطبيعية والتلقائية بعيدا عن كل إكراه أو ضغط خارجي. وينتج عن ذلك ضرورة أن نترك للطفل فرصة كافية لكي يمارس حريته ويحيا طفولته، قبل أن نعمد إلى تربيته وتعليمه. ذلك أنه، اعتبارا لطبيعته، ميال إلى اللعب والحركة. وحرمانه منهما يؤدي إلى نتائج سلبية بالنسبة إليه.
وانطلاقا من كل ذلك تتحد مهمة التربية ودور المربي. لذا فإن المسار الذي يأخذه الفعل التربوي لا ينبغي أن يكون معاكسا لطبيعة الطفل الخيرة التلقائية، لكنه بالمقابل لا يتحقق بالانسياق وراء نزوات الطفل المباشرة، والآنية.
وبين هذين الحدين المتقابلين، ينبغي للمدرس أن يمارس عمله. فعمل المربي لا بدّ أن يتخذ أساسا له احترام شخصية الطفل- التلميذ واعتبار تلقائيته وأن يفسح له المجال كي يمارس حريته، ويدفعه للتعامل مباشرة مع الطبيعة لأنها مصدر التربية الحقيقية حسب روسو. إلا أن ذلك لا يعني أن يترك الطفل عرضه لأهوائه ونزواته، بل لا بدّ وأن يكون سلوكه موجها. فحرية الطفل بهذا المعنى، لا تفيد غياب الانضباط، بل تفيد فقط غياب سلطة المدرس كسلطة خارجية غريبة عن الطفل. إن انضباط الطفل لا بد أن يكون نابعا من ذاته وليس من سلطة المدرس. إلا أن الطفل لن يكتسب الشعور بضرورة الانضباط إلا من خلال احتكاكه المباشر بالمشاكل والصعوبات التي يطرحها عليه تعامله مع محيطه.
شكلت التحولات التي تمس كل من التصورات السائدة عن الإنسان وعن طبيعة الطفل ووظيفة التربية ودور المدرس، عوامل أساسية ساهمت في تطور نظريات التربية الحديثة وطرقها.
والملاحظ أن الخيط الرابط بينهما (أي التصورات)، على المستوى التربوي – هو الدعوة إلى الاهتمام بالطفل واحترام شخصيته وإدراك الاختلافات الموجودة بينه وبين الراشد، وبناء الفعل التعليمي على أساس كل ذلك. لهذا، فإن الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه التعليم والتعلم هو النشاط التلقائي للتلميذ ذاته، هذا النشاط الذي يجد منبعه في فضول التلميذ وحاجاته.
لذا يلاحظ جان بياجيه (Jean Piaget) في هذا الإطار أن ” التربية الحديثة بطرقها البيداغوجية لم تتأسس، وبشكل علمي، إلا بفضل التصورات التي عرفها علم النفس وخاصة في القرن العشرين فإذا ما أكد كبار المربين على ضرورة الاهتمام بالطفل، فإن معارفهم عنه والتي قادت ممارستهم التربوية كانت نابعة من الحدس وحده. أي أنها لم تكن مبنية على معرفة علمية دقيقة بنفسية الطفل وبقوانين تطور بنياته الذهنية، كما أنها لم تع كامل الوعي. إن المعرفة هي بناء تقوم به الذات انطلاقا من تفاعلها مع الطبيعي والاجتماعي”[87].
2- الفروق القائمة بين المدرسة التقليدية والمدرسة الحديثة
تتوزّع الفروق بين المدرسة التقليدية والمدرسة الحديثة على عدّة محاور كالذكاء واللعب والاهتمام ومعاملة الطفل ومراحل النمو…الخ. وها هي أهم هذه الفروق:
أ-الذكاء: يرى علم النفس الكلاسيكي أن الذكاء ملكة أعطيت دفعة واحدة وهو قابل لمعرفة الواقع أو هو نسق من الارتباطات الآلية المكتسبة تحت ضغط الأشياء ومن هنا جاءت أهمية التقبل وحشو الذاكرة. أما اليوم فعلم النفس التجريبي يعترف بوجود ذكاء يتجاوز مفهوم الارتباطات والعادات فلم يعد هذا الذكاء تلك الملكة التي لا تمكن إلا من اكتساب المعرفة بل أضيفت إليه صفة النشاط الحقيقي وهذا النشاط هو بمثابة البناء المتواصل. وبذلك أصبح الذكاء تكيفا يتمثل في ذلك التوازن الحاصل بفضل التمثل المستمر للأشياء.
ب-اللعب: أهملت المدرسة التقليدية اللعب ولم تهتد إلى ما يحمله من دلالة وظيفية. ولقد بينت الدراسات الحديثة أن اللعب بشكليه الحسي- الحركي والرمزي هو عملية تمثل للواقع وفق النشاط الخاص وهو الذي يمد هذا النشاط بما يحتاجه من غذاء محولا الواقع وفق الحاجيات المتعددة للأنا. ولهذا السبب تؤكد الطرق النشيطة على تزويد الطفل بأدوات مناسبة للعب حتى يتوصل إلى تمثل الحقائق الذهنية ولا تبقى هذه الحقائق خارجة عن ذكائه.
ج- الاهتمام: كل عمل ذكائي يرتكز على مفهوم الاهتمام. والاهتمام الحقيقي بالأشياء أو الأفكار لا يظهر إلا إذا وجد فيها الطفل وسيلة للتعبير فتصبح بذلك غذاء ضروريا لنشاطه. لهذا تطالب المدرسة النشيطة بأن يكون مجهود التلميذ نابعا من ذاته وغير مفروض من الخارج وقد تحدث كلاباراد (Claparède) عن قانون الاستقلال الوظيفي، وهو يعني بذلك أن الكائن الحيواني يمثل في كل فترة من فترات نموه وحدة وظيفية أي أن قدراته على التفكير تتوافق مع حاجاته الموضوعية.
د- البنية الذهنية للطفل: عاملت التربية التقليدية الطفل كما يعامل الكهل. فهو في نظرها يفكر ويشعر شأنه في ذلك شأن الراشد فهو إذن كهل جاهل لا تنقصه إلا المعرفة والخبرة التي من واجب التربية تزويده بها عن طريق حشو الذاكرة. أما التربية الحديثة وبفضل اكتشافات علم النفس فإنها تؤكد على الاختلاف بين البنيتين الذهنيتين للكهل والطفل وترى أن تفكير الطفل يتطور ويبنى تدريجيا خلال فترة الطفولة لذلك فالهدف من التربية هو مساعدة الطفل على بناء فكره وبما أن هذا البناء لا يمكن أن يتم من الخارج فيجب إيجاد الوسط الملائم والطرق المناسبة لتمكين الطفل من القيام بهذا العمل بنفسه. ونسوق هنا ملاحظتين مدعمتين:
-عند الكهل يتولّد العملي من النظري وفي هذه المرحلة تبدو الأشياء العملية تطبيقا لما هو نظري.
-عند الطفل يتولد النظري من العملي. ينمو الذكاء الحسي. الحركي أو العملي قبل اكتساب اللغة وبفضله يسيطر الطفل على جزء هام من الفضاء والأشياء ويتقدم في بناء مفهومي الزمان والسببيّة وبذلك يسبق الذكاء العملي الذكاء المجرد الذي لا يمكن له الإبداع على مستوى الرموز والمفاهيم إلا بالاعتماد على الذكاء الأول. فالطفل مثلا يتوصل إلى التنبؤ بالظواهر قبل أن يقدم على تقديم تفسيرات في ذلك.
ﮪ– مراحل النمو: تأخذ الطرق الحديثة بعين الاعتبار مراحل نمو الطفل وقوانين هذا النمو، كما أنها تؤمن بإمكانية التأثير على تطوره عن طريق الخبرة والوسط الاجتماعي والمادي رغم ما يلعبه عامل النضج الوراثي من دور في هذا النمو، أما المدرسة التقليدية فتنكر وجود عامل النضج بما أن الطفل عندها كهل صغير.
و- دور المعلم: لا تعرف المدرسة التقليدية إلا نمطا واحدا من العلاقات الاجتماعية إلا وهو سلطة الكهل على الطفل. فالمعلم يحظى بمكانة مميزة تجعل منه المصدر الوحيد للمعرفة وما على الطفل إلا الطاعة.
والطرق الحديثة لا تميل إلى إلغاء الدور الاجتماعي للمعلم بل هي تميل إلى التوفيق بين احترام الكهل من جهة والتعاون بين التلاميذ من جهة أخرى كما تعمل على الحد من الضغط الذي يسلطه الكهل وتحويل الضغط إلى تعاون من الدرجة الرفيعة.
3– أهم الأفكار والمبادئ الخاصة بالطرائق النشيطة
●الحصول على معرفة حقيقة: أننا نتثقف حقا بالخبرة ولا تكتسب المعارف إلا بالحياة وخلال الحياة تندمج فينا مثل الغذاء. وما عشناه فقط هو ما انصهر بداخلنا فأصبح مادتنا الذهنية وركيزة نشاطها وتفكيرنا.
فتأكد من حصول معارف لدى الأطفال لا يأتي باستظهار ما حفظوه بل من خلال قدرتهم على حل المشاكل الحقيقية التي تعرض عليهم. فيمكن لتلميذ أن يكون عارفا معرفة جيدة بالتعامد والتوازي في الهندسة لكنه يبقى حائرا إذا ما امسك بالمسطرة والكوس. وغالبا ما نرى تلاميذ يحفظون القواعد النحوية لكنهم يكثرون من الأخطاء عند الكتابة. وهذا آلان (ALAIN) يقول: ” لا تقدم لأي تلميذ في العالم إلا ما يفعله لا بما يراه ولا بما يسمعه ” ويضيف بول فالير (Paul Valery) : ” إني أعرف ما أقدر على فعله ” . وهذا لا يعني انه يكفي أن نترك الأطفال يعيشون خبراتهم ويتخبطون وسط الأشياء والحياة “. صحيح أن الحياة تثقف: فهم يتعلمون كثيرا من العائلة وفي الشارع وعند لعبهم مع أترابهم إلا أن ما يتعلمونه يتّصف بالنقص. لذلك وحتى تقوم الحياة بدورها التثقيفي يجب أن يتدخل المعلم لينظّم المكتسبات وينسقها وينميها. وهذا لا يعني أيضا أن القواعد اللفظية لا قيمة لها بل هي مفيدة بشرط أن نصل بينها وبين الواقع وان نحافظ على هذا الاتصال. وذلك أن هذه المكتسبات اللّفظية عند الطفل تميل إلى أن تحتل مكان الخبرات المباشرة التي يكتسبها من الأشياء والوصل بين هذه الخبرات يتطلب من الطفل زمنا طويلا وهذه الوضعية تكاد لا تطرح في السابق.
● الحصول على النشاط الفكري: المهم أساسا هو أن يكون الفكر يقظا نشيطا. فاكتساب المعارف والتقدم لا يتمان إلا بالمجهود. والفكر الذي يحتك بالشيء فيحيره ويشغله سيسخّر قواه وموارده لإنهاء المشكل وأتغلب عليه. فهو لا يستطيع أن يتعلم إلا بنفسه.
إننا لا نعلّم الطفل المشي أو استعمال الملعقة بالكلام والشرح بل عن طريق خبراته ومجهوداته الخاصة، وبالإصلاح التدريجي لأخطائه يصل نهائيا إلى الهدف المنشود فالمهم إذا هو توخّي طريق مثيرة للفكر وهذا ضروري وكاف.
● من الأيدي إلى الفكر: يرى روسو أن النموّ الذهني مرتبط بالنشاط اليدوي والبدني بصفة عامة ومحكوم به ” لو شغلت الطفل في ورشة عوض قراءة الكتب لعملت يداه ففائدة عقله” فما نجده عند روسو ليس هو الطريقة النشيطة فحسب بل التعليم بالعمل أما ديواي “DEWEY” فيرى أن الأفكار وكل الحياة الذهنية هي تحت سلطة النشاط اليدوي و البدني.
وتجدر الإشارة إلى وجود نوعين من النشاط احدهما النشاط الوظيفي وهو الذي يعبر عن حاجة ويمكن أن يكون داخليا. فإذا كنت استمع إلى جواب عن سؤال ألقيته فاني أكون نشيطا، والآخر هو نشاط الانجاز وهو النشاط الإنتاجي الحقيقي (عمل كتابي أو عمل يدوي) وهو يحتوي بالضرورة على حركة جسدية.
● تربية الملكات وتدريب العقل: إن النشاط العقلي هو الذي يزوّد بمعرفة حقيقية وهو الذي يربي الملكات بتمرينها وترويضها والنشاط الذهني مفيد في حدّ ذاته بصرف النظر عن المكتسبات التي تحصل نتيجة هذا النشاط. فالعقل يتثبّت ويقوى بالعمل ويصبح قادرا على القيام بمختلف العمليات بيسر وثقة.
● مراعاة قدرات الطفل: اهتدى إلى هذه الضرورة كل مانتاني (Montaigne) وروسو (Rousseau). ويقول هذا الأخير : “ابدءوا بدراسة أطفالكم دراسة أفضل لأنكم بالنا كيد لا تعرفونهم” كما يرى بستالوزي (Pestalozzi) أنّ على المربّي أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الطفل وان يستغلّ حياته الواقعية. أما اليوم فقد سلّط علم النفس النشوئي والفارقي مزيد الأضواء على اهتمامات الطفل الصادرة عن حاجاته وميوله العميقة كما بدأنا نتعرف على نمو الذكاء لديه وعلى أهمية اللّعب. فالمعلومات الحاصلة حول الطفل أصبحت ضرورية للمربّي كي يمكنه التكيف معه وتعليمه متى شعر بالحاجة. لكن هل أن التركيز على الحاجات الحاضرة يعني إهمال عمليّة الإعداد للمستقبل ؟ يرى كلاباريد (Claparède) أن التربية حياة وليست إعدادا جيّدا للحياة. فإذا أراد المعلّم إعداد الطفل للمستقبل إعدادا جيّدا يجب عليه الاهتمام بحياته الحاضرة فقط ولا وجود لأي تناقض بين هذين الاتجاهين.
فالطفل كائن إنساني ويجب أن يصبح راشدا وهذا لا يتحقق إلا من خلال نموّ طبيعي وعادي لحياته كطفل ينشط ويختبر ويحل مشاكله، لا يعني ذلك تركه لأهوائه لأننا إذا اقتصرنا كما يقول ديوي (DEWEY) على إرضاء الاهتمامات وتربيتها كما هي فانّ ذلك يتنافى مع التصوّر النشوئي الدينامي الحقيقي لان اهتمامات الطفل متحركة متحولة وتثبيتها على الصورة التي ظهرت بها يعني توقيف عملية نموّه.
وهكذا نصل إلى انقلاب حقيقي في وجهة النظر التربوية: فعوضا عن فرض المعلومات على الطفل من الخارج نعمل على مسايرة نسقه الخاص وعلى إتباع واستعمال ديناميته الخاصة فيصبح هو محور العمل التربوي ونجتهد لجعله يتبنى عملا ومشروعا ما.
وإذا ما اضطر إلى الرجوع إلينا ككهول وطلب المساعدة تكون النصائح عندئذ مجدية ومثمرة. والتركيز على الطفل وعلى اهتماماته ونشاطه التلقائي لا يجب أن ينسينا أن هذا الطفل ينتمي إلى وسط طبيعي واجتماعي يعرفه مباشرة. لذلك يجب الانطلاق من ذلك لإيقاظ فضوله على الحقائق المحيطة به قبل إخراجه ذهنيا من بيئته قصد توسيع أفقه.
ثانيا:نماذج من الفكر التربوي الغربي الحديث وتطبيقاته
1- الطرائق النشيطة
لقد وقع إدخال الطرائق النشيطة في عدّة مدارس عمومية وخاصة في المدارس السويسرية والبلجيكية إلا أنها عرفت رواجا اكبر في أمريكا أين طبقت بأكثر حرية وجرأة.
أ- الطرائق النشيطة في المدارس الأمريكية: طريقة المشروعات نموذجا
سنتوقف عند واحدة من الطرق النشيطة الأكثر شهرة في المدارس الأمريكية وهي طريقة المشروعات. تستهدف طريقة المشروعات هدفين أساسيين هما تقديم محتوى مشخص حيّ للتعليم بدلا من التعليم التلقيني. وهذا المجرى الطبيعي هو المستند إلى نموّ قدرات الطفل فمهمتها إذن هي جعل الطفل يربط كلّ جهوده بتحقيق غاية معينة.
طبقت هذه المبادئ في المدرسة التجريبية الملحقة بدائرة جون ديوي للتربية فكانت المشروعات المقترحة مرتبطة مثلا بأشغال الخشب أو الصلصال أو المعدن وصناعة النسيج والخياطة… وقد يبدو هذا الاختيار غريبا للوهلة الأولى، غير أن من الممكن أن نرى بسهولة كيف يستطيع الطلاب عن طريق أعمالهم اليدوية وزياراتهم لحوانيت الكبار أن يستوعبوا شيئا فشيئا المنهاج بأكمله. ومن الواضح أنه يمكن الانتقال من المشروعات الفردية التي تقود إلى تعليم الطالب نفسه بنفسه إلى المشروعات الجماعية التي تقود إلى العمل في فرق وإلى مختلف مراحل التكوين الاجتماعي للفكر.
وهكذا يركز ديوي على خلق الموضوعات وإنتاجها. فالنشاط أصبح لديه غير كاف فسعى إلى التعليم والتربية بواسطة العمل. يقول :”لا يستطيع العقل بذل نشاط حقيقي إلاّ متى كان يرمي إلى تحقيق غاية أو التغلّب على صعوبة أو حلّ مشكل أو صوغ فكرة أو إعداد مخطّط” والمشروع عند ديوي يضع الأطفال أمام مشكل هو مشكل الوسائل التي تمكنهم من تحقيق رغبتهم. وانجاز المشروع يفضي إلى عمل تحضيري وفق مخطط وإلى دراسة الظروف وإلى التوقع الذهني للنتائج وهكذا تتحول الرغبة عند الأطفال إلى مشروع يتحول بدوره إلى مخطط عمل.
التقى المربي الألماني كرشنشتاينر (Kerschensteiner) مع ديوي في فكره التربوي إلاّ أنه يميل أكثر منه نحو التربية “قبل المهنية” إذ نجد في أقسامه عملا يدويا منتظما وهو يريد أن يصطدم أطفاله بالصعوبات الحقيقية وأن يصارعوا المادة والأدوات وأن يبذلوا مجهودات جسدية وأن يفكروا، وبفضل كل ذلك تحصل المعرفة الحقيقية. فالمشروع هنا تعلّم استعمال الأداة وعناصر المهنة (مثال: اختيار القماش والحرص على الخياطة الجيّدة يقودان إلى مشاكل كثيرة يتطلب حلها العودة إلى الكتب والمخابر) وبذلك تتدرب الملكات الذهنية تدربا قويا جدّيا.
وبالإضافة إلى ديوي وكرشنشتاينر اللذين يناديان بالتعلم بالعمل نجد طريقة أو مشروع قاري (Projet de Gary) نسبة إلى صناعي من شيكاغو. وهو مشروع استوحاه من أفكار ديوي وطبّقه على المدارس التي أنشأها من أجل معامل الفولاذ عنده.
ب- الطرائق النشيطة في بعض البلاد الأوروبية
ب-1- الطريقة النشيطة عند دكرولي (DECROLY)
ينطلق ديكرولي من مبدأ “المدرسة بالحياة وللحياة” ومن أشهر تطبيقات هذا المبدأ تطبيقه على القراءة. فبدلا من أن يبدأ ديكرولي تعليم القراءة بمعرفة الأحرف ثم يؤلف منها مقاطع فكلمات، جعل القراءة تبدأ بتعلم الكلمات والجمل الصغيرة كاملة ثم تحلّل وتركّب من جديد. وتطبق هذه الطريقة نفسها في نظر ديكرولي في سائر المواد فنحن نلاحظ هذه المنهجية في مجال المفهوم والفكر كما نلاحظه في مجال الإدراك ومنه أتى مبدأ “مراكز الاهتمام” فهو يرى أن التربية التقليدية لا تخطئ عندما تفصل بين التعليم وبين اهتمامات الطفل العفوية فقط بل تخطئ أيضا عندما تفصل مختلف المواد المدرسية بعضها عن بعض فلا تجعل بينها روابط كما لا تجعل رابط بينها وبين حياة الطفل. لذلك يبحث ديكرولي دوما في المادة المدرسية عن الانتقال الدائم من الكلي إلى التحليل والتركيب أو من مركز الاهتمام إلى الاكتساب المنظم للمعلومات التي تنتسب إليه.
وترجع مراكز الاهتمام عند ديكرولي إلى أصناف أربعة أساسية: الغذاء والحاجة إلى الوقاية من الأنواء والحاجة إلى الوقاية من الأخطار والحاجة إلى العمل والراحة والترفيه. ويدوم تدريس كلّ مركز اهتمام سنة كاملة وجميع فروع العمل تتجمع حول هذا المركز وجميع الجهود تقام على أساس العمليات الفكرية الثلاث الكبرى: الملاحظة والربط والتعبير. فملاحظة الطفل تنصب أولا على ما هو واقعي حيّ فإذا كان مركز الاهتمام مثلا بناء البيوت وقع اللجوء إلى ضروب من النشاط الفعلي الواقعي كرسم المخطّطات وجمع المواد… بهذه المناسبة يجرب الطفل ويعالج بيديه ويصنّف ويجمع الوثائق اللازمة بالاشتراك مع المعلم الذي يقدم قليلا من الألفاظ وكثيرا من الوقائع. وبهذا تصبح قاعة الدرس مخبرا ومكتبة وتربط الملاحظات المكتسبة ببعضها ويعبّر عنها عن طريق تمرينات محسوسة متنوعة (كصنع النماذج والرسم وصنع الأشياء) أو بواسطة الصوت والألوان (موسيقى وتلوين) أو عن طريق الكلام والكتابة وبذلك يتمّ تعلّم القراءة والكتابة والحساب).
إنّ مثل هذه الطريقة لا تيسر اكتساب المعارف فقط بل تعلم الحياة نفسها. كما تعوّد الطفل على تذوق البحث الشخصي فيدرك ضرورة اكتشاف وسائل للوصول إلى جمع المعلومات والوثائق اللازمة.
ب-2- تقنيات (أو طريقة) فرينيه (FERINET)
يعتمد فرينيه أيضا في تعليمه على الاهتمامات التي يبديها الأطفال إلاّ أنّ أصالته تتمثل في أنه أعطى أكثر من غيره أهمية للتعبير. فأطفاله مدعوون إلى التعبير أكثر مما هم مدعوون إلى البحث وجمع المعلومات ونشاط الفصل ينطلق غالبا من النص الحر الذي اختبر من بين ما أنتجه التلاميذ من نصوص ثم قاموا بإصلاح أخطائه وتدقيق معانيه وإثرائها.
ومن مزايا هذه النصوص أنها تكشف عن اهتمامات الأطفال كما أنّها تعدّ نقطة انطلاق لدراسة مواد أخرى، وما يدفع التلاميذ إلى الكتابة والتعبير هو رغبتهم في أن تظهر نصوصهم في مجلة المدرسة الموزعة على بعض المنخرطين. ويقوم الأطفال أنفسهم بإعداد وطباعة هذه المجلة بواسطة مطبعة صغيرة بسيطة موضوعة على ذمتهم وتحت إشراف التعاضديّة المدرسيّة التي يسيّرونها بأنفسهم.
يعترض فرينيه على إطلاق اسم “طريقة” على عمله ويؤكد على الطابع الجماعي والتعاضدي لهذا العمل ويقدمه على أنّه “تجربة متحسسة” قابلة للمراجعة والتعديل.
ومن ايجابيات العمل في فرق كما قال به فرينيه وكذلك كوزينيه:
* أن التعاون يستلزم الشخصية وهو بالمقابل يكون هذه الشخصية حين يخفّف من تمركزها حول ذاتها وحين يعلم الأفراد الطاعة والنظام. ولا يحول دون تفتح الشخصية ويقوي في آخر المطاف نزعة التمركز على الذات إلا الإكراه.
* يحل التعاون سلطة الزمرة التي يسهم فيها الطفل مكان سلطة المعلم التي تظل سلطة خارجة عن نفس الطفل.
وقد يعترض معترض على طريقة العمل في فرق بأن من مخاطرها ما قد تتركه في عقل الطفل من أخطاء إلى جانب الحقائق إلاّ أنّ هذا الخطر لا يفوق ما تتركه في هذا المجال كلمات المعلم المبهمة التي قلّما يدركها الطفل بوضوح. يضاف إلى هذا أنّ الأهم ليس هو مجموع المعلومات المكتسبة بقدر ما هو تكوين عادات فكرية كالموضوعية والتفكير المنطقي. فالتعاون يقوي حسّ الموضوعية التي تعني الاتفاق بين الأفكار كما تعني الاتفاق مع التجربة ويقوي أيضا الحس المنطقي إن صح أن المنطق هو “أخلاق التفكير المشترك”.
وثمة اعتراض آخر يتعلق بالكسالى والبطيئين الذين قد يظلون فيما يعتقد بعضهم دوما في المؤخرة وقد يهملون، غير أن التجربة تثبت على العكس، أنهم يتقبلون التدريب العام المشترك بيسر أكبر من تقبلهم لكلام المعلم.
خاتمة نقدية
لقد حاولت المدرسة الابتدائية منذ زمن جلب اهتمام التلاميذ واعتماد الوسائل التعليمية وجعل الدرس حوارا بين المعلم والمتعلم، كما حاول معلمون كثيرون تطبيق الطرق النشيطة إلا أن الخشية هو أن تنسينا الممارسات التربوية الجديدة الممارسات القديمة التي تتميز بأهداف مضبوطة وتعطي نتائج نعرفها ويصعب بالتالي على المعلم أن يتخلى عنها بسهولة: فعدم التقيّد ببرنامج وبتوقيت وبتدرج يعتبر بالنسبة له قفزة في المجهول لا تخلو من أخطار. ولذا وجب إقامة توازن دقيق بين الطريقتين القديمة والحديثة.
