مقاربات المشروع

10- الأبعاد الاستراتيجية والحضارية للوقف على المشروع وتمويله

(مقتبس بتصرف من الملف التعريفي الخاص بمشروع إحياء نظام تربوي أصيل، والمحرر في شعبان (8) 1433هـ، الموافق يونيو (6) 2012م)

توطئة

إن الإيمان الحافز والجهد الماهد لا يكفي ـــــ على أهميته البالغة ـــــ للنهوض بالعبء الثقيل لتحويل الفكر إلى واقع مستديم؛ فثمة تحديات جسام، أمام أي مشروع جاد ـــــ وما مشروعنا بالهزل ـــــ أهمها الاستمرارية بعد الكينونة، والاستقلالية في السيرورة، والتنافسية في سباق الضرائر. إنها تحديات وجود وصمود وخلود، حري بأي مشروع لا يرفعها أن يتحول إلى فقاعة سرعان ما تنماع أو نبتة علّيق لا تقوم بنفسها أبدًا.

والحال أن العمل التربوي، بما هو صناعة للأجيال وإرساء للذكاء الجمعي، هو بالضرورة عمل طويل النفس مديد الأجل كبير الكلفة، ولكنه أيضًا عظيم المردود إذا ولـّى وجهه شطر قبلته وتزود لرحلته. وأنـّى له ذلك إن لم يمتلك مقومات بقاء ونماء واكتفاء تمنحه ميزة تنافسية عالية وتصون له ماء وجهه، فلا تجتاله الحاجة فتقعده دون قصده، ولا تغتاله الفاقة فتئده في مهده. ولنا في غابر شأننا التربوي وفي حاضر شأن غيرنا حكمة بالغة.

لقد شعّت في أفق الحضارة العربية والإسلامية أسماء كبيرة مثل الأزهر والزيتونة والقرويين وغيرها من المؤسسات التربوية الناجحة حينما تهيّأت لها أسباب الاستدامة يوم كانت ـــــ بريع الأوقاف ـــــ في غنى عن الدولة.  ولم تفتأ القرون تطوي الناس جيلًا بعد جيل وتنشر في الوقت ذاته مآثر أولئك الذين مهّدوا لهذه القلاع الحضارية سبل الصمود والخلود.

وفي عالمنا المعاصر؛ تتنافس كبريات الجامعات والمؤسسات التربوية في العالم الحفيّ بالتربية في امتلاك أسباب قوتها، متجهة أكثر فأكثر نحو الاعتماد على الاستثمارات الوقفية.

والحق أن كل عمل باقٍ ـــــ أو يراد له ذلك ـــــ لا يمكن أن يقوم على أساس فانٍ من هبات مقطوعة أو تبرعات آنية، بل لا بد له من مدد جارٍ يمدُّه بنسغ حياة مديدة تتجدد فيها حيوات الذين أسسوه، بعد أن يطووا صحائفهم، ويلتحقوا بباطن الأرض، فتكون آثارهم شاهدة بحسن صنيعهم، مجددة لذكرهم، جالبة لهم الدعاء، مثّقلة لهم موازين حسناتهم. وبذلك يكون عملهم نافعًا للناس }وَأمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرْض{ (الرعد17).

وإذ ألهم الله فكرة القيام على مشروع تربوي أصيل، فإن من واجب القائمين على هذا المشروع أن يسلكوا مسلك من سبقوهم من أصحاب الأفكار الكبار، فيُعدُّوا له ما استطاعوا من أسباب الاستدامة؛ عبر أساليب وأنماط تمويل ملائمة حسب متطلبات كل مرحلة من مراحل المشروع. ولئن تعددت تلك الأساليب والأنماط، فإن أعمقها رسوخًا في تربية الثقافة العربية الإسلامية، وأطولها فرعًا في الواقع المعاصر هو الوقف.

والسطور التالية من هذه الوثيقة تُسلّط مزيدًا من الضوء على هذه الحقيقة الساطعة.