وفي هذا الصدد ذكر “أن المعلم الرديء يخفق عند استعماله لأفضل الطرائق”. من أجل هذا وجب على المعلم أن يكون عارفا معرفة دقيقة بما يجب أن يتعلمه الطفل. فيعد مخططا عاما لعمله، يدرسه دراسة دقيقة ويحدد في إطار هذا المخطط الفترات التي يكون فيها تدخله نافعا مستجيبا لاهتمامات التلاميذ ثم يجب عليه بعد ذلك قيادة أطفاله في تدرجهم الحر.
إن الطرائق النشيطة لا يجب أن تنسينا الطرائق التقليدية وخاصة الطريقة التلقينية (يكفي أن نفكر في تعليم الخط، والقراءة، حفظ القرآن والأشعار الجيدة، …الخ.) فالطرائق النشيطة هي وليدة دراسات علم نفس الطفل وقد جاءت كردّ فعل ضد الطرائق التقليدية بتركيزها على الطفل وعلى نشاطه، وعلينا ألا نخضع فقط لمنطق ردة الفعل، بل لا بد من الاستفادة من الطريقتين معا مع التخلي الكامل عن التربية التسلطية، وأن نقود الطفل-المتعلم إلى أهداف المدرسة من حيث يظن أنه يسير إليها بنفسه، كما يقول روسو.
2– المدرسة البنائية
سنتعرض في هذا العنصر إلى ثلاثة أنواع من المدارس البنائية في العالم: واحدة سويسرية-جنيفية وأخرى روسية وثالثة أمريكية. الأولى أسسها عالم البيولوجيا ومؤسس الابستمولوجيا النشوئية السويسري جان بياجيه. أما الثانية فهي تتبع التيار التاريخي الثقافي، ومؤسسها فيغوتسكي. وأما الثالثة فهي تندرج في البنائية الثقافية التي أسسها جيروم برونر.
أ- البنائية الكلاسيكية
نبدأ بتقديم عام للبنائية ثمّ نقدم عنها بعض التفصيلات بعد ذلك.
تُعدُّ البنائية في علم النفس المعرفي «توجّها نظريا يقرّ بنموّ الفرد بحسب سيرورة متواصلة من بناء وتنظيم المعارف [من قبل هذا الفرد نفسه]»[88]، وحتى وإن ساعده الأكبر سنا أو الأكثر خبرة ومعرفة، فإنه لا يستطيع أن يستوعب من المعارف والمهارات إلا ما تسمح له به قدرته الذاتية على المرور من توازن معرفي أدنى إلى توازن معرفي أرقى ومُضيف[89].
وكما لا يخفى فإنّ البنائية تقع على طرف نقيض للمدرسة التقليدية في التعلم، حيث أنها ترفض تقبل المعارف بمجرد الحفظ والتكرار من دون كبير فهم أو تملّك حقيقي للمعلومات والمفاهيم والمهارات. وبلغة العلم المعاصر، تأتي البنائية تجاوزا للمدرسة السلوكية المعتمدة على الزوج الفقير «مثير-استجابة»، لتأخذ في الحسبان السيرورات المعرفية الوسيطة التي هي سيرورات خفية وتقع في صلب «العلبة السوداء»، التي يرفض رائد المدرسة السلوكية الأمريكي واطسون (1913) الولوج إليها، بدعوى استحالة القيام بذلك، وهو ما عالجه بياجيه Piagetتاليا (بعد ظهور “مدرسة الجشطلت” الألمانية) باعتماد المقاربة العياديّة (المحادثة مع أفراد العينة التجريبية)، وتأويل النتائج استنادا إلى مفاهيم البيولوجيا (الاستيعاب والملاءمة والتكيف أو التأقلم والتوازن)، باعتبار الإنسان كائنا عضويا تسري عليه نفس القوانين التي تسري على أي عضوية أخرى وإن بدرجة أرقى وضمن سياقات أكثر تعقيدا[90].
هذا هو معنى البنائية بصفة عامة، ونقدم في ما يلي المزيد من التفاصيل عنها.
جاء في معجم علوم التربية أن البنائية[91] صفة تطلق على كل النظريات والتصورات التي تنطلق في تفسيرها للتعلم من مبدأ التفاعل بين الذات والمحيط من خلال العلاقة التبادلية بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. وتنطلق هذه النظريات من مجموعة من المسلمات والفرضيات منها:
- الذات ليست سلبية في التفاعل مع المحيط، فهي تُخْضِع ما تتلقاه لعمليات فهم وتأويل وإدراك، وتعدّل بنياتها للتلاؤم مع ما يحيط بها (بياجيه).
- كل تعلم جديد يعتمد على بنيات معرفية متشكلة من بنيات محتويات ومفاهيم مكتسبة سابقا[92]ولكن تجب هنا ملاحظة أن التعلم الجديد يفترض ضرورة إدخال تعديلات على البنيات المعرفية القديمة وإدماجها ضمن بنيات جديدة أكثر اتساعا واستيعابا للوضعيات والمفاهيم الجديدة[93].
وقد تصور أبو البنائية المعرفية العالم السويسري جان بياجيه أربعة عوامل للنموّ الذهني[94]، وهي على التوالي:
العامل الأول: الوراثة والنضج الداخلي (الذاتي):
يؤكد بياجيه على وجوب أخذ هذا العامل بعين الاعتبار من كل الزوايا، إلا أنه يرى أنه غير كاف لوحده، لكونه لا يتدخل أبدا كنصر خالص ومعزول، فإذا كان هذا العامل يؤثر في كل الحالات، فإنه لا يمكن فصله أبدا عن التأثيرات الناتجة عن ممارسة التعلم أو التجربة. إن العامل الوراثي لا يكون فاعلا بمفرده، كما أنه غير قابل للعزل من الناحية السيكولوجية.
العامل الثاني: التجربة المادية والفعل في الأشياء:
هنا أيضا لا يمكن التقليل في نظر بياجيه من أهمية هذا العامل الجوهري، إلا أنه يبقى بدوره غير كاف، خاصة وأن الطفل لا يستمد منطقه من تجربة الأشياء، بل من الفعل الذي يمارسه على الأشياء. فهناك فرق بين هذين الأمرين. إذ لا تكفي التجربة المستخلصة من الأشياء، بل إن الجوهري هو نسبة نشاط الشخص في علاقته بهذه الأشياء.
العامل الثالث: التلقين الاجتماعي أو العامل التربوي بمعناه الواسع:
يعتبر بياجيه هذا العامل عامل حاسم في النمو، إلا أنه يعتبره كذلك غير كاف لوحده، لسبب بديهي هو أنه لكي يكون التلقين ممكنا بين الراشد والطفل، أو بين الوسط الاجتماعي والطفل المراد تربيته، فلا بد من أن يكون هناك استيعاب من قبل الطفل لما يحاول الوسط تلقينه إليه، والحال أن هذا الاستيعاب يكون دائما مشروطا بقوانين النمو التلقائي.
أما العامل الرابع فقد سماه عامل التوازن:
فما أن توجد ثلاثة عوامل إلا ويجب أن تتوازن فيما بينها، بل أكثر من ذلك أنه عامل جوهري يؤثر في النمو الذهني. ذلك أن كل اكتشاف أو مفهوم جديد أو تأكيد لفهم سابق إلا ويجب أن يتوازن مع غيره، كما أنه من الضروري أن يوجد نظام للضبط والتعويض كي يتم الوصول إلى التماسك. وتُستعمل كلمة “توازن” لا بالمعنى السكوني، بل بمعنى إقامة توازن تدريجي. ذلك أن تحقيق التوازن تعويض من خلال رد فعل الشخص على الاضطرابات والاختلالات التي يحدثها المحيط الخارجي، كما أن هذا التعويض يؤدي في نهاية هذا النمو إلى القابلية الإجرائية للانعكاس[95].
لذلك يبدو لبياجيه أن إقامة التوازن عامل جوهري في النمو. وهذا ما يسمح بفهم إمكانية التعجيل بهذا النمو، وفي نفس الوقت انعدام إمكانية التعجيل الذي يتجاوز حدودا معينة.
يقول بياجيه: «إن النموذج الأمثل للتربية ليس هو تعلم أقصى ما يمكن تعلمه والحصول على أقصى حد من النتائج، بل هو قبل كل شيء تعلم كيفية التعلم، أي أن يتعلم الإنسان كيف ينمي نفسه وكيف يجعل هذا النمو يستمر حتى بعد مرحلة الدراسة».
ولكن ما يعاب على نظرية بياجيه هو تقليلها من شأن الدور الذي يلعبه المحيط الاجتماعي في بناء الهياكل والشامات الذهنية schemes لدى المتعلمين، فجاء العالم الروسي فيغوتسكي بنظرية بنائية جديدة[96] تؤكد على الدّور الذي يمكن أن يلعبه الكهل (المعلم مثلا) في تسهيل امتلاك المعارف وبناء الخطاطات (الشامات) الذهنية لديهم، وذلك من خلال نحته المفهوم “منطقة النمو الوشيكة” التي يمكن أن يتدخل الكهل ضمنها لمساعدة المتعلم على المرور إلى مرحلة نموّ أرقى من خلال بعض “المثيرات العلامات” التي يستهديه بها.
ومن بعد فيغوتسكي جاء روّاد المدرسة البنائية الجديدة (السوسيوبنائية)، دواز ومونيي وبرّي كلارمون ليؤكدوا على دور التفاعلات الاجتماعية والصراعات المعرفية في مساعدة المتعلم على التخلص من تمركزه حول ذاته وتطوير معارفه وقدراته المعرفية بوجه عام[97].
وعلى مستوى بيداغوجي، أثرت البنائية على التصورات الديداكتيكية (أي التعليم الخاص بمادة معينة)[98] حيث وجه الفعل التربوي نحو وضعيات تفاعلية تثير لدى التلميذ الحاجة إلى البحث وصياغة المشكلات وإثارة الصراعات المعرفية الاجتماعية وخلق فرص المبادرة والإبداع. وتقوم هذه التصورات الديداكتيكية على فكرة مركزية تجعل من المعرفة السيكولوجية بالطفل منطلقا لبناء وضعيات ديداكتيكية تسمح للتلميذ باكتساب مفهوم أو عملية معينة، وذلك اعتمادا على إدماج هذا المتعلم داخل محيط حي يتيح له استعمال وسائل إستراتيجية تؤثر على هذا المحيط، وتمكنه من الارتقاء من الإحساس إلى التمثل والبناء. وقوام هذه الإستراتيجية ما يلي: (1) يوضع المتعلم في مواجهة مشكل مستمد من الممارسة اليومية. (2) بحث المشكل المطروح ومناقشته جماعيا. (3) بحث متعدد الاتجاه قصد حل المشكل يتماشى ووتيرة كل متعلم وأسلوبه. (4) تقلص حضور المدرس وتدخله. (5) استئناف المناقشة الجماعية واستخلاص النتائج (6) تحرير التقارير النهائية (7) مراقبة النتاج النهائي للمتعلم، (بومنيش، إ. 1992)[99].
ب- النموّ الذهني في نظرية فيغوتسكي
يعتبر فيغوتسكي من رواد التيار التاريخي-الثقافي. والفكرة المركزية التي يدافع عنها هذا العالم النفساني الروسي هو أن مسار نمو الإنسان لم يعد من الآن فصاعدا محتاجا إلى تغيرات بيولوجية وراثية. فبحسب وجهة نظره، التي نعترف بمشاطرتنا له فيها، أنه بعد سلسلة التغييرات الحاصلة في الطبيعة والتي أدّت إلى ظهور الإنسان العاقل، حدثت (وتحدث دائما) عملية تطور تاريخي، تحول الإنسان البدائي عبرها ثقافيا. وبعبارة أوضح يعتبر فيغوتسكي أن العامل التاريخي الثقافي عامل مهم جدا ومحدد في عملية النمو الذهني للجنس البشري ككل وللجماعات أو للأفراد بصفة خاصة.
يميّز فيغوتسكي بين شكلين من الاشتغال الذهني : السيرورات العقلية البسيطة والسيرورات العقلية العليا (أو المعقّدة).
لا يضيف فيغوتسكي شيئا ذا بال بخصوص النوع الأوّل من السيرورات بما أنه يرجعه أساسا إلى الرصيد الوراثي للجنس البشري وإلى النضج البيولوجي والتفاعلات مع المحيط الطبيعي. وهو ما يجعله إلى هذا الحدّ متوافقا بالكامل مع النظرية البياجيسية (نسبة إلى بياجيه). وإنما يبدأ إسهامه أساسا انطلاقا من السيرورات المعرفية العليا، التي تنشأ وتنمو بظهور الوظيفة الرمزيةّ، وبصفة خاصة مع اكتساب اللغة، انطلاقا من هذه المرحلة تتشكّل ملامح القطيعة النظرية التي يدشّنها فيغوتسكي مع التصوّرات السيكولوجيّة المعرفية السّائدة في عصره[100].
وسنتوقّف هنا عند ثلاثة مبادئ أساسية، مترابطة بشكل كامل، اعتمدها فيغوتسكي في تصوّره للسيرورات المعرفية العليا.
-الأوّل، يخصّ الصّلات بين التربية والتعلّم والنموّ الذهني.
-والثاني، يهمّ دور الوساطة الاجتماعية بين الفرد ومحيطه (الوساطة بالآلات والمعدّات التقنية) ويهمّ النشاط الضمنذاتي، أي ذلك النشاط القائم داخل الجهاز النفسي للفرد (الوساطة بالعلامات، كاللغة والصور الذهنية).
-أمّا الثالث، والأخير، فهو بخصوص المرور من بين –الذاتي (بين فرد وآخر) إلى ضمن-الذاتي في وضعيات التفاعل الاجتماعي.
ب-1- التربية والتعلّم والنموّ الذهني في نظرية فيغوتسكي
يشير Bronkart وSchneuroly في كتابهما عن فيغوتسكي (1985) وSchneuroly (1986) إلى أن فيغوتسكي لا يقيم فاصلا بين علم نفس النموّ وعلم نفس التربية. فالنموّ الذهني بالنسبة له، لا يمكن تصوّره بمعزل عن الوضعيات التربوية والتعلّمية التي ينتج عنها. ومن الواضح هنا أن هذه النظرة تقطع بالكامل مع تصوّر النظرية السلوكية التي تستبعد كل أنواع الوساطات بين عنصري المثير-استجابة وتفترض تأويلا واحدا لنفس المثير من قبل كل فرد يتعرّض له وبالتالي نفس الاستجابة. كما أن نظرية فيغوتسكي تبتعد كثيرا في هذه المسألة الهامة عن التصوّر البياجيسي للنموّ الذهني، فمن المعروف أن بياجيه يقول بخضوع هذا النموّ لثلاث أنماط من العوامل : النضج البيولوجي والتجربة والمحيط. إنه لا ينكر تأثّره بالتربية التي هي من عوامل المحيط ولكن بمفهوم خاص، حيث لا يمكن للتربية بحسبه أن تتجاوز في تأثيرها إمكانات التوازن المعرفي الذاتي للفرد في كلّ مرحلة من مراحل نضجه البيولوجي (عدم إمكان تسريع النموّ الذهني بشكل جذري/ملفت للنظر) كما أنّ المتغيّرات الاجتماعية لا دخل لها بحسبه في تكوّن البنيات والشامات الذهنية. بمعنى أن التربية قد توفّر للطفل فرص الاحتكاك بوسط ثري بالمثيرات وفرص اختلال التوازن المعرفي الذي قد يقود إلى البحث عن توازنات جديدة ولكن لا دخل للغة ولا للعلامات ولا للدلالات الاجتماعية والثقافية المضمنة في سياقات التفاعل الاجتماعي في البناء الفعلي للذكاء لدى الطفل. فاللغة مثلا يعتبرها بياجيه نتاجا للنموّ الذهني وليس العكس.
ولو أردنا صياغة الفارق بين النظرية البنائية الكلاسيكية كما ظهرت مع بياجيه والنظرية البنائية الاجتماعية الثقافية كما نجدها لدى فيغوتسكي لقدّمناه على أنّه فارق بين نموذج ثنائي من جهة ونموذج ثلاثي من جهة ثانية.
أ-متعلّم محيط
ب-متعلم وساطة اجتماعية/ثقافية محيط
في الحالة الثانية لا يمكن اعتبار الوساطة المذكورة مجرّد عامل مساعد وخارجي للتكوين الذهني بل هي في صميم هذا التكوين وتسهم في صنع مادّته. وسنمثّل على هذا لاحقا.
يخرج من كل هذا أنّ سيرورات النموّ الذهني بحسب فيغوتسكي لا تتطابق مع سيرورات التعلّم وكأنهما خطّان متوازيان بحيث لا نتعلّم إلا ما نحن مؤهلون له ذهنيا، وبصفة مسبقة لتعلّمه، بل إنّ تلك السيرورات الذهنية تتبع سيرورات التعلّم، لأن هذه الأخيرة هي التي تمدّها بمادة نواتجها المعرفية (انظر فيغوتسكي : 1985، ص 114).
ب-2- الوساطة الاجتماعية-المعرفية للنشاط
يؤكّد فيغوتسكي أن خاصيّة النشاط البشري كونه موسّطا اجتماعيا، سواء تعلّق ذلك بنشاط خارجي أو بنشاط نفسي داخلي. بمعنى أن كلا هذين النشاطين يتوسلان أدوات مادية أو رمزية ومهيكلان ومحوّلان بإجراءات (أو أدوات) مصاغة في سياق اجتماعي معيّن. وبالنسبة لهذا العالم الرّوسي فإنّ تملّك القدرة على استخدام الوسائل (أدوات تقنية أو علامات) المستقدمة من التراث الاجتماعي/ الثقافي، هو بصفة أساسية المرور من النشاطات الذهنية الدنيا أو البسيطة إلى النشاطات الذهنية العليا المعقّدة.
ب- 3- الوساطة بأداة للنشاط الخارجي
إن الإنسان كما هو معروف، لا يتدخّل في المجال الطبيعي بصفة مباشرة، بل إنّ فعله فيها يتمّ بواسطة أدوات هيئت من خلال خبرات أجيال متعاقبة. ولا يهمّنا هنا مسألة التأثير الكبير في العالم الخارجي وإنّما نركز نظرنا على أثر الأدوات في النشاط نفسه. فالوساطة الأداتية لها تأثيران اثنان عليه. إنها أوّلا، تحوّر النشاط وتمنحه شكلا جديدا كلّما تطوّرت الأدوات. هذه هي الوظيفة الأولى للوساطة بالأداة. هي إذن وظيفة تحويل للنشاط. ولكن لهذه الوساطة وظيفة ثانية ذات معنى أعمق من مجرّد الأثر الخارجي. فالأنشطة وهي تتمّ بواسطة أدوات لا تحْضُرُ صورُها فقط في ذات الأفعال المنجزَة بل وعلى نحو ما وبصفة تبدو مستقلّة في الأدوات نفسها وفي ما تعنيه وتشير إليه من أفعال. فالوظيفة الثانية للوساطة الأداتية هي إذن وظيفة تمثُّلٍ ومنحِ معنى.
ب- 4- الوساطة العلاماتية للنشاط الداخلي
إن النشاط الداخلي، أي النشاط النفسي-المعرفي هو أيضا مُتوسًّطٌ له. وبطبيعة الحال هذه الوساطة ليست من طبيعة مادية وإنما تحلّ محلّ الأدوات المادية الموجودة خارج الفرد، وساطةٌ من نوع جديد هي وساطة العلامات ومنظومات العلامات التي تكُون وسائل نفسية تَمّ توارثها هي الأخرى عن الأجيال السابقة. فالعلامات إذن هي وسائل اجتماعية-ثقافية للنشاط النفسي تماما كما تمثّل الأدوات الوسائل الاجتماعية-الثقافية للعمل.
وعلى نحوِ ما تؤثّر الأدوات في شكل العمل وفي بنية عملياته فإن العلامات والمنظومات العلاماتية تؤثر في مسار الوظائف النفسية الذهنية وتمثل في نفس الوقت المواضيع المعرفية وخصائصها والتحوّلات الجارية عليها.
يبقى السؤال المطروح بإلحاح هنا، هو كيف يتمّ المرور من السّوسيوجيناز (النشأة المعرفية-الاجتماعية) إلى التطوّر الذهني الفردي ؟ وكيف ننتقل من استعمال الأدوات المادية إلى الاشتغال الذهني بالعلامات وعلى العلامات ومنظومات العلامات ذات الطبيعة النفسية ؟
ب-5- من بين الذاتي النفسي الاجتماعي إلى الضمنذاتي النفسي
طرحنا إذن السؤال : ما هي السيرورات النفسية التي يتملك بها الفرد العلامات ونظام العلامات التي تكوّن جهازه النفسي ؟ هنا مرّة أخرى نسجل الطبيعة الاجتماعية لمنشئ هذا التكوّن في أطروحة فيغوتسكي : تحوّل السيرورات المابين ذاتية إلى سيرورات ضمن ذاتية.
إن مخاطبة الطفل لنفسه الذي نلحظه بسهولة وبكثرة عند سنّ 3-4 سنوات هو إحدى التمظهرات المميزة للمرور من بين-الذاتي إلى الضمن الذاتي. يؤدي الطفل أعمالا بمساعدة الكهل الذي يصف له بالكلام ما هو بصدد القيام به أو ما يجب عليه فعله (عند لبس الحذاء مثلا : أنظر جيدا! هل هذا الزوج يناسب قدمك اليمنى؟ حل عقدة الحذاء أولا… أحسنت هكذا تفعل دائما …). وهكذا فإن الوظيفة التواصلية للعلامات، هذه الوظيفة التي تسبق الوظيفة الذهنية، هي منشأ هذه الوظيفة الأخيرة. طبعا الحديث هنا عن الوظائف الذهنية العليا وإلا فإن الحركة والنشاط الجسدي نفسه هو الذي يؤسس للوظائف الذهنية البسيطة (الوظائف حس-حركية).
ج- جيروم برونر ومشروع “التربية السليمة”
سأعرّف في هذا العنصر بأهم أفكار عالم النفس البنائي الثقافي جيروم برونرJerome Bruner من خلال كتاب-تقرير ألّفه في سنة 1960 انطلاقا من أعمال مؤتمر وطني أمريكي في مجال التربية وضمنه أهمّ أفكاره التربوية. ويعتبر برونر من مؤسسي علم النفس الثقافي في أمريكا ومن مؤسس البنائية الثقافية، أي البنائية التي تقرّ بأهمية العامل الثقافي في بناء الأفكار وتطويرها.
في سبتمبر1959 اجتمع في الولايات المتحدة خمسة وثلاثون من العلماء والأساتذة ورجال التربية والتعليم ليبحثوا وسائل النهوض بأساليب تدريس العلوم في المدارس الابتدائية والثانوية بالولايات المتحدة. وجاءت الدعوة إلى هذا الاجتماع الذي استمر عشرة أيام كاملة من الأكاديمية الوطنية للعلوم. وكانت هذه الأكاديمية قد ظلّت بضع سنوات وهي تبحث عن طريق لجنة التربية التابعة لها، المشكلة الواسعة، مشكلة النهوض بنشر المعارف العلمية في أمريكا.
وقد انقسم أعضاء المؤتمر بعد أيام معدودة من افتتاحه إلى خمس مجموعات عاملة-إحداها اختصّت ببحث “النتائج المترتبة على وضع منهج من المناهج” َA curriculum وثانيها اختصت في ضبط ” أجهزة التعليم” وثالثها ببحث “دوافع التعليم” ورابعتها ببحث “دور الإلهامية Intuition في التعليم والتفكير” وخامستها ببحث “أثر العمليات الإدراكية في التحصيل”.
وقد خُصّص النصف الثاني من أيام المؤتمر لبحث ما أسفر عنه نشاط هذه المجموعات الخمس، بعد أن أعدت كل منها تقريرا مطولا ورفعته بمجرد الانتهاء منه إلى المؤتمر لمناقشته.
وقد تولى عالم النفس الأمريكي جيروم برونر صياغة التقرير الأولي ثم النهائي للمؤتمر بوصفه رئيسا له، وهو بالضرورة بيان مختار لما يراه أهم الموضوعات والآراء وما يعده أهم النتائج التجريبية التي وصل إليها المؤتمر.
فلما تم إعداد المسودة الأولى لتقرير الرئيس أرسلت نسخا منها إلى جميع أعضاء المؤتمر لتلقي تعليقاتهم وملاحظاتهم.
كان لتعليقات المشتركين في هذا النقد فضل كبير في إعداد الصيغة النهائية للتقرير.
لقد تناولت فصول ذلك التقرير أربعة موضوعات:
– الأول هو دور ” التنظيم البنيوي” في التعليم وكيف يمكن جعله نقطة محورية في التعليم والطريق الذي عولج به هذا الموضوع طريق عملي. ذلك أن تأثر الطلبة بالمواد التي يدرسونها هو بالضرورة تأثر محدود. فكيف إذن يمكن جعل هذا التأثر ذا قيمة في تفكيرهم على مدى حياتهم ؟ الرأي السائد بين المنشغلين بإعداد المناهج الجديدة وتعليمها هو أن الإجابة على هذا السؤال تتلخّص في تدريب الطلبة على فهم التنظيم البنيوي الأساسي لأية مادة من المواد التي يختارون دراستها. أي اكتشاف البنى القارة التي تنتظم فيما بينها هيكليا في كل مادة مدروسة. غير أن هذا يعتبر الحد الأدنى المطلوب لاستخدام المعارف والاستعانة بها فيما يصادف الإنسان من مشاكل وحوادث خارج حجرات الدراسة التي تم فيها تلك المعارف، أو داخل حجرات الدراسة الأخرى التي سوف ينتقل إليها في حياته المستقبلية.
ولذلك نظر إلى تعليم ” التنظيم البنيوي” وتعلمه -لا مجرد إتقان المعارف وتطبيقاتها الفنية فحسب- النقطة المحورية في المشكلة الكلاسيكية المعروفة بـ”انتقال اثر التعليم “. وينصّ التقرير على تدخل عناصر متعددة في هذا النوع من التعليم، من أبرزها دعم العادات والمهارات التي من شأنها أن تجعل استخدام ما فهمه التلميذ استخداما إيجابيا أمرا ممكنا. فإذا كان من أغراض التعلم في السنوات المبكرة جعل التعلم في السنوات التالية أكثر يسرا وسهولة، كان من الواجب أن يتم ذلك عن طريق تكوين صورة عامة يمكن من خلالها أن تصبح العلاقة بين الأشياء التي صادفها التلميذ في السنوات الأولى من حياته والأشياء التي يصادفها بعد ذلك أوضح ما تكون.
وأما الموضوع الثاني من ذلك التقرير فهو يعالج استعدادات التلاميذ للتعلم، فقد دفعت التجارب المشاهدة خلال السنوات العشر الماضية على الاعتقاد بأنه يحتمل أن تكون المدارس قد أسهمت في تضييع سنوات ثمينة بما أجلته من تدريس موضوعات كثيرة هامة بحجة أنها فوق طاقة التلاميذ.
والفرضية المعتمدة هنا هي أنه من الجائز تدريس أصول أية مادة من المواد لأي فرد من الأفراد في أية سن من السنين بطريقة من الطرق الملائمة لتلك السن. و ينبّه برونر إلى أن هذا الافتراض قد يبدو مذهلا لأول وهلة، إلاّ أنه يشرح أن ما يهدف إليه إنما توكيد نقطة هامة كثيرا ما يغفلها واضعو المناهج، وهي أن الآراء الأساسية التي تكمن في صميم جميع العلوم والرياضيات، والموضوعات الأساسية التي تضفى صورة على الحياة والآداب، هي من البساطة بقدر ما هي من القوة.
ويوضح برونر أنه كي يقبض الإنسان على ناصية هذه الآراء بقوة، ويستخدمها استخداما ناجعا لا بد له من تعميق غور فهمه لها تعميقا مستمرا، وهو تعميق يتأتى عن طريق تعلم كيفية استخدامها في أشكال وصور تتدرج في تعقيدها. ومثل هذه الآراء الأساسية لا تصبح بعيدة عن متناول الطفل الصغير إلا حين توضع في صورة مصطلحات مغلقة على فهمه، كأنها معادلات رياضية معقدة، أو تبقى في شكل مفاهيم لفظية، هذا إذا لم يكن قد سبق له فهمها حدسيّا أو لم تتح له فرصة سابقة لمعالجتها بنفسه. ولذلك فإن التعليم المبكر للعلوم والرياضيات والدراسات الاجتماعية والآداب يجب أن يستهدف تعليم هذه المواد بأمانة ذهنية مطلقة لا يأتيها الشك من أي جانب من جوانبها، ولكن مع توكيد الإدراك الإلهامي أو الحدسي للآراء، وتوكيد استخدام هذه الآراء الأساسية. ويجب أن يكون المنهج بحيث يعود، كلما تقدمت مستوياته، إلى التذكير بهذه الآراء الأساسية مرة بعد أخرى، مؤسسا عليها في كل مرة، إلى أن يدرك التلميذ الجهاز التقليدي الكامل الذي يصاحب هذه الآراء. وهذا ما يسمّى بـ“المنهج اللولبي“.
أما الموضوع الثالث فهو يتضمن المعالجة الحدسية للأفكار.
في هذا المستوى، يلاحظ برونر أن التفكير الإلهامي، أو تدريس الحدس، ناحية مهملة من نواحي التفكير المثمر على الرغم من ضرورتها، لا في النظم الأكاديمية المحددة وحدها، بل كذلك في حياتنا اليومية. ويؤكّد الكاتب أن الحدس الصادق، والافتراضات الخصبة، والقفزات الجريئة إلى نتائج اختبارية، هي خير عدّة للمفكر في أداء عمله أيا كان نوع هذا العمل. بعد ذلك يتساءل إن كان بإمكاننا أن نساعد أطفالنا في المدارس على تنمية هذه الهبة؟
وتقوم هذه الموضوعات الثلاثة التي سبق ذكرها حتى الآن على أساس قناعة محورية، وهي أن النشاط العقلي واحد في كل مكان، سواء عند ذروة المعرفة أو في فصول السنة الثالثة من المدارس الابتدائية، وأن ما يعمله العالم وهو جالس إلى مكتبه في معمله، وما يصنعه الناقد الأدبي وهو يطالع قصيدة من الشعر، هو نفس ما يعمله أي شخص آخر حينما ينشغل في نشاط مماثل- هذا إذا كان يريد أن يتفهم موضوعه. والفرق بينهم جميعا إنما هو فرق في الدرجة، لا في النوع. فتلميذ المدرسة إذ يدرس الطبيعة هو واحد من المشتغلين بعلم الطبيعة، وإنه لأسهل عليه أن يدرسها وهو يسلك سلوك عالم الطبيعة من أن يدرسها بأسلوب غير ذلك. و”غير ذلك” في العادة تتضمن عملية حذق ما أطلق عليه في وورد زهول “اللغة الوسيطة”، أي المناقشات داخل الفصل، والكتب المدرسية، التي تتحدث عن النتائج في ميدان من ميادين البحث العقلي بأكثر مما تركز نفسها على البحث نفسه. فإذا نظرنا إلى الموضوع من هذه الناحية كان تدريس الطبيعة في المدارس الثانوية في الوقت الحاضر قليل الشبه بعلم الطبيعة، والعلوم الاجتماعية بعيدة كل البعد عن شؤون الحياة وشؤون المجتمع، والرياضيات المدرسية منقطعة الصلة بلب الدراسات الرياضية.
ويتصل الموضوع الرابع بالرغبة في التعليم والتحصيل أو ما يعرف بالدافعية وكيف يمكن تنشيط هذه الرغبة. وإثارة التشوق إلى المادة هو من الناحية المثالية خير دافع إلى تعلمها.
هذه المواضيع الأربعة خصص لها برونر فصولا من كتابه شرحها فيها بكل إسهاب. ولكننا نختار التوقف قليلا عند الموضوع الأول (موضوع التعليم البنيوي) لأهميته الكبرى في مقاربة برونر لموضوع التعليم والتعلم.
إن الهدف الأول من أي عمل من أعمال التعليم، بالإضافة إلى ما يمنحه للمتعلم من لذة، هو أن يكون هذا العمل ذا فائدة له في مستقبل حياته.
فالتعليم لا ينبغي أن يقتصر في أثره على الانتقال بنا إلى نقطة ما، بل يجب أن يسمح لنا بأن ننتقل فيما بعد إلى نقطة أبعد من سابقتها في يسر وسهولة. وهناك طريقان يفيد فيهما التعلم صاحبه في مستقبل أيامه. الأول عن طريق التطبيق النوعي لهذا التعليم على مسائل شديدة الشبه بما تعلمه في الأصل.
أما الطريق الثاني الذي يساعدنا فيه ما تعلمناه سابقا على أداء مثله فيما بعد بمزيد من الكفاية فهو طريق انتقال أثر مبادئ التعلم الأصلي وأثر السلوكات المرتبطة به. ويتلخص هذا الطريق في جوهره في أن يتجه تعلم التلميذ أساسا، لا إلى اكتساب مهارة من المهارات، بل إلى امتلاك فكرة عامة يمكن استخدامها فيما بعد كأساس للتعرف على ما يصادفه التلميذ مجدّدا من مشكلات تقع في حيز الفكرة العامة التي سبق له أن حذقها. وهذا النوع من الانتقال هو ركن أساسي من العملية التربوية في توسيع دائرة المعرفة وتعميقها باستمرار في صورة أفكار عامة وأساسية.
ويعتمد استمرار التعلم الذي يحدثه هذا النوع الثاني من الانتقال (انتقال أثر المبادئ والسلوك) على الإلمام الكامل بالتنظيم البنيوي للموضوع.
توجد أربعة مبررات على الأقل تؤيد كلها ضرورة تعليم التنظيم الأساسي للمادة الدراسية:
أولها أن الإلمام بأساسيات موضوع من الموضوعات يجعل هذا الموضوع أكثر فهما وإدراكا. ينطبق ذلك على علوم الطبيعة والرياضة بقدر ما ينطبق على العلوم الاجتماعية والآداب.
وأما المبرّر الثاني فهي تتصل بذاكرة الإنسان. ولعل أصدق ما يقال عن ذاكرة الإنسان، بعد قرن كامل من البحث الوافي، هو أن التفاصيل سرعان ما تنسى، اللهم إلا إذا كانت داخل إطار من النمط التنظيمي، مثلما ما هو الحال مع المعادلات الرياضية الضابطة لبعض الظواهر الفيزيائية.
ويأتي بعد ذلك المبرر الثالث، وهو أن فهم المبادئ والأفكار الأساسية ليس بمثابة تعلم شيء مخصوص فحسب، بل يعني كذلك تعلم نموذج لفهم أشياء أخرى مشابهة له، مما يصادفه في حياته.
وننتقل بعد ذلك إلى المبرر الرابع لتوكيد أهمية التنظيم البنيوي وأهمية المبادئ في التعليم. ذلك أننا نستطيع أن نضيق الثغرة بين المعرفة “الأولية” والمعرفة “العالية” إذا نحن عمدنا باستمرار إلى إعادة فحص المواد التي تدرس في المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية بحسب مميزاتها الخاصة. غير أن جزءا من الصعوبة التي نجدها الآن في التدرج من المدرسة الابتدائية عبر المدرسة الثانوية إلى الكليات هو أن المواد التي يحفظها التلميذ في سن مبكرة هي إما متأخرة في مسايرتها للزمن، وإما مضللة بسبب تخلفها الشديد عن مسايرة التقدم في ميدان من ميادين المعرفة. ومن ثم فإن هذه الثغرة يمكن تضييقها عن طريق ذلك النوع من التوكيد الذي عرضنا له والخاص بتعلم التنظيم البنيوي للعلوم.
إن الفكرة الأولى التي بيناها هي أن المنهج في أي موضوع من الموضوعات يجب أن يقوم على أوسع قسط من الفهم الجوهري للمبادئ الأساسية التي تضفى على الموضوع صبغة تنظيمية، وأن تعليم الموضوعات الخاصة (مقابل البُنى العامة) أو المهارات دون توضيح مكانها من التنظيم الجوهري الأوسع لميدان من ميادين المعرفة هو عمل يتسم بضياع الجهد سدى في كثير من النواحي. ويجب التأكيد أخيرا – بحسب برونر- على أن تخطيط المناهج تخطيطا يعكس التنظيم البنيوي لميدان من ميادين المعرفة يحتاج إلى الإلمام دقيق وعميق بهذا الميدان. ومن فهي مهمة لا يمكن تحقيقها إلا بالمساهمة الفعالة من أكبر الأساتذة ورجال العلم قدرة وكفاية.
3– المدرسة الفنلندية: ما سرّ امتيازها ؟[101]
كشفت منظمة PISA عن نتائج التحقيق الذي أجرته حول التقديم العالمي نتائج المتمدرسين دون 15 عاما. و قد أفضى هذا التحقيق إلى تصدر فنلندا تلاميذ العالم في اختصاصات الرياضيات والعلوم كما انتزعت المرتبة الثانية عالميا في مادة التعبير الكتابي. ويعزى ذلك أساسا إلى اتباع هذا البلد الاسكندنافي نظاما تعليميا و تربويا فعالا .
لقد نجحت فنلندا بسهولة في وضع نظام بيداغوجي وتربوي متناسق يقوم على تركيز نظام المجموعات :مجموعات القسم (الفصل)، ومجموعات مساندة صغيرة، ومجموعات التكفل بالمساعدة الفردية للتلاميذ، الهدف منه أساسا جعل الفرد–المتعلم محورا للعملية التعليمية-التعلمية، أو كما يصرح مدير أحد الأقسام التربوية AYTAS VESA أن هذا النظام يسعى إلى «منح كلّ متعلم مساعدة فعالة من خلال إذكاء قدراته الذاتية في أقل زمن ممكن»[102].
ويحرص هذا النظام على أن تساهم الهندسة المعمارية للمدارس الموفرة لفضاءات حميمة ميسرة للتواصل بين مختلف الفاعلين التربويين في تحقيق هذا الهدف، كما هو الحال في مدرسة KOULOU MESTRAIN. والجدير بالتنويه أن مدة التمدرس لدى تلاميذ فنلندا تتراوح بين 6 و12 سنة باعتبار أن إجبارية التعليم تبدأ من سن السابعة إلى حدود السن 17.
كما يمنح نظام التعليم الفنلندي إلى الأولياء هامشا من المشاركة في العملية التربوية داخل المؤسسات التربوية من خلال نظام المجموعات (مجموعات مساندة) وهو في ذلك يختلف تماما عن النظام السائد في فرنسا. ويكفي لمعاينة هذا الفارق متابعة سلوك التلاميذ الفنلنديين في مدارسهم، حيث يقترب هذا السلوك أكثر إلى الأنشطة الحرة الموجهة، منه إلى الدروس “المنضبطة “. « فالسبورة التفاعلية -كما تقول المدرِّسة MARITA HARVI -توفر مقاربة ملموسة للمعارف في القسم تعجز عنها الطرق التقليدية. حيث يقبل عليها التلاميذ لتقديم أجوبتهم وإسهاماتهم وكأنهم في خلية نحل نشيطة بعيدا عن أي انضباطية مصطنعة».
غير أن عوامل النجاح في هذا البلد لا يمكن أن تُفسّر فقط باعتماده لوسائل تكنولوجية متطورة وإنما يعود هذا النجاح خاصة إلى المقاربة المعتمدة في النظر إلى قدرات التلميذ ومكتسباته. فالمربي الفنلندي يرفض بشدّة الحديث عن التلميذ الفاشل، وإنما يوجد بنظره تلاميذ يحتاجون إلى مساندة خاصة تضبطها المؤسسة التربوية بدقة ثم تعالجها وفقا لوضعية التلميذ وبشكل فردي، وهو الأمر الذي ينسحب على التلاميذ المهاجرين رغم قلة عددهم في المدارس الفنلندية، حيث أنّ نسبتهم لا تتعدى 2%.
ففي مدرسة ESPOO مثلا، يوجد بعض التلاميذ من أصول صومالية وروسية ومكسيكية أغلبهم بصدد تقوية مهاراتهم في اللغة الفنلندية، ضمن نظام المجموعات. ورغم عددهم المحدود فإنّ حصصا إضافية تخصص لهم، لا فقط لتجاوز الصعوبات التي تعترضهم في اللغة الرسمية للبلد وإنما للتمكن من استيعابها على نحو جيّد. يقول أحد المسؤولينNESA AYTAS: “نرفض فكرة اللامساواة بين التلاميذ في المدرسة”. التلميذ في المدرسة الفنلندية “زبون” على حد تعبير الأستاذة كلود أنتلاّ التابعة للمعهد الفرنسي بهلسنكي. والمقصود بذلك أن الإطار التربوي في خدمة نجاحه وبصفة متميزة. لا تقدم له إلا بضاعة معرفية وبيداغوجية جيدة. وجودة المعرفة هو في مدى أجرأتها ومناسبتها لنسق التلميذ في التعلم وكذلك في مستوى تحصيله لها. والمعلم الذي لا يرضى عنه الأولياء لفشله في تقديم البضاعة الجيدة ليس له حظوظ في الاستمرار في عمله. “إذا ما واجه التلميذ صعوبات في التعلم، فنحن المسؤولون عن ذلك بدرجة أولى، وعلينا إيجاد حلول لذلك”: يقول المعلم كاري بتكانان.
لقد أظهر تقرير PISA خلال السنتين 2001 و2003 أن المدرسة الفنلندية هي أكثر المدارس عدالة من حيث التعامل مع التلاميذ بقطع النظر عن أصولهم الاجتماعية أو المهاجرة. فكل أنواع المساعدة المقدمة إلى تلاميذها مجانية وسوق الدروس الخصوصية (التدارك) لا وجود له. فالدولة الفنلندية تخصص نسبة تصل إلى 6 % من الناتج الداخلي الخام للاستثمار في مجال التربية والتعليم وهو قطاع يتمتع بأكمله بالمجانية.
أ- مقاربة برغماتية
توفّقت مدرسة ESPOO الفنلندية إلى ابتكار بيداغوجيا تحمل بصمات كبار علماء البيداغوجيا وتتمحور حول مفهوم التعلم عبر الفعل Learning by doing وهو ما يتوافق مع المقاربة البنائية التي تعتبر التعلم فعل في الأشياء[103]. ومن شأن هذه التعلمية الناجعة أن تمنح للمتعلمين مستقبلا-أي في المرحلة الثانوية- مقاربة أقل نظرية من تلك المتاحة للتلاميذ في مدارس أخرى أوروبية كالمدرسة الفرنسية[104].
وينسحب هذا النهج البرغماتي حتى على مادة الرياضيات : يقول جولي فاليجر مدير معهد البحوث التربوية في جامعة جيفاسيكلاي: “حتى المعارف التي تستهدف التمكن من علم الرياضيات ليست واحدة وتختلف من تخصص إلى آخر. إن نظام التعليم الثانوي في مادة الرياضيات يستهدف وضعيات محددة تحتاج كل منها إلى معالجة و حلول من نوع خاص”.
إن هذه المقاربة منحت الفنلنديين حظوظا أوفر لتصدُّرِ قائمة البلدان المقيّمة من طرف PISA، لاسيما وأن هذا المشروع الدولي يركّز أكثر تقييماته المؤثرة على المعارف الوسيلية والتطبيقية (Le savoir-faire) أكثر من تركيزه على المعارف النظرية الخالصة. كما تجدر الإشارة إلى أن الطرق البيداغوجية تختلف من مدرسة إلى أخرى. والملفت للانتباه في التعليم الابتدائي والثانوي بفنلندا أن الإشراف البيداغوجي على المستوى المركزي محدود. يقول السيد جولي مبينا محدودية التدخل المركزي “تخصص وثيقة بيداغوجية بـ200 صفحة للمتعلمين في سن ما بين 6-9 سنوات و وثيقة أخرى بنفس الحجم لمن هم في سن ما بين 9-17 سنة”. وفي المقابل فإن السلطات المحلية (البلديات مثلا) تتمتع بهامش من التسيير باعتبارها ممولة للمدارس وتعيد توزيع ما توفره الدولة من حاجيات أساسية فضلا عن كونها الساهرة على تأمين جودة العملية التربوية بالبلاد. و يشير السيد جولي مدير البحوث التربوية إلى أنه مهما اختلفت المناهج فإن كل المدارس تصل إلى نفس المستوى المطلوب، وهو ما يطرح التساؤل التالي: هل أن الأمر يعود إلى أن كل مدرس فلندي يضع نصب عينيه الانتظارات الأوروبية، أم أن ذلك النجاح هو ثمرة سياسة اللامركزية؟ وهذا أمر مستبعد نوعا ما، خاصة وأن هذا البلد قد تكوّن بداية على المركزية وتدخل الدولة.
يؤكد السيد جولي على قناعة مفادها “بأن على الدولة أن تهتم فقط بالنتائج، على أن تترك للمدرسة الحرية الكاملة لتحدد الوسائل الكفيلة بالوصول إليها، حيث تمنح المؤسسة التربوية استقلاليتها وتتشجع المدرسين الذين بهم نجحت فنلندا في وضع النظام التربوي الأكثر جاذبية في أوروبا”. وعمليا فإن المجتمع والبلديات ورؤساء الأقسام التربوية يمنحون المدرسين حرية التصرّف بل توفر لهم عدة مساعدات من أهمها دورات التكوين المستمر. تقول السيدة المربية هارفي« لقد تلقيت صحبة زملائي تكوينا يستهدف القدرة على اعتماد السبورة الرقمية التفاعلية» وتطالب بأن تتولى الجامعات تكوين هؤلاء المدرسين بدلا من البلديات (من حيث الإشراف).وهكذا في مثل هذه الأجواء المفعمة بالثقة يصبح المدرس واثقا من قدرة تلاميذه على التقدم.
إن المدرسة الفنلندية تمنع منح أعداد وعلامات للتلاميذ إلى حدود سن 12 سنة، فطول هذه الفترة لا وجود لتلاميذ نوابغ وآخرين فاشلين، بل كل تلميذ يتابع تقدمه في المعرفة وفقا لنسقه الخاص به، ولذلك ينتفي الرسوب قبل المرحلة الثانوية، وعند الحاجة فإن نظاما للمساعدة يوضع موضع التنفيذ، والأهداف محددة دائما على مستوى المنظور حتى « لا يشعر الطفل بالإحباط ويتسنى له أن يلاحظ التقدم الذي يسجله».
وختاما فإن هذا النظام التربوي الذي تجنب تركيز تعليم يقوم على المنافسة قد مكّن نصف أعداد التلاميذ من الدخول إلى التعليم العالي.
وتسعى الحكومة الحالية عازمة أن لا تقنع بلادها بهذه الريادة العالمية، بل تطمح إلى تحقيق مزيدا من الاستقلالية للمدرسة الفنلندية. كما أنه قبل موفى سنة 2009، ستفتح أبواب الاستقلالية- التي كانت وراء نجاح التعليم الثانوي- أمام الجامعيين كذلك. ورغم تصنيفها الأولى من قبل PISA في ثلاث سنوات متتالية، فإن فنلندا لم تغلق ورشة الإصلاح التربوي وظلت تتخذ من التواضع ديانتها الثانية وتعتبر أن أمامها عملا آخر طويلا حتى تقترب من درجة الرضا عن الذّات.
ب- المهنة التي تصنع الحلم
إن المهنة الأكثر شعبية لدى الشباب الفنلندي هي بلا شك التدريس، فخلال هذه السنة تقدّم لها 1400 مترشحا من جامعة هلنسكي، تلقوا تكوينا يؤهلهم لتعاطي مهنة المدرس. غير أن الانتقائية كانت حادة فلم ينجح منهم سوى 100 مترشحا. تقول المكونة LEBRA KAKFORS في العاصمة الفنلندية« إن ما يجذبهم إلى هذه المهنة ليس الراتب وإنما الصورة التي يحظى بها المدرس في المجتمع». ففي فنلندا الريف، وفي بلد التعليم فيه إجباري منذ سنة 1921، يرتقي الأستاذ في نظر مجتمعه إلى مرتبة البطل الوطني (القومي) فهو الذي يتكفل بإيصال الثقافة إلى السكان المعزولين.
فمنذ سنة 1974، أصبح كل المدرسين يتمتعون بتكوين علمي في مستوى شهادة الماجستير -التي تتطلب خمس سنوات من التعلم العالي- تقوم أساسا على هيمنة التكوين البيداغوجي المستند على اختصاصات تربوية تشكل فيها العبارات التالية كلمات مفاتيح لجوهر منظومة التدريس: الفعل والتفكير الخلاق والأخلاق. فحسب المكونة KROKFORS يكون معنى ذلك كالآتي: «أولا، الاعتماد على الحركة والفعل، حيث يجد المدرس نفسه في مواجهة القسم منذ سنته الثانية في العمل. ثانيا، عليه التفكير في واقعه المهني من خلال اطلاعه على النماذج البيداغوجية السائدة، من أجل الوصول في النهاية إلى الرفع من مستوى هذا التفكير إلى الدرجة التي تمكنه من بناء أخلاقيات المهنة».
وأثناء التكوين يفضل أساسا العمل ضمن المجموعة على اعتبار أن الانتداب الذي يتولاه مدير المدرسة يؤدي بالمدرس إلى الانتماء إلى فريق عمل ويخضع طيلة حياته المهنية إلى التكوين المستمر الذي يوفر له كل الإمكانيات لمزيد تطوير أداءه.
التوظيفات البيداغوجية لهذا العنصر
بخصوص التوظيفات البيداغوجية لهذا العنصر، نرى أنه من الأنسب إرجاؤها إلى ما بعد الفراغ من عقد المقارنة بين معطيات الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث، حتى يتسنى لنا تقيم مجلوبات الفكر التربوي الحديث بميزان الأصالة التربوية، ثم ننظر بعد ذلك في وجوه الاستغلالات البيداغوجية التطبيقية للمناحي التي ثبت توافقها من ذلك الفكر مع هذا الميزان.
القسم الثالث:
جوانب الالتقاء والتمايز بين معطيات
الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث
توطئة
يتضمن هذا القسم أربعة محاور نظرية تمثل زبدة كل العمل السابق وهي تتعلق بالمقارنة بين الفكر التربوي في التراث والفكر التربوي الحديث مع استخلاص القيمة المضافة المرتقبة للنظام التربوي المنشود. وهذه المحاور هي التالية:
- جوانب الالتقاء
- جوانب التمايز
- التربية الحديثة في ميزان الأصالة التربوية.
- القيمة المضافة المرتقبة من النظام التربوي المنشود
يلي ذلك ثلاث محاور أخرى تتعلق بالجانب التطبيقي للمشروع من زوايا نظر البحث الراهن، وهذه المحاور هي التالية:
- كيفية تنزيل سمات الأصالة التربوية على أرض الواقع
- العوائق التي قد تعرقل تنزيل سمات الأصالة التربوية
- مدى فعالية البحث الراهن في السياق الحضاري المعاصر
وفي النهاية سنقدم خاتمة تتضمن خلاصة البحث وأهم نتائجه وتوصيات إلى القائمين على المشروع.