الوقف التربوي في ضوء القرآن والسنة

ينظر القرآن الكريم إلى ما في يد الإنسان من نعمة ومال على أنه اختبار وامتحان  }فأمّا الإنْسَانُ إذَا ما ابْتَلاهُ ربّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعّمَهُ فَيقولُ ربّيِ أَكْرَمَنْ{ (الفجر 15). وأمام الإنسان طريق مفتوحة للنجاح }لنْ تَنَالُوا البّرَ حتى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّون{ (آل عمران12). وهذا الإنفاق ليس تعبيرًا عن إرادة الخير فحسب، بل هو لإثبات أننا نحب الله أكثر من كل شيء }والّذين آمنوا أشَدّ حُباً لله{ (البقرة165). والله يكافئنا على هذا بمزيد من نعمه في حياتنا الدنيا }ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيِدَنّكُم{ (إبراهيم7).  وبما لا يحصى من كرمه الواسع في حياتنا الأخرى }مَثَلُ الذيّن يُنْفِقُونَ أَمْوالهُم في سَبيل الله كَمَثَلِ حَبّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ في كُلّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبّةٍ والله يُضَاعِفُ لمن يَشَاء والله واسعٌ عَليم{ (البقرة 261)، و}إنّ الله اشْتَرى مِنَ المؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأمْوَالَهُمْ بِأنّ لَهُمُ الجَنّة{ (التوبة111).

            ولما كانت بعض وجوه الخير تتطلب قدرًا من الاستقرار والديمومة في النفقة، جاء الوقف ليحقق هذه الغاية ويسد هذه الحاجة، وهذا هو الأثر المستمر الذي يتركه الإنسان بعد سفره المحتوم }وَنَكتُبُ ما قدمُوا وآثَارَهُم{ (يس12)، وبذلك يكون من أهل الوعد النبوي الصادق ))إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له(( (رواه مسلم).

والوقف على هذا المشروع السامي خليق بأن يفتح للواقف أبواب البقاء الثلاثة المذكورة في الحديث، ويجعل عمله مما ينفع الناس. فالصدقة الجارية هي الوقف. كما أن في هذا الحديث بالذات إشارة قوية لعلاقة الوقف بـالعملية التربوية؛ فـالعلم النافع الذي يتركه الإنسان بعد رحيله في صورة الكتاب الذي دوّنه، أو المدرســـــة التي أنشأها، أو التلاميذ الذين علمهم، كل هذه الصور مرتبطة بفكرة الصدقة الجارية. وأما الولد الصالح؛ فالصلاح والإصلاح جهد تربوي أيضًا تركه الوالد في ولده، وأُبوّة العلم أولى من أُبوّة النسب.

وإذا كان العلماء قد خصهم الله بهذه الآثار الجليلة، فلأهل الفضل حق المساهمة والمشاركة من باب ((من جهّز غازيًا فقد غزا)) (رواه البخاري ومسلم)، فالعلماء لا يقومون بهذا الأمر وحدهم إذ هم بحاجة إلى تعاون المجتمع من حولهم في بناء المؤسسات وتوفير المستلزمات ورعاية الطلاب.

الوقف التربوي في تاريخ أمتنا

تمكنت أمتنا مع بزوغ شمسها من تحقيق السبق العلمي في مختلف مجالات المعرفة، وقد أثارت مخرجاتها التربوية ورموزها العلمية الكبيرة انتباه المهتمين والمراقبين. وربما يُعزى هذا الإنتاج المتميز إلى المنظومة القيمية التي غرسها الإسلام في أتباعه في نظرة شاملة ومترابطة للكون والإنسان والحياة. والحق أن العلم هو أحد أهم القيم الكبرى في هذه المنظومة }قُل هَلْ يَسْتَوي الذين يَعْلَمُونَ والذين لا يَعْلَمُون{ (الزمر9).  }وَقُلْ ربّ زِدْنِي عِلْمَا{ (طه114). لكن هذه المنظومة لم تكن لتؤتي ثمارها لولا البرامج العملية التي كانت كفيلة بتحويل هذه القيم إلى صروح شامخة على هذه الأرض. ويأتي الوقف التربوي على رأس تلك البرامج؛ والذي كان يحظى باهتمام الأمة وقادتها على مر عصورها الزاهرة، ولنتأمل النماذج التالية.

  • الصُفّــة الوقف التربوي الأول

مع بناء المسجد النبوي كقاعدة انطلاق في المشروع الإسلامي الكبير، أمر النبي r بتخصيص مكان ملحق بالمسجد يُسمى بـ (الصُفّة) كمأوى لطلاب العلم.  وكان النبي r يولي هؤلاء عنايته المادية والمعنوية.  وقد بارك الله في هذه الصُفّة حتى خرّجت جلّ علماء الصحابة كأبي هريرة وأبي ذر الغفاري وحذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي و البراء بن مالك وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.