أوّلا: جوانب الالتقاء بين الفكر التربوي في التراث و الفكر التربوي الحديث
تمهيد:
يفيد النظر في المدونتين التربويتين التراثية والحداثية أنهما يلتقيان في خمس مستويات على الأقل: المستوى التربوي المعرفي والمستوى التربوي العلائقي والمستويات الخاصة بتقييم معارف التلميذ وتكوين المعلمين و التأليف العلمي والمدرسي. وهذا الالتقاء ليس في التفاصيل والتعريفات الدقيقة للمفاهيم المتعلقة بالمستويات الخمسة المذكورة، وإنّما في التوجّهات العامة، حدسا وتأملا وتفكيرا واستقراء للخبرة والمشاهدة من جهة الفكر التربوي الإسلامي، وتجريبا وتنظيرا علميين من جهة الفكر التربوي الحديث. والمعروف أن الحدوسات القوية تسبق دائما العمل العلمي المنهجي، الذي يتخذ من تلك الحدوسات فرضيات له. حدث هذا في سياق الحضارة الأوروبية منذ عصر النهضة والأنوار، عندما سبقت حدوسات وفلسفات مونتانيي وروسو وهربارت نظريات بياجيه وفيغوتسكي وبرونر، وحدث هذا على مستوى التراث التربوي العالمي باستباق ابن خلدون لروسو ومونتانيي ومن ثمة لكل رواد الفكر التربوي الحديث، وقطعه مع ما أصبح تاليا من معيقات نهضة الأوروبيين-لولا تأسّيهم لاحقا بروح الثقافة الإسلامية من خلال فعل التثاقف إبان الحملات الصليبية على العالم الإسلامي- أعني الفلسفات اليونانية الميتافيزيقية التي حرمت العقل من استقراء ظواهر الطبيعة ومن استقراء طبائع العمران البشري لاعتمادها المطلق على التأملات الماورائية المجردة.
أما رواد الإصلاح التربوي في المشرق والمغرب الإسلاميين فقد أحيوا على أنحاء مختلفة تراث ابن خلدون وتشربوا روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها في إصلاح النوع الإنساني بالتربية والتعليم وقدح ذلك في وعيهم ما شاهدوه من تخلف شعوبهم وتقدم الأوروبيين.
على هذه الخلفية التاريخية المعرفية نشرع في رصد مستويات الالتقاء بين الفكر التربوي في التراث والفكر التربوي الحديث.
1- المستوى التربوي المعرفي
يلتقي الفكران الإسلامي والحديث على الصعيد التربوي المعرفي في ست نقاط نعرضها في ما يلي:
أ- التدرّج بالمتعلم واعتماد مسار تعليمي-تعلمي لولبي في الارتقاء بمعارفه وكفاياته
من الأفكار التربوية الهامة التي اتفق حولها رواد الفكر الإصلاحي في تراثنا التربوي مع أفكار أعلام التربية الحديثة هي فكرة التدرج بالمتعلم من مرحلة “نشوئية” إلى أخرى، مراعاة لنمائية قدراته المعرفية المختلفة بحيث لا يتم الانتقال من علم إلى علم إلا بإتقان العلم السابق، وكذلك اتباع مسار لولبي (أو حلزوني) في عملية مساعدته على توسيع معارفه وتنمية قدراته وكفاياته المعرفية. هذا ما أشار إليه ابن خلدون بكل وضوح في المقدمة وكذلك الطاهر بن عاشور في “أليس الصبح بقريب؟”مثلا من جهة الفكر التربوي الإسلامي، وما أكدته المدرسة البنائية من جهة الفكر التربوي الحديث.
لنذكّر على سبيل المثال بقول ابن خلدون بخصوص ضرورة مراعاة المرحلة النمائية المعرفية للمتعلم: “وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم… ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه…[وذلك] قبل أن يستعد لفهمها فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا… و[إنّ] المتعلم إذا حصّل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق”[105]. هذا القول الخلدوني يتطابق في جوهره مع فكرة العالم السويسري المعاصر جان بياجيه (في كتابه ست دراسات في علم النفس التكويني مثلا) حول بناء الشامات الذهنية (البنيات الذهنية الأولية) التي تزداد تعقيدا وتوسعا بالموازاة مع نضج الطفل البيولوجي والعقلي[106]. وهو ما ذهب إليه كذلك الشيخ الطاهر بن عاشور الذي كان معاصرا له، ولكن من خلال تعيينه لأنواع المهمات التعليمية التي يجدر بالمعلمين تكليف المتعلمين بها في كل مرحلة من مراحل تعليمهم: الابتدائية والوسطى والعليا. ففي معرض نقده لضروب الخلل في التعليم الزيتوني في كتابه “أليس الصبح بقريب؟”، يذكر ابن عاشور في السبب السادس لحصول ذلك الخلل والمتضمن للفكرة التي نوهنا بها: “الغفلة عن إعطاء كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها مما له أثر في تقويم الفكر وذلك بالاعتناء بما يجعل ذهن التلميذ مراعيا لما تجب مراعاته من القواعد في المرتبة الابتدائية ليتمكن وهو ناشئ في التعليم من العمل بما علمه، وذلك أن يطالب باستحضار المهم وأن يلقي عليه ما له أثر عملي، وأن يكرَّر سؤالُه فيه، وأن يكلَّف بتحريرات يظهر فيها أثر معرفته، وفي المرتبة المتوسطة يصير التعليم راميا إلى تقوية التفكير والجمع والتحليل. وفي المرتبة العالية يصير التعليم يرمي إلى الاستنتاج والنقد، وفي كل تلك المراتب لا تكون العناية إلا باللب من العلم لا بالألفاظ والقشور” (ص. 125).
أما عن المسار اللولبي (الحلزوني) الذي يحسن اتباعه في التمشيات التعليمية-التعلمية فنذكّر بقول ابن خلدون التالي: “اعلم أنّ تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا، يلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفنّ [الاختصاص المعرفي] هي أصول ذلك الباب، ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعي في ذلك قوّة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفنّ، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفنّ [الاختصاص المعرفي] وتحصّل مسائله تمّ يرجع به إلى الفنّ ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها… [وهكذا مرة بعد مرة] إلى أن ينتهي إلى آخر الفنّ فتجود ملكته… فيخلص من الفنّ وقد استولى على ملكته”[107] .
هذا القول يجدُ شبيهَه الكامل لدى عالم النفس الأمريكي المعاصر جيروم برونر الذي يقول بوجوب أن يكون المسار بحيث يعود، كلما تقدمت مستوياته، إلى التذكير بالمعارف الأساسية المتعلمة مرة بعد أخرى، مؤسسا عليها في كل مرة، إلى أن يدرك التلميذ بالكامل البنية الأساسية التي تنتظم وفقها تلك المعارف. وهذا ما يسمّيه برونر بالمنهج اللولبي[108].
ب- النقل التعليمي
إن احترام المراحل النشوئية للمتعلمين يستوجب إجراء عمليات تطويع للمعرفة المختصة حتى تصبح في متناول المتعلمين بحسب مراتبهم التعلمية وهو ما يعرف اليوم في اختصاص تعلمية المواد (ديداكتيكية المواد) بالنقل التعليمي، وهذا المفهوم نحته ايفس شفلاّر Yves Chevallard سنة 1985في كتابه الموسوم بـ”النقل التعليمي: من المعرفة العالمة إلى المعرفة المعلّمة”[109] وعرفه بكونه ” تمش يتم بموجبه نقل معرفة ما من معرفة عالمة إلى معرفة يراد تعليمها ثم إلى معرفة معلمة فعلا”. أي أن هذا النقل التعليمي يتم على فترتين: الفترة الأولى تخصص لعملية النقل الخارجي ( يقوم بها واضعو المناهج خارج القسم) والثانية مخصصة للنقل الداخلي (يقوم بها المعلم لقسمه بحسب نسق تعلمه واحتياجاته ومستواه العام). وتعلمية المواد التي تتضمن هذا المفهوم من أحدث العلوم التربوية، حيث أنه لم يمض على ظهورها إلا حوالي أربعين سنة فقط(ظهرت بفرنسا في بداية السبعينات)، ومفهوم النقل التعليمي ظهر كما أسلفنا سنة 1985، وبالرغم من ذلك فإن ابن خلدون قد سبق كل رواد التعلميّة بسبعة قرون كاملة في اكتشافه لظاهرة النقل التعليمي واختلاف طبيعة المعرفة العلمية عن طبيعة المعرفة المدرسية، لما تجري لها من تطويعات لتقريبها إلى غايات النظام التربوي من جهة وإلى قدرات المتعلمين ومستوياتهم التعليمية من جهة أخرى. نذكّر هنا بقول ابن خلدون المفرق بين اصطلاحات المعلمين واصطلاحات العلم في حدّ ذاته: “والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلّطة على المتعلّم، حتّى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم. ولا يدفع عنه ذلك إلاّ مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلّمين. فلقاء أهل العلوم، وتعدّد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات، بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرّد العلم عنها ويعلم أنّها أنحاء تعليم وطرق تحصيل”[110]. أي، مجرّد نقول تعليمية لا علوم محضة في حدّ ذاتها.
كذلك نجد لدى الشيخ الطاهر بن عاشور وعيا واضحا بمسألة النقل التعليمي الضروري في وضع المناهج والمقررات الدراسية (التآليف بعبارة ابن عاشور)، وعن ذلك يقول: “لا ينبغي أن نترك الأساتذة وشأنهم في اختيار التآليف للتدريس، ولا أن نقف تماما عند ما وجدنا من الكتب السابقة، بل يجب الاختيار في ذلك وإنشاء ما نحتاجه على أسلوبنا المطلوب، بمعنى أن يكون بعضها ابتدائيا لثان يتلوه ثالث حتى تبلغ التعليم الأعلى […] و[علينا بـ] ترجمة ما نحتاجه من كتب العلوم التي تقدمت تقدما واسعا على ما تركها فيه سلفنا مثل كتب الهيئة والطبيعة والجغرافيا وطبقات الأرض، مع رعي المطابقة لمقتضى حال العصر من بث فضائل الأخلاق والآداب الجميلة التي أصبحنا في احتياج إليها، مع التحريض على العمل” (ص. 172).
ج– المطارحة والحوار
وهذه مسألة يؤكّد عليها ابن خلدون والطاهر بن عاشور وكذلك الحداد وينوه هؤلاء الأعلام بضرورة الاعتناء بالكيف وبتنمية قدرات المتعلمين الذهنية عوضا عن التركيز على الكم وعلى إنهاك الذاكرة بالحفظ الركيك. حيث يقول الطاهر بن عاشور أن المناظرة والمطارحة والحوار، أفضل من الحفظ والاستظهار. كما يدعو ابن خلدون قبله إلى تمكين المتعلم من فتق لسانه (حلّ عقدته وتدريبه) بالحوار. هذه الفكرة تجد شبيهها في أدبيات التربية الحديثة من خلال مفهومي التفاعل المعرفي الاجتماعي والصراع المعرفي الاجتماعي الذين طورتهما المدرسة السوسيوبنائية أو ما يعرف بمدرسة جنيف، ومن رموزها دواز Doise وبرّي كلارمون Perret-Clermont ومونييMugny . يمكّن التفاعل المعرفي الاجتماعي في صيغتيه التدافعية (الصراعية السلمية) والتجاوبية من تحرر المتعلم من تمركزه حول ذاته، وهو ما يعرف في القاموس السيكولوجي بالأنوية egocentrism، إذ يصبح قادرا بفضل ذلك التفاعل على تقييم أدائه المعرفي ومن ثمة على تحويل كلي أو جزئي للتفاعلات المابين ذاتية (أي الحوارات والنقاشات التي تجري بينه وبين الآخرين) إلى تمشيات ضمن ذاتية (تمشيات معرفية داخلية أي مكتسبة من قبل الفرد)[111]. بطبيعة الحال لم يفصّل السابقون من علمائنا القول في هذه المسألة كما فعل ذلك المحدثون من علماء النفس الغربيين، ولكنهم حدسوا بفطنتهم وبخبرتهم وقوة ملاحظتهم أن مثل هذه الحوارات والنقاشات مفيدة للمتعلم ومنمية لمعارفه ومطورة لملكاته.
ونزيد في هذا الباب، كمثال ملموس على استحسان رواد الإصلاح التربوي في العالم الإسلامي لطريقة المحاورة والمطارحة في التعليم، ما كتبه الشيخ الخضر حسين في الجزء الأول من “رسائل الإصلاح” عن محاورة طريفة شاهدها لدى زيارته لإحدى المدارس التركية، وهي في شكل مسرحية تلمذية غنية بمعانيها الأخلاقية وبدروسها اللغوية التعبيرية وبمراميها التربوية المعرفية (الصراع المعرفي والحجاج ومنطق التنازل المحمود عن الرأي عند ظهور خلله وفساده). يقول الشيخ الخضر عن مشاهدته تلك: “ثم عقدوا محاورات طريفة، منها محاور جرت بين تلميذين في التفاضل بين العلم والمال، ونصّبوا تلميذا ثالثا ينظر في حججهما، ويتولى فصل الخلاف بينهما، وبعد أن نفض كل منهما ما في كنانته، قضي بتفضيل العلم على المال، فإنّ المال من نتائج المعارف، ومن اللطائف في هذه المحاورة أن التلميذ الذي كان يفاضل عن المال قال لمفضّل العلم بعد فصل القضية : أستمنح منك العفو فقد كنت أنازعك وأنا على خطئ، فقال له التلميذ الحاكم : لا تسأله العفو فان المجادلة لم تكن بين شخصيكما، وإنما كانت جارية بين الحق والباطل، ومنها محاورة انعقدت بين تلميذين في المفاضلة بين السيف والقلم، وأحدهما ينطق بلسان القلم، والأخر يفاخر بلسان السيف فصل الحاكم المفاخرة بتفضيل القلم على السيف، وقال تنفيذا للحكومة: قم أيها السيف وقبل رأس القلم. ووقعت بعد هذا محاورة باللسان التركي بين تلميذين مثلا فيها أساليب التعليم العتيقة والحديثة» (ص. 77).
د- إدخال العلوم الوضعية العقلية والآداب في مواد التعليم
وهذا مما نادى به مثلا الشيخ الطاهر بن عاشور والمصلح الطاهر الحداد تأسيا بتجربة المدارس الإسلامية الأندلسية القديمة من جهة وبالمدارس الأوروبية الحديثة من جهة ثانية، مع وعي بتأثير الزمن في توسع العلوم وتطورها. فمن بين الأسباب التي عددها ابن عاشور لتأخر التعليم “التهاون بعدّة علوم نافعة[…كـ]العلوم العقلية العليا … وعلم البلاغة والتاريخ والعمران …” (أليس الصبح بقريب؟، ص. 177). ولذلك فهو لدى نقده لقصور تآليف المسلمين في العلوم الوضعية يقول: “أقتصر من توصيف قصور تآليفنا فيها على كلمة وهي بقاؤها على ما كانت عند اليونان[…]. وبالجملة فالحاجة اليوم إلى مترجمين نابغين لينقلوا ما يحتاج إليه من هاته العلوم لأهل اللسان العربي […فـ] يسمو بهم إلى منزلة قرنائهم من الأمم المعاصرة ونحن وإن كان بين يدينا من كتب بعض هاته العلوم ما يسد الخلة مثل الحساب والجغرافيا والهندسة والمساحة والهيئة.” (ص. 229). فظاهر هنا إذن حرصه على استجلاب ما ينقصنا من العلوم والمعارف العقلية من غيرنا من الأمم المتقدمة، تمهيدا لاستئناف دورنا الحضاري في إنتاج مثل تلك العلوم. ويردف هذا مباشرة بقوله: “ولكن أين نحن عن الطبيعة، والكيمياء، والجيولوجيا، والفسيولوجي، والزوولوجي، وحوادث الجو، والطب، والرياضة البدنية، والاقتصاد والسياسة، والتاريخ، وعلم العمران، والفلاحة، والصنائع، والفلك، والجبر، وتهذيب الأخلاق[الإيتيقا]، والتجارة، والموسيقى” (نفسه). وبطبيعة الحال، لا يدل غياب هذه العلوم العصرية عن تآليف المسلمين في فترته على عدم أصالتها، بل على العكس من ذلك تماما، إن هو إلا أمر دال على عجز المسلمين عن الامتثال الحقيقي لروح الدين الإسلامي الحاث على طلب العلم النافع بأنواعه وعلى تقاعسهم عن الاستجابة لدعوة القرآن الكريم بالنظر ماذا في السماوات والأرض[112] وما يستبع مثل ذلك النظر المنهجي من بناء علوم السماوات والأرض بأنواعها.
ﮪ – مراعاة ميول المتعلم
من مبادئ التربية الحديثة المرتكزة حول المتعلم هو مراعاة ميوله، وهذا لم يفت رائد الإصلاح التربوي الطهطاوي كما لم يفت بعض أسلافه المسلمين الذين جاؤوا قبله بقرون. ويقول رفاعة الطهطاوي في المرشد الأمين إن على ولي الأمر أن يتأمل حال الصبي ليرى ما هو مستعد له من الأعمال، وحتى يستطيع أن يوجهه التوجيه الصالح، ولا يحمله على غير ما هو مستعد له، ويرى أن التربية الصحيحة هي تلك التي تلائم استعداد الطفل فتعمل على استغلال ذلك الاستعداد لنأخذ بيده حتى ينضج وأنه لا بد من مراعاة ميول المتعلم، وذلك بعد الابتدائية والتجهيزية (الثانوية) لمختلف العلوم والصنايع.
وقد قال ابن القيم رحمه الله في مراعاة استعدادات الطفل وميوله: “ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره، ما كان مأذوناً فيه شرعاً ، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم صحيح الإدراك، جيد الحفظ واعياً، فهذه من علامات قبوله و تهيئهُ للعلم ، لينقشه في لوح قلبه، ما دام خالياً ، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها، من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن لذلك، و إن رأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليمكنه منها هذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك ميسر على كل أحد، لتقوم حجة الله على العبد، فإن لله على عبادة الحجة البالغة،كما له عليهم النعمة السابغة” (تحفة المودود في أحكام المولود، ص. 243،244)[113].
2- المستوى التربوي العلائقي
الاهتمام بحسن العلاقة التربوية بين المعلم والمتعلم وتجنب تعنيف الصبيان والترفق بالمتعلمين لإكسابهم الثقة بأنفسهم وتهيئتهم نفسيا لمرقى النقد والابتكار والمساهمة في إنتاج المعرفة، كل هذه المعاني التي نوهت بها المدرسة التربوية الحديثة نجدها ظاهرة بوضوح في الخطاب الإصلاحي التربوي الإسلامي.
ولا نعيد هنا ما سبق أن نقلناه عن ابن خلدون بخصوص كراهته الشديدة للقسوة على المتعلمين وإنما نورد بعض الشواهد على ذلك من أقوال الشيخ المصلح محمد الخضر حسين.
يروي لنا الشيخ الخضر في كتابه “الرحلات“(باب تعليم الصبيان) ما شاهده في درس أحد الشيوخ التقليديين، فيقول مستنكرا: «ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر، وانتدبت للتحية مكانا بين مجمعين لتعليم القرآن، فانشق صدري أسفا لأحد المعلمين، إذا كان لا يضع العصا من يده، ولا يفتر أن يقرع بها جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من القوة، وربما قفز الصبي آبقا من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبرا، فيثب في أثره بخطوات سريعة ويجلده بالمقرعة جلدا قاسيا، حتى قلت لأزهري كان بجانبي : من جلس إزاء هذه المزعجات فقد ظلم نفسه». وذكرت أني ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلدة بنزرت حالما كنت قاضيا بها، وأدرجت فيها ما قرره صاحب المدخل من الرفق بالصبي، وعدم زيارة المعلم إن اضطر إلى ضربه ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة للضرب مثل عصا اللوز اليابس والفلقة. ولمّا خطبت في هذه الآداب، أرسل لي بعض المعلمين كتابا على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب، ويقول أن هذا مما ينبه قلوب التلاميذ للجسارة علينا» ( ص.51).
غير أن الشيخ الخضر لا يذهب في معاملة الصبيان مذهب من يفرط في التساهل مع الصبيان-كما ذهبت إلى ذلك مثلا مدرسة سومرهيل الحديثة التي لم تثبت نجاعتها في تكوين الأطفال لإطلاقها الحبل على الغارب في معاملتهم- وإنما يوصي بالتزام منهج وسط بين الرأفة المفرطة والشدّة المفرطة، وهو منهج المحبة المخلصة مع الحزم والجد. يقول الشيخ في “السعادة العظمى“: “لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن تُفْتَكَّ من الصبي سائرُ إرادته، ويُسلب منه جميع عزائمُه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب؛ إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام؛ فيكون ألعوبة بيد معاشريه كالكرة المطروحة يتلقفونه رجلاً رجلاً، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون”( السعادة العظمى – عدد7 – غرة ربيع الثاني 1322 المجلد الأول، ص.99.).
وإلى جانب الاعتدال في معاملة المتعلمين، يدعو الشيخ الخضر إلى التواضع معهم حتى ينشؤوا على الثقة في النفس التي تورّثهم الجدّ في طلب العلم أي تقوية دافعيتهم إليه. وهو يقول في هذا الصدد: “أما الأستاذ فلا يتعاظم على طالب العلم، فمن مظاهره الإصغاء إليه عند المناقشة، وإجابته عمّا سأل في رفق، وتلقي ما يبديه من الفهم بارتياح وإنصاف، فإن أخطأ نبهه لوجه الخطإ، وإن قال صوابا تقبله منه بارتياح. وارتياح الأستاذ لآثار نجابة الطلاّب مما يزيدهم جِدّا في الطّلب، ويشعرهم بالاستعداد ليكونوا من النوابغ، وإنّما ينبغ الناشئ متى في العلم متى سطع في نفسه مثل هذا الشعور”(رسائل الإصلاح، ج.1، ص. 156). كل هذه المعاني تتطابق من دون شك مع جاءت به التربية الحديثة من مفاهيم نفس-تربوية مثل التعزيز( أعمال سكينر رائد الجيل الثاني من المدرسة السلوكية بأمريكا)[114] والدافعية والانفعالية الموجبة وتثمين الذات (بداية من أعمال أبراهام ماسلوو سنة 1943[115] وصولا إلى الأعمال المقدمة في مؤتمر الحمّامات الدولي حول تشابك العرفان والوجدان والدفعان[116] cognition-emotion-motivation في نوفمبر 2009، مثل أعمال آرت ماركمان Art Markman و بنديكت جندرون Bénédict Gendron وبرنار ريمي Bernard Rimé ودانيال فافر Daniel Favre ورياض بالرجب وسليم المصمودي ومصدّق الجليدي…الخ).
3- مستوى تقييم معارف التلميذ
لقد نادى كل من الشيخ الطاهر بن عاشور والشيخ الخضر حسين بالقيام بإصلاحات في نظام التقييم والمناظرات، حتى لا يكتفى في امتحان المتعلمين دعوتهم إلى تكرار ما حفظوه من معلومات من دون أدنى اختبار لفهمهم لذاك الذي حفظوه. فمما جاء في وصف ابن عاشور للحالة السيئة التي كانت عليها الامتحانات في التعليم الديني التقليدي هو نقده لعكوف الطلبة “على حفظ المقالات فصاروا حملة أسفار ضعفاء أفكار وبذلك ضاعت نجابة النجباء بقلة استعمالها واستوى الجميع في الحفظ ولا شك أن مبادئ الملكات إذا لم يحسن استعمالها ذهبت وئيدة الإهمال والغلة” (أليس الصبح بقريب، ص. 241). وهو ما أدى بهؤلاء الطلبة أن أصبحوا “أقدر على الجواب في الأسئلة عن القواعد منهم على الجواب في الأسئلة التطبيقية للقواعد في الفن الواحد فإذا سألت أحدهم عن قاعدة أجاب عنها وإذا سألتهم عن جزء من تلك القاعدة لم يتفطن لكونه من جزئياتها.” (نفسه، ص. 242).
وبصفة عامة، وقع التنبيه على عدم الاكتفاء بتقييم القدرة على التكرار والاستظهار وإنما إضافة امتحان المتعلم في قدرته على الفهم وفي قدراته التواصلية والحجاجية والتأليفية. يقول الشيخ الخصر حسين في كتابه “تونس وجامع الزيتونة”: “ونودّ لو أن المشايخ النظّار يأخذون بطريقة مناقشة الطلاب في درس الامتحان حتى يتضح مقدار فهم الطالب جليا، ولتكون هذه المناقشة من دواعي مواظبتهم على الدروس وإقبالهم على ما يقرره الأستاذ ليكونوا من كل ما يلقه على بينة»( ص. 30).
كل هذا يتوافق مع ما تؤكد عليه الأدبيات التربوية المعاصرة الخاصة بالتقييم[117] حتى وإن كانت هذه الأدبيات تفصل القول في هذا الأمر أكثر ، حيث يقع الحديث في هذه الأدبيات مثلا عن تقييم الكفايات والتمشيات العرفانية[118] التي هي سيرورات عرفانية خفية ولها تمظهراتها في الأداء الملاحظ لدى الأفراد.
4-مستوى تكوين المعلمين
الاهتمام بتكوين المدرسين ومدهم بقواعد صناعة التعليم الحديث. وهذا ما أكد عليه الشيخ الطاهر بن عاشور في مشروعه التربوي الإصلاحي، من ذلك مثلا قوله: “من الواجب أن لا ينتخب للتعليم إلا من تمرس به وعرف مراتب الأفكار ليعلم التلامذة كيف ينتبهون إلى دروسهم ويفهمونها بدلا من الضجر الذي يصيبهم الآن فيها ويقلل النبوغ فيهم ولذلك يجب أن تدرس صناعة التعليم قبل انتصاب المدرس للتدريس” ( أليس الصبح بقريب، ص. 232). والمعروف في الأنظمة التربوية الحديثة فتحها لمعاهد عليا لتكوين المعلمين بصيغ مختلفة، ومواصلة تكوينهم تكوينا مستمرا حتى بعد تخرجهم من تلك المعاهد لتجدد العلوم والمقاربات التربوية بصفة لا تنقطع.
5- مستوى التأليف العلمي والمدرسي
من أهم الأفكار التي نسجلها في هذا المستوى الدعوة إلى رفع القيود عن الحريات الأكاديمية في البحوث والتآليف وإدماج العلوم العقلية والعلمية التجريبية واللغوية والإنسانية فيها، تمثّلا لتكامل المنهج التربوي الإسلامي الذي يعنى بكل مستويات الوجود الإنساني والطبيعي من جهة، واقتداء بسيرة الأمم المتقدمة في مستوى ما هو كوني من المعارف والعلوم من جهة ثانية.
ثانيا: جوانب التمايز بين الفكر التربوي في التراث والفكر الإنساني الحديث
نؤكّد بهذه المناسبة على اختلاف مقارنتنا للفكر التربوي الإنساني الحديث بالفكر التربوي في التراث العربي الإسلامي عن تقييمنا له بميزان الأصالة التربوية، حيث أن تراثنا التربوي لا يستغرق كل مقومات التربية الأصيلة، إذ هو محاولات تاريخية قد تزداد أو تنقص تماثلا مع المثال التربوي القرآني الأصيل. ولذا قد ندرج في قائمة مميزات الفكر التربوي الحديث بعض الخصائص المفتقَدة في تراثنا التربوي ولكنها مع ذلك حاضرة بوضوح في المنهج التربوي القرآني مثل المنهج البنائي الذي يتفرع ضرورة عن المنهج الاستخلافي، لما فيه من تفعيل لمبدإ تكريم الإنسان وتحمله لأمانة الحرية والمسؤولية ودوره الذاتي في بناء وعيه بالعالم وإعادة تشكيله على نحو تتحقق من خلاله مقاصد الوحي البعيدة التي هي عين شوق الإنسانية إلى الرقي والتقدم والرفاهية والسعادة.
1- ما يتميز به الفكر التربوي في التراث عن الفكر التربوي الحديث
أ- التربية الدينية: إذ أن هذه التربية قد استبعدت من نماذج التربيات العلمانية في الغرب، خصوصا منذ أن رفعت الثورة الفرنسية شعار “أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قديس”. والتربية الدينية اليوم مقتصرة في أوروبا على المدارس الكاثوليكية من دون مدارس الجمهورية. ونذكّر هنا بتأكيد كل من الشيخ الخضر حسين والشيخ محمد رشيد رضا على هذا الأمر. يقول الشيخ الخضر حسين: “ولقد فكرنا وفكر المصلحون فألفينا الخطر كلّه أو جُلّه يرجع إلى نقص التعليم المدرسي وقصوره عن الوفاء بحاجات النفوس وتربيتها تربية دينية صحيحة، تسلحها ضد عاديات الأيام، وتقيها شر الزيغ والإباحة، وتحميها موارد الفسوق والفتنة، وتهبّ بها إلى استرداد مجدها الأول وعزها الراحل” (الدعوة إلى الإصلاح، ص148-149 ).
كما يقول الشيخ الخضر: “إذا تلقن شبابنا حقائق الدين نقية من كل بدعة، وابتهجت نفوسهم بحكمته ابتهاج البلد الطيب بالغيث النافع، فقد أعددنا للخوض في غمار الحياة رجالا لا يكتفون بالخطب تلقى على المنابر، ولا بالمقالات تحرر على المكاتب، بل يعلمون فيقولون، ويقولون فيفعلون” (مجلة الهداية الإسلامية الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع، ص.71 و كذلك في الدعوة إلى الإصلاح، ص. 71 ).
ب- العمق الروحي والغيبي في التربية الأخلاقية والمدنية: حيث يغيب هذا العمق عن الأخلاقية الغربية وكذلك عن مناهج تربيتها المدنية التي هي تربية محايثة[119] بإطلاق، بخلاف الأمر ي التربية الإسلامية، وهذا من بديهياتها، ولكنه يحتاج إلى إصلاح (انظر مثلا عمل عبد المجيد النجار وعمل عماد الدين خليل ضمن أعمال مشروع “من أجل إحياء نظام تربوي أصيل” ).
ج- التربية على العيش في الجماعة المؤمنة ومن أجلها: حيث أنّ التركيز المفرط على الفرد في النماذج التربوية الحديثة قد أسهم، بالرغم من فوائده الجمة، في ظهور الفرداوية [120]individualism التي تعني الانهمام المفرط بالذات الفردية[121]، بينما نجد في القرآن الكريم أنه من يتولىّ غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا[122] كما نجد في السنة النبوية أن “الجماعة رحمة والفرقة عذاب”[123]، وهذا يختلف عن مجرد التأكيد على الاهتمام بالشأن العام، إذ هو يشمله مدنيا ويتجاوزه روحيا.
د– التربية الشاملة لكل جوانب الشخصية ولكل أبعادها: وهذه نتيجة طبيعية لكل ما سبق. فشمولية التربية الحديثة غير شمولية التربية الإسلامية. فالتربية الحديثة قد اهتمت حدسيا بمختلف مكونات الشخصية العرفانية منها والوجدانية والاجتماعية[124]، وهي الآن تهتم بها علميا[125]، غير أنها اهتمامها بهذه المستويات الثلاث يختلف عن اهتمام التربية الإسلامية بها من جهتين. أما الجهة الأولى، فهي أن التركيز على البعد الاجتماعي في بناء الفرد هو فقط من أجل تسهيل التنمية العقلية له فهي بنائية اجتماعية من أجل بناء فردي خالص في إطار جماعي واسع. والتبادلية -التي يتحدث عن بياجيه مثلا في كتابه عن نمو الحكم الأخلاقي[126]– يصل إليها الفرد ليست في إطار تيسير عمل الجماعة، بل من أجل تسهيل اندماج الفرد فيها فحسب. أما التربية الإسلامية، فإنها إلى جانب حرصها على هذه الغاية الخاصة بالفرد، فإنها تؤهله ليكون في خدمتها لا بصفة نفعية بحتة وإنما بدافع من شعور الانتماء الروحي الملّي لها إن كانت جماعة المسلمين وبدافع من شعور الانتماء الروحي الكوني لها إن كانت جماعة الإنسانية كافة.
ﮪ– احترام المعلم: ما نلمسه في الأدبيات التربوية الحديثة هو عدم اكتراثها حقيقة بمسألة احترام الطلبة لمعلميهم. فتفحصنا لأشهر الأدبيات الغربية حول علاقة المعلم بالمعلم[127] يجعلنا مقتنعين بأنها تهتم أساسا بالكيفيات التي تكون بها العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة إيجابية من منظور المتعلم، بما يرغّبه في الدراسة ويضمن له النجاح. وهذه غاية مشروعة عقلا وشرعا ولكنها من طبيعة نفعية ضيقة، حيث تُهمل فيها الجوانب التربوية الأصيلة المتعلقة بالقيم النبيلة لذاتها، مثل قيمة احترام المتعلم وتوقيره أو قيمة الرحمة بالصبي وعدم القسوة عليه، بما هو شعور إيماني وإنساني ولا مجرد أسلوب بيداغوجي استلطافي للمتعلم لإيناسه بالمعلم وبالتعلم.
2- ما ينقص الفكر التربوي في التراث مقارنة بالفكر التربوي الحديث
أ- البنائية: جعل المتعلم محور العملية التعليمية سواء أكان فردا في حدّ ذاته أو عنصرا في مجموعة الأقران يدخل معهم في تفاعلات معرفية تبادلية أوصراعية لا أنويّة مخصبة ومثرية لشخصية كل واحد منهم سوسيو-معرفيا.
حيث غلب على التربية التقليدية التلقين واللفظية والتكرار عند الاستظهار.
ب- تعلميات المواد: وهي العلوم التعليمية الخاصة بكل مادة من المواد الدراسية على حدة والتي ينظر فيها إلى التمشيات والتفاعلات التعليمية-التعلمية من زاوية المعرفية في مراحلها الثلاث: المعرفة المنتجة من العلماء في حالتها البكر والمعرفة المراد تعليمها والمعرفة المعلمة فعلا.
ج-العلوم الإنسانية : مثل التاريخ والجغرافيا والفلسفة في التعليم الثانوي وهذه العلوم نفسها مضاف إليها بقية العلوم الإنسانية التي تدرس لطلبة الآداب مثل علم الاجتماع وعلم الإناسة وعلم الإحاثة وتاريخ العلوم والأفكار وعلم النفس…الخ.
د– التركيز على التقييم الجزائي على حساب التقييم التشخيصي والتقييم التكويني: وهذا خطأ وقع فيه الفكر التربوي القديم في تراثنا. ويهدف التقويم التشخيصي إلى اكتشاف نواحي القوة والضعف في تحصيل المتعلم ، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقويم التكويني من ناحية وبالتقويم الجزائي الختامي من ناحية أخرى. أما التقويم التكويني فهو التقويم الذي يتم تنفيذه عدة مرات أثناء عملية التدريس بقصد تحسينها ويمثل عملية إصدار أحكام موضوعية على سيرورة عمل أو على نتاج يمكن مراجعته وتطويره. وهو يهدف أساسا إلى إعطاء تغذية راجعة للمتعلم وتحفيزه على مواصلة التعلم بالطرق الأنسب، كما يمكن من التنبؤ بالحاصل النهائي والتحسب له في صورة نزوله عن المستوى المطلوب، بتعديل خطة العمل وبناء وضعيات تعليمية-تعلمية مناسبة لمعالجة الوضع.
ﮪ– التركيز على المحتويات بدلا عن الكفايات: والكفايات تتكون من معارف ومهارات وقدرات واتجاهات مندمجة بشكل مركب (تأليفي) اكتسبت في سياقات محددة. ويقوم الفرد الذي اكتسبها بإثارتها وتجنيدها وتوظيفها قصد مواجهة مشكلة ما وحلها في وضعية معينة.
و- غياب التربية على قيم المجتمع المدني الحديث مثل الديمقراطية (أو الشورى وفق صيغة جديدة) وعلى حقوق الإنسان والمواطنة الفعّالة. حيث وقع الاقتصار على تربية المسلم في الجماعة المؤمنة فقط ولم يهتم بتربية المتعلم-المواطن في المجتمع المدني.
ز- افتقاد العمل بمقاربة المشروع: مشروع المؤسسة ومشروع المتعلمين والمشروع التربوي والحضاري ككل. ومشروع المؤسسة تتبنى فيه خطة عمل من أجل معالجة النقائص والتقليل من حدة الفشل الذي يعانيه عدد كبير من التلاميذ أثنا مسارهم الدراسي، في مواد معينة كاللغات والعلوم مثلا، بحيث يكون المشروع وفق خصوصيات المؤسسة، للرفع من نسبة النجاح وبنوعية أفضل. وليس من الضروري أن يكون المشروع من أجل الترفيع في نسب النجاح، فقد يحتاج فيه فقط إلى تجويد التعليم ومخرجاته، في حال كسب رهان الكم. أما مشروع المتعلمين فهو يندرج ضمن مقاربة بيداغوجيا المشروع التي سبق الحديث عنها في خصائص المدرسة الحديثة. والمشروع التربوي الحضاري هو من النوع الذي نحاول الآن بناءه في مشروع “إحياء تربية أصيلة”.
ن- افتقاد العلوم المسماة علوم التربية كعلم نفس التربية وعلم اقتصاد التربية والتخطيط التربوي…الخ.
والوظيفة التي تؤديها علوم التربية وظيفة مزدوجة:
-فهي أولا تمد الفاعلين التربويين بتفسيرات علمية ومقاربات متعددة المداخل (سيكولوجية وسوسيولوجية وفلسفية واقتصادية ومنظومية…الخ.) لما يجري في الساحة التربوية وفي محيطها القريب والبعيد وتفسيرات لأسباب العطالة والتعثر في هذا الموضع أوذاك من العملية التربوية
– تقترح فرضيات عمل بداغوجية وتعليمية وتنظيمية ومنهجية، على قدر كاف من المرونة وتسمح بالتعديل عند اللزوم، وذلك لتعقد الظاهرة التربوية واختلافها من سياق مجتمعي إلى آخر ومن سياق ثقافي إلى آخر[128].
ثالثا: الفكر التربوي الإنساني الحديث في ميزان الأصالة التربوية الإسلامية
نبدأ أولا بالتذكير بميزان الأصالة التربوية الإسلامية:
1– مقومات التربية الأصيلة في الإسلام
لقد أفضت تحليلاتنا في القسم الأول من البحث أن مقوّمات المنهج التربوي الأصيل في الإسلام هي التالية:
- العمل على إيجاد توازن بين تجربتي الروح والمادّة.
- تربية الناشئة على أخلاق المسؤولية والاستخلاف وتحمل الأمانة الإلهية.
- تدريب المتعلمين على حسن استثمار خيرات الطبيعة المسخرة لهم من قبل الله عزّ وجلّ.
- تنمية روح الإبداع والإضافة لديهم في التعامل مع المحيط الطبيعي والاجتماعي.
- تنشئة الشباب على التواصي بالحق في الاجتهاد (بعد معرفي) والتواصي بالصبر في الجهاد (الأكبر والأصغر: بعد عملي).
- غرس روح الانتماء الحضاري والولاء الكامل للوطن وللأمة.
- التعليم الجيد للغة الأم واللغات الحية لأنها هي المحققة للأنسنة الفعلية للبشر بصفة متواصلة.
- تنمية المدارك العقلية للمتعلمين ليكونوا أهلا للتكليف ولتحمل الأمانة.
- ضرورة تربية حواس الناشئة وتطوير قدرتها على إدراك موضوعات العالم الخارجي.
- الانطلاق في تعليم الصغار من المحسوس ثم التدرج بهم نحو المجرّد.
- الاهتمام بالتربية اليدوية (تعلم الفنون والصنائع).
- الحث والتدريب على ممارسة العمل المنتج وكسب الرزق بالجهد الفردي وعدم التواكل بل التوكلّ.
- الحرص على تطبيق مقاربة تكاملية شاملة للتربية يعنى فيها بمختلف جوانب شخصية المتعلم ضمن محيطه الأسري والاجتماعي والكوني.
- مراعاة الفروق الفردية في التعلّم.
- اعتماد نظرة بنائية للذكاء تقطع مع نظرية الموهبة.
- تجنب التعليم اللفظي والتلقين واعتماد التجريب وتنمية قدرة الحواس على الملاحظة والإدراك.
- التربية العلمية وبناء العقل العلمي الاستقرائي التجريبي.
- بناء العلوم الإنسانية على أسس عقلية وتجريبية.
- التربية الروحية بالقدوة الحسنة وبممارسة الطاعات ووجوه البر.
- اعتماد السؤال والحيرة العلمية منهجا لليقين: التعلم انطلاقا من الوضعيات المشكل.
- الانفتاح على علوم ومعارف وخبرات غير المسلمين مما يتوافق مع أخلاقيات الأمانة والاستخلاف.
- مساعدة المتعلمين على إزالة الأوهام والخيالات العقيمة من أذهانهم (العوائق المعرفية والثقافية) واعتماد مقاربة الهدف-العائق في التعليم.
- فتح باب الاجتهاد والعمل على التجديد المتواصل في كل ميادين المعرفة والنشاط الإنساني.
- الحرص على اكتساب العلوم النافعة وعلى التربية على العمل الصالح: التربية على المواطنة الصالحة بالمعنيين المدني (التزام سلوكات مدنية) والديني (مراقبة الله في كل الأعمال).
- اعتماد مقاربة تربوية شاملة ومتكاملة لكل أبعاد الشخصية الفردية والجماعية.
2– الراجحات
أ- البنائية بمختلف مدارسها منهج تربوي استخلافي
يستفيد من مبدإ التسخير ويتطابق مع مبدإ العدل الإلهي (العقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس) كما أنه متوافق مع نظرية المعرفة في الإسلام والعزو في النجاح أو الفشل المدرسي يجب أن يكون في الغالب للعمل لا لمواهب معطاة مسبقا.
ب- المتعلم مركز العملية التربوية: وفي هذا تجسيد لمبدإ التكريم الإلهي للإنسان وتأكيد جدارته بالتكليف الفردي في النظر والعمل، وفي البنائية “عندما أفكر أفعل”. وهذا يعني الفعل الرمزي في الأشياء من خلال السيطرة المفهومية على الظواهر التي تنتظم ضمنها هذه الأشياء، وهي مقدمة لفعل فعال وناجع، لأنه على بصيرة. هذه البصيرة (الفكر الإجرائي الفعال والناجع والبنّاء ماديا وأخلاقيا) حق وواجب عيني من المنظور الشرعي، ونأخذ الشريعة هنا لا بالمعنى الفقهي بحصر المعنى وإنما بمعنى الشرعة والمنهاج: الطريقة والمنهجية في علاقتنا بالعالم ومن يشاركنا فيه. وهي شرعة الاستخلاف وتحمل الأمانة.
ج- تعلم العلوم بالتجارب والاستقراء وهو منهج قرآني: الدعوة إلى النظر في السماوات والأرض لاستقراء قوانين الطبيعة وفي أحوال الأمم الغابرة لاستقراء قوانين التاريخ. قال تعالى: “قل انظروا ماذا في السماوات والأرض» (يونس/101). كما قال عزّ وجلّ “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق” (يونس/101).
د – التعلم بالخبرة دعوة قرآنية (النظر في أحوال المجتمعات والأمم والثقافات): “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” (يوسف: 111).
ﮪ – التعلم من خلال اللعب: سنة تربوية نبوية
و- العدالة في التربية (تكافؤ الفرص) وهو مبدأ قرآنيالذييرجع كل الناس إلى نفس واحدة.
وعنة التربية الحديثة نأخذ قول أحد المسؤولينNESA AYTAS في المدرسة الفنلندية: “نرفض فكرة اللامساواة بين التلاميذ في المدرسة”.
3– المرجوحات
أ- البنائية الحديثة استخلافية جزئيا فقط: الاستخلاف حاضر في جانبه المادي (السيطرة على الطبيعة والتحكم فيها واستغلال خيراتها) ونوعا ما الإنساني ولكنه بحاجة إلى تعميق في هذا الجانب الأخير وتعميق الجانب الروحي في الإنسان. و”في العالم الإسلامي يحترم التعليم لا على أساس فكري فحسب وإنما على أساس روحي كذلك”[129].
ب- التربية الحديثة ضخمت البعد الفردي على حساب البعد الجماعي: حيث نلمس فيها أن الجماعة من أجل الفرد وليس الفرد من أجل الجماعة والجماعة من أجله وهذا سبق شرحه عند مقارنتنا للفكر التربوي الحديث بالفكر التربوي في التراث.
ج- غياب التربية على المقاومة: مقاومة الغرائز الهوجاء- مقاومة الظلم والفساد (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)-مقاومة الاحتلال: وبالجملة التواصي بالحق والتواصي بالصبر. حيث أن الوطن العربي الذي يشمله هذا المشروع التربوي ما زال للأسف الشديد واقعا في أجزاء غالية منه في قبضة الاستعمار والاحتلال الصهيوني والأمريكي (فلسطين- العراق- أجزاء من لبنان- الجولان السوري…الخ).
رابعا: القيمة المضافة المرتقبة من النظام التربوي المنشود
بعد الوقوف على أوجه الالتقاء والتمايز بين معطيات الفكر التربوي في التراث والفكر التربوي الإنساني الحديث وبعد وزن هذا الفكر الحديث بميزان التربية الأصيلة يمكن القول بأن القيمة المضافة الأساسية المرتقبة من النظام التربوي المنشود هي إعادة التوازن إلى تكوين الإنسان الخليفة ومدّه بأسباب حفظ ذلك التوازن والمرور به إلى درجات أرقى فأرقى، وهو ما يعني التنمية الشاملة المتوازنة والمستديمة للمؤمن وللأمة وللجنس البشري قاطبة. ففي الوقت الذي يمدنا القرآن الكريم بمقومات التربية الاستخلافية الشاملة الثابثة، لرسوخها في معاني التكريم الإلهي للإنسان وتخويله حمل أمانة الحرية والمسؤولية والقدرة على إعمار الكون المسخر له أفرادا وجماعات، تأتي تجربة أسلافنا النيرين وتجربة أحفادهم المستنيرين مدعومة ومعمقة بتجارب الإنسانية الحديثة في مناحيها المتوافقة مع معنى الأصالة التربوية، لتمدنا بفهم أكثر فأكثر وضوحا لكيفيات تمثل معاني الاستخلاف تربويا وبأشكال أكثر فأكثر إجرائية لتنزيل تلك المعاني في أرض الواقع مع كل أصناف الفاعلين التربويين: قادة ومؤلفين ومكونين ومعلمين ومتعلمين. وإذا ما أردنا إجمال القول مع إيضاحه في نفس الوقت، نقول إن أنسب شكل إجرائي لتنزيل معنى الاستخلاف تربويا في حدود ما جاد به الفكر الإنساني في الوقت الحاضر، هو تطبيق المنهج البنائي الذي يمنح الفرد المتعلم ما يستحقه من الثقة في قدرته على البناء الذاتي للمعارف بتيسير مدروس من المعلم، ولكن مع توسيع معنى هذه البنائية حتى تستوعب كل مكونات بناء الشخصية عرفانيا ووجدانيا واجتماعيا وأخلاقيا وروحيا. فالبنائية الاستخلافية ذات الأساس الروحي الرفيع ولكنها المقبلة في نفس الوقت على الحياة وعلى إدارة شؤون العالم على هدي من مقاصد الوحي وقواعد العقل وسلامة الوجدان ضمن الدائرة الواسعة للانتماء الروحي والوظيفي للجماعة المؤمنة والجماعة الإنسانية هي المجسدة فعليا للمعنى العميق لتجربة المعراج والعودة النبوية إلى الأرض بمشروع كوني مفتوح إلى ما لا نهاية، وهو مشروع تنزيل تجربة الروح السامية في المتعين الإنساني، وهو ما تختلف به عن التجربة الصوفية المعلقة في سماء المعنى وعن كل التجارب المادية المفتقدة لكل أساس روحي.
خامسا: كيفية تنزيل سمات الأصالة التربوية على أرض الواقع
سنتوقف هنا عند بخمسة مستويات لتنزيل سمات التربية الأصيلة على أرض الواقع، وهي التالية:
- السياسات
- منهجيات التدريس والمناهج وتكوين المدرسين
- التقويم
- التمويل
- العلاقة مع المحيط
- التنزيل في مستوى سياسات المشروع
أ- إطلاق الحريات الأكاديمية في مستوى البحث العلمي وهذا يستوجب سن قانون أساسي ضامن لذلك، كما يستوجب تقلّد القيادات التربوية لمهامها بموجب آلية الانتخاب الديمقراطي الحر مثل مديري المدارس والمعاهد والكليات، مع اشتراط الخبرة والكفاءة والجدية وحسن السيرة. أما النظار وبقية الإداريين والقيمين فيتم تعيينهم وفق ترتيبات إدارية معينة.
ب- اعتماد المرافقة البيداغوجية للمدرسين في كل المستويات من الابتدائي إلى العالي للسهر على حسن تمثلهم لمقومات التربية الأصيلة واعتماد سلم تقييم ومكافآت مهنية بحسب استجابتهم لتلك المقومات مع ترك المجال واسعا للاجتهاد في كيفية تنزيلها. ونوصي بهذه المناسبة بأن تكون العلاقة بين المكونين (أو المتفقدين أو كذلك المفتشين التربويين) والمدرسين علاقة تناصح (الدين النصيحة) واحترام متبادل وأخوة لا تنقص من درجة الالتزام المهني أي شيء و ليس فيها أدنى استعلاء من هؤلاء أو تطاول من أولئك. ولأجل مأسسة هذه المرافقة البيداغوجية نوصي بـ:
ج- بعث مؤسسة للتكوين المستمر للمدرسين في مختلف مراحل التعليم بما في ذلك التعليم العالي. الدول المتقدمة لا يستنكف فيها الأستاذ الجامعي عن تلقي التكوين البيداغوجي المفيد له، بخلاف التعالي الزائف الذي نلحظه عند أغلب مدرسينا في الجامعة الذين لا يحذقون إلا إلقاء الدروس والمحاضرات من علّ دون السماح لطلبتهم بإلقاء السؤال من دون خشية الاستهزاء بهم وتوبيخهم فضلا عن محاولتهم إبداء الرأي والمناقشة والنقد.
ويستوجب تكوين المدرسين تكوين مكونين كذلك، ولذا لا بد من استحداث مركز لتكوين المكونين في التربة الأصيلة.
د- بعث مؤسسة جامعية لتدريس علوم التربية ومنهجيات التدريس وفق روح أصيلة: نسميها جامعة ابن خلدون لعلوم التربية.
ﮪ – بعث مركز بحث للتجديد البيداغوجي يعتمد مقاربة تجريبية ميدانية بالاعتماد على مقاربات نفس-تربوية في إطار البراديغم السيكولوجي القرآني. نسمي هذه المؤسسة مركز ابن رشد للبحوث والتجديدات التربوية.
و- تركيز آلية لرصد التجديدات البيداغوجية المكرسة لروح الأصالة التربوية وتثمينها ودعمها ماديا ومعنويا، ويمكن أن تكون هذه الآلية في شكل مرصد للتجديد البيداغوجي ملحق بمركز البحث السابق.
ز- إقامة علاقات تبادل وتعاون مع التجارب التربوية الرائدة في العالم في جوانبها الأصيلة (فنلندا- النرويج- اليابان…الخ). ونذكّر هنا بحقيقة تاريخية لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر، فزيادة على مباركة الله تعالى للانفتاح على بقية الشعوب والأمم المسالمة، فإنّ عظمة الحضارة العربية الإسلامية لم تصنع من الجنس العربي فقط، بل إن أغلبها قد صنع بعناصر غير عربية (انظر أعمال ابن خلدون) من فارس وبخارى وسمرقند والصين والهند وتركيا وإسبانيا وغيرها من أمم العالم وشعوبه، فحضارتنا مثّلت تاريخيا مركز تقاطع وانصهار عظيم لحضارات العالم الحية في العصر الوسيط خاصة، وكانت لها القدرة على تعريبها وطبعها بالصبغة الروحية التوحيدية الإسلامية، ولم يشذ أيا منها عن هذه القاعدة إلا في حالات نادرة. ولذا علينا ألا نخشى من هذا الانفتاح، شريطة أن تكون أهدافنا واضحة وأرضيتنا صلبة ومرنة في الآن نفسه، مرونة مقاومة، لأن المواد غير المرنة عرضة للتكسر أكثر من المواد المرنة. وديانتنا حنيفية سمحة والحنيفية هي المرونة (والحنف هو الميلان في الفكر جهة الأصوب، كما الجُنف الميلان في السير).