  • التنافس في بناء المؤسسات التربوية

إن الكثير من المؤسسات التعليمية في حواضر العالم الإسلامي نشأت بالأساس كمؤسسات تربوية تعليمية وقفية، والتي كانت المنافسة في تشييدها والاهتمام بها والإغداق عليها شديدة بين الأمراء والأثرياء وأهل الخير في الأمة. وذلك كالمدارس النظامية في بغداد ونيسابور التي أنشأها نظام الملك، والمدرسة المستنصرية في بغداد التي أسسها الخليفة العباسي المستنصر بالله، والمدرسة الصالحية في مصر التي أنشأها نجم الدين أيوب، والمدرسة الظاهرية في القاهرة التي أنشأها الظاهر بيبرس، والمدرسة الغياثية في مكة المكرمة التي أنشأها المنصور غياث الدين، والأزهر الشريف الذي أنشأه جوهر الصقلي، والمدرسة العادلية ودار الحديث في دمشق، والمؤيدية في اليمن، والبيهقية في نيسابور.

 تلكم ليست سوى نماذج لامعة، لكن الحقيقة أن تلك المدارس لا يمكن حصرها؛ ويكفي أن نعلم أن جزيرة صقلية التي فتحها المسلمون في قلب البحر الأبيض المتوسط قد أنشأوا فيها ما يزيد على الثلاثمائة مدرسة!! وأن أبا القاسم البلخي قد بنى مدرســـة (كُـتّابا) يتسع لثلاثة آلاف تلميذ!!

ولم تكن المؤسسات التربوية قاصرة على المدارس والجامعات؛ فقد أنشأ المأمون بيت الحكمة في بغداد في القرن الثاني الهجري، ثم أُنشئت خزانة الكتب في بغداد أيضًا، وقريبًا منها دار العلم التي أنشأها ابن حمدان الموصلي سنة 270 هـ.  وفي مصر كانت خزانة الكتب التي تضم أكثر من مليوني كتاب!! ثم أنشأ العثمانيون مكتبة السليمانية القائمة إلى اليوم.

وللنســاء دورهنّ أيضا؛ والذي يُبرهن أن الوقف التربوي كان ظاهرة عامة في الأمة كجزء من هويتها وفلسفتها. فقد شاعت المؤسسات التربوية الموقوفة من قبل النساء، ويكفي أن نعلم أن فاطمة الفهرية هي التي أنشأت أول جامعة في المغرب العربي؛ جامع القرويين. وكانت زوجة صلاح الدين الأيوبي تقيم المدارس في مصر وتسهم بوضع مناهجها وخططها الدراسية. وأنشأت السيدة شمس الضحى ـــــ حفيدة صلاح الدين الأيوبي ـــــ المدرسة المعتصمية في بغداد. أما زوجة السلطان سليمان القانوني فقد التفتت إلى ناحية أخرى؛ حيث اهتمت ببناء الحجرات لسكن الطلاب في مختلف البلاد.

لقد امتلكت هذه المؤسسات الناجحة ـــــ وغيرها الكثير في تاريخ الأمة ـــــ مقومات ذاتية للاستمرارية في العمل والاستقلالية فيه بسبب ريع الأوقاف التي أغنتها عن الدولة، ولم تكن محكومة بقوانين الســـــــــــوق المتمثلة في العرض والطلب والربح والخســـــــــارة، ولم تكن الحالة المالية لطالب العلم أو للشيخ حاكمة على الأهلية والكفاءة المعرفية في ترشيح هذا أو ذاك لدخول مجلس العلم أو التصدر فيه. بل إن كثيرًا منها كانت تكفل الطلبة والأساتذة والمشايخ وتوفر لهم عيشًا كريمًا وتحقق لهم الاستقلالية والتفرغ للعلم، مما كان له الأثر الكبير في ازدهار طلب العلم وحرية التعليم وزيادة التصنيف والإنتاج المعرفي والفكري([1])، حتى في الفترات التي شهدت تمزقًا سياسيًا.

الوقف التربوي في عالمنا المعاصر

استفادت الأمم الأخرى من تجربة أمتنا في هذا المجال، وانطلقت لتشيد أكبر مؤسساتها التعليمية على قاعدة الوقف. ففي الولايات المتحدة الأمريكية سبع جامعات تزيد إيداعاتها الوقفية على 5 مليارات دولار، وست وعشرون تزيد أوقافها على ملياري دولار، وأكثر من خمسين جامعة تربو أوقافها على مليار دولار. وتتصدر هذه الجامعات “هارفارد” التي تتجاوز أصولها الوقفية 25 مليار دولار، تليها جامعة “ييل” بأكثر من 15 مليارًا و”استانفورد” بأكثر من 12 مليونًا. وفي بريطانيا، تملك جامعة “أكسفورد” أوقافًا بقيمة 6 مليارات دولار، وفي اليابان وكندا وأستراليا جامعات تملك أوقافًا تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار.