ن- رصد ميزانية هامة جدا للتربية والتعليم والتكوين وتجويد وتجديد الطرق التعليمية (في فنلندا: 6% من الدخل الوطني الخام ولا من الميزانية العامة فقط، وهذا كثير وبالتقدير جدير).
2– التنزيل في مستوى منهجيات التدريس والمناهج وتكوين المدرسين
أ– اعتماد تمشيات تعليمية-تعلمية سوسيو-بنائية مع أخذ السياقات الثقافية بعين الاعتبار في مستوى العلاقة التربوية (الود المتبادل بين المعلم والمتعلم مع احترام المعلم وتوقيره من قبل المتعلم) وفي التغييرات المفهومية المطلوب إحداثها لدى المتعلمين لتطوير فهمهم للظواهر الطبيعية والإنسانية وتمكينهم من أسباب تفعيل مبدإ التسخير الإلهي للكون لفائدة الإنسان وللبشر لبعضهم البعض[130] فهما واستثمارا وإضافات تعميرية إصلاحية للبلاد والعباد. من مثل تطوير نماذج تنموية محترمة للبيئة ولراحة الإنسان ولحاجاته المادية والروحية في المعمار والصناعة والفلاحة ووسائل الاتصال والترفيه، بحيث لا تكون الغاية نفعية ضيقة بل إسعاد الإنسان من دون تمييز بين عباد الله (تنزيل مبدإ التوحيد).
ب- بناء مناهج مسخرة لتحقيق هذه الأهداف ومساعدة على تنمية الإبداع: وذلك تمثلا لإبداع الخالق عز وجل الذي يجمع بين النجاعة الوظيفية والوظيفة الجمالية وتحقيق التوازن في كل مكونات الظواهر الطبيعية.
أمثلة: في ضبط الزمن المدرسي: يجب مراعاة الحاجات المادية (العمل والغذاء والراحة) والروحية (أوقات العبادة والمطالعة) والاجتماعية (النشاط الاجتماعي والثقافي) وفعل الخيرات (العمل التطوعي).
* في تدريس العلوم والتكنولوجيات الحديثة: إعطاء أولوية لحاجات الأمة الحيوية ولتعمير الأرض: مثل تقنيات توفير المياه للري واستصلاح الأراضي واستخدام الطاقات النظيفة والصناعات الغذائية لتحقيق الأمن الغذائي وتربية الماشية تربية عصرية من دون إخلال بطبيعتها التي خلقها الله عليها (لنتذكر جنون البقر ومرض الدواجن) واستكشاف الثروات البحرية من أسماك ومعادن تصلح للأدوية وللصناعات الدقيقة (لدينا ما شاء الله من البحار والخلجان).
ونوصي هنا باعتماد بيداغوجيا المشروع وبيداغوجيا حل المشكلات في تدريس المفاهيم العلمية لإكسابها البعد الإجرائي اللازم لها. ونفس الشيء في تدريس التكنولوجيات الحديثة.
* في تدريس اللغات: العمل على جعل العربية الفصحى ملكة لغوية راسخة يتم استعمالها بكل حذق وسلاسة مع الاستفادة من تجارب التعريب الموجودة في العالم العربي في مجال الرياضيات والعلوم (العراق- الجزائر-مصر-تونس…الخ) وتطويرها. كما يتم دعم تدريس وتعلم اللغات الأجنبية وعدم الاكتفاء بالانجليزية بل يجب الانفتاح على الصينية التي يتكلمها ربع العالم واليابانية والألمانية. وكذلك تعلم لغات البلدان الإسلامية الكبرى لتسهيل التواصل والتعاون معها كالتركية والفارسية والماليزية والأردية. يجب أيضا حذق لغة العدو الصهيوني العبرية لاكتساب القدرة على فهمه ومقارعته بالحجة وإبطال زيفه وادعاءاته ومؤامراته الإعلامية والثقافية على العالم الإسلامي.
* في القراءة والمطالعة والتعبير والإنتاج الكتابي: نحن أمة أول ما نزل من كتابها الأمر بالقراءة، والكتاب هو وعاء لغتنا وثقافتنا العربية وكذلك وعاء لغات وثقافات من أمرنا الله عز وجل بالتعارف معهم من الشعوب والأمم، فلا بدّ من وضع خطة للترغيب في القراءة والمطالعة تقيم توازنا دقيقا بين القراءة الورقية والقراءة الرقمية. وقد برمج بتونس سنة وطنية للمطالعة وبالمغرب مهرجان وطني للقراءة (المسؤول عنه أخونا عضو فريق البحث الدكتور محمد الدرّيج) في هذه السنة ذاتها (2009) فيمكن الاستفادة من التقارير النهائية لهاتين الفعاليتين الثقافيتين الوطنيتين وإثراؤهما وتطويعهما لروح مقاربة المشروع الأصيلة. ومما نوصي به في هذا المجال إدماج هذا العنصر في برنامج أبحاث مركز ابن رشد للأبحاث والتجديدات التربوية (الذي سبق أن اقترحناه أعلاه). كما نوصي باستحداث بنك للتجارب الناجحة في العالم العربي والعالم ككل في مجال تنمية قدرات المتعلمين على الكتابة مثل تجربة “الطفل يكتب للطفل” وهي شكل من أشكال التطبيقات في مجال بيداغوجيا المشروع الأمريكية وهي كذلك تطويع لطريقة سلستيان فريني الفرنسي. ومن المشاريع البيداغوجية تعلّم التعبير الشفوي والكتابي بطريقة الإنتاج المسرحي.
وقبل كل هذا، العمل على القضاء نهائيا على الأمية في العالم العربي. مع التركيز على الدول الأكثر ضعفا على هذا الصعيد مثل المغرب (44.4%) واليمن (41.1%) ومصر (33.6%) والجزائر (24.6%)[131]. فلا بأس مثلا من أن يبعث بشبان متعلمين في سن الخدمة العسكرية للتدريس في المناطق ذات الأولوية في البلدان العربية. وقد طبقت السلطات الاستعمارية بهذه السياسة في مستعمراتها من منطلق مادي اقتصادي، فالأولى أن نعمل بها من منطلق أخلاقي تعاوني تآزري بين الإخوة العرب والمسلمين.
* في الهندسة المعمارية: تشجيع الطلبة على تصور مشاريع أطروحات للمدن العربية والإسلامية فيها مظاهر الجمال والسعة والحميمية والطبيعة الخضراء ومستلهمة لنماذج المعمار الإسلامي في غرناطة ودمشق واستنمبول وأصفهان وسمرقند ومراكش وفاس والقاهرة والقيروان مع استعمال مواد توحي بالبهجة والنور والقوة المتوازنة من دون إسراف ولا تبذير. مع التقليص إلى أبعد من الضجيج والتلوث والازدحام.
ونفتح قوسا هنا حول هندسة المؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد وكليات وجامعات: يجب حسب رأينا أن تمثل هذه المؤسسات مركّبات معمارية متكاملة الوظائف، لا في من الناحية الإدارية أو البيداغوجية فحسب، بل كذلك من النواحي الثقافية (المكتبات الورقية والرقمية ونوادي الأنشطة الثقافية وقد سبق لنا أن تحدثنا في الجزء الأخير من هذا البحث عن بعض آليات العمل في هذه المكتبات والنوادي) والرياضية (الملاعب وتجهيزاتها وقاعات التدريب الرياضي) والتعبدية (قاعات الصلاة: مساجد حقيقية صغيرة أو كبيرة بحسب حجم المؤسسة، ومساجد جامعة بالمؤسسات الكبرى يقوم عليها علماء أفذاذ مستنيرين ومتوازني الشخصية والتكوين، وكذلك فضاءات صحية للوضوء مع الحرص الدائم على نظافتها، ويمكن العمل بنظام التطوع المرتب إلى جانب ترسيم عملة دائمين لتحقيق هذا الغرض. ونلفت النظر بهذه المناسبة إلى توصل مهندس آسيوي مسلم إلى صنع جهز وضوء أوتوماتيكي عالي الدقة والأناقة والاقتصاد والرفاهية، فيا حبذا لو يقتنى منه عندما يصبح بأسعار تجارية معقولة). كما ينبغي أن تتضمن المؤسسات التربوية ورشات عمل يدوي وعمل تقني وإعلامياتي لتدريب كل المتعلمين فيها مهما كانت اختصاصاتهم علمية أو أدبية، رياضية أو تقنية. وكذلك مساحات للأشغال الفلاحية والتدرب على تقنيات الري والبستنة وتربية الدواجن والمواشي والنحل، وتحقيق الاكتفاء الذاتي لكل مؤسسة من هذه المواد، بحسب خاصيات الأرض والمحيط، مع تبادل منظم بين المؤسسات لهذه الخبرات والخيرات، بحسب حاجات كل منها: تعمير الأرض بالمعنى الشامل والحقيقي للكلمة في كل شبر منها وغرس روح التكامل والتعاون بين الإخوة العرب والمسلمين. وكذلك تركيز مراكز رصد جوي وفلكي لتوسيع نظرة المتعلمين للكون.
* وفي المدارس الواقعة في الأراضي المحتلة أو في حالة حرب مع العدو الصهيوني أو غيره من أعداء الشعوب العربية والإسلامية، نوصي ببرمجة حصص تدريب على الوقاية من العدوان بمختلف أشكاله وتفعيل خطط العيش تحت النار وتقديم الإسعافات الضرورية للمصابين والتكوين النفسي الروحي للنضال والصمود. وبالنسبة للشبان من سن السادسة عشر فما أكثر يتم تدريبهم على استعمال الأسلحة الخفيفة، وحرب الشوارع، وهو عين ما يفعله العدو الصهيوني مع أبنائه قبل هذه السن، ولكن من منطلق الاعتداء (“فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين “: (البقرة: 194). ونوصي بهذه المناسبة الإخوة الباحثين من غزة على العكوف على هذه المسألة وتقديم تصورات مفصلة بشأنها. وكذلك الأخوين الباحثين العراقيين، وخاصة الشيخ الكبيسي.
ونحن نسجّل بشدة أن الله تعالى قد خلق هذا الوجود مستندا إلى مبدإ التدافع ولولاه لفسدت الأرض، وأنه قد كتب علينا القتال وهو كره لنا. ونحن لا ندعو إلى الحرب ولكننا واقعون فيها رغما عنا فعلينا ألا نتجاهلها وألا نفر من الزحف فذلك من الكبائر، ومن هنا ضرورة وجود التربية الجهادية الصغرى والكبرى.
نحن ندعو إلى العلم وإلى السلم وإلى النور وإلى الجمال وإلى المشاعر الإنسانية الرفيعة ولكن هذا هو قدرنا أن نكون أو لا نكون. ولا ننسى أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو نبي المرحمة ونبي الملحمة في الآن نفسه.
* وبهذه المناسبة، نلفت النظر مجددا إلى الحالات الخاصة من نوع مختلف التي تعيشها بعض البلدان العربية وهي حالات التعددية الطائفية أو المذهبية (انظر توصياتنا في القسط الثاني من البحث). نوصي على هذا الصعيد بإيجاد مساحات في المناهج التابعة لهذه البلدان للتربية على الحوار والعيش المشترك مع إخوتنا العرب المختلفين عنا في الديانة (مصر، فلسطين، لبنان، سوريا، العراق…الخ) أو في المذهب (لبنان، سوريا، العراق، إيران…الخ)، مع تركيز شعور الأخوة الدينية الجامعة بين المسلمين أيا كانت مذاهبهم، خصوصا بين السنة والشيعة في لبنان وفي العراق وغيرها… ومن الطرق المقربة لهذه الغاية هي التعريف بديانة الآخر كما يقدمها هو نفسه، والتعريف بمذهب الآخر، مع التركيز على التأويلات المعتدلة في مستوى كل ديانة أو في مستوى كل مذهب، حيث تكون الغاية هي الإيلاف وليس الاختلاف. أما طلبة الدراسات العليا فلا بأس أن يدرسوا مختلف المدارس الدينية والمذهبية بعقلية علمية موضوعية، بعد أن كانوا قد تشربوا روح التعايش والتآخي مع الآخر. كما تحترم الطقوس غير الوثنية لأهل الديانات والمذاهب وتمنح لأتباعها حرية ممارستها في المؤسسات التربوية إن هم طلبوا ذلك، بما لا يعطل السير العادي للدروس وبما لا يتعارض مع التراتيب المعمول بها. ويجتنب التعليم الطائفي، إلا في إطار الطائفة، وهذا من مشمولات الدول والحكومات. ولا تمثل الطوائف في المجالس العلمية أو في مجالس الطلبة أو الأقسام. أما المشروع فيتبنى تعليما عموميا لا فرق فيه بين مواطن وآخر وعربي وآخر ومسلم وآخر.
ج- تكوين المدرسين تكوينا مزدوجا: فلسفيا (فكريا) وبيداغوجيا، وذلك لتمكينهم من تشرّب روح التربية الاستخلافية المتجددة في أسسها الفلسفية وتأصيلاتها القرآنية والتاريخية من جهة، وللتمكن من طرق وأساليب العمل التربوي البنائي الاستخلافي الشامل من جهة ثانية. حيث أن الاقتصار على تكوين المدرسين تقنيات التنشيط وإجراءات العمل الميداني دون ربطها بمرجعياتها الفلسفية البنائية الاستخلافية، لا يضمن ضرورة الحصول على المخرجات المأمولة حيث أن التمشيات التربوية الوسيطة تتم ضمن وضعيات معقدة وغير محسوبة بدقة ولذا يجب التسلح لها بروح الفهم للغايات ولأخلاقيات العمل التربوي الأصيل حتى لا تحيد عن مسارها في نهاية المطاف. ونوصي بهذه المناسبة أن يتم انتداب المدرسين لا بالاعتماد على كفاءاتهم العلمية فحسب بل كذلك بإجراء اختبارات نفسية-تقنية عليهم (يعدها خبراء علم النفس التربوي وعلم النفس الاجتماعي) لتقييم اتجاهاتهم التربوية إزاء مهنة التعليم وإزاء الطفولة والمراهقة والاستعداد للتجديد البيداغوجي ودرجة العدوانية أو التسامح والحزم…الخ. ويصنف المختبرون ثلاث أصناف: المقبولون والمقبولون مبدئيا والمرفوضون مبدئيا. الصنف الأول يتلقى تكوينا بيداغوجيا تكميليا، والصنف الثاني يؤهلون ببرامج أكثر عمقا للاجتياز ثان للاختبارات أما الصنف الأخير فيدمجون بالتعاون مع جمعيات أهلية ومؤسسات الدولة في برامج تكوين وتأهيل متوسطة المدى بصفة اختيارية، لأن وضعيتهم تمثل نوعا من الخطر لا على الناشئة المتعلمين فحسب، بل حتى على من هم في محيطهم من الأطفال والشبان من إخوة وأبناء وأقارب وجيران…الخ.
وفي نهاية هذا العنصر نوصي بتوحيد مناهج التعليم في البلدان العربية مع ترك بعض الهوامش الاجتهادية لمراعاة بعض الخصوصيات القطرية أو الإقليمية.
3– التنزيل في مستوى التقويم:
أ- التركيز على التقييم التشخيصي والتقييم التكويني زيادة على التقييم الجزائي: ونذكر هنا أن المدرسة الفنلندية المرتبة الأولى عالميا بحسب منظومة بيزا PISA لا تعتمد التقييم الجزائي كامل المرحلة الأساسية. ولا يعني هذا عدم وجود تقويم بل التقييم يكون أولا تشخيصيا لمعرفة مواطن التعثر والصعوبة في تمثل المتعلم للمفاهيم والكفايات المقررة، ثم تكوينيا لمساعدته على تخطي الصعوبات الملاحظة.
ب- بناء شبكات لتقويم أعمال المدرسين وأداء النظام التربوي وذلك من منظور الأصالة التربوية في جوانبها المعنوية والمادية.
4– التنزيل في مستوى التمويل:
نوصي هنا بفتح الباب أمام تبرعات المحسنين والعمل بآلية الوقف الإسلامية، إلى جانب تمويل الدولة، لأن خُلُقَ المسارعة إلى الخيرات والتنافس في الخير وتسهيل طرق طلب العلم لطالبيه وطلب الأجر من الله يفرض مثل هذا الاختيار الإداري-المالي الشعبي الذي هو تلقائي ومنظم في نفس الوقت. كما نوصي بطلب المساعدة حتى من خارج نطاق الدولة القطرية. فمن حق كل دولة لا تفي مداخيلها بالحاجات الملحة لتركيز منهج تربوي أصيل أن تطلب العون من أخواتها من الدول الإسلامية، خاصة وأن الله تعالى قد أنعم على عديد هذه الدول بالثروات الطبيعية الثمينة من بترول وغاز ومشتقاتهما. هذا والمعلوم أن ركاز الأرض ملك لكل الأمة وليس لملاك الأرض لوحدهم، وهذه قاعدة فقهية فعلت منذ عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه (أراضي الخراج) والناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار، والنار هي الطاقة والكلأ يمكن أن يوسع ليشمل كل ما تخرج الأرض وكل ما تنطوي عليه لا حشيشها فقط. وهذا المبدأ كان يعمل به بعض الدول العربية الشقيقة كالعراق(لنتذكر سواد العراق) الذي كان يتكفل بطبع الكتب المدرسية الدسمة والفاخرة في مجالات الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والآداب العربية لعديد الدول العربية التي تفتقر إليها. وهي سنة محمودة حبذا لو تتعمم بين عديد الدول العربية وفي مختلف مجالات التعليم من تدريس ووسائل عمل ووثائق…الخ.
وأخيرا نوصي باعتماد أسلوب بعث الشركات للبحث العلمي وتطوير تقنيات التدريس ووسائل الإيضاح العلمي ويكون إشعاعها عربيا وإسلاميا وعالميا.
5– التنزيل في مستوى العلاقة مع المحيط: ضرورة عدم انغلاق المؤسسة التربوية على نفسها، والسعي إلى عقد شراكات دائمة أو عرضية مع بقية مؤسسات المحيط المدنية والصناعية والثقافية والعلمية وغيرها. لإضفاء روح عملية واقعية على التعلمات. مثال ذلك إحكام الربط بين منظومة التعليم ومنظومة التكوين المهني والهندسي والطبي والفلاحي الأرضي والبحري.
سادسا: العوائق التي قد تعرقل تنزيل سمات الأصالة التربوية
هذه العوائق من أنواع مختلفة: اجتماعية-ثقافية وسياسية ومادية. وها هي أهمها:
- العوائق الاجتماعية-الثقافية: مثل ضعف تمثل الوسط الاجتماعي لفلسفة المشروع المؤصلة في القرآن والسنة والتجربة التاريخية القديمة والحديثة المتوافقة مع روح الأصالة التربوية. وهذا العائق لا يشمل الناس الموجودين من حول المدرسية فقط، بل قد يشمل حتى المدرسين والمكونين أنفسهم.
هذا العائق يمكن التغلب عليه بالتوعية الإعلامية والثقافية والتكوين المستمر عندما يتعلق الأمر بقطاع المدرسين والمكونين.
- العوائق السياسية: اختيارات بعض الدول العربية التي تعمل بأجندات أجنبية بدوافع اقتصادية (الحصول على القروض الخارجية أو إعادة جدولة الديون مثلا).
وكذلك طبيعة الحكم المستبدة التي تحد من الحريات الأكاديمية وتعمل على تنصيب القيادات التربوية بحسب قاعدة الولاء والزبونية السياسية بدل قاعدة الكفاءة والانتخاب من قبل زملائهم المدرسين. كما أن سياسات بعض البلدان قد تعرقل توحيد المناهج وتدفق الخبرات والمواد التعليمية والتبادل العلمي والبيداغوجي بينها وبين غيرها من البلدان العربية والإسلامية.
زد على ذلك التفاوتات الحاصلة بين مستويات التنمية البشرية في البلدان العربية والتي قد تتطلب مراحل تمهيدية قبل المرور إلى التوحيد الكامل للمناهج والسياسات التربوية. مثل المرور بمرحلة التعاون في بعض القطاعات الجزئية في التعليم (تبادل الخبرات وإطارات التدريس أو المساعدة على التأليف المدرسي والبحث العلمي والتدريب على تطبيق بعض المناهج والطرق التعليمية…الخ).
زيادة على ما سبق ذكره، يمكن عموما العمل بحزمة من الحلول للتغلب على هذا العائق. تتركب هذه الحزمة من توخي سياسة إعلامية توعوية عبر القنوات الفضائية وعبر الندوات الإقليمية، كما تشمل مساعدة البلدان العربية الفقيرة أو ذات الصعوبات الاقتصادية على انتهاج سياسة تنموية أكثر نجاعة وتكثيف التبادل الاقتصادي معها، مع مساعدتها في العاجل على أداء واجباتها التعليمية والتربوية بصفة مباشرة عبر الهبات أو القروض الميسرة في الآجال. إلى جانب الشروع في التعاون على بعض الأصعدة التعليمية كما أسلفنا. أخيرا يقع التشجيع على اتباع سياسات شورية-ديمقراطية في مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها مؤسسات التعليم والبحث العلمي.
- العوائق المادية الاقتصادية: اعتماد المجتمع الأهلي على الدعم المالي والإداري للحكومات العربية في قطاع التربية والتعليم والبحث العلمي. وهو ما يمثل عائقا من ناحيتين: ناحية الحريات الأكاديمية وحرية التعبير وممارسة الحق في وضع السياسات التعليمية والإدارية، ومن ناحية ضعف الميزانيات المرصودة للتربية والتعليم والبحث العلمي من قبل أغلب تلك الحكومات[132] . وهذا عائد إلى أحد سببين: التنمية المنخفضة والفقر أو عدم وجود الوعي الكافي بالأهمية الإستراتيجية لهذا القطاع الحيوي وتفشي الفساد المالي والتبذير في النواحي الأقل أهمية. أضف إلى ذلك التفاوتات التنموية المشاهدة بين مختلف الدول العربية والإسلامية. فنجد مثلا بحسب “تقرير التنمية البشرية الإنسانية في العالم العربي” أن سبع دول عربية مصنفة في خانة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، وهي دول مجلس التعاون الخليجي وليبيا، بينما صنفت ثلاث دول عربية في خانة الدول ذات التنمية المتوسطة الأعلى من المعدل العالمي وهي الأردن ولبنان وتونس، في حين صنفت عشر دول أخرى في خانة التنمية المتوسطة الأقل من المعدل العالمي وفي مقدمتها الجزائر وفلسطين وفي مؤخرتها جيبوتي واليمن بفارق كبير نسبيا (0.250 نقطة). والحلول هي من جنس ما أشرنا به في العنصر السابق.
سابعا: مدى فعالية البحث الراهن في السياق الحضاري المعاصر
لنكشف عن الاستراتيجية الضمنية لعملنا: إن عملنا يقوم على استراتيجية عاجلة وأخرى آجلة. الأولى استراتيجية مقاومة والثانية استراتيجية قيام[133]. أو لنقل إن استراتيجيتنا جهادية : صغرى وكبرى وهذا هو البرنامج التنموي والحضاري المحمدي= الملحمة والمرحمة (“عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”).
1– إستراتيجية المقاومة:
وهي تتوزع بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر. فبخلاف ما يظن ليست المقاومة فحسب مقاومة العدو المادي الذي تمثل الصهيونية العالمية رأس حربته. هذه المقاومة للمحتل الإسرائيلي أو الأمريكي أو الغربي بوجه عام (قوات التحالف) هي الجهاد الأصغر. ولقد أخذنا بعين الاعتبار هذا البعد في توصياتنا بخصوص بناء مناهج التدريس ومحتويات التكوين والتدريب.
أما المقاومة الأهم فهي مقاومة الجهل والأمية والتخلف والغرائز الهوجاء واحتقار النساء والأطفال وحقوق الإنسان والعدوانية والتعصب وضيق الأفق والفرقة والحرب الأهلية والاستبداد بالرأي (اللاشورى) والفقر والمرض والتصحّر والجفاف والجوع والتبعية الاقتصادية والسياسية.
المناهج والطرق التربوية والأساليب التعليمية التي أوصينا بها هي من شأنها أن تذهب بنا أشواطا في تجسيد هذا الضرب الحضاري من المقاومة.
2– إستراتيجية القيام:
وهي الجهاد الأكبر الكبير: الخطة البعيدة المدى لاستئناف دورنا الحضاري في بناء الإنسانية، وهي مهمة أبعد من مجرد ردة الفعل والمقاومة. إنها تتعلق بروح المبادرة والإبداع. الحرية الأكاديمية وحرية التعبير والشورى الديمقراطية(الملزمة ولا المُعلِمة فقط) واعتماد المجتمع الأهلي على نفسه والسير باتجاه التكامل العربي اقتصاديا وتربويا والتربية على الإبداع، والاهتمام بالموهوبين واستغلال كل الطاقات ضمن تنوع الفرديات وصهر طاقات الأمم الأخرى الإيجابية من منظور الأصالة التربوية والحضارية في بوتقة المشروع النهضوي العربي الجديد، كل هذه عناصر ضمّنّاها البحث الراهن بطرق مختلفة وفي سياقات متنوعة وهي ذات العناصر البناءة للمضي في طريق القيام الحضاري الشامل.
بقي أن طبيعة البحث تجعله لا يتوسع أكثر من هذا في معاني المقاومة الصغرى (الجهاد الأصغر: مقاومة المحتل) والكبرى (الجهاد الأكبر: مقاومة التخلف والجهل والتشتت والضعف) والقيام الحضاري الشامل والشهادة على الناس الذي هو الجهاد الأكبر الكبير، وهو سيرورة متواصلة منفتحة، ولهذا كان عنوان بحثنا من أجل تربية استخلافية متجدّدة.
خاتمة عامّة:
خلق الله عز وجلّ الإنسان ووضع له الميزان، وهو عين الميزان الذي وضعه للكون بأسره، فالإنسان هو العالم الأصغر الذي انطوى فيه العالم الأكبر. ودور الوعي الإنساني هو في تملكه الذاتي لهذا الميزان. يبني الإنسان الخليفة نفسه تدريجيا في التاريخ وفق مقاصد الوحي الاستخلافية بقدر تمثله الواضح لميزان الأصالة الوجودية والقيمية: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ (الحديد: 25).
وقد ظهر لفظ الميزان منذ “العهد القديم” وتكرر فيه سبع مرات. جاء في سفر الحكمة 11/ 23: ﴿إن العالم كله أمامك مثل ما ترجح به كفة الميزان وكنقطة ندى تسقط على الأرض عند السحر﴾. فربط العالم بالميزان.
وفي القرآن الكريم ورد لفظ الميزان عشر مرات. منها قوله تعالى: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان﴾ (الرحمان: 7-8). وسبحان الله الذي حفِظ الميزان على مرّ الدهور ودعانا إلى أن نقيس أعمالنا به.
ولكن ما هو هذا الميزان؟ إنه السنن الكونية والتاريخية والفطرة الإنسانية، يضاف إليها روح الشرائع الإلهية التي هي متطابقة مع تلك السنن الكونية وملائمة للفطرة الإنسانية.
فإذا كان خلقُ الله مقام على أساس موزون، فإن العلم به يجب أن يستند هو الآخر إلى ميزان. والتربية على اكتساب هذا العلم وعلى توجيهه الوجهة التي تنفع الإنسان في معاشه ومعاده تحتاج هي الأخرى إلى ميزان من نفس نوع ميزان العلم وميزان الوجود المعبر عنه بذلك العلم.
فأين نجد هذا الميزان؟ نجده في الفرقان ونلمسه في تجارب الإنسان المتطابقة مع روح القرآن. ولقد اجتهدنا في القسم الأول من البحث الراهن في ضبط قواعد هذا الميزان.
والآن كيف يمكننا إعادة كتابة تاريخ ومسار الفكر التربوي في التراث وفي الفكر الإنساني الحديث من وجهة نظر هذا الميزان: ميزان التربية الأصيلة؟
لقد لاحظنا[134] أن الميزان لم يحافظ دائما على توازنه في التجربة التربوية التاريخية الإسلامية، حيث تأرجحت بوصلته صعودا وهبوطا من حول وضعه الأصيل الأمثل. ومع ذلك يمكن القول عموما أن منهاج التربية الإسلامي كما تمثله أسلافنا الكرام قد أنتج نماذج حضارية وعلمية راقية لم تبلغها أي حضارة قبله، وهذا بشهادة كل المنصفين من المؤرخين.
ولعل اللحظة التي بلغ فيها هذا الميزان أوج صعوده الإيجابي من ناحية صياغته الاستخلافية الواعية من قبل العلماء المسلمين هي اللحظة التي نسميها باللحظة الخلدونية[135]. ولهذا ليس من الغرابة في شيء أن يستأنف الإصلاح التربوي في العالم الإسلامي مع الطاهر بن عاشور والطاهر الحداد والخضر حسين ورفاعة الطهطاوي[136] ومحمد عبده[137] من ذات تلك اللحظة الخلدونية الاستخلافية.
وحيث أن الله تعالى قد وضع ميزانه للعالمين ولم يقصره فقط على أمة المسلمين، وأنه قد أوصانا في كتابه العزيز بالتعرف على تجارب الآخرين، لتنصهر أفضل طاقات الإبداع الإنساني في بوتقة الحضارة الإسلامية وفق روحها الاستخلافية، فإنه حقيق علينا أن ننفتح بدورنا على تجارب الفكر الإنساني الحديث فنقيّمه بميزان الأصالة التربوية لاقتباس ما رجح منها فيه، وهو عين ما حاولنا القيام به في البحث الر اهن.
وما أفادنا به الميزان في شأن تجارب المسلمين وتجارب المحدثين، أنه في الوقت الذي وعى فيه الفكر الإسلامي الأصيل بالغاية الاستخلافية من التربية، فإن أحسن المقاربات التربوية التي توصل إليها الفكر البشري إلى حد الآن لتحقيق تلك الغاية قد تمثلت في البنائية. غير أن ما نعيبه على البنائية الغربية هي إفراطها في تكريس الفردية وفي تجاهل الروحانية.
ومن هنا يأتي قولنا بأن القيمة المضافة الأساسية المرتقبة من النظام التربوي المنشود هي إعادة التوازن إلى تكوين الإنسان الخليفة ومدّه بأسباب حفظ ذلك التوازن والمرور به إلى درجات أرقى فأرقى، وهو ما يعني تنميته تنمية شاملة متوازنة ومستديمة.
ولأنّ الوعي بالشيء لا يعني ضرورة القدرة على تحقيقه، وذلك لقيام العوائق أمام ذلك التحقيق، كان لزاما علينا التمسك بمنهج التواصي بالحق (الوعي الأصيل) والتواصي بالصبر (الجهاد الطويل) لبلوغ الغاية، طورا من بعد طور مقاومة وقياما.
وختاما نوصي القائمين على المشروع باتخاذ الإجراءات التالية:
- تكليف من ينكب على المقاربة البنائية دراسة وتطويعا لغايات المشروع وأهدافه.
- توخي سياسة إعلامية توعوية فعالة بمقاربة المشروع لدى كل من يهمه الأمر.
- تكوين كل أطراف العملية التربوية تكوينا أساسيا ومستمرا على ما يحتاجونه من جوانب المشروع.
- العمل بسياسة التطوير والتجديد المستمر لعمل المشروع من خلال آليات مضبوطة.
- إقامة علاقات تعاون وشراكة جهوية ودولية مع المؤسسات والجهات التي تمثل مصادر إلهام أو دعم أو تطوير للمشروع في أي ناحية من نواحيه.
انتهى بحمد الله وعونه
في 25 من ذي الحجة 1430ﮪ الموافق لـ12 ديسمبر 2009
المصادر والمراجع
1– بالعربية
– القرآن الكريم.
– شواهد من السنة النبوية (صحيح البخاري/ صحيح مسلم/سنن أبي داود/ سنن ابن ماجه/سنن الترمذي/ سنن النسائي/ مسند الإمام أحمد/ المعجم الكبير للطّبراني).
-ابن خلدون، المقدمة، الدار التونسية للنشر، 1984.
– ابن خلدون، عبد الرحمان. شفاء السائل لتهذيب المسائل. طبعة أبو يعرب المرزوقي. تونس: الدار العربية للكتاب، 1991م.
– ابن قيم الجوزية. تحفة المودود في أحكام المولود. بيروت: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر والتوزيع، 2002.
– ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق. القاهرة: مطبعة كردستان العلمية، 1329ﮪ.
– إقبال، محمّد. تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة محمود عبّاس. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1955.
– ابن عاشور، الطاهر. أليس الصبح بقريب؟، تونس: طبع ونشر المصرف التونسي للطباعة، 1967.
بن عاشور، محمد الطاهر. تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد. تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997.
– الأمم المتحدة، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009م.
-أبو القاسم حاج حمد، محمد. العالمية الإسلامية الثانية- جدلية الغيب والإنسان والطبيعة. بيروت: دار المسيرة، 1979م.
– آلان (إميل شارتيه)، مقالات في التربية. تونس: دار المعرفة، 2004م.
– الإيسيسكو. تقرير عن ندوة المنامة حول التعليم في الدول الإسلامية ومتطلبات التنمية الشاملة. أكتوبر، 1999.
– بن التوهامي، الجيلاني مفتاح. مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي. بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الدكتورا في التربية بمعهد التربية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، يونيو 2006م.
– بياجيه، جان. دراسات في علم النفس التكويني. ترجمة محمد الحبيب بلكوش. المغرب: الفنك، 1993م.
– الجابري، محمد عابد. المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي. بيروت: دار الطليعة، 1982م.
– الجليدي، مصدق. في علوم التربية: مقاربات ابستمولوجية وسيكولوجية. تونس، 2002م.
– ……………. ختم النبوة: ابستيمية مولد العقل العلمي الحديث. تونس، 2002م.
– …………… في إصلاح العقل الديني. تونس: دار عبد الرفيع للنشر والتوزيع، 2006م.
– …………… رواد الإصلاح التربوي في تونس. تونس: دار سحر، 2009م.
– الجمالي، محمد فاضل. آفاق التربية الحديثة. تونس: الدار التونسية للنشر. 1968م.
–………………….تربية الإنسان الجديد، تونس:الدار العربية للكتاب. 1981م.
–…………………..نحو تجديد البناء التربوي، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م.
–………………….نحو تربية مؤمنة، تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1986م.
– خليل، عماد الدين. التفسير الإسلامي للتاريخ. ط. 3، بيروت: دار العلم للملايين. 1981م.
– حسين، محمد الخضر. رسائل الإصلاح. طبعة علي الرضا التونسي، المطبعة التعاونية بدمشق، 1971.
– …………………الدعوة إلى الإصلاح، جمع وتحقيق علي الرضا التونسي، ط. 2، 1973.
– …………………تونس وجامع الزيتونة، جمع وتحقيق علي الرضا التونسي، المطبعة التعاونية بدمشق، 1971.
– …………………الرحلات، جمع وتحقيق علي الرضا التونسي، المطبعة التعاونية بدمشق، 1976.
– …………………مجلة الهداية الإسلامية الجزء الحادي عشر من المجلد التاسع.
– …………………مجلة الهداية الإسلامية الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر.
– …………………السعادة العظمى – عدد7 – غرة ربيع الثاني 1322 المجلد الأول.
– الدسوقي، فاروق. استخلاف الإنسان في الأرض، نظرات في الأصول الاعتقادية للحضارة الإسلامية. المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1986م.
– الرشدان، عبد الفتاح على.”التعليم العالي في الوطن العربي: الأوضاع والتحديات وسبل التطوير”. شؤون عربية، العدد 134(صيف 2008)، ص. 81.
– رشدي راشد. تاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب. بيروت، 1989.
-………….. علم الهندسة والمناظر في القرن الرّابع هجري (ابن سهل- القوهي- ابن الهيثم)، سلسلة تاريخ العلوم عند العرب(3). مركز دراسات الوحدة العربية، 1996
– رضا، محمد رشيد. مجلة المنار، المجلدات 1 و2 و5 و11 و14 و18. القاهرة، 1899- 1915.
– …………….، تفسير المنار– الجزء الأول، القاهرة: طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1990م.
– زين العابدين، الهاشمي، في التدريس الأصيل، تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1987م.
-الفاربي، عبد اللطيف وآيت موحى، محمد، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية1.
– شبشوب، أحمد. علوم التربية. تونس، 1986.
– شمس الدين، د. عبد الأمير. الفكر التربوي عند ابن خلدون وابن الأزرق. موسوعة التربية والتعليم الإسلامية. ط2. بيروت: دار اقرأ، 1406ﮪ /1986م.
– الشيباني، عمر محمد التومي. تطور النظريات والأفكار التربوية. ليبيا/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1977.
– صعب، حسن. الإسلام والإنسان، بيروت: دار العلم للملايين، 1981م.
– الطباطبائي، محمد حسين. الميزان في تفسير القرآن، ط.1. بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1991م.
– الطهطاوي، رفاعة رافع، الأعمال الكاملة. طبعة محمد عمارة. ج .1 فصل: “نظرات في التربية والتعليم” ص. 231-241 بيروت. 1973.
– عاقل، فاخر. التعلم ونظرياته.بيروت: دار العلم للملايين، 1977.
– عبد الدائم، عبد الله. تاريخ التربية. دمشق: 1965.
–………………… التربية عبر التاريخ. بيروت: دار العلم للملايين، 1985.
– عبده، رسالة التوحيد. ط.17. القاهرة : المنار، 1376ﮪ.
– العروي، عبد الله. ثقافتنا في ضوء التاريخ. ط.1. الدار البيضاء: التنوير، المركز الثقافي العربي، 1983.
– محمد الشويهدي، فرج. إستراتيجية تطوير التربية العربية. بنغازي: الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، 1999م.
– محمد، آل ياسين. المبادئ الأساسية في طرق التدريس العامة. بيروت: دار العلم للملايين، 1980.
– المرزوقي، أبو يعرب. المقاومة: محاولة في تحليل استراتيجيتها. الدار المتوسطية للنشر، 2008.
– ………………. “مداخل نظرية لفهم استراتيجيات المقاومة ولبنائها”. مجلة المستقبل العربي. العدد 333 (نوفمبر 2006)، ص. 28 – 47.
– ……………… “شروط وحدة المسلمين وشروط نهضتهم لاستئناف دورهم الكوني”. مجلة وحدة الأمة. ماليزيا. السنة الأولى، العدد الأول (2003م)، ص. 48-49.
– المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. الإستراتيجية العربية لتنمية الإبداع في التعليم العالي. تونس، 2008.
– المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، رؤية مستقبلية للتعليم في الوطن العربي: الوثيقة الرئيسية، تونس، 2000.
– المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. مجموعة من المؤلفين، الفكر التربوي العربي الإسلامي. تونس، 1987.
– موران، إدغار. تربية المستقبل، الدار البيضاء: اليونسكو ودار توبقال للنشر، 1999م.
– نجيب، كمال. “ديمقراطية التعليم الجامعي في الوطن العربي”، مجلة شؤون عربية. القاهرة. عدد 134(2008م)، ص. 94- 104.
– النجّار، إبراهيم و الزريبي، البشير. الفكر التربوي عند العرب. الدار التونسية للنشر، 1985.
– النشار، علي سامي . مناهج البحث عنه مفكري الإسلام.القاهرة: 1967.
– الهيتي عبد الرحمان، نوزاد، “نظرة تحليلية لواقع التنمية البشرية في الوطن العربي”، مجلة شؤون عربية. القاهرة. عدد 134(2008م)، ص.230-244.
– هوبير، رينيه. التربية العامة. ترجمة د. عبد الله عبد الدائم، ط. 8. بيروت: دار العلم للملايين، 1996.
2- بالفرنسية:
– Berger, G. L’Homme Moderne et son éducation. Paris : P.U.F, 1962.
– Bergson, H. Les deux sources de la morale et de la religion, Tunis : Cérès Production, 1993.
– Bloom, B. S., et al. Taxonomie des objectifs pédagogiques, le domaine cognitif, Québec: Presses de l’Université, 1975.
– Boumard, M. Finlande: Pourquoi les élèves réussissent.Le Monde de l’éducation, Janvier 2008, p. 52-44.
– Bourdieu, P., et Passeron, J. La Reproduction, Paris : Puf , 1970.
– Brophy. J.E.& Good, T. L. Teacher-student Relationship : Causes and Consequences. New-York: Rinehart and Winston, 1974.
– Bruner, J. The process of education. Harvard University Press, 1960.
-…………… L’éducation : entrée dans la culture, trad. Y., Bonin, Paris: Retz , 1991.
-Cheddadi, A. «Ibn Khaldun (732 H/1332 – 808 H/1406)», Perspectives. Revue trimestrielle d’éducation comparée. Paris: UNESCO: Bureau international d’éducation, vXXIV, n1-2(1994) p. 7-20.
– Chevallard, Y. La transposition didactique, du savoir savant au savoir enseigné. Grenoble: LA Pensée Sauvage, 1982.
– Claparède, E. L’école sur mesure: Genève : Payot, 1920, 2ème édition, Delachaux et Niestlé, 1953.
-……………….. L’éducation fonctionnelle. Flabert, 2003.
– Cousinet, R. Une méthode libre de travail par groupe. Ed. du cerf, 1968.
– Depover, Ch. & Noël, B. (Éds). L’évaluation des compétences et des processus cognitifs. Paris-Bruxelles: De Boeck Université, 1999.
– Dewey, J. Democracy and education. New York: Mecmillon, 1916, 1918.
– Doise, W. & Mugny, G. Le développement social de l’intelligence, Paris: InterEditions, , 1981.
– Eurydice. National summary sheets on education systems in Europe and ongoing reforms, 2006.
– Gilly, M. Maître-élève. Rôle institutionnel et représentations. Coll. Pédagogie aujourd’hui. Paris: PUF, 1980.
-Giordan, A. et De Vicchi, A. Les origines du savoir. Delachaux et Niestlé, 1987.
– Jonnaert, Ph. Conflits de savoir et didactique. De Bœck Université, 1988.
– Jolie, J. Pourquoi s’intéresser à l’école en Finlande. L’Express, 25-10-2004
-Kant, E. Critique de la raison pure. Paris: Quadrige, Puf, 1990.
-Labica, G. Le rationalisme d’Ibn Khaldoun, Extraits de la Muqadima. Traduction revue par J.E. Bencheikh, Alger-Paris: Hachette, 1959.
-Lacoste, Y. Ibn Khaldoun. Paris: Maspero, 1966.
– Lafontaine, D., Les compétences à l’épreuve : l’évaluation en lecture. Enjeux, 55, 54-69.
– Maslow, A. A theory of human motivation. In The Psychology Review, vo. 50, n°4, 1943, pp. 370-396.
-Morand, F. Modèles et méthodes en pédagogie. Nathan, 1997.
– Piaget, J. La construction du réel chezٍٍٍ l’enfant. Suisse: Delachaux et Niestlé, Neuchatel, , 1950 .
– ………… Psychologie et pédagogie. Denoel, PUF, 1968.
-…………. Le jugement moral chez l’enfant. Paris: Puf, 1978.
– Postic, M. La relation éducative, Paris:PUF, 1979.
– Pourtois, J-P. & Desmet, H. L’éducation postmoderne. Paris: Puf, 2002.
-Raynal, F. et Rieunier, A. Pédagogie : Dictionnaire des concepts clés, Coll. Pédagogies. Paris : ESF éditeur, 1997.
– Rousseau, .J.J. Emile ou De l’éducation. Garnier-Flammarion, 1996.
– Skinner, B.F. Pour une science du comportement : le béhaviorisme, Paris: Neuchâtel-, Delachaux et Niestlé, 1979.
-Vygotsky. Pensée et langage. Traduit du Russe par Editions sociales Payot, 1973.
[1] جاء في الحديث النبوي الشريف: “يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها”(صيغة الحديث:”إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” أبو داود في السنن، كتاب الملاحم باب ما يُذكَر في قرن المائة، الحديث رقم3740). ومعنى الدين في الإسلام يتعلق بكل ما هو في صالح الإنسان في الدنيا والآخرة.
[2] ويقال كذلك تعليمية المواد أو الديداكتيك
[3] – من ذلك مصنفات سحنون (ت 240/845) “المدونة” وابن أبي زيد (ت 386/996) صاحب “الرسالة”، والشاطبي (ت 590/1194) صاحب “الشاطبية” في القراءات، وابن مالك الجياني (ت 672/1274) صاحب “الكافية” في النحو، وابن عاصم الغرناطي (ت 829/1429) صاحب “العاصمة” في الفقه.
[4] – من الأمثلة على الأعمال الرياضية والعلمية الرائدة لهؤلاء العلماء هو ما ذكر عن محاولات الكرخي والبيروني حل المعادلة من الدرجة الثالثة وما نسب إلى البيروني من مفهومي السرعة الآنيّة والتسارع وإلى ابن الهيثم من مجموع القوى ذات الدرجة الرابعة للأعداد الصحيحة المتوالية وما ذكر عن اكتشاف الخيامي وشمس الدين الطوسي لمفهوم المشتقة وعما قام به نصير الدين الطوسي من تحديد اللبنات الأولى لتجاوز إقليدس رياضيا وبطلميوس فلكيا (انظر مثلا المرزوقي، 1999 نقلا عن سلسلة موسوعات العلم الحديث عدد خاص حول الرياضيات، باريس 1973-75 بالفرنسية أو عن رشدي راشد، تاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب، بيروت، 1989).
[5] – العبارة للمرزوقي (1999ّ، ص، 40). ومن تلك الأساطير ما توهمه من حوار السدنة من أسماء الله الحسنى وطلبهم مقابلة الاسم الأعظم (الله عزّ وجلّ) في كتابه الدوائر. انظر مقالتنا “تحايثية ابن العربي القصوى على مسطح أسماء الله الحسنى” في كتابنا “في إصلاح العقل الديني”(دار عبد الرفيع للنشر والتوزيع، تونس، 2006).
[6] يوجد في تفسير الزمخشري (الكشاف) عدة معلومات لا تمت إلى العلم الصحيح بصلة ينقلها عنه الرازي، مثل أطوار خلق الجنين ومبدأ تكونه، حيث كان يعتقد مثل معاصريه أن الجنين هو من نطفة الرجل فقط أما المرأة فليس لها إلا “الحرث” أي الوسط الطبيعي الذي ينمو فيه الجنين…الخ
[7] -لقد عدت بعد عدة أيام من كتابتي لهذه الأسطر إلى كتاب الدكتور محمد عابد الجابري “المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي”، الصادر عن دار الطليعة، بيروت، 1982، فوجدتني متوافقا بصفة كاملة مع ما ورد في هذا الكتاب بخصوص المسألة المطروحة حيث جاء فيه “إن تاريخ العلوم السائد الآن تاريخ أوروبي النزعة تتجه أنظاره من اينشتين وماكس بلانك، على نيوتن وجاليو، ومنها إلى أوقليدس وأرسطو، أما العلم العربي، فهو لا يحظى في أحسن الأحوال إلا بإشارات عامة عابرة، أما المسار العام فلا يتخذ منه سوى قنطرة مر عليها التراث الإغريقي إلى العالم الغربي، ومن هنا كان القديم في هذا المنظور التاريخي الأوروبي يعني العلم الأرسطي، وكان الحديث يعني العلم الجاليلي”
[8]- لقد وقع التأكيد على أهمية هذه الشهادة وصحتها كذلك لدى على سامي النشار في كتابة ” مناهج البحث عنه مفكري الإسلام ” ص. 304، القاهرة 1967 كما تم ذلك مع د. محمد عابد الجابري في كتابه ” المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي ” (ص.10) وورد في نفس هذا الكتاب قوله : ” هذه الروح العلمية التي انطلقت ليوناردو ديفنشي لم تكن نتيجة موهبته الفنية بقدر ما كانت من إيحاء نسيم العلم العربي الذي كان يهب عليه من خلال الكتب التي كان يقرؤها، كتب أستاذة جامعة باريس ومدارس ايطاليا ” (ص.10)
وبخصوص مدى إسهام مدى إسهام روجر بيكون بالذات في وضع أسس المنهج التجريبي الاستقرائي يقول د.الجابري ” فما هو الجديد فعلا في هذه الآراء والأفكار التي نادى بها هذا المفكر الانجليزي الذي يعتبر من الرواد الأوائل للتجربة الانجليزية؟
وبوسعنا أن نسجل في هذا العدد عدة ملاحظات:
إن إبراز أهمية التجربة والدعوة إلى اصطناعها في البحث في ظواهر الطبيعية وانتقاد طرق القدماء و فلسفاتهم … كل ذلك كان سائدا في عصر بيكون وقبله، بل يمكن تتبع ذلك بالرجوع القهري إلى حركة النهضة التي عرفتها أوروبا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر بتأثير الاحتكاك مع العرب والاقتباس من الحضارة العربية … الخ.
[9] – لا نهدف من وراء الكتابة في هذه القضية إلى الترويج لشعار ” ما فعله الأجداد برهان على قدرة الأحفاد” فنحن نوافق عبدالله العروي (1983) في ما أثبته من زيف هذا الشعار، لان العرب عندما يكونون متأخرين علميا ” لا يمكنهم إدراك مضمون الأعمال القديمة ” (ص.128) ولو كانت أعمال أجدادهم أنفسهم وإنما عليهم أولا التعلم من جديد.ثم استئناف دورهم الحضاري بما لهم من رصيد الطاقة الحضارية الوثابة.
[10] وظائف السنة النبوية خمسة: تأكيد أحكام القرآن وتفصيل مجمله وتخصيص عامه وتقييد مطلقه وإضافة حكم سكت عنه القرآن.
[11] من أسماء الله تعالى الرحمان والرحيم. فهو رحمان لمخلوقاته كلها من خلال تصريف شؤونهم بطريقة موضوعية ثابتة ومناسبة لطبيعة كل واحد منهم، وهو رحيم بعباده يجيب دعوات الصادقين منهم أو يحطّ بها عنهم خطايا أو يزكي بها نفوسهم للآخرة. قال تعالى: «واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون» (الأعراف/ 156). فواضح هنا أن رحمة الله لا ينالها إلا المتقون أما رحمانيته فهي لكل مخلوقاته. وقوله تعالى «وسعت كل شيء»، أي يرحم الله المتقين الطائعين في كل شيء ولا يعني رحمته للكافرين والمجرمين وغيرهم من أعداء الله والإنسانية، فأولئك تشملهم وحمانيته ولا رحمته.
[12] في مستوى الموجه الدماغي أساسا، وليس المقصود عضو الكلام فقط.
[13] ولقد جعل كانط تاليا( أي بعد قدوم الوحي بعدة قرون) حرية الإرادة من مصادرات العقل العملي وبناء الأخلاق بصفة عقلية.
[14] رواه الطبراني في المعجم الكبير86/10.
[15] نص الحديث كاملا: “أنتم بنو آدم وآدم من تراب” رواه أبو داود في السنن كتاب الأدب باب التفاخر بالأحساب، الحديث رقم5116.
[16] رواه أحمد في المسند، باقي مسند الأنصار، رقم22391.
[17] صحيح البخاري كتاب المناقب، باب قول الله تعالى:ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى… رقم2234
[18] انظر مثلا – Bourdieu, P., et Passeron, J. , La Reproduction, Puf, Paris, 1970
[19] تذكرنا هذه الفكرة بقولة الفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت الشهيرة: «العقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس».
[20] المقدمة، فصل في أنّ تعليم العلم من جملة الصّنائع، ص.525-526.
[21] متفق عليه. رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: إذا سلم الصبي فمات رقم 1359. ومسلم كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة رقم 6697.