في مقابل ذلك ـــــ ورغم عراقة الأوقاف التربوية في تاريخ الأمة ـــــ؛ فقد انحسر اهتمام المسلمين اليوم في هذا المجال؛ حيث تقتصر جل الأوقاف اليوم على أوقاف الشعائر مثل بناء المساجد التي نُزع منها دورها التربوي والتعليمي أو يكاد، أو ليقتصر على أوقاف الخير في رعاية الأيتام والأرامل والعجزة، الأمر الذي يستلزم إعادة صياغة الوعي في مسألة الوقف في حياة المسلمين اليوم.

المشروع وإحياء ثقافة الوقف التربوي

يُمثّل الوقف التربوي حالة معيارية لقياس درجة الوعي في ثقافة المجتمع، هذا الوعي الذي يتنامى مع الشعور بالحاجة إلى النهضة الشاملة والتعرف على الأدوات المناسبة لتحقيق هذه النهضة، وقد رأينا كيف تماشى الاهتمام بالوقف التربوي في أيام النهضة الإسلامية وحالة الرقي التي وصلت إليها الأمة، ثم كيف تراجع هذا الاهتمام مع تراجع المستوى الحضاري العام في الأمة.

من هنا؛ فإن التعاطي مع الأوقاف الاستثمارية اللازمة لـ “دروب” ومشروعها المركزي في مرحلة التطبيق ليعد مدخلًا يسهم ــــ بحوله تعالى ـــــ في إعادة صياغة ذلك الوعي.

إن الوقف ـــــ أيًّا كانت غايته ـــــ ينبغي أن يقدر بقدر الهمة والعزيمة، ويقاس بمقياس المطامح والمقاصد.

ففي عالم اليوم الذي تحسب فيه أوقاف الجامعات العريقة ـــــ كما أسلفنا ـــــ بمليارات الدولارات؛ فإنه يتعين أن يُحاط هذا المشروع السامي ـــــ الذي يترشح لتقديم خيار تربوي أصيل منقذ ومبدع ـــــ بكل ضمانات التمتع بأوقاف متميزة، كفيلة بتأمين الموارد الضرورية لعمل متميز، يستقطب كفاءات نادرة، ويعمل على إنتاج مخرجات نادرة، تسهم ـــــ بمشيئة الله تعالى ـــــ في تغيير واقع الأمة، وفي رفد الحضارة الإنسانية.

المشروع والمسار التمويلي الذي يستلزمه

كما تبين؛ فإن التمكين لهذه الأمة مرهون بنجاحها في إبداع وتطبيق نظام تربوي تُفصح به عن ذاتها، وتُفجّر به طاقاتها، وتســــعى من خلاله إلى اســــــــتئناف دورها في الريادة والابتكار. وهذا ما تطمح إلى تحقيقه ـــــ بعونه تعالى ـــــ “دروب” باحتضانها لمشروعها المركزي هذا.

وذلك ـــــ لا ريب ـــــ طموح كبير، ولكنه ممكن إذا تمهّدت له باقي الأسباب، ـــــ بعد أن وفّقنا الباري عز وجل ـــــ خلال المدة السابقة من عمر المشروع ـــــ إلى إنجاز الكثير من تلك الأسباب الممهّدة؛ وآخرها ضبط أبرز معالم مقاربته الفكرية، وشبكة مفاهيمه المفتاحية المؤسسة، واستراتيجيته المركبة المتدرجة.

ويأتي على رأس باقي الأسباب الممهّدة واللازمة للمشروع ـــــ الآن ـــــ من أجل تهيئة الظروف الملائمة له نحو تحقيق طموحه سالف الذكر؛ تأمين موارد مالية منتظمة وكافية لمرحلته التطبيقية…

بهذا التفكير المالي الاستراتيجي ـــــ والذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الوقف ـــــ تحيي “دروب” ـــــ في الوقت ذاته ـــــ إحدى أهم خصائص النظم أو الممارسات التربوية التي ساهمت بفاعلية في ازدهار الحركة التربوية في الأمة، واستمراريتها في عهود تألقها وريادتها.


([1]) كان ممن استفاد من دعم المؤسسات التربوية الوقفية تلك رموز لهم وزنهم وتأثيرهم الكبير في تاريخنا، من أمثال: الإمام النووي، وتقي الدين السبكي، وعماد الدين بن كثير، وحجة الإسلام الغزالي، وشيخه إمام الحرمين الجويني، والخطيب التبريزي، والفيروز آبادي، وابن خلدون.

زر الذهاب إلى الأعلى