[22] ثمة فرق أحيانا بين ما يشاءه الله وبين ما يحبّه: فالله قد هدى الإنسان النجدين (الكفر والإيمان أو الضلالة والهدى) ولكنه لا يرضى لعباد الكفر، وقد شاء أن يخلق إبليس وأن يدعه يحاول التأثير على ابن آدم، ولكنه لا يحب للإنسان اتباع خطوات الشيطان.
[23] والرّوح أمر إلهي طبيعي، مهما بدا لنا خلاف ذلك، كما يؤكّد ذلك محمد إقبال عن حق، من بعد ابن خلدون الذي يؤكّد –مثله مثل محمد إقبال-على طبيعية ظاهرة الوحي نفسها. يقول ابن خلدون في المقدّمة ( فصل “علوم الأنبياء عليهم السلام”): « وقد تقدّم لنا الكلام في الوحي أوّل الكتاب في فصل المدركين للغيب، وبينا أن هنالك أن الوجود كله في عوالمه البسيطة والمركبة على ترتيب طبيعي من أعلاها إلى أسفلها متصلة كلّها اتصالا لا ينخرم.» (ص. 572).
[24] يؤخذ على نظرية كانط الاستناد الكلي على فيزياء نيوتن في القول بإطلاقية حدسي المكان والزمان، إذ جاءت فيزياء انشتاين من بعدها لتقرر حقيقة نسبية هذين الأمرين.
[25] وقد أثر عن عمر رضي الله عنه قوله «علموا أولادكم السياحة والرماية وركوب الخيل» وقد اقتبسها من نصائح الرسول (ص) لأصحابه.
[26] في كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام، ص.146-147
[27] انظر مثلا راشد، رشدي، علم الهندسة والمناظر في القرن الرّابع هجري (ابن سهل- القوهي- ابن الهيثم)، سلسلة تاريخ العلوم عند العرب(3)، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996. وانظر كتابنا ختم النبوة: ابستيمية مولد العقل العلمي الحديث، تونس، 2002.
[28] ابن خلدون، المقدّمة ، هامش “فصل في الفكر الإنساني” عوضا عن “فصل في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري”، الذي ورد في نسخة دار الكتاب، ذكره ناشر الدار التونسية للنشر، 1991 ص.521
[29] المصدر السابق، فصل في علوم البشر وعلوم الملائكة، الدار التونسية للنشر، 1991 ص. 571.
[30] المصدر السابق، فصل أن الإنسان جاهل الذات عالم بالكسب، ص.537.
[31] المصدر السابق نفسه.
[32] مصطلح طبيعي في سياق تحليلي وفي سياق كلام ابن خلدون ليس المراد منه الإحالة إلى Naturalism بالمعنى الموجود في الفكر الغربي وليس المقصود به الاقتصار على الطبيعة مصدرا للمعرفة والتكوين بل إن للثقافة دور هام في بناء الشخصية المعرفية للمتعلم ومن هذه الثقافة ثقافة الوحي والسنة والشريعة بصفة عامة، وإنما المقصود أن التفاعل مع الطبيعة مصدر هام من مصادر المعرفة يؤطر بمقولات العقل الأساسية التي تبنى بذاتها تدريجيا في تفاعلنا مع المحيط الطبيعي والثقافي، وسأزيد هذا التوضيح في نصي.
[33] عبارة (أوّل) الثانية لم نجدها في نسخة الدّار التونسية للنشر، ولعلّها سقطت سهوا، إذ المعنى لا يستقيم إلاّ بها، حسب اعتقادنا، ولذلك أثبتناها.
[34] المصدر السابق، فصل في علوم الأنبياء عليهم السلام، ص, 572.
[35] المصدر السابق، فصل في أن الإنسان جاهل الذات عالم بالكسب، ص.537.
[36] رواه الترمذي في السنن كتاب العلم باب ما جاء في فضل فقه على العبادة، رقم2611.
[37] صحيح البخاري كتاب الجمعة باب الصلاة في كسوف الشمس، رقم985
[38] سنن أبي داود كتاب الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم3119.
[39] رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء باب فضل الإجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم4867، وأصحاب السنن عن أبي هريرة الترمذي في السنن كتاب العلم2570، ابن ماجه في السنن المقدمة219
[40] لم يروه بهذا اللفظ إلا ابن ماجه وحده: سنن ابن ماجه المقدمة رقم219. / أما بقية الروايات عن أبي داود والترمذي في السنن وأحمد في المسند ومسلم في الصحيح فهي كالتالي:”من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا…ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطّأ به عملُه لم يُسرع به نسَبُهُ”. مسلم كتاب الذكر والدعاء4867، الترمذي كتاب القراءات2869، أحمد باقي مسند المكثرين7965 .
[41] رواه أبو الحسن علي بن أحمد ابن الأخزم المديني في أماليه عن أنس.
[42] سنن النسائي كتاب الإستعاذة باب الإستعاذة من دعاء لايُسمع، رقم5441 ؛وقد ورد الحديث باختلاف في ترتيب الإستعاذات الأربع عند أصحاب السنن وأحمد.
[43] رواه الطبراني في المعجم الكبير86/10 : وهو حديث ضعيف جدا، وقال ابن الجوزي:حديث لا يصح، وضعفه الألباني: السلسلة الضعيفة رقم1900.
[44] المصدر السابق، فصل في علوم البشر وعلوم الملائكة، الدار التونسية للنشر، 1991 ص. 571.
[45] المصدر السابق، فصل في أن الإنسان جاهل الذات عالم بالكسب، ص.537.
[46] المصدر السابق، فصل في أن تعليم العلم من جملة الصنائع، ص.522.
[47] المصدر السابق، فصل في أنّ تعليم العلم من جملة الصّنائع، ص.525-526.
[48] جاء في “قانون التأويل” لابن العربي (وهو غير ابن عربي المتصوّف وإنما القاضي والفقيه المغربي أبو بكر بن العربي، وليس الأول محيي الدين بن عربي) أن من واجبات المتعلّم «ألا يخالف معلمه فيما يشير به عليه إن ظهر إليه غيره »(ص.344)، فأين الحوار وأسلوب الإقناع والبرهنة وتقديم الحجج؟!
[49] لقد ظهر مفهوم الطفولة في الغرب على إثر الثورة الصناعية وما نتج عنها من ازدهار للنظام الرأسمالي وتطور للطبقة البرجوازية(انظر مثلا، أحمد شبشوب، علوم التربية). ولقد كان الطفل يعامل قبل ذلك على أنه كهل صغير ولا حق له في أن يعامل وفق خصائص مرحلته النشوئية، وهو أمر كان يصدق على المجتمعين الغربي والعربي على حد سواء. ففي التراث العربي تخصيصا شواهد كثيرة على النظرة السلبية للطفل، الذي هو “على الأكثر قبيح الأفعال” لدى ابن مسكويه، و لذلك يجب الإسراع بإخراجه من “حد الطفولة… إلى حد البلوغ والصحة وتمام الأداء”، كما يحثنا عليه الجاحظ في رسائله. ولقد نشأ لذلك فن خاص في ضرب الأطفال والأدوات التي يجب أن تستخدم لهذا الغرض، لدى القابسي و الشيزري وغيرهم من المنظرين التربويين المسلمين القدامى! وإن كان البعض منهم والحق يقال، أكثر اعتدالا مما سبق ذكره، كابن الجزار وابن خلدون الذي يرفض القسوة على الصبيان و إذلالهم كما سيأتي بيانه.
[50] V. par exemple, Giordan, A. et De Vicchi, A., Les origines du savoir, Delachaux et Niestlé, 1987.
[51] ابن خلدون، المصدر السابق، فصل في وجه الصواب في تعليم العلوم وطرق إفادته، ص.695-696.
[52] المصدر السابق، الفصل السابق، ص.696.
[53] V. par exemple, Jonnaert, Ph., Conflits de savoir et didactique, De Bœck Université, 1988.
[54] ابن خلدون، المصدر السابق، فصل في أنّ تعليم العلم من جملة الصّنائع، ص.523-524.
[55] المصدر السابق، فصل في أنّ الشّدّة على المتعلّمين مضرّة بهم، ص.703-704.
[56] القول بالصرفة كالمعتزلة!
[57] ابن خلدون، ، فصل في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه، ص.700-703.
[58] المصدر السابق نفسه.
[59] التسطير من الباحث.
[60] V. par exemple, Chevallard, Y., La transposition didactique, du savoir savant au savoir enseigné, Grenoble, LA Pensée Sauvage, 1982.
[61] ابن خلدون، المصدر السابق، فصل في أنّ الرّحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم، ص.705.
[62] أي كتاب “أليس الصبح بقريب؟”.
[63] ظل المذهبان المالكي والحنفي ممثلين رسميا في الإيالة التونسية إلى عهد قريب جدا من وقتنا الحاضر.
[64] هكذا وجدناها، وربما أراد بها “التنزيه عن الخطإ”.
[65] يقول “تقريبا”.
[66] هكذا كتبت و أكثر ما تعرف به بهذا الرسم: الخطى.
[67] يعتقد ابن عاشور أن المراقي العليا تترك للمرحلتين المتوسطة والنهائية، ولكن هذا الرأي تم تجاوزه الآن في توجيهات التعليم العصرية، لأنه بالإمكان تدريب التلاميذ على العمل في مختلف هذه المستويات العرفانية بما يلائم مراحلهم النشوئية ومراكز اهتماماتهم، بما في ذلك متعلمو رياض الأطفال، الذين يكون لديهم التحليل والتركيب عملا حسيا حركيا بالدرجة الأولى. والفكر يبنى بهذه الكيفية لأن الفكر في أساسه فعل في المادة وفي ذاته نفسها لاحقا(الميتاعرفان). فكما يقول جان بياجيه: “أن نفكر هو أن نفعل”
[68]الطبعة المنقسمة إلى ثلاثة أجزاء. صدرت أول مرة سنة 1939.
[69] من المنتظر أن يشارك على الأقل باحثان اثنان من المشروع في هذه الندوة (بصفتهما الشخصية).
[70] – حيث تمّ الانتباه إلى أن ما يميز الفكر التربوي الحديث في أوربا هو روح الحرية والعلوم المنفصلة والمستقلة المواضيع واعتماد العقل والمناهج العلمية التجريبية، كما أن التربية مرتبطة بالعمل والواقع لتهيئة الأفراد إلى وظائفهم الاجتماعية الحية في المستقبل حسب ما تتطلبه سوق الشغل وحسب الاختيار الحضاري العام للمجتمع, انظر مثلا: غاستون برجاي: الإنسان الحديث وتربيته: (المقدمة):
Gaston BERGER: l’Homme Moderne et son éducation P.U.F. Paris 1962 /Introduction / P.1-10
وكذلك كتاب فاضل الجمالي: آفاق التربية الحديثة في البلاد النامية، الدار التونسية للنشر، 1968، حيث نجد عرضا لأهم نظريّات المفكرين التربويين الغربيين في العصر الحديث أمثال: روسو (ت 1778 م) (J.Rousseau) وبتالوتزي (ت 1827م) (PESTALOZZI) وجون ديواي (ت 1952 م). (J. Dewey).
[71] – الملاحظ أن معنى التربية أشمل من التعليم الذي هو تلقين بعض المعارف في المدارس.
[72] -المنار م1، ج 30 (مارس 1899) : فاتحة العدد ص: 567.
[73] – المنار، م 1، ج 30: (نفس الفصل).
[74] – الفصل السابق والصفحة نفسها (ص: 570).
[75] – الفصل لسابق ص: 571 وما بعدها.
[76] – مجلة المنار م 2 ج 6 (15 أفريل): “تربية الأطفال”، ص. 90.
[77] – مجلة المنار، م 5، ج 2 (25 أفريل 1902) فصل: التعليم الذي ترتقي به الأمة ص. 72 وما بعدها.
[78] – الفصل السابق ص : 73.
[79] – المنار، م 14، ج 11 (نوفمبر 1911). العلوم والفنون في مدرسة الدعوة والإرشاد ص. 801.
[80] -نفس الفصل أعلاه الصفحات: 802 و 803 و 804 و كذلك 811 و 812.
[81] -المنار، م ،18 ج 4 (4 ماي 1915): مدرسة الدعوة والإرشاد ص313 و 314 بالخصوص حيث شرح المؤلف أسباب إغلاق مدرسته قبل نهاية العام الدراسي (عام 1915)
[82] -راجع مناقشة لهذا المشروع في مجلة المنار، م5، ج 5 (24 ماي 1902)فصل : قوانين التعليم الرسمي والجمعية العمومية ص: 143 إلى 153.
[83] -(105) –المنار، م11، ج 11 (الفصل السابق) ص : 869.
[84] -راجع في هذا المضمار مثلا كتاب عبدالله الدائم: تاريخ التربية، دمشق، 1965.
[85] -راجع في هذا مقدمة (محمد عمارة) للأعمال الكاملة للطهطاوي بيروت، 1973، ج 1 ص 231-241 فصل: (نظرات في التربية والتعليم) .
[86] محتوى هذا المحور تأليف لما وجدناه لدى عبد الله عبد الدائم في التربية عبر التاريخ (دار العلم للملايين، بيروت، 1985) ولدى عمر محمد التومي الشيباني: تطور النظريات والأفكار التربوية (الدار العربية للكتاب، ليبيا/ تونس، 1977) وفاخر عاقل: التعلم ونظرياته (بيروت، دار العلم للملايين، 1977) وآل ياسين محمد: المبادئ الأساسية في طرق التدريس العامة، دار العلم للملايين، بيروت، 1980)، ومن المراجع الأجنبية تعاملنا مع:
F. Morand: Modèles et méthodes en pédagogie, Nathan, 1997.
J. Piaget: Psychologie et pédagogie, Denoel, PUF, 1968.
R. Cousinet: Une méthode libre de travail par groupe, Ed. du cerf, 1968.
J. Dewey, Democracy and education, New York, Mecmillon, 1916, 1918.
E. Claparède, L’école sur mesure, Genève, Payot, 1920, 2ème édition, Delachaux et Niestlé, 1953.
E. Claparède, l’éducation fonctionnelle, Flabert, 2003.
.J.J. Rousseau, Emile ou De l’éducation, Garnier-Flammarion, 1996.
[87] -Jean, Piaget Psychologie et pédagogie,p. 203
[88] قاموس مصطلحات البيداغوجيا الأساسية (بالفرنسية) لـ F. Raynal et A. Rieunier, ESF éditeur, Paris, 1997, p. 90
[89] انظر جان بياجيه في كتابه “ست دراسات في علم النفس التكويني ” (بالفرنسية) Edition Gallimard, 2003
أو انظر الترجمة العربية: دراسات في علم النفس التكويني، ترجمة محمد الحبيب بلكوش، نشر الفنك، الرباط، 1993.
[90] الإنسان كائن حي على درجة كبرى من التعقيد مكّن من انبجاس الفكر والشعور لديه وكرمه الله تعالى بطفرة نوعية سمحت له بامتلاك القدرة الترميزية اللغوية (علمه الأسماء كلها) وبظهور العقل والنشاط الروحي لديه.
[91] الفاربي، عبد اللطيف وآيت موحى، محمد، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 1، ص52..
[92] Ausubel, DP، سلسلة علوم التربية، 4-1990.
[93] Delachaux et Niestlé, Neuchatel, Suisse, 1950 L’enfant, Piaget, La construction du réel chezٍٍٍV.
[94] انظر مثلا كتابه دراسات في علم النفس التكويني، ترجمة محمد الحبيب بلكوش، نشر الفنك، 1993، ص.111-114.
[95] نأخذ مثالا على ذلك لدى الطفل الصغير مفهوم الاحتفاظ بالكم. هذا المفهوم أو الشامة الذهنيةscheme لا يتكون إلا بتعويض ذهني للكمية “المفقودة” في المادة بفعل التحوير الشكلي الذي يطرأ عليها (كأن نحوّل كتلة صلصال من الوضع الممتد إلى الوضع المكوّر، فيظن الطفل الذي لم يبن بعد شامة الاحتفاظ بالكم أن كتلة الصلصال قد نقصت) فتتحقق عندئذ انعكاسية التفكير، أي جريانه في الاتجاهين المتعاكسين (تصور عودة كتلة الصلصال إلى الوضع الممتد من جديد) وبهذا يرتقي الطفل في درجة إدراكه لمعنى الكم بربطه بشامة الاحتفاظ بالمادة.
[96] Vygotsky, Pensée et langage, Trad. du Russe Editions sociales Payot, 1973.
[97] V. par exemple, Raynal, F., et Rieunier, A., Pédagogie: dictionnaire des concepts clés, ESF éditeur, 1997, p. 85
[98] تختلف الديداكتيك عن البيداغوجيا في كون الأولى تهتم بتحليل التمشيات التعليمية-التعلّمية الخاصة بمادة معينة (الرياضات، اللغة، الرياضة، النحو…الخ) بينما تهتم البيداغوجيا في جانبها النظري بتحليل نفس تلك التمشيات ولكن دون ربطها بمادة معينة.
[99] معجم علوم التربية، ، ص.52.
[100] كتب فيغوتسكي مؤلّفه “الفكر واللغة” الذي يقدّم فيه هذه الأفكار، باللغة الروسية، سنة 1934
[101] سنعتمد هنا بالأساس على تقرير ميداني قامت به الصحفية المتخصصة مارلين بومارد مراسلة لوموند دي ليدوكسيون Le Monde de l’éducation والعنوان الأصلي للتقرير هو:
Finlande: Pourquoi les élèves réussissent, Le Monde de l’éducation, Janvier 2008, p. 52-44.
كما سنعتمد المقالL’Expess, 25-10-2004 Julie Jolie, Pourquoi s’intéresser à l’école en Finlande,
«National summary sheets on education systems in Europe and ongoing reforms» Étude publiée ونحيل كذلك إلى par Eurydice, 2006.
[102] التصريحات المذكورة في هذا العنصر مترجمة عن الفرنسية عن التقرير الذي أعدته مارلين بومارد (انظر الهامش السابق) أو عن مقال جولي جُلي Julie Jolie الصادر بمجلة L’Express في 24-10-2004.
[103] يكون هذا الفعل ماديا في البداية ثم يتم استبطانه ليتحول إلى بنيات معرفية مثل التحليل والتركيب بالذهن، كما في الرياضيات والتفكير الفلسفي، وهذا التحول يمكن من رفع درجة الفعل في العالم من خلال عملية الاستباق والتخطيط المنهجي لذلك الفعل.
[104] كل تلامذة المدرسة الفنلندية البالغين خمسة عشر سنة يحذقون الطبخ واستعمال مكنة الخياطة و أدوات النجارة الخشبية والمعدنية.
المقدمة، الفصل السابق، ص.696.
[106] مثال عن هذه البنيات الذهنية الأولية: بنيات المكان والزمان والحجم والكتلة والاحتفاظ بالشيء في الذاكرة حتى في حال غيابه عن الحواس…الخ. تتراكب هذه البنيات الأولية لتنشأ عنها بنيات أكثر فأكثر تعقيدا مثل بنيات السببية والتتالي والتزامن والأعداد والبنيات المنطقية الرياضية والقواعد العلمية والنظريات العلمية والفلسفية والبراديغمات (النماذج الإرشادية)…الخ. مثال ذلك العدد لا يتعلم دفعة واحدة. بل بالتدريج مع ربط اللاحق بالسابق وفق منهج لولبي وكذا الأمر في تعلم العلوم الطبيعية. من الظواهر الكبرى إلى الظواهر المجهرية، مع التعمق في الظواهر المعقدة كتركيبة الجسم البشري ووظائفه. التنفس مثلا يتعلم في الابتدائي على أنه عملية شهيق وزفير، أي عملية ميكانيكية بحتة، وفي الثانوي يدمج صمن دراسة الدورة الدموية، وفي العالي يقدم على أنه ظاهرة كيميائية: الأكسدة والإرجاع.
[107] المصدر السابق، فصل في وجه الصواب في تعليم العلوم وطرق إفادته، ص.695-696.
[108] J. Bruner, The process of education, Harvard University Press, 1960.
[109] Y. Chevallard, La transposition didactique: du savoir savant au savoir enseigné, La Pensée Sauvage, Grenoble, 1985.
[110] ابن خلدون، المصدر السابق، فصل في أنّ الرّحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم، ص.705.
[111] Voir W. Doise & G. Mugny, Le développement social de l’intelligence, InterEditions, Paris, 1981, p. 174.
[112] لقوله تعالى: ” قل انظروا ماذا في السماوات والأرض” (يونس: 101).
[113] ابن قيم الجوزية، تحفة المودود في أحكام المولود ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2002.
[114]Voir B.F. Skinner, Pour une science du comportement: le béhaviorisme, Neuchâtel-Paris, Delachaux et Niestlé, 1979.
[115] A..Maslow, A theory of human motivation. In The Psychology Review, vo. 50, n°4, 1943, pp. 370-396.
[116] نقصد بالدفعان الدافعية الداخلية النابعة من الوجدان والموجهة بالعرفان.
[117] See (eg.) : Lafontaine, D., Les compétences à l’épreuve: l’évaluation en lecture. Enjeux, 55, 54-69.
[118] Ch. Depover & B. Noël (Éds). L’évaluation des compétences et des processus cognitifs, De Boeck Université, Paris-Bruxelles, 1999/
[119] المحايَثة هي الملازَمة للشرط الإنساني وحده.
[120] نذكر الإخوة الباحثين من المغرب العربي أن المفردات المكتوبة بالأحرف اللاتينية هي مفردات إنجليزية وبالتالي فهي تختلف ي نهاياتها عن المفردات الفرنسية التي لها نفس الصوتم.
[121] الانهمام بالذات أحد عناوين كتب ميشال فوكو، وهو لا يستعمل هذه العبارة بشحنة سلبية، بل نجده على العكس من ذلك يضمنها شحنة تنويهية تقريظية.
[122] الآية بلفظها: “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا” (النساء: 115).
[123] رواة أحمدفي المسند.قال الألباني في السلسة الصحيحة رقم667. إسناده حسن.
[124] مع رواد التربية النشيطة منتسوري ودكرولي وديوي …الخ.
[125] مع أعمال التيار النفس-عرفاني في مرحلته الأخيرة.
[126] J. Piaget, Le jugement moral chez l’enfant, Puf, Paris , 1978.
[127] See for example J.E., Brophy & .T. L. Good, Teacher-student Relationship: Causes and Consequences, New-York, Rinehart and Winston, 1974 or M. Gilly, Maître-élève. Rôle institutionnel et représentations,. Coll. Pédagogie aujourd’hui, Paris, PUF, 1980.
[128] انظر مصدق الجليدي، في علوم التربية: مقاربات ابستمولوجية وسيكولوجية، تونس، 2002.
[129] جاء في تقرير الإيسيسكو عن ندوة المنامة حول التعليم في الدول الإسلامية ومتطلبات التنمية الشاملة، أكتوبر، 1999.
[130] مبدأ التسخير هو الحلقة الرابطة بين عقيدة التوحيد (الإيمان بالله الواحد الخالق لكل شيء) من جهة ومبدإ قدرة الإنسان الخليفة على الفعل والتغيير والتعمير والتطوير/ من جهة ثانية. وبالتالي عند تدريس العلوم يعي المتعلمون أن تفسيرهم الموضوعي للظواهر الكونية من داخل شروطها الطبيعية لا يتعارض البتة مع إيمانهم بقدرة الله الخالق لكل شيء، فيتحررون بذلك من عقلية الجبر والخنوع والتواكل وتنمو لديهم الرغبة في الفهم وبالتالي تنمو قدرتهم على الفعل الناجع صمن قواعد الأخلاقية الإسلامية.
[131] هذه الإحصائيات مأخوذة من التقرير الأخير للتنمية البشرية/الإنسانية في العالم العربي.
[132] انظر مثلا د. الرشدان، عبد الفتاح على،”التعليم العالي في الوطن العربي: الأوضاع والتحديات وسبل التطوير”، شؤون عربية، 134، صيف 2008، ص. 81.
[133] انظر أبو يعرب المرزوقي، المقاومة: محاولة في تحليل استراتيجيتها، الدار المتوسطية للنشر، 2008.
انظر كذلك لنفس الكاتب “مداخل نظرية لفهم استراتيجيات المقاومة ولبنائها”، مجلة المستقبل العربي، العدد 333 نوفمبر 2006، ص. 28 – 47. مع الملاحظة أننا قد استلهمنا هنا روح هذه المقاربة دون ألفاظها وتفاصيلها وأجرينا عليها تطويعات لصالح البحث وبالتوافق مع طبيعته.
[134] البحث الراهن وبحث زميلنا احميدة النيفر.
[135] انظر كذلك الجيلاني بن التوهامي مفتاح، مفهوم الاستخلاف ودوره في فكر ابن خلدون التربوي والتعليمي، بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الدكتورا في التربية بمعهد التربية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، يونيو 2006.
وانظر أيضا أبو يعرب المرزوقي، “شروط وحدة المسلمين وشروط نهضتهم لاستئناف دورهم الكوني”، مجلة وحدة الأمة، السنة الأولى، العدد الأول، ماليزيا، 2003م، ص. 48-49.
ولا نعتقد أنه من باب الصدفة أن يتزامن الإصلاح الخلدوني للعقل الإسلامي العمراني بوجه عام وللعقل العمراني التربوي بوجه خاص مع الإصلاح والتطوير الذي قام به الشاطبي في مجال أصول الفقه وصياغته لمقاصد الشريعة في كتابه الرابع من “الموافقات” على نحو منهجي مضبوط ضبطا دقيقا. فكلا العالمين ينتمي إلى نفس اللحظة الابستيمية الأرقى إلى حد الآن في الشعور الإسلامي العالم. بل إن ابن خلدون يقول صراحة في “المقدمة” بأن قواعد العمران البشري مقامة على قواعد حفظ نظام الإنسانية التي هي عينها مقاصد الشريعة.
[136] كان اكتشاف الطهطاوي لابن خلدون الحقيقي إبان رحلته إلى باريس، حيث وجد الغربيين مهتمين به للغاية.
[137]كان محمد عبده يدرس مقدمة ابن خلدون في دار العلوم بالقاهرة، وكان يعتبره نقطة انطلاق أساسية لاستئناف النهضة العربية